إسلام ويب

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [10]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أقام الإسلام العدل بكل صوره، ونهى عن الظلم بكل صوره، ولذلك فقد نهى الشارع الحكيم عن بعض المعاملات والبيوع التي فيها ظلم وغش للمشتري، ومن ذلك: النهي عن تصرية الماشية وبيعها، ومن اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، وذلك حتى تعود الماشية إلى إنتاجها الطبيعي، فإن ردها رد معها صاعاً من طعام، وكذلك نهى الإسلام عن الغش بكل صوره، وأوجب النصح في البيع مع كل الناس مسلمهم وكافرهم، ونهى عن بيع العنب وغيره لمن يتخذه خمراً، فإن في ذلك مشاركة له في الإثم والعدوان المنهي عنه.

    1.   

    شرح حديث: (لا تصروا الإبل والغنم..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر) متفق عليه.

    ولـمسلم : (فهو بالخيار ثلاثة أيام) .

    وفي رواية له علقها البخاري : (ورد معها صاعاً من طعام، لا سمراء) .

    قال البخاري : (والتمر أكثر).

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعاً) رواه البخاري ، وزاد الإسماعيلي : (من تمر) ].

    هذا موضوع جديد، يدخل في النهي عن الغش والتدليس، وكل ما كان فيه غش أو تدليس ونحوه فإن هذا الحديث أصل في النهي عنه، مع ما سيأتي في قصة صاحب الصبرة: (من غش فليس مني).

    والتدليس: هو أن تُري السلعة في ظاهرها أحسن منها في باطنها، وسبحان الله! فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم زاول كل عمل من أعمال الناس، فعرف ما فيه من حق وباطل.

    فقوله: (لا تُصَروا) أو (لا تُصِروا الإبل والغنم) لماذا لم يذكر البقر؟ لأن البقر كانت قليلة في الحجاز، وبما أنه جاء بأعلى شيء وبأدنى شيء فما بينهما يأخذ حكمهما.

    معنى التصرية وحكمها

    والتصرية: هي أن تضع شيئاً في خرقة كبيرة وتلفها وتربطها عليه، فهذه الخرقة تسمى صرة، وكذلك الكيس الذي تضع فيه شيئاً يسمى صرة، والماشية تصرى بأن يجمع حليبها في صرتها، والصرة عند الناقة والشاة هي الضرع، وجمع حليب الماشية في صرتها هو: التحفيل، ومنه المحفل والحافل، والحافلة، وهي السيارة الكبيرة التي يجتمع فيها العدد الكثير.

    والتصرية: هي جمع الحليب في الضرع عند إرادة بيع الماشية، والعادة أن الناقة -مثلاً- والشاة تحلبان مساءً وصباحاً، فإذا أراد صاحبها أن يبيعها من الغد تركها في الليل ولم يحلبها، وكذلك في الصباح أيضاً، فيذهب بها إلى السوق وهي صارة؛ لأنه حبس وجبتين في ضرعها، ولأي شيء يفعل ذلك؟ يفعل ذلك إيهاماً للمشتري بأنها تنتج اللبن بكثرة.

    والضرع إذا صُري يصير مشحطاً، وهذا فيه مضرة على الدابة، والدابة إذا صُريت احمرت عيناها، وانتفخت الأوردة التي تحت البطن المرتبطة بالضرع، وربما ماتت لذلك، فإذا كانت التصرية لوقت قليل فإنها تسلم، وإذا كانت لوقت طويل فإنها تضرها، وقد يتفلت الحليب ويتقاطر ولا تقوى الحلمات على حبسه.

    وقد نهى صلى الله عليه وسلم أن تصرى الإبل والغنم لئلا يحدث الغش، فقد يأتي إنسان ويرى الحليب كثيراً، فيظن أنها قوية الإنتاج، وليست كذلك، ولكن التصرية هي التي جعلتها كذلك، فيكون قد غر المشتري، ودلس عليه، وأوهمه أن هذه طبيعتها، ولكن الناس قد تعلموا، وعرفوا المصراة من غير المصراة، وأصبحت -كما يقال- لعبة معروفة، وما بقي إلا تعذيب الحيوان، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التصرية بصفة عامة؛ لئلا يعذب الحيوان بذلك، فإذا بيعت بالتصرية فيكون تدليساً.

    الخيار في المصراة إلى ثلاثة أيام والعلة من ذلك

    وماذا يفعل الإنسان إذا خدع واشترى ماشية مصراة؟ هو بالخيار لمدة ثلاثة أيام، ولماذا ثلاثة أيام؟

    لأن الماشية مصراة، فإذا حبلها أول مرة فسيحلب الحليب المتجمع منذ يومين، ولأن العادة أن التي صريت وحلبت وأخذ كل ما فيها، لا تأتي بكمية الحليب المعتاد يومياً من اليوم الثاني مباشرة؛ لأن خزن الحليب في الضرع أثّر على غدد الحليب، فيكون هناك رد فعل، فإذا كانت في الأيام العادية تنتج ثلاثة كيلو من الحليب، ولما صريت أنتجت ثمانية كيلو، فمن الغد لا تنتج إلا اثنين كيلو، ولا ترجع إلى طبيعتها -لأنها واقعة تحت تأثير التصرية- إلا في اليوم الثالث.

    ومن هنا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيام، فاليوم الأول: لوجود التصرية، والتدليس، واليوم الثاني: لا نعوّل عليه؛ لأنها متأثرة برد الفعل، واليوم الثالث ترجع فيه إلى طبيعتها وعادتها، وتأتي بالحليب المعتاد إنتاجه يومياً.

    فإن رضيها في اليوم الثالث فالحمد لله، ويمضي البيع الأول؛ لأنه قد علم أنها مصراة، وعلم إنتاجها الطبيعي وكميته، فقبل ذلك، فلا شيء في ذلك.

    ولكن إذا حلبها وجربها في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث فلم يعجبه إنتاجها، فهو بالخيار إن شاء أمسكها على ما وجدها عليه، وإن شاء ردها إلى صاحبها، ورد معها صاعاً من تمر، أو صاعاً من طعام.

    خلاف الفقهاء في موجب الصاع المردود مع المصراة

    واختلف الفقهاء في هذا الصاع، لماذا يُعطى، ومقابل ماذا؟

    فقيل: مقابل الحليب الذي أخذه، ولكن كم أخذ من الحليب؟ فإن الصاع معلوم، وكمية الحليب مجهولة، فدخل القياس ودخل التقدير، وخاض الناس في أشياء كثيرة، وقيل: إذا كان الصاع قيمة للحليب، فهذا طعام بطعام، فكيف نبيع معجلاً بمؤجل؟ وكيف نقدره؟ فالصاع معلوم، والحليب غير معلوم.

    وإذا قيل: هذا من باب المجاملة، وكيف تكون مجاملة وقد أخذ الحليب، ورد الماشية على صاحبها؟

    ومن هنا قال بعض العلماء: إما أن يقبلها، وإما أن يردها من غير صاع؛ لأن ردها مع الصاع مخالف لقواعد البيع. ولكن نقول: هذه صورة مستقلة من صور البيوع، ولها حكم مستقل، فإذا رددنا النصوص من أجل مغايرة صورة من الصور -هي بذاتها مستقلة- فسنبطل أشياء كثيرة، ولهذا فإن الذين منعوا الصاع في هذه منعوا القسامة في الدم، وقالوا: أساس القضاء أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهؤلاء ادّعوا الدم، وحلفوا قبل المدعى عليهم، فكيف يدّعي ويحلف؟! فعليهم البينة، لا أنهم يدّعون ويحلفون. وقد قيل لهم: هذا تشريع مستقل، وقيل أيضاً: إنه يتمشى مع قوانين القضاء السليمة؛ لأن اليمين جعلت في الجانب الأقوى، والبينة فيمن كان موقفه ضعيفاً، فإذا جئنا إلى المدعي والمدّعى عليه -في ألف ريال مثلاً- فادعيت عليه بألف ريال، فما هو الأصل بينكما؟ الأصل هو عدم وجود الألف، إذاً: المدّعى عليه معه البراءة الأصلية، وأنت ادعيت عليه بخلاف ذلك، فموقفه أقوى؛ لأن معه البراءة الأصلية، وموقفك أضعف؛ لأنك تريد أن تنقله من براءته إلى اتهامه، فعليك بالبينة.

    وإذا جئنا إلى القسامة، فإن مدعي الدم جانبه أقوى؛ لأن القسامة لا تكون إلا مع اللوث والتهم القوية، فوجود التهمة في القتل؛ لوجود القتيل في محلة المدعى عليهم، ووجود العداوة السابقة، ووجود الوعيد، ونحو ذلك، فهناك قرائن اجتمعت بجانب المدعين، فيكون جانبهم أقوى، فيكون اليمين مع الأقوى، والذين ينفون عن أنفسهم القتل جانبهم ضعيف؛ لأن في بطنهم شيئاً، وكذلك هنا، يقال: هذه صورة بيع مستقلة، لا تقاس على غيرها، فإذا قستم كان قياساً فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص الصحيح.

    وخلاصة موضوع المصراة: أنه إذا اشتراها الإنسان ومكثت عنده ثلاثة أيام، فإن رضيها على ما استقرت عليه فذاك، وإن ردها، وسخط حليبها، فيرد معها صاعاً من تمر ومن طعام، إلا السمراء، وهي البر الشامي، فالتمر يكون مما تيسر ومما وجد، وسواء كانت المردودة شاة، أو ناقة، أو بقرة، أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (من غش فليس مني)

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحبَ الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس! من غشَّ فليس مني)رواه مسلم ].

    هذه جولة في الأسواق منه صلوات الله وسلامه عليه، فإنه إن كان في القتال كان في مقدمة الصفوف، وإن كان في الصدقة كان كالريح المرسلة، وإن كان في العبادات قام حتى تفطرت قدماه، وإن كان في الاجتماعيات فكذلك، فما ترك صغيرة ولا كبيرة صلوات الله وسلامه عليه إلا ودلنا على خيرها، وحذرنا من شرها، وكان أول من يعمل بذلك.

    فخرج إلى السوق ليرى أحوال الناس؛ لأنه مسئول عن ذلك، وقد اتخذها الخلفاء سنة، وعمر رضي الله تعالى عنه كان يأتي إلى السوق ويختبر الباعة، فمن وجده جاهلاً بأحكام البيع، والربويات، والمكاييل، والموازين، أقامه من السوق وقال: (لا تفسد علينا سوقنا، ولا تحرمنا نزول القطر من السماء).

    بيع الطعام أكواماً

    وها هو صلوات الله وسلامه عليه يمر في السوق بصبرة، والصبرة: الكومة من الطعام، والحب تارة يوضع في الأكياس، وتارة يوضع في الجفف، وتارة يُصبّر أكواماً، وخاصة عند أيام الجرين، يكثر في السوق، ويكون أكواماً، فيأتي المشتري ويشتري بالصبرة، أو بالكيل، وأحكام هذا موجودة في البيوع، فيجوز شراء الصبرة على ما يراها بعينه، ما لم تكن الصبرة قد وضعت على أرض ناتئة، أو كانت تحتها صخرة كبيرة، أو كانت الأرض منخفضة. ويجوز بيع الصبرة وشراؤها إذا كانت على أرض مسطحة، وكانت القاعدة مستوية، لا مرتفعة فتأخذ حيزاً من الحب، ولا منخفضة فتأخذ حباً أكثر.

    الوعيد الشديد لمن غش في بيعه وشرائه

    فأدخل صلى الله عليه وسلم يده في الصبرة، فهي مفتوحة لكن يسوى لها قفة، فلما أدخل يده أصابت بللاً، وكان البلل من نفس الصبرة، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام) بعض الناس قد يرش الحنطة، أو الشعير، أو الذرة، فإذا تشربت الماء ثقلت وكبرت، وزهت، ولمعت، وفي هذا غش، فالرجل اعتذر، وقال: (أصابته السماء يا رسول الله!) أي: ماء السماء، وحذف ما يعلم جائز، فكأنه قال: أنا لم أغش، ولم أعمل شيئاً، ولكن الله أرسل الماء من السماء فنزل عليها، وهل هذا ينفعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإذا كانت أصابتها السماء، فكيف أصابت السماء الأدنى دون الأعلى؟! وقد يقال: جاءت الشمس والرياح على الأعلى وجففته، فالناظر يرى حباً يابساً جافاً ليس فيه رطوبة ولا ماء، فما دام أن السماء أصابته، وأنت لا ذنب لك في هذا الماء، فلماذا لم تجعل بلل الداخل ظاهراً حتى يراه الناس؟ ولماذا تركت الجانب الخارجي اليابس ظاهراً، فيراه الناس فيظنونه جيداً من الداخل؟! ولذلك قال له: (من غش فليس مني).. (من غشنا فليس منا).

    إذاً: التدليس والغش في السلعة فيه هذا الوعيد.

    والناس يكثرون الكلام في قوله: (ليس منا)، وهل المراد: أنه خرج عن الإسلام وصار كافراً؟ أو ما معنى: (فليس منا)؟

    منا: تكون لجماعة الأتقياء، الأبرار، المتقين، المحسنين، الأمناء، وليس معنى ذلك: أنه يخرج عن مجموع جماعة المسلمين، ولكنه وعيد شديد، وبعض العلماء فيقول: مثل هذا النص لا يفسر، ولا يشرح، ويترك على إجماله؛ لأنه كالسوط المعلق، فمن رآه أرهبه، وهذا من أشد الوعيد فيما يتعلق بالغش.

    وجوب النصح وحرمة الكتمان

    وهذا يعطينا أيضاً أن الشخص إذا وقع على سلعة فيها شيء وسكت عليه، فحكمه كفاعله.

    وسامع الذم شريك لقائلـه ومطعم المأكـول شريك الآكل

    ولماذا تسكت عليه وقد عرفت أن فيه غشاً؟!

    إذاً: الغش منك هنا أنك أخفيته، وسكت عنه، فلا ينبغي لإنسان أن يخفي عيباً، سواء كان العيب منه أو من غيره، فإذا ما أخفاه واطلع عليه المشتري -وكان له حظ من الثمن- فله الخيار إن شاء رد السلعة وأخذ الثمن، وإن شاء أخذ أرش النقص بسبب العيب.

    الغش في الأِشِياء الخفية أشد إثماً

    إن بلل الطعام مع الطعام واضح كالشمس، لكن هناك أشياء قد لا يدركها الإنسان، وكما يقولون: إن هناك سلعاً كاللؤلؤ الصناعي، فقد أصبح الآن يخفى على صانعه أنه صناعي أم أصلي؛ لدقة ما توصلوا إليه من المحاكاة، فإذا كانت هناك أنواع من الخرز، أو أنواع من الأقمشة، أن أنواع من الزيوت، أو أنواع من الدهون، أو أنواع من الحبوب، ونحوها ويخفى على الشخص العادي أن يفرق بينها، كالدهون فإنه يشاكل بعضها بعضاً، والعسل قد يدخل فيه بعض العناصر الأخرى، وما كل الناس يفرق بينها، والزيوت كذلك.

    إذاً: هذا الحديث في أمر لا يحتاج إلى دراسة ولا إلى فراسة، ولا إلى معرفة كبيرة .. حب يابس، وحب مبلل، لا يخفى على أحد، أما الأشياء الخفية فإن الجرم فيها أكثر؛ لأن الشخص لو أخذ هذا على أنه مبلل، وأن السماء أصابته، فإنه يرى ذلك، أما إذا أخذ شيئاً وقد خُلط بغيره على سبيل الغش والتدليس وخفي عليه ذلك، فإن هذا جرم عظيم.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم مضى في الأسواق، ورأى، ونصح، وعمر كذلك كان يأتي إلى الأسواق كما أشرنا، بل كان يعس ليلاً في أزقة المدينة يستطلع أحوال الناس، وكما يذكرون: أنه سمع امرأة تقول لابنتها: قومي إلى الحليب فامزجيه بالماء، فقالت لها ابنتها: أما سمعت نداء عمر بمنع مزج الحليب بالماء؟ قالت: وأين عمر منك الساعة؟! قالت: ما كنت لأطيعه حاضراً وأعصيه غائباً. فقال عمر لمن معه: اعرف هذا البيت، ثم من الغد سأل عمن فيه، وأعجب بديانة وأمانة الفتاة، وخطبها لولده، فكانت جدة عمر بن عبد العزيز ، وهكذا كان السلف في أمانتهم، وفي انضباطهم وطاعتهم لله ولمن ولاه الله عليهم.

    ونظير ذلك تلك المرأة التي كانت تطوف بالبيت وهي مريضة بالجذام -عافانا الله وإياكم- والجذام ينفر منه الناس ويتقززون منه، ويتباعدون عنه، فجاء عمر بجانبها وهمس إليها: يا أمة الله! لو خرجت من المطاف ولزمت بيتك كان خيراً لك، فلم تكمل الشوط وخرجت مباشرة، ومكثت في بيتها إلى أن توفي عمر ، فأتاها آتٍ فقال لها: يا أمة الله! اخرجي، فقالت: لماذا؟ قال: إن الذي كان قد نهاك قد مات، فقالت كلمتها العظيمة: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً، فرب العزة حي لا يموت.

    والذي يهمنا هنا ما يتعلق بالغش الذي لا يظهر لكل الناس، ومن النوادر التي سمعتها من والدنا الشيخ الأمين: أن بعض شيوخه كان في القاهرة، وكان يأتيهم اللبان في كل يوم بلتر من الحليب، وكان الشيخ ينبهه إلى خطورة الغش في اللبن بوضع الماء فيه، وكان اللبان يقول: نعم، الغش حرام، وأنا لا أغش، وكان الشيخ يأخذ الحليب، فيجيء الخادم ويجهزه له، وفي يوم من الأيام جاء اللبان والخادم غير موجود، فقال الشيخ للبان: اترك الحليب هنا وهات الماء من تلك الثلاجة، فذهب وأتى بالماء من الثلاجة، فقال له الشيخ: ضع الماء على الحليب، فقال: كيف أفعل ذلك وأنت كل يوم تقول لي: لا تضع الماء على الحليب وأن هذا غش؟! وكيف تريد مني أن أفعل ذلك عندك؟! فقال الشيخ: هذا حقي أنا، فقال اللبان: وذلك الحليب حقي أيضاً، فكما أنك تضع الماء إلى حليبك، فسأضع الماء في حليبي أيضاً! فقال الشيخ: أنا أشربه ولا أبيعه، أما أنت فإنك تبيع الحليب، فإن وضعت فيه الماء فإن هذا غش؛ لأنك بهذا تكون قد بعت لبناً وماءً، أما أنا فأريد أن أشرب لنفسي ولا أبيع، فقال له: أبداً يا شيخ! من الآن سأضع الماء في الحليب.

    يهمنا أن هناك بعض السلع لا يكاد الإنسان يدرك أن فيها غشاً، فيكون الذنب على صاحبها أشد؛ لأنه غرر وغش وتدليس، بخلاف ما إذا كان الشيء معروفاً للناس، وقبله المشتري، أو رغب فيه، أو رضي بحاله.

    النهي عن الغش عام في كل شيء

    ثم إن هذه القاعدة العامة: (من غش) على عمومها تشمل كل غش، ولو كان في التراب، أو غش في الإسمنت، بأن كانت المادة الحديدية فيه ناقصة، أو كانت نسبة الأسمنت على الرمل ناقصة، وكذلك تمديد الحديد، فلو كان ناقصاً عن المتفق عليه لكان غشاً.

    فالنهي عن الغش مطلق في أي سلعة، قليلاً كان أو كثيراً، وهي من القواعد العامة، ويدخل فيها الغش في الدراسة؛ فالأستاذ يعتبر غاشاً للطلاب إذا لم يبين لهم كل شيء، ولم يجتهد في إيضاح المشكل عليهم، وكذلك مدير الدائرة ورئيسها إذا لم يؤد الواجب عليه للمواطن فإن هذا من الغش، فإذا أنقص إنساناً حقاً يستحقه -ولو كان بمقدار رسم- فإن هذا غش.

    إذاً: (من غش) ما تركت مجالاً من مجالات الحياة إلا وامتدت إليه، وهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم.

    النهي عن الغش عام للمسلمين وغيرهم

    وجاء الحديث بلفظ: (من غشنا) وهذا اللفظ قاصر على المسلمين، لكن رواية: (من غش) عامة تشمل المسلم وغير المسلم؛ لأن في قصر هذا الحكم على المسلمين اتهاماً للإسلام، وتقبيحاً للإسلام في أعين غير المسلمين، فإذا وجد اليهودي أو النصراني أن المسلم يغشه فماذا سيقول عن الإسلام؟!

    ولكن حينما يرى العدل والحق يطبق على المسلم وعلى غير المسلم، يعرف أن الإسلام هو الدين الحقيقي.

    وقد ذكرنا قصة علي مع اليهودي، في الدرع الذي سقط من علي وأخذه اليهودي، فقال له علي : هذا درعي. فقال: بل هو حقي وهو في يدي، فقال: نحتكم إلى القاضي.

    فذهب علي باليهودي إلى القاضي شريح، . فقال: ما قضيتكما؟ قال علي : هذا درعي في يد اليهودي، فقال القاضي: ما تقول يا يهودي؟ قال: بل هو درعي وفي يدي، فقال القاضي: ألك بينة يا علي ؟ قال: نعم، قنبر والحسن بن علي، فقال: أما قنبر فغلامك وعتيق فنعم، وأما الحسن فابنك، فلا نقبل شهادته لك، قال: أما تخشى الله؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وأنت ترد شهادته! قال: والله ما رددت شهادته، وإني لأعلم أنه وأخاه سيدا شباب أهل الجنة، ولكن ولدك لا يشهد لك؛ لأن الشرع جعل ذلك موضع اتهام، فهل عندك شاهد آخر؟ فقال: لا، فقال القاضي: اذهب يا يهودي! بالدرع، فخرجا، حتى إذا كانا عند الباب وقف اليهودي مبهوتاً، وقال: يا علي ! أهكذا القضاء عندكم؟! قاضيك الذي نصبته أنت يطالبك بالبينة على يهودي! ويرفض شهادة سيد شباب أهل الجنة؛ لأنها شهادة رجل لأبيه؟! قال: نعم، هذه عدالة الإسلام، فقال: أشهد أنه الدين الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والدرع لك، فإنه سقط عن راحلتك فأخذته، وقد أنكرتك لأنظر ماذا ستفعل بي وأنت الخليفة، وماذا سيحكم القاضي وهو من وليت، أما والأمر كذلك فإن هذا درعك، فما كان من علي رضي الله تعالى عنه إلا أن قال: هو لك، ومعه مائتا درهم. لأنه أظهر صدق علي ، وإلا لكان علي قد ادّعى دعوى غير ثابتة.

    والذي يهمنا أن قوله: (من غش) على عمومه، فتشمل حتى الكافر، أما إذا كان حربياً، فإن دم الحربي مباح، أما الذمي المعاهد المقيم فله حق الإقامة، فهو معصوم الدم والمال، ولا يجوز الاعتداء عليه؛ لأن ولي الأمر أعطاه أمان الإقامة، فلا ينبغي لإنسان أن يغشه، ولا يجوز أن يتعامل معه تعاملاً ربوياً.

    1.   

    شرح حديث النهي عن تلقي الجلب

    قال المصنف رحمه الله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقي فاشتري منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) رواه مسلم ].

    هذا تابع لما قبله، وفيه زيادة: بأن من تلقي الجالب واشترى منه، ثم جاء الجالب إلى السوق، ورأى أنه غبن فهو بالخيار، فله الخيار في إمضاء البيع، وله الخيار في فسخه ورد الثمن.

    1.   

    النهي عن حبس العنب وبيعه لمن يتخذه خمراً

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن].

    النظر في الأسباب والمسببات، والغاية والوسيلة أمر مهم في إيقاع الحكم، والقاعدة تقول: الوسيلة تأخذ حكم الغاية، فإذا كانت الغاية واجبة فوسيلتها واجبة، على القاعدة الأصولية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

    فمن أخر بيع العنب -العنب نضج والناس تبيعه في السوق- فأمسكه حتى يزيد في النضج، ثم يبيعه لزبائن مخصوصين، يطلبون زيادة النضج ليتخذوا منه خمراً، والخمر من هذا النوع يكون أسرع وأقوى منه في العنب الفج الجديد.

    وبعض الطيور تخمر العنب على الشجرة، خاصة النّعر، وأهل البساتين يعرفون هذا، فيأتي إلى الحبة الكبيرة التي ليست في مواجهة الشمس فينقرها من أعلاها -من جهة العنقود- نقراً صغيراً، قد يكون سمكه ملي ونص أو اثنين ملي، ويأخذ منها قطرة أو قطرتين، ثم يذهب إلى الطين ويأخذ طيناً ويسد هذه الفتحة، ولما دخل الهواء إلى العنبة أغلقها عن الهواء مرة أخرى، والهواء الذي دخل فيها يتفاعل مع مائها حتى تتخمر، وينتظرها أياماً معروفة عنده، ثم يأتي -يقول بعض الإخوان: إن ذلك يكون غالباً في العصر- فيسحب الطين عنها، ثم يشرب ما فيها وقد تخمرت، ثم ترى هذا الطير يغرد ويغني في محله هناك! فتأخير العنب إلى آخر وقته يساعد على قوة الخمرية.

    والحديث عام، فمن باع العنب في أول ظهوره، أو البسر في أول ظهوره، أو المشمش، أو الخوخ، أو البصل، أو أي نوع من الأنواع التي تتخذ منها الخمور -وهو يعلم أن المشتري يشتريها لذلك- فهو متقحم باباً من النار على بينة؛ لأنه تعاون معه على الإثم والعدوان.

    ولا تعاونوا على الإثم والعدوان

    ويبني الفقهاء على هذا الحديث: أن كل من تعاون مع صاحب إثم على إثمه فهو مشارك له في الإثم، وهذا واضح فيمن أخّر العنب ليبيعه على من يعتصره خمراً، ومنثله من أجّر بيتاً لمن يتخذه مصنعاً للخمر، أو لمن يجعله محلاً لبيع الخمر، أو لمن يبيع الأقداح والكؤوس التي يصب فيها الخمر، أو يبيع اللوز والجوز لهذا الذي يبيع الخمر؛ لأن الزبائن يستعملونه وقت شرب الخمر، فكل هؤلاء متقحمون باباً من النار.

    النهي عن محاكاة أهل المنكر في منكرهم ولو بالحلال

    وينص الحنابلة: على أنه لو أتينا بالحليب أو الشاي -علماً بأن الشاي لم يكن معروفاً في زمانهم- أو بأي شراب حلال، وشربناه في أوانٍ وكؤوس العادة أنه يشرب فيها أرباب الخمر خمراً -على هيئة شراب الخمر ولو كنا قد صفينا هذه الأواني- فإن في ذلك إثماً؛ لما في ذلك من مشابهة ومشاكلة لأصحاب الخمر، ومثل ذلك ما يقع في بعض المناسبات: فتجد الناس يتبادلون كؤوس الشاي ويقولون: (نخب فلان)، وهذه عبارة لأصحاب الشراب المحرم، فأي هيئة تحكي هيئة شراب محرم أو استعمال محرم فهي حرام.

    إذاً: كل من تعاون على إثم فهو آثم، وخاصة حينما يعظم الإثم، كهذا الذي يؤخر بيع العنب ليبيعه على من يعتصره خمراً، وقد جاء في الحديث: (لعن الله في الخمر عشرة: شاربها، وحاملها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها إلى شاربها، وبائعها ...)، فكل هؤلاء مشاركون في هذا الإثم العظيم، وكذلك لُعن جماعة بسبب التعاون على أكل الربا.

    إذاً: العنب عبارة عن مثال، وكونه يؤخر فهذه صورة الواقع، وكذلك لو باعه في بادئ الأمر لمن يتخذه خمراً فإنه داخل في هذا الحكم، ويشمله هذا الوعيد الشديد.