إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الغصب [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جمع النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته التي خطبها يوم الحج الأكبر أبرز معالم الإسلام وأصوله التي اشتملت عليه؛ إذ بها تقوم حياة الأمم وتستقيم، وكان من ضمن تلك الأصول: تذكيره للناس بحرمة أكل أموالهم بينهم بالباطل، وأكدّ عظمة تلك الحرمة بجعلها كحرمة البلد الحرام في الشهر واليوم الحرام.

    1.   

    شرح حديث: (إن أموالكم عليكم حرام...)

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي بكرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى: (إن أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه].

    مجمل خطبة الوداع في الحج

    هذا جزء من حديث طويل، ومن خطبة بليغة جامعة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقد اشتملت في مجموعها على مهام تعاليم الإسلام؛ فتناول صلى الله عليه وسلم الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وحذر من الفرقة: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ثم تناول المرأة بحقوقها، وأنها عوان بأيديكم، واستوصوا بها خيراً. ولم يقل: أوصيكم بها خيراً، بل قال: استوصوا؛ لأنه لو قال: (أوصيكم) تكون وصية واحدة من مصدر واحد، وهو كاف؛ لأنها وصية رسول الله، ولكن قال: (استوصوا)؛ لتستمر الوصية على مدى الأجيال، كل يوصي الآخر بالمرأة، والعوان: الخدم، (استحللتموهن بكلمة الله)، ليس بالصداق، ولا بالمغالاة في المهور، ولا بالأثاث ومتاع الدنيا، ولكن بكلمة الله: زوجتك.. قبلت.

    ثم تناول صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام، ثم جاء إلى هذه الجملة، وهي من جوامع الكلم، وجعل لها مقدمة، وهذا من بلاغة الأسلوب النبوي حتى يسترعي الانتباه، ويوحي بخطر ما سيأتي بعده، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم الحج الأكبر؟ قلنا: بلى. وقال: أي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس شهر الله المحرم -أي: الأشهر الحرم-؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بالبلد الحرام؟ قلنا: بلى).. كل هذه المقدمات تثير تعظيم حرمات الله، اليوم الحرام، الحج الأكبر، الشهر الحرام: ذو الحجة، في البلد الحرام: مكة المكرمة، ثم قال: (ألا -وهي أداة تنبيه تسترعي انتباه الغافل،وقد أثار فيهم الشعور من قبل بالحرمات الثلاث- إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا).

    لو تأملنا هذا التحريم بالربط مع هذه المحرمات الثلاث لو جدناه كما يقوله الرياضيون: تحريم أس ثلاثة. يعني: تكرار التحريم ثلاث مرات، والمتأمل في ذلك يجد أن أمن الدنيا وأمانها في سائر العالم لا في بلد دون بلد، ولا قطر دون قطر، ولا مع دين دون دين، جميع أنحاء العالم لا يمكن أن تستقر فيها حياة، ولا يستتب فيها أمن إلا إذا أمنت هذه الأمور الثلاثة؛ لأن البلد الذي لا يأمن فيه الناس على دمائهم قلق مضطرب، ونحن نشاهد ونسمع في بعض البلاد التي تزعزعها السياسة، وتثيرها الأحداث كيف يعيشون، لا يأمن الإنسان على نفسه في بيته ولا الطريق ولا الأسواق، ولا يدري متى يصاب، وهكذا الأعراض تنتهك بدون مبالاة، والأموال تنتهب علانية وتغتصب قسراً، ولا يستطيع أحد أن يرد تلك المظالم، بل أصبحت أموال الدول تغتصب.. الدولة تغتصب في ممتلكاتها وإنتاجها وذخائرها وموردها الخام، وقد تغتصب عياناً، أو من وراء الستار.

    حقوق الإنسان من منظور إسلامي

    الأصوليون يقولون: إن جميع الأديان، وجميع نظم العالم اتفقت على ضرورة حفظ الضروريات الخمس التي لا قوام لمجتمع بدونها: الأديان، والأبدان، والأنساب، والأعراض، والأموال، وبعضهم يجعلها ستاً بإضافة العقول، والبعض يعد الأنساب والأعراض اثنين، وبعضهم يجعلها واحدة.. تلك الأمور الست مشتملة ضمناً في مسميات خطبة الوداع، دماؤكم هي حفظ الأبدان، أعراضكم، ويدخل تحتها الأنساب؛ لأن الأنساب لا تتدنس ولا تختلط إلا بعد انتهاك الأعراض، فإذا صينت الأعراض صينت الأجساد، وبقي العقل والدين؛ فالخطاب مع أهل الدين؛ لأنهم في الحج، ومن احترم ذلك احترم الدين، وكذلك العقل؛ لأنه يخاطب العقلاء.

    وعلى هذا: فتلك الجملة في هذه الخطبة تعتبر أماناً وضماناً للمجتمعات بأسرها، وإذا أردنا أن نوسع في مدلول هذه المسميات: (دماءكم) سواء كان باعتداء أو خطأ، أو في النفس أو الأعضاء، كل ذلك محرم، وقد حمى الله الدماء، وجعل في الاعتداء عليها القصاص كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178]، ثم جعل الجروح قصاص، ثم سد باب الاعتداء، ووضع الحواجز دون سفك الدماء؛ لعدم الاستهزاء والسخرية، والسباب، والدخول في المناقشات الحادة حتى لا تصل إلى سفك الدماء، وتأملوا ذلك في سورة الحجرات.

    والأموال حرمها الله سبحانه وتعالى: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) ، وطيب النفس إما بعوض وإما بهبة، أما بغير ذلك فليس هناك طيب نفس، وما جاء في الصداق: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، وإذا لم يطبن؟ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20] ثم يبين: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21]؛ فهو حق ثبت بالإفضاء، فإن طابت نفس المرأة بصداقها ولو قناطير مقنطرة فـ: هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، وإن لم تطب نفسها ولو بدرهم فلا يجوز أخذه، وهذا تنبيه للذين يؤذون النساء ويسيئون عشرتهن لتفتدي منه بالمال، فهذا أخذ ماله بغير رضاها، والتعدي على حقوقها واضطرارها للافتداء منه.

    وكذلك لو ذهبنا إلى الأسواق ونظرنا فيما يتعلق بالغش والتدليس، وبتطفيف الكيل والوزن، وبكل أمور المبيعات والوصول إلى أموال الناس بغير حق، فهي داخلة في هذا ضمناً، ثم لما حرم الله المال ما حرمه إلا بحق، وجعل في سرقته القطع، وفي اغتصابه التعزير، وفرق بين الاختلاس والاغتصاب والسرقة، بفوارق مذكورة في كتب الفقه.

    فالسرقة: أخذ المال بالخفية من حرزه. والاختلاس: أن يخون المؤتمن على ما اؤتمن عليه. والغصب: أخذ المال قهراً بدون حق. فهذه كلها طرق حرمها الله ليسلم المال لصاحبه.

    ثم في التحايل عليه، وطرق الغش فيه، والرشوة قال الله : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ [البقرة:188]، أو العموم في أول السياق: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، وقوله: (بالباطل) راجعة إلى أموالكم بينكم، إلى مال الشخص في ذاته بأن ينفق ماله في باطل محرم: مخدرات، مضرات، سرف وتلف، وأموال أخيه إليه، و(أموالكم) تعم الطرفين: الشخص في ذاته في إنفاقه فيما حرم الله، والآخر في أخذه بدون رضاه: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188]، بخلاف الذي لا يعلم بأن ذلك خطأ، أو جاء سهواً، فلما نبه عليه رد المال إلى أهله.

    حفظ الإسلام للأنساب

    نجد أن جميع الحقوق في الإسلام قد صينت، وأما الأنساب فقد حرم الله الزنا؛ لأن به اختلاط النسل، وجعل فيه الحد الجلد أو الرجم، وجعل له حمى كما جعل للمال حمى تحريم الاختلاس والغش والتدليس، وفي الزنا حرم الخلوة بالأجنبية، وسفر المرأة بغير محرم معها، والنظرة تلو النظرة، وحرم كل ما لا يجوز للإنسان فعله قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا [النور:30] ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ [النور:31]، فكل ذلك حرمه حماية للأنساب، وسداً لباب الشيطان.

    بل قد سد الشرع كل منافذ القلب، فالعين والأذن والأنف كلها منافذ توصل إلى القلب، فالعين بالنظر: (لك الأولى وعليك الثانية)، والأذن: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ [الأحزاب:32]، وبالأنف: (لا تخرج المرأة من بيتها متعطرة)، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه مرت به امرأة فشم ريح العطر منها، فقال: يا هذه! ارجعي فاغتسلي غسل الجنابة فإنك زانية.

    وأين الزنا؟ الحديث الآخر يبين ذلك؛ لأن الزنا نسبي، (فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، والأنف... والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، وكذلك السمع: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31]، كن يلبسن الخلاخل في الرجل، فإذا ضربت الأرض برجلها تصادم الخلخالان -من الفضة مجوفان- وأحدثا صوتاً يسترعي الانتباه، وهكذا كل ما يلفت النظر إلى المرأة: لباسها، زينتها، لا تبدي زينتها فتسترعي الأنظار إليها.

    إذاً: حفظ الأنساب، وجعل في التعدي بالزنا الحد، وجعل له حمى حتى لا يصل الاثنان إلى ما حرم الله.

    وكذلك الأعراض: وهو السباب، والقذف بالمحرمات... كل ذلك صيانة للمجتمع، فإذا ما سلّم المجتمع الإنساني ولا أقول الإسلامي بل الإنساني لأن لهذا لكل الإنسانية حفظ له دينه.

    حفظ الإسلام للدين والمال والأسرة

    ويقول علماء الاجتماع: الدين ضرورة اجتماعية، يمكن أن تجد مدينة بلا ملعب ولا ملهى ولا مسبح، ولكن لا تجد مدينة بدون معبد -على عبادتهم صالحة أو طالحة- لأن الداخل لابد من إعماره وإلا كان خواءً، فيملأ الداخل بعبادة.

    كيف تكون؟ هذا أمر مختلف فيه، وكما قيل سابقاً: الشرق الأوسط فيه خلاء لابد من شغله -أي: خلاء سياسي- وكذلك الداخل في الإنسان خواء ما لم يشغله بتعبد، وأهل الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام وهي حجارة وهم من ينحتونها، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا [الزمر:3].

    إذاً: أمر بحفظ الأديان والأبدان وعدم الاعتداء عليها، وهذه مشاكل العالم كله، وقد عجزت هيئة الأمم، ومجلس الأمن، والجامعة العربية، وهيئة الإسعاف والإغاثة وكل تلك الدوائر والمؤسسات عن كف وحقن الدماء في تلك البلاد التي تسفك فيها الدماء ونحن نسمع ذلك ليل نهار، سواء كان بين مسلمين وغير مسلمين، أو شحناء وعصبية قبلية كما يوجد الآن في بعض دول أفريقيا، فلو حفظت الدماء، وأمن الناس، واستقرت الحياة، ليسعدوا بالأمنين أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:4].

    وكذلك الأموال؛ لأن الإنسان يسعى لكسب المال، وهذه غريزة، وهذا دفع للشيوعية كما كانت؛ لأنه لولا المال وحق تملكه والميراث من بعده ما سعى إنسان لجمع أكثر من قسط يومه؛ ولكن يجمعه لمستقبله ولذريته ولما شاء الله، وهكذا الأنساب، لو ضاعت ضاعت المجتمعات، وكما كان يوجد في (نظام الكبتس)، وهو معسكرات أو مستوطنات يجتمع فيها الأخلاط من رجال ونساء، ليس عليهم كسب للعيش، يطعمون ويسخرون في عمل الدولة، وعليه أن يعمل حيث ما وجه الرجل أو المرأة، ويضمن له طعامه وشرابه، والرجال مع النساء سواء، وما جاء من الذرية يعيش في تلك الحياة، وينشأ على ذلك الحال، ولا يعلم من أبوه ولا من أمه! وهكذا ضاعت المجتمعات.

    إن النظام غير الأسري نظام منهار؛ لأن كل فرد بذاته، ولو أخذنا منهم جيشاً وواجهوا العدو فكل إنسان يراعي حياة نفسه، أما المجتمع الأسري الذي يعيش على الأسرة، والترابط وذوي الأرحام؛ فإننا إذا أخذنا جيشاً من هذا المجتمع وقف أمام العدو.

    إن هذا النظام الأسري لا ينظر إلى شخصه ونفسه، بل ينظر إلى أمه وخالته وعمته وأبيه وعمه، ويكون سداً منيعاً أمام من وراءه من ذوي رحمه وقرابته، فالمجتمع الأسري مترابط كالبنيان يحمي بعضه بعضاً، والمجتمع غير الأسري لا حياة له لعلكم سمعتم سابقاً في أول قيام إسرائيل، من المجيء بالفرق الأجنبية المستأجرة من هذا النوع، ليس لها أسر، وكانوا يربطون في المصفحات بالسلاسل؛ لأنهم إذا واجهوا العدو شردوا، فليس عندهم من يدافعون عنه، والقضية ليست قضيتهم إنما هي قضية غيرهم، فلا يبيع حياته بأجرة يأخذها.

    هكذا نجد الفرق بين المجتمع الذي يحافظ على أنسابه، ويقوم على كيان الأسرة، وبين المجتمع الذي لا نظام للأسرة فيه ويكونون كقطعان الغنم، أو كالسمك في الماء، لا يلوي فرد على فرد، ولا أحد على أحد.

    إذاً: تحريم الأنساب هو قاعدة البناء للمجتمع الإنساني الصحيح، وهكذا الأعراض؛ لأن من حفظ عرضه وحفظ كيانه، ووجد نفسه طاهراً نقياً حافظ على ذلك الطهر.

    ومناسبة هذا الحديث الذي من أجلها جاء به المؤلف قوله: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، ومناسبته لباب الغصب إنما هو لذكره تحريم المال والعرض؛ لأن العرض يغتصب، والمرأة إذا اغتصبت لا حد عليها؛ لأنها مكرهة، وهكذا الرجل إن صح ذلك كما يقول ابن تيمية رحمه الله.

    وهكذا -أيها الإخوة- نجد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة يجمع أطراف الإسلام وتعاليمه كلها في تلك الخطبة، وأنا أسميها: (مجمل الإسلام)، فلو أن إنساناً تأمل كل ما جاء فيها لعلم قدرها، وهي ولم تجمع حتى اليوم، ولو أن طلاب علم -ليس بطالب علم- تعاونوا على جمع جملها وفقراتها من كتب السنة والتاريخ لخرجوا لنا بدستور ومنهج قويم من السنة النبوية، يعتبر الإجمال لكل تفصيلات التشريع منذ ثلاث وعشرين سنة، فكل باب من أبواب الإسلام تطرق له النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الخطبة .. العقائد، والعشرة في البيوت، والضرب في الأسواق، حفظ الكيان الإنساني في نسبه وعرضه... إلى غير ذلك.

    وإذا كان مدلول هذا الحديث ومناسبته لباب الغصب فإننا بهذه المناسبة نرجع قليلاً إلى تلك الخطبة ومثارها، حيث قال صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة مطلقاً: (خذوا عني..) ، وجاء مقيداً: (خذوا عني مناسككم) فالأول أعم؛ (خذوا عني) كل شيء مما يقوله، ويفعله، ويقرره، خذوا عنه في شأن الحج مناسككم، خذوا عنه في شأن المرأة، والمال، والبيع والشراء، والمعاهدات، والمجتمعات، خذوا عنه كل شيء رأيتموه سواء كان سماعاً أو رؤية أو تقريراً.

    ثم الجملة التي جاءت مع هذه المقدمات: (خذوا عني لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وفعلاً فإنه ما حج بعدها، ولا أدرك الحج، ولا عُمِّر طويلاً، وانتقل إلى الرفيق الأعلى.

    1.   

    إرهاصات وفاته عليه الصلاة والسلام

    إن انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت له إرهاصات، وكان فيها تنبيهات كما جاءت إرهاصات عام مولده صلى الله عليه وسلم، فكان لمولده إرهاصات أشارت إلى مجيئه، ولوفاته إرهاصات أشارت إلى قرب أجله وانتقاله.

    نعلم جميعاً أن هناك من يجعل من إرهاصات المولد هلاك جيش أبرهة بطير أبابيل، كما قال الله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:5] .. لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ [قريش:1-2]، أي: فعل ذلك من أجل قريش، وقالوا: إرهاصاً بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك انصداع إيوان كسرى وسقوط شرفاته، وجفاف بحيرة ساوة.

    ومن العجب -أيها الإخوة- حينما جئنا إلى المدائن، وإلى الإيوان رأيناه مبنىاً في ارتفاع فوق الثلاثين متراً تقريباً، وعرضه ثلاثون متراً، وعمقه أربعون متراً، وسقفه عقود كالقبة، ليس بخشب ولا مسلح! فقلت: أين الصدع؟ فإذا به فوق الجدار في الوسط بين الأرض والسقف.. جدار الإيوان عرضه من أسفله أربعة أمتار، وينتهي في أعلاه على بعد النظر في العين حوالي نصف المتر، والصدع آخذ شكل -كما يقال-: (سنبوسك) من أعلى ينتهي بصفر، ومن أسفل ينتهي بصفر، ومن الوسط انفراج حوالي ما بين المترين أو الثلاثة في نظر العين، فقالوا: هذا هو الانصداع من ذاك التاريخ إلى اليوم. فسألت: أين القبلة؟ فكان معنا الملحق الثقافي، وبحضور الشيخ ابن صالح رحمه الله، قال: ما شأنك في هذا؟ قلت: لي حاجة. قالوا: هنا. إلى جهة الصدع، قلت: الله أكبر! قال: ماذا؟ قلت: على اتجاه الكعبة مباشرة، لكأن أشعة جاءت من مكة إلى الأيوان فصدعته، ما صدع من الشرق ولا من الغرب، والصدع إلى مسامتة مكة تماماً، ما صدع من يمين ولا يسار، ولكنه مقابل لها، وهذا يؤيد صدق الخبر.

    ومن العلامات التي وجدت عند مولده صلى الله عليه وسلم: أن الشياطين حبست عن السماء.

    وكذلك عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى، كانت هناك إرهاصات أو علامات، صريحة الدلالة على النقل، ولكن ربما كان في دلالتها بعض الكنايات، أوائل ذلك: قبل حجة الوداع في سفره صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، وذهب يقضي حاجته ويتوضأ، فتأخر على القوم، فقالوا: أمره عنده، ونحن أمرنا بالصلاة في وقتها، ونخشى إن انتظرنا أكثر ربما يخرج الوقت، وقدموا رجلاً يصلي بهم وهو ابن عوف ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معه المغيرة بن شعبة ، فهم المغيرة أن ينبه الإمام ليتأخر ويتقدم رسول الله؛ لأنه من حقه، فهو الإمام الراتب، فأشار إليه رسول أن دعه، وصف في الصف خلف إمامهم، وكان قد سبق بركعة، فصلى مع الجماعة ركعة، ثم أتم صلاته بعد سلام الإمام، فلما نظر الناس ما وقع لرسول الله حدث عندهم شيء، فقال: (لا عليكم، ما قبض الله روح نبي إلا بعد أن صلى وراء رجل من أمته).

    إذاً: الدلالة هنا دلالة عظمى، يدركها حتى الصغار.

    إذاً: جاء النبي إلى أمة أعرابية حفاة عراة جهلة، يأكل قويهم ضعيفهم، فساسهم سياسة الإبل الصعاب حتى سخرهم الله وقادهم إليه، وانتقلوا من البداوة إلى الحضارة، ومن التبعية إلى الإمامة، وأصبح الواحد منهم صالحاً لأن يكون إماماً وقدوة يقتدى به.

    تربية ناجحة، وتخريج ناجح، وأصبحت الأمة الإسلامية بجميع أفرادها صالحين للإمامة وللقدوة، ولهذا سادوا العالم، ونشروا الإسلام، وانطلقوا بالدعوة شرقاً وغرباً حتى امتلأ العالم كله بتلاميذ رسول الله، وممن اقتدى يعلمون الناس الخير، فهذا إرهاص بأنه تمت مهمته، ونجح في رسالته، وأخرج هذه الأجيال.

    من ذلك أيضاً: ما كان في حجة الوداع: لما نزل عليه قوله سبحانه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:1-3]، عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى شيوخ قريش يستكثرون مجيء ابن عباس في مجلسهم أراد أن يبين لهم فضله وهو غلام، فسألهم ذات يوم: ما تقولون في: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] ؟ قالوا: هذه بشرى من الله لرسوله بالنصرة والفتح ودخول الإنسان في الإسلام بلا قتال، وابن عباس لم يتكلم، فالتفت إليه عمر وقال: ما تقول أنت يا ابن عباس ؟ قال: والله لقد نعت إلينا رسول الله وهو بين أظهرنا. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إن الله أرسله بالرسالة لكي يبلغها، وقد بلغها للناس، وأصبح الناس يدخلون في الدين الذي جاء به أفواجاً بغير قتال.

    إذاً: مهمته قد انتهت وقد فرغ منها، ولم يبق له إلا أن يتهيأ ويتزود لملاقاة ربه ليلقى. فقال عمر : وأنا أرى ذلك.

    كذلك قال: أحضروا المنبر. فصعد فخطب الناس بعد صلاة الظهر، ولم ينزل حتى أذن العصر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطب الناس حتى أذن المغرب، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطب الناس حتى أذن العشاء، فقال قائل: (والله ما ترك لنا شيئاً ولا طائراً يطير بجناحيه في الهواء إلا وذكر لنا منه خبراً، حفظ من حفظ ونسي من نسي).

    وعن العرباض بن سارية ، قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: زدنا يا رسول الله لكأنها موعظة مودع)، نعم موعظة مودع، أدركوا ذلك، وقال وهو على المنبر: (عبد خيره الله فيما بينه والدنيا، فاختار ما عند الله)، فبكى أبو بكر في أصل المنبر، قال: قلنا: ما بال هذا الشيخ! ما الذي يبكيك؟ وما شأنه في ذلك؟ أبو بكر رضي الله تعالى عنه عرف من العبد الذي خُير، وقد جاء صريحاً في مرض وفاته صلوات الله وسلامه عليه، لما ألحوا عليه أن يكتب لهم، قالوا: (دعوني فما عند الله خير لي منكم) .

    بعد هذه العلامات والإرهاصات جاء مرضه صلى الله عليه وسلم وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) هنا جاء الاستخلاف.

    ثم لما قال: (ائتوني بقلم وقرطاس أكتب لكم. فقال علي رضي الله تعالى عنه: قلت في نفسي: خفت أن أذهب فيفوتني، قلت: قل يا رسول الله فإني حاضر -يعني: أحفظ ما تقول عن الكتابة، مخافة أن أذهب فيفوتني ما تريد أن تقول- فقال: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم!)، إلى نحو ذلك، ما خرج من الدنيا صلوات الله وسلامه عليه بغتة، ولكن أعطى تعليمات وإشارات ليتهيأ الناس لذلك الحدث العظيم، كما جاء: (من أصيب في مصيبة فليتذكر مصيبته في)، وعن أنس قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاستنارت وأنار منها كل شيء ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظلمت المدينة وأظلم منها كل شيء).

    ويقول ابن مسعود : (والله لقد أنكرنا قلوبنا ولما نقبر رسول الله بعد). كانوا في حياته في إشعاع، أنوار، هداية، وبعد وفاته تغيرت القلوب.

    ثم في وصيته ما ترك الناس همجاً، ما ترك الدنيا بعد هذه التوجيهات إلا وقد رسم لهم منهج السعادة والحياة الكريمة، وإبقاءً على دعوة الإسلام وامتدادها إلى ما شاء الله: (تركت فيكم -أي: بعدي- ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي) .

    وهكذا أصبحت الأمة الإسلامية تسير على محورين متقابلين، كل منهما يبين الآخر، ويفصل مجمله: كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالسعيد من رزقه الله فهم كتاب الله، وفهم سنة رسول الله، وإقام حياته على مقتضاهما، ولقد جرب العالم منذ ذاك التاريخ حينما يقام كتاب الله، ويعمل بسنة رسول الله.. حين كانت الأمة الإسلامية هي أسعد الأمم في العالم، حينما كانت دول الغرب -كما قيل- قناصين في البحر، أو صيادين للأسماك، أو بادية في صحرائهم وغير ذلك، كان العرب سادة وقادة، وأخذ الغرب عن المسلمين -دون أن يعلموا- ذخائر العلم وردوها عليهم.

    وهكذا نحن في هذا العصر وبعد قرن ونصف يجد العالم كله أن التجربة الإسلامية هي الحقة، الدولة التي قامت على كتاب الله وعلى سنة رسول الله على ما في أهلها من قصور، لكنها أمثل العالم أمناً واستقراراً وطمأنينة وإخاءً، فعلى هذا كان صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع حينما قال هذا الحديث النبوي الشريف: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، وإني لأتمنى وأرجو من الإخوة طلبة العلم أن يتعاون الخمسة أو العشرة على النظر في كتب السنة والمسانيد ليجمعوا كل ما قيل في تلك الخطبة، ثم ينسقوها لنا، ويقدموها لنا منهجاً وبرنامجاً.

    وبالله تعالى التوفيق.

    والحمد لله رب العالمين.