إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [2]

كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن وجوب فريضة الحج ثابت في كتاب الله تعالى ثبوتاً قطعياً مؤكداً، ووجوبه ثابت أيضاً بالسنة والإجماع. وإن من رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم أن علق وجوب الحج بالاستطاعة، وتكون: بالزاد والراحلة، وصحة البدن، وأمن الطريق، وتجوز الإنابة من الحي العاجز عن الحج ببدنه، إن كان مستطيعاً بماله. ويجب الحج على الفور ويستحب تكراره، ويصح من الصبي.

    1.   

    شرح حديث: (ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

    [ وعن أنس رضي الله عنه قال: قيل: (يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة) رواه الدارقطني ، وصححه الحاكم ، والراجح إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر وفي إسناده ضعف ].

    صيغة وجوب الحج والتأكيدات الواردة في كتاب الله تعالى لها

    ساق المؤلف رحمه الله أولاً الأحاديث في الترغيب فيه، وبيان فضله: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، (نرى الجهاد أفضل الأعمال يا رسول الله! أفلا نجاهد؟ قال: عليكن جهاد لا قتال فيه..) ثم جاء بما يبين على من يجب.

    والأصل في الوجوب أو الإيجاب هو الكتاب الكريم ثم السنة النبوية المطهرة، وجاء في كتاب الله بيان الفرضية المؤكدة في قوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] يرى العلماء: أن هذه الصيغة للوجوب مؤكدة بعدة تأكيدات:

    اللام، في قوله: (ولله) وهي لام الملك والاستحقاق.

    (على): وهي للاستعلاء والفرضية.

    (الناس): عموم الناس، حتى قال البعض: لقد شملت غير المسلمين؛ لأنهم مطالبون بالإسلام وبفروع الإسلام، وهذا العموم والشمول يؤكد الوجوب والفرضية.

    (حج البيت): تقدم تعريف الحج أنه: القصد إلى معظم، و(البيت): هو البيت الحرام، وهو الكعبة، وهو البيت العتيق، وهو أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران:96]، وهذا البيت جاء في بيان حرمته ومكانته ما لا يحتاج معه إلى مزيد بيان.

    (من استطاع) يقول العلماء: (من) هنا بدل البعض من الكل، فالكل: الناس، و(من استطاع) بعض الناس، وهذا بمثابة الاستثناء، وهذا يؤكد الفرضية أيضاً، وتعلق الفرضية بالاستطاعة بيان لهذه الملة الحنيفية في يسرها وسهولتها، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فنجد في جميع التكاليف والعبادات التيسير، قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] فأهم أركان الإسلام الصلاة أي: بعد الشهادتين، حتى في الشهادتين تيسير، قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    والصلاة مفتاحها الطهور، فمن عجز عن استعمال الماء رخص له في التيمم، ومن عجز عن القيام رخص له أن يصلي على حسب حالته جالساً أو متكئاً.

    والزكاة ما فرضت إلا على الغني الذي يملك نصاباً، ويبقى عنده حولاً كاملاً مستغنياً عنه.

    والصيام من كان مريضاًََ أو على سفر فاضطر إلى الفطر للمشقة: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    والجهاد: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61].

    وهنا في الحج: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، وهنا يسأل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما السبيل؟ الذي شرطت الآية استطاعته في وجوب الحج (من استطاع إليه)؟ فيفسره صلى الله عليه وسلم لهم بقوله: (الزاد والراحلة) هذا التفسير لو أن الحديث سلم من التضعيف لكان نصاً قاطعاً في تفسير كتاب الله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العلماء يقفون من هذا النص المفسر بالمقارنة بينه وبين العمومات الأخرى في كتاب الله، ويقولون: إن قصر الاستطاعة على الزاد والراحلة أسقط شروطاً أخرى، ألا وهي: صحة البدن، وأمن الطريق.

    المراد بالاستطاعة في الحج

    وهنا يبحث الفقهاء موضوع الاستطاعة من حيث هي:

    فيرى بعض العلماء: أن الاستطاعة الكاملة تكون بالبدن والمال، والمال ماثل في الزاد وفي الراحلة، أي: وسيلة السفر والوصول، وقد تكون الاستطاعة بالبدن فقط ولا مال، وقد تكون الاستطاعة بالمال فقط ولا صحة للبدن.

    ومن هنا يقع الخلاف عند الأئمة رحمهم الله فيمن تجب عليه فريضة الحج؟

    فالجمهور: على أن الاستطاعة بصحة البدن ووفرة المال، المال الذي يهيئ له الزاد، ووسيلة السفر، مع توفير الزاد لمن تلزمه نفقته حتى يرجع، فإن كان له عيال، أو تبعة مطلوبة منه، فإنه مع اشتراط وجود الزاد له في سفره حتى يرجع يجب أن يكون الزاد موجوداً أيضاً لمن يخلفه في بيته: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) فإذا وجد ما يكفيه وحده ولا يكفي أهله فليس بمستطيع، والسعي على أولاده في تلك الحالة أولى من السفر إلى الحج وتركهم في ضياع، إذن: الزاد له ولمن تلزمه النفقة حتى يرجع.

    والاستطاعة بالبدن ليست شرطاً عند بعض العلماء، فقالوا: إذا عجز عن الحج ببدنه -أي: عجز عن القدرة على السفر، وعنده مال، تعين عليه أن يخرج من ماله ويدفعه لمن يحج به عنه من بلده، فيدفع المال لشخص آخر من بلده؛ ليكون سفر البديل معادلاً لسفر الأصيل من مكان واحد، وسيأتي: أن هذا البديل يجب أن يكون قد حج عن نفسه أولاً؛ لتصح أعمال حجه عن غيره، وسيأتي ذلك في حديث شبرمة، حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يطوف بالبيت ويقول: (لبيك اللهم عن شبرمة ، قال: من شبرمة هذا؟ قال: أخ لي أو قريب لي -شك الراوي- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك أولاً، ثم حج عن شبرمة).

    وسيأتي مبحث الاستئجار للحج، وهل تجوز الأجرة للإتيان بالحج أو لا تجوز؟ وهل هي على البلاغ، أو هي على الإجارة؟ ومعنى البلاغ: أن يأخذ ممن سيحج عنه ما يبلغه الحج حتى العودة، فإن نقص شيء وفَّاه إليه، وإن زاد شيء رده إليه.

    أما إذا كانت من باب الإجارة: فعلى ما اتفقا عليه، إن نقص وفىّ لنفسه، وإن زاد أمسك الزائد، وسيأتي في ذلك زيادة بيان إن شاء الله.

    وهناك من يقول: الاستطاعة بالبدن فقط، ولو لم يوجد المال، وهذا عند الشافعية بشرط: أن يكون قادراً على المشي، وأن يكون ذا مهنة، أو صنعة، أو عمل يمكن أن يتكسب به مدة سفره حتى يرجع، وقيل لمن قال ذلك: هل أوجب الله على الناس المشي إلى مكة على أقدامهم؟ قال: أرأيت لو كان له ميراث في مكة أكان يتركه؟ قال: لا. بل يأتي إليه ولو حبواً، قال: كذلك الحج.

    وبعضهم يقول: الاستطاعة بالمشي لمن كان قريباً، وليست للآفاقي البعيد، مع أننا وجدنا رحلات وجماعات تخرج من الآفاق وتسافر الأيام والأسابيع والأشهر، حتى يصلون إلى مكة، ولكن في هذا من المشقة والضياع ما يمكن أن يقول الإنسان فيه: ليس هذا في منهج التشريع بصفة عامة: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185].

    إذاً: لا ينبغي أن نحكم على الناس بأن على المستطيع للمشي من الآفاق -من القارات البعيدة والأقطار النائية- أن يمشي ليحج، وهناك من يقول: شرط الحج ماشياًً للصحيح المعافى المتكسب بمهنته أن يضمن غالباً أن يكون عمله في اليوم الواحد يكفي لمئونة اليومين، ولماذا؟ احتياطاً؛ لأن هذا الصحيح قد يمرض؛ ولأن تلك المهنة قد تتعطل في يوم من الأيام، وليس بلازم أن يجد عملاً لمهنته في كل يوم ما يكفيه، فإذا كان أجر عمله يكفيه لمئونة يومين، فلو قدر أنه مرض بعض الأيام فسيكون قد توفر عنده زاد بقية الأيام.

    وهنا لفتة فقهية للمذاهب الاقتصادية، بأن تقييم الأشياء -كلها- في العالم ليست العملة، التي ترتفع وتنزل في (البورصات)، وفي الأسواق المالية، ولكن تقييم الأشياء -حقاً- إنما هو بكسب العامل في اليوم، أجرة هذا العامل غالية أو رخيصة، وهذه أمور نسبية، فقد تكون أجرة عامل في قطر درهماً، وقد تكون في قطر آخر عشرة دراهم، وهذا فرق كبير، ولكن نسأل: العامل الذي يعمل بدرهم في بلد، كم يكفيه هذا الدرهم؟ فلربما كان يكفيه لقوت يومه؛ لرخص الحاجات عنده، والذي يعمل بعشرة دراهم، أتكفيه لقوت يومه -في بلده- أو لقوت يومين؟ فربما لا تكفيه بسبب غلاء الأسعار، إذن: التسعير الحقيقي والتقويم الحقيقي، لقيم الأشياء، إنما هو كسب العامل اليومي، فإذا كانت له أسرة وعائلة فليكن ذلك أيضاً في الحسبان.

    ومن هنا كان مأخذ الشافعية بقولهم: الاستطاعة قد تكون بالمشي إن كانت له مهنة يتكسب منها، ويكسب بها في اليوم ما يكفي نفقة يومين.

    وزاد بعض المالكية: إن الفقير المعافى الذي يعيش في بلده على التكفف، أي: يمد يده ويبسط كفه للناس، ويعيش على السؤال، إن تيسر له في سفره أن يجد من يسأله، ويعيش كما يعيش في بلده؛ يعتبر مستطيعاًً، وعليه أن يصحب القافلة بالسؤال ليحج.

    وهذا القول فيه ما فيه.

    وقد قال العلماء: من لم يجد مالاً، ووجد إنساناً يدفع له المال من عنده هبة ليحج، قالوا: ليس بواجب عليه أن يقبل، خشية أن تكون فيه عليه منَّة.

    وهنا يمكن أن نأخذ سر التعبير في كتاب الله حيث قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، ولم يقل: من استطاع إليه وصولاً؛ لأن الوصول إليه قد يكون من عنده، أو قد يكون من عند غيره، أما السبيل: فلا يكون إلا من عنده هو، وعلى هذا فالجمهور على أن الاستطاعة الكاملة تكون بالبدن وبالمال معاً.

    وقال الشافعي : من استطاع ببدنه ومات ولم يحج، فإن على الورثة إخراج جزء من ماله قبل قسمة التركة لمن يحج عنه من بلده؛ لأن الشافعي رحمه الله يرى تقديم الحقوق المتعلقة بالتركة ومنها حق الله؛ فلذلك قدمه على تقسيم التركة، وبالمناسبة: فإن الحقوق المتعلقة بالتركة منها ما هو دين للناس، ومنها ما هو دين لله، والدين للناس: دين موثق، ودين غير موثق، وكذلك حق الميت في التجهيز، وكذلك الوصايا، ثم بعد ذلك كله الميراث، فإذا كان مديناً، وكان قد أوصى، وعليه حق لله: في كفارة، أو نذر، أو حلف، وترك ما يكفي واحداً من ذلك فقط، فأيها يقدم؟

    عند الحنابلة: تقدم مئونة تجهيزه؛ لأنه حقه هو، كما لو كان مفلساً وعليه دين للآخرين فإنه يباع ما يملك في دينه إلا ثيابه ونفقته، فحقه الخاص مقدم.

    الشافعي يقول: يقدم في ذلك كله حق الله، أما تجهيزه فعلى بيت مال المسلمين، واستدل على ذلك بما سيأتي في قصة المرأة التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحج عن أمها فقال: (أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها، قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى).

    قال الشافعي قوله: (دين الله أحق) هذا أفعل تفضيل. وغيره يقول-وهم المالكية-: ديون العباد مقدمة؛ لأن حق الله مبني على المسامحة، وحق العباد مبني على المشاحة، والشهيد يحبس في قبره في دينه.. إلى آخر ذلك، ولذا قال الشافعية: إن من مات وكان مستطيعاً للحج فلم يحج، أخرج من تركته ما يحج به عنه قبل أن تقسم التركة، أي: قبل حق الورثة والوصايا، وغير ذلك.

    اختلاف الزاد والراحلة باختلاف الأشخاص والأزمان والبلدان

    وقد فصل الفقهاء في الزاد والراحلة: فتختلف الراحلة، ويختلف الزاد باختلاف الأشخاص، فهناك من يقوى على السفر على ظهر بعير بدون شيء، وهناك من لا يقوى ولا يستطيع أن يثبت حتى نأتي له بالهودج، أو نأتي له بالرحال، أو نأتي له بالفراش، فلا تكون استطاعة شخص هي استطاعة لشخص آخر، والآن هناك من يستطيع أن يركب على ظهر سيارة (لوري) ولو كانت محملة بالبضائع، وهناك من لا يستطيع أن يركب إلا (الأتوبيس)، وهناك من لا يستطيع أن يسافر إلا في سيارة صغيرة، وهناك من لا يستطيع أن يسافر إلا في الطائرة أو في الباخرة، وهي درجات.

    إذاً: الراحلة تتنوع حسب تنوع الأشخاص، فإذا كان مستطيعاً للراحلة المناسبة مع حالته فقد توفرت، وكذلك الزاد، هناك من يجتزئ في سفره بالتمر والخبز، وهناك من لا يستطيع ذلك، بل يحتاج إلى أنواع الأغذية والأطعمة، فإذا توفر التمر فقط لا نقول: هذا زادك؛ لأنه لم يتعود على هذا.

    إذاً: الزاد والراحلة كل ذلك بحسب أحوال الأشخاص، فمن توفرت له الراحلة والزاد، وكان مستطيعاً للحج، تعين عليه أن يحج.

    الأمر بالحج يقتضي الفورية من غير تكرار

    بقي هنا الأمر في قوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، يبحث الأصوليون في صيغ الأمر هل تقتضي التكرار وهل تقتضي الفورية؟ أو لا تقتضي الفور وتكون على التراخي؟

    نجد أن هذا الأمر لا يفيد التكرار؛ لأن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بالحج فقالوا: (أفي كل عام يا رسول الله؟! يعني: يتكرر، فسكت عنهم، حتى سألوا ثلاث مرات، وفي الرابعة قال: لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم، الحج في العمر مرة).

    ولهذا قالوا: إن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم في العمر مرة؛ لقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] فإذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في العمر مرة واحدة خرج من عهدة هذا الأمر، ولكن وردت نصوص أخرى تطلب التكرار، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عندما صعد المنبر: (آمين! آمين! آمين! -وكان المنبر ثلاث درجات- فقالوا: يا رسول الله! سمعناك تؤمن، ولا ندري على ما أمنت؟ قال: أتاني جبريل، وقال: يا محمد! من أدرك شهر رمضان، وخرج ولم يغفر له، باعده الله في النار، قل: آمين، فقلت: آمين، يا محمد! من أدرك أبويه أو أحدهما، ولم يغفر له -أي: ببرهما- باعده الله في النار، قل: آمين، فقلت: آمين، يا محمد! من ذكرت عنده، ولم يصل عليك، باعده الله في النار، قل: آمين، فقلت: آمين)، فتعين على كل مسلم إذا سمع ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، هذا التكرار بطلب جديد، وليس بالطلب الأول: (صلوا عليه وسلموا تسليماً) وقد جاء في النصوص بيان فضل ذلك: (من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه بها عشراً).

    إذاً: الأمر لا يقتضي التكرار.

    بقيت الفورية، هل الأمر يقتضي الفورية، أو يكون على التراخي؟ بحث الأصوليون في ذلك، فعند الجمهور -ما عدا الشافعية- الأمر على الفورية، وقال الشافعي : الأمر على التراخي؛ لأن وقت الحج: العمر كله، ومع ذلك يقول: من أخر الحج؛ لكونه على التراخي فمات، أخرج من تركته، وعلى هذا نقول: لماذا لا يُطلب منه الحج على الفور، فتبرأ ذمته ويخرج من هذه الإشكالات.

    ولوالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في هذا المبحث: الترجيح والتأكيد على أن الأمر للفورية: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] وجاءت نصوص خاصة في الحث على الحج منها: (حجوا قبل أن لا تحجوا)، وأيضاً: فلو أن سيداً قال لعبده: أعطني ماءً، فذهب العبد ومن الغد جاءه بالماء، فقال له السيد: لماذا؟ فقال: الأمر على التراخي، فماذا يكون موقف السيد من هذا العبد الذي لم يتمثل الأمر الذي كلف به؟ فقد كان على هذا العبد أن يذهب حالاً، ويأتي بالماء لسيده، فيكون قد أدى الواجب عليه، وامتثل الأمر.

    والشافعية يقولون: لقد فرض الحج سنة ست من الهجرة، وما حج صلى الله عليه وسلم إلا في السنة العاشرة، ويقول الجمهور: ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج؛ لأن مكة تحت أيدي الكفار، وما فتحت إلا في السنة الثامنة، قيل: ولماذا لم يحج في السنة الثامنة؟ قالوا: لم تكن هناك فرصة للحج؛ لأن فتح مكة كان في رمضان، ثم ذهب إلى هوازن، ورجع إلى المدينة، ولم يتأتى له الحج، ولما قيل: وفي سنة تسع لماذا لم يحج؟ قال الجمهور: لموانع منعته من تنفيذ الأمر، ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر يحج بالناس، ثم أردفه بـعلي رضي الله تعالى عنه ليقرأ على الحجيج سورة براءة، ويعلن للناس: أنه لا عهد لمشرك بعد اليوم، ولا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

    إذاً: كان للمشركين عهد، وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة رجالاً ونساء، وهل يتأتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر هذا المشهد؟ لا والله، هكذا يعلل العلماء، ولكن التحقيق: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج في تلك السنة؛ لما أعلنه صلى الله عليه وسلم بقوله -في السنة التي حج فيها-: (إن الزمان قد استدار، كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) ومعنى ذلك: أن العرب كانت عندهم أيام النسيء، يقدمون ويؤخرون في الأشهر، فكانوا ينسئون المحرم إلى صفر، ويقدمون صفر إلى المحرم؛ لأنهم كانت تطول عليهم الأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ لتواليها، وكانوا يغير بعضهم على بعض، فيؤخرون المحرم بحرمته، ويقدمون صفر مكانه؛ ليغير بعضهم على بعض، ولهذا حصل تخلخل في مواعيد الحج، فما كان الحج يصادف ذا الحجة الذي هو وقت الحج، وما كان الوقوف بعرفات يقع يوم عرفة في التاسع من ذي الحجة، وقيل: إن حجة أبي بكر ما كانت في الزمن المحدد يقيناً، ولما استدار الزمن وجاء يوم عرفة مطابقاً لأمر الله وهو اليوم التاسع من ذي الحجة كانت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقعت في الزمان والمكان المأمور به.

    يهمنا أن الشافعية قالوا: الحج على التراخي، (من استطاع إليه سبيلاً) والجمهور قالوا: الحج على الفور، فعلى من استطاع الحج أن يحج ولا يؤخر.

    وجاءت نصوص قد أشرنا إليها من قبل منها: (من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً) وعمر يقول: (لقد هممت أن أبعث للأعراب رجالاً على مياههم، ينظرون من استطاع الحج ولم يحج، فليضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين! ما هم بمسلمين!).

    إذاً: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] على الفور لا على التراخي، ومرة دون تكرار، ولكن التكرار نافلة، كما سيأتي عنه صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: الاستطاعة المشروطة في الحج فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة، وقد كان أناس من اليمن يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، فأمرهم الله بقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ.. [البقرة:197] تزودوا لسفركم، وتزودوا من حجكم لميعادكم، فلابد من زاد الدنيا للبدن، ومن زاد الآخرة بالعمل، ولا ينبغي لإنسان أن يقول: أنا متوكل على الله، ولم يأخذ بالأسباب التي أمر الله بها، كالزاد هنا، وإلا فإنه متواكل على الناس وليس متوكلاً على الله.

    المستطيع بماله دون بدنه له أن ينيب من يحج عنه

    بقي في ما إذا كان مستطيعاً بماله عاجزاً ببدنه وهو على قيد الحياة، فالجمهور: يجيزون له أو لوليه أن ينيب عنه من يحج عنه، كما سيأتي في سؤال المرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبي شيخ كبير لا يقوى على الثبوت على الراحلة)، وسؤال شخص آخر: (لا يقوى على الثبوت على الراحلة، أخاف إن وثقته عليها أن يموت، أفأحج عنه؟ قال: حج عن أبيك) وخالف في ذلك المالكية، ومنعوا الإنابة في حج الفريضة عن الحي، وهذه الأحاديث حجة عليهم، وسيأتي للمؤلف رحمه الله زيادة نصوص في كل هذه المسائل وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    حديث ابن عباس في اعتبار حج الصبي

    [وعن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ فقالوا: من أنت؟ فقال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) رواه مسلم].

    يسوق لنا المؤلف رحمه الله هذه الحادثة، وكما أشرنا بأن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتملت على جميع أصول الحياة، فهؤلاء رفقة يسيرون في الطريق فأدركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروحاء، وهي: منطقة ما بين المدينة وبدر، وهو بئر معروف في الطريق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (سَيهلُ عيسى ابن مريم بالروحاء بحج أو بعمرة أو بهما معاً) فالروحاء معروفة لأهل المدينة.

    مشروعية التعارف بين الناس في السفر

    عندما بقي النبي صلى الله عليه وسلم الركب قال: (من القوم؟) الذي بدأ بالسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من واجب ولي الأمر، أنه إذا لقي قوماً أن يتعرف عليهم: من أي الجماعات هم؟ وأين وجهتهم؟ مع أنه من المعلوم أنهم ذاهبون للحج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج إلى الحج، وقبل مجيء أشهر الحج بعث رجالاً إلى القبائل في الجزيرة أني حاج هذه السنة، فمن أراد أن يحج معي فليوافني، وكل وافاه بحسبه، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من وافاه بالطريق، ومنهم من وافاه بمكة، كل على حسب موقعه.

    فهؤلاء قوم وافاهم في الطريق، فسألهم (من القوم؟)، لكنهم لم يجيبوا مباشرة، وإنما تعرفوا أولاً على السائل مَنْ هو، وهذا من دهاء العرب ويقظتهم، وفي هذا احتياط لهم، وما أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أقرهم على ذلك، مع أنهم لم يجيبوه، وإنما سألوه هو: ومن أنت؟ فأجابهم: أنا رسول الله.

    إذاً: هم عرفوه، وقد يكون حصل بينهم وبينه جوار بعد ذلك، وليس هذا ما يهمنا في هذا المقام، فيكفي أن الفريقين تعارفا بالإسلام، وأنهم جميعاً مسلمون والحمد لله، يعني: ما هم أعداء.

    مشروعية استغلال مواطن الاستفادة والتعليم

    فلما عرفت المرأة أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهزت الفرصة لتستفيد، فرفعت طفلاً بيدها، وقيل: بضبعه، أي: رفعته من تحت إبطه، إذن: هذا الطفل غلام كبير أم طفل رضيع؟ رضيع، وفي بعض الروايات (في محفته) المحفة: عبارة عن قطعة قماش مستطيلة وفي طرفيها أعواد، ينام الطفل فيها ويربط بالأعواد، وتحمله على ظهرها، وهذا أحسن من هذه العربيات التي يوضع فيها الأطفال اليوم، يوشك أن ينكسر ظهر الطفل من طول قعوده في العربية، أما هذه المحفة فينام الطفل فيها مستريحاً وفي قماش لين، وهي من عادات العرب.

    (ألهذا حج) أي: انظر إليه فهو أمامك، ويلاحظ أن ابن عبد البر رحمه الله يقول: كيف يصح لهؤلاء أن يقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ ولكن لعل اللقاء كان في الليل. ولكن إذا كان اللقاء في الليل فكيف تقول المرأة: ألهذا حج؟ وكيف يراه صلى الله عليه وسلم؟ ولا أدري هل أجاب ابن عبد البر على هذه الناحية أم لا، وسواء أكان اللقاء في الليل أو في النهار، فهل كل مسلم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفه؟ لا. إذاً: لا مانع أن يكون اللقاء نهاراً ولم يعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ألم نجد في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة، ونزل في ظل نخلة، هو وأبو بكر وجاء الأنصار أو بعضهم، ولم يعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفرقوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر ؛ لأنهم لم يروه قبل ذلك، حتى اشتد النهار وقام أبو بكر يظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك عرفوا من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صاحبه؟!

    إذاً: لا حاجة أن نفترض أن اللقاء كان ليلاً، يهمنا من الحدث: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر). وكما يقال: الجواب يتضمن السؤال، وعليه فالمعنى: نعم لهذا حج، ولك أجر، يقول العلماء: (لك أجر) أي: في معانات حجه، ولكن القضية عامة، وكما جاء: (من فطر صائماً كان له كأجره لا ينقص من أجره شيئاً) فهذا فعل الخير وكما جاء في الحديث: (الدال على الخير كفاعله) فهذا فضل الله.

    سن الإدراك ليس شرطاً للحج بالصبي

    وهنا يبحث الفقهاء: من هو الصبي الذي له حج؟ قال بعضهم: هو الذي له إدراك، وهو: الذي خوطب بالصلاة، أي: أمر وليه أن يأمره، (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع) قالوا: لأن أول سن الإدراك عند الطفل سبع سنوات، ولهذا فالنظم التعليمية الحديثة لا تقبل الطفل في الدراسة قبل سن سبع سنوات؛ لأنه إن قُبل قبل هذه السن فستسبب الدراسة الكد والإكلال لذهنه؛ فيعجز عن التحصيل، والطفل في هذا السن إنما يقبل التلقي عن طريق اللعب والأمور العملية، أما الأمور الذهنية فصعبة عليه.

    والذي يظهر أن هذه المرأة لم ترفع طفلاً عمره سبع سنوات على يدها، فإن هذا بعيد، وإنما رفعت طفلاً في محفته، وهذا يدل على أنه طفل صغير.

    ساق المؤلف رحمه الله هذا الحديث ليبين أن الحج فرض على المستطيع، وأنه يصح للصغير، لكن هل يصح منه استقلالاً، أم أنه يصح منه بواسطة وليه؟ وكيف يحج الولي بالصبي؟

    قالوا: يفعل له ما يفعل لنفسه: يجرده عن المخيط، ويلفه في لفائف، ويجنبه النجاسة، ويلبي له عند الميقات بقوله: لبيك اللهم عن نفسي كذا.. لبيك اللهم عن طفلي كذا.. وإذا أحرم له بالعمرة متمتعاً وحج به عليه دم له.

    ومن الذي يملك أن يحج بالصبي؟

    قالوا: أبوه أو وصيه، وهل يشمل هذا كل وصي؟ وهل المرأة تملك أن تحج عن الصبي؟ وهناك نفقة، فمن الذي يؤدي تلك النفقة؟

    قالوا: أبوه، أو وصي أبيه، أو الأم إذا كانت لها وصاية عليه، تنفق من ماله، فإذا لم يكن الشخص وصياً لا يحق له أن ينفق من مال الصبي في حجه؛ لأن هذا الحج لا يجزئ عن حجة الإسلام، فيكون ضياعاً لمال الصبي؛ لأنه سيأتينا: (أيما صبي حج قبل البلوغ، فعليه أن يحج حجة الإسلام إن استطاع) وكذلك المملوك: (أيما عبد حج وهو مملوك فأعتق فعليه حجة الإسلام إن استطاع).

    إذاً: لا يحج بالصبي إلا أبوه؛ لأنه ولي أمره وماله، أو وصي الأب، أو الأم إن كانت لها وصاية؛ وذلك من أجل التصرف في مال الصبي، أما إذا كان متبرعاً من عنده فيحج بالصبي وينفق عليه معه، فجزاه الله خيراً، ولا إشكال في ذلك، والله تعالى أعلم.