إسلام ويب

كتاب الجنائز [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموت حق، وهو حتم واقع على كل إنسان، وحدث يتردد على بيوتنا وجيراننا بين الحين والآخر؛ فلذلك كان من الواجب علينا أن نتعلم الأحكام المتعلقة به، لنتمكن من توديع موتانا ودفنهم وفقاً للسنة، ولنتجنب البدع التي كثرت في العهود المتأخرة في مراسم الموت. وعلى هذا فإن هناك أحكاماً كثيرة متعلقة بالاحتضار، والتجهيز، والدفن، والتلقين، والقراءة للميت، والصدقة عنه.. وغير ذلك من الأحكام؛ موضحة أحسن توضيح، مدعمة بالأدلة الشرعية، مردفة بأقوال الأئمة والفقهاء.

    1.   

    باب تلقين الموتى لا إله إلا اله

    وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم والأربعة.

    التلقين بين حقيقة الموت ومجازه

    في هذا الحديث: (لقنوا) التلقين هو أن تقول الشيء ويقوله غيرك من بعدك، يقول صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم) وموتانا جمع ميت، والميت حقيقة من فارق الدنيا وفاضت روحه، فهل هنا موتاكم على حقيقتها بعد الموت، أو على المجاز: ما قارب الشيء يعطى حكمه باعتبار ما سيكون؟

    وعلى هذا يقول بعض العلماء: لقنوا موتاكم، أي: من حضره الموت؛ لأن الذي مات وانتهى وفارق الحياة لا يسمع التلقين، ولا يستفيد منه، ولا يفيده بشيء، إذن الذي يستفيد من موتانا التلقين هو الذي حضره الموت، والذي يمكن أن يسمع التلقين ويعيه ويتلقنه ويقوله، وهذا هو الصحيح.

    آداب كيفية تلقين الميت لا إله إلا الله

    والعلماء في كيفية التلقين يبينون أن السنة في ذلك ألا تتوجه بالأمر فتقول: يا فلان! قل لا إله إلا الله، بخلاف ما يقوله بعض المتأخرين في بعض كتبهم، فإن علماء السلف يقولون: إذا كان الميت مشغولاً بسكرات الموت أو غافلاً عن ذلك مشغولاً بنفسه فحينئذ يذكّر حتى يقول: لا إله إلا الله.

    ويقولون: لا ينبغي التكرار المتوالي، ولا ينبغي توجيه الأمر إليه بقل؛ لأن الإنسان في حال الحرج والضيق لا يتحمل؛ لأن صدره ضيق، وهو مشغول بنفسه، فإذا أكثرت عليه ربما ضجر لهذا الإكثار، وربما كره أن يقول ما تلقيه عليه، وربما تكلم بكلام من منطلق تعبه وضجره فتكون أنت السبب، فقالوا: لا ينبغي أن يوجه إليه الأمر، ولا ينبغي أن يكثر عنده.

    وإذا قال: لا إله إلا الله، تلقيناً من الحاضر وسكت بعدها فإنه لا ينبغي أن يعاد التلقين؛ فإن مات في هذا السكوت كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، أما إن تكلم بعد ذلك وأطال الكلام فإنك تعيدها وتقولها أيضاً دون أن توجهها بأمرٍ إليه، ودون أن تكثر عنده.

    ولهذا على من يحضر عند الميت أن يكون حكيماً رفيقاً، حتى قالوا: ينبغي له أن يعرض على الميت محاسن أعماله؛ ليعظم جانب رجائه فقد ورد عند الترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو يحتضر فقال: (كيف أجدك يا غلام؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، قال صلى الله عليه وسلم: ما اجتمع هذان في مثل هذا الموطن في قلب رجل إلا أعطاه الله مأمنه، أو أعطاه الله مطلبه)

    والذي ينبغي على الإنسان في تلك اللحظات أن يغلّب دائماً جانب الرجاء، يقول العلماء: الإنسان في حياته دائماً وأبداً بين الخوف والرجاء، بين الطمع والعطاء، فهو يخاف من الشر ويرجو الخير، فإذا كان الأمر كذلك فهو يعمل لتحقيق ما يرجوه ويعمل لاتقاء ما يخافه، فإذا كان في سعةٍ من الدنيا فالأولى أن نغلّب جانب الخوف؛ لأن دفع المضار مقدم على جلب المنافع، فإذا قدم جانب الخوف كان دائماً وأبداً على حذر وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].

    وإذا كان في اللحظات الأخيرة يجب أن يغلب جانب الرجاء؛ لأن الخوف الآن ليس له مجال، وقد جاء في الحديث القدسي (أنا عند حسن ظن عبدي بي) وجاء في الأثر أيضاً: [إذا عرجت الملائكة بروح العبد وصحيفته فكان في أولها كلاماً حسناً وفي آخرها كلاماً حسناً يقول الله سبحانه: أشهدكم بأني قد غفرت له ما بين هذين] وهكذا قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلَّب للغلام جانب الرجاء، ما اجتمع هذان في قلب مؤمن في هذا الوقت إلا أعطاه الله ما أنال وإلا غفر له. فجانب الرجاء مقدم في تلك اللحظة.

    ولما أصيب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه دخل عليه شاب قال: يا أمير المؤمنين! والله لا أسفاً على أمرك، إنك قسمت بالسوية، وعدلت في الرعية... وكذا وكذا، وذكر له محاسن أعماله، وعزاه في نفسه في حياته بحسن فعاله، فلما ولى الشاب قال: ردوه، فجاءه قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك -لأن ثوبه طويل، تحت الكعبين-؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك. أنقى للثوب؛ لأنه إذا جره على الأرض فإنه يجمع كل ما علق به، وأتقى لربه؛ وفي الحديث: (ما جاوز الكعبين فهو في النار) فـعمر وهو في تلك الحالة لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أن الشاب جاء يعزيه بأحسن شيء، وما جامله في أمر نفسه بل نصحه أيضاً.

    ونحن يهمنا في هذه الحال أنه يجب على من يحضر الميت من أن يغلب عنده جانب الرجاء، يذكره بحسن أفعاله التي يعرفها عنه، يذكره بأن رحمة الله وسعت كل شيء، يذكره بأن يحسن الظن بالله، ويتحين الفرص لتلقينه: لا إله إلا الله.

    التزام الحكمة والصبر وقول الخير عند خروج الروح

    من الآداب أيضاً أنه حينما تصعد الروح إلى باريها ينبغي على الموجودين تعزية الحاضرين وحثهم على الصبر، وعدم التكلُّم بكلمات غير لائقة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (قولوا خيراً، ولا تقولوا إلا الخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) وقد جاء عن بعض السلف بأنه كان يحذر وينهى ويوصي أهله إذا هو مات ألا ينعوه نعي الجاهلية، وجاء عن ابن رواحة رضي الله تعالى عنه لما أغمي عليه ثم أفاق أنه رأى الملائكة تقول له ما كان يقوله بعض أهله: كنت لنا.. كنت لنا.. كنت لنا، أهكذا كنت؟ أهكذا كنت؟ يعاتبونه على ذلك، فلما أفاق نهاهم عن هذا كله.

    إذاً: ينبغي على الحاضر أن يلتزم الحكمة والصبر، وحسن اللفظ، وتثبيت الحاضرين، وأن يقول قولاً طيباً، وأن يحملهم على الصبر وحسن العزاء. والله تعالى أعلم.

    حكم التلقين للميت بعد الدفن

    يقول بعض الناس بعد الدفن: يا فلان ابن فلان! اذكر ما كنت عليه عندنا في الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا أتاك ملكان يسألناك: من ربك؟ وما نبيك؟ وما دينك؟... إلى آخره، فيرى بعض الناس أن هذا من البدع، وينهى عن ذلك، وربما تخاصموا في المقبرة، في الموضع الذي تذرف فيه الدموع، والذي تخشع فيه القلوب، والذي هو موضع الموعظة والعبرة (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فتجدهم يتخاصمون، ويتناكرون في أمر هل هو سنة أم بدعة؟ والسلف رضوان الله تعالى عليهم منهم من فعل هذا ومنهم من تركه، ويروون عن أحمد رحمه الله أنه مر على رجل يلقن إنساناً فقال: أسكتوه، ثم أدركه رجل وقال: إن شعبة قد فعل، وسفيان قد فعل وكذا، قال: اتركوه يقول ما يقول. فالمسألة خلافية من سابق الأمر، وجاء في العموم أنه صلى الله عليه وسلم لما دفن الميت قال: (سلوا الله له الثبات؛ فإنه الآن يسأل) فهذه وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نسأل الله أن يثبته عند السؤال: اللهم ثبته، اللهم ارحمه، اللهم أفسح له في قبره، على ما سيأتي من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي سلمة عندما أغمض عينيه، ودعا له الدعوات الكريمات، وسواء فعل ذلك بعض السلف أو لم يفعلوه، وقد جاء عن عمرو بن العاص أنه طلب من أهله فقال: [إذا مت ودفنتموني فانتظروا عند قبري قدر ما تنحر الجزور وتقسم؛ فإني أستأنس بوجودكم عند سؤال الملكين]، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (إن الميت ليسمع حفيف نعالكم)

    إذاً: هناك عمومات صريحة أن ندعو للميت بأن الله يثبته.

    وبعض السلف أوصى أن ينتظر عند قبره بقدر قراءة سورة (يس)، وسيأتي الكلام على قراءة (يس).

    حكم قراءة يس على الموتى

    أما حديث (اقرءوا يس على موتاكم) فقد جاء الخلاف: هل نقرأه على موتانا بعد أن يموت، أو نقرأه على موتانا بعد أن يدفن، أو نقرأه على موتانا حينما يحضره الموت؟

    جاءت بعض النصوص تؤيد المعنى الثاني، وهو (ما من إنسان يحضره الموت وتقرأ عنده (يس) إلا خفف الله عنه النزع)

    إذاً: قراءة (يس) على موتانا تكون على من حضره الموت. والحكمة في ذلك أن الروح تنشط ويخف عليه نزعات الموت، ويكون أخف عليه مما لو ترك.

    إذاً: (موتاكم) هنا تصرف إلى المعنى الثاني المجازي بقرينة يخفف عنه سكرات الموت، أما أن نذهب إلى الميت، أو إلى القبر ونقرؤها فبعض العلماء يقول: كان بعض السلف يحب أن يقرأ عنده يس، وبعضهم يحب أن تقرأ عنده سورة الرعد، وبعضهم سورة البقرة، كل ذلك من أقوال السلف ومن أفعالهم، فلا ينبغي الإنكار في ذلك إلى حد الخصومة، ولو أن إنساناً عرض وجهة نظره واكتفى بذلك فقد أدى ما عليه، لكن أن تؤدي إلى الخصومة والمنازعة والمدافعة فهذا ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيان، وفي الدعوة إلى الله أو إلى سنة رسول الله.

    حكم إهداء ثواب الأعمال من الحي إلى الميت

    هل يستفيد الميت من قراءة الحي لـ(يس) أو غيرها أم لا؟ هذه مسألة يمكن إدراجها تحت عنوان: ما علاقة الميت بفعل الحي؟

    هناك فريقان: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ومن وافقها أخذوا بقوله سبحانه: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم:39] فليس للميت من الحي أي شيء إلا ما جاء به النص.

    وفي الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له) فقال أولئك: ينتفع بهذه الثلاث: ولد صالح يدعو له، صدقة جارية، علم ينتفع به.

    وجمهور العلماء يقولون: إن عمل الحي -كما هو معروف- في العبادات ينقسم إلى قسمين:

    - عمل بدني محض: كالصلاة، والصيام وقراءة القرآن، والدعاء.

    - وعمل مالي بحت: كالصدقة، والكفارة، وسداد الدين، والحج يجمع بين الأمرين.

    حكم وصول العبادات المالية إلى الميت

    قال بعض العلماء: ما كان من عمل مالي فهو يصل إلى الميت قطعاً، فهو داخل في عموم الصدقة، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه بعد الهجرة ربما ذبح الشاة وقسمها صدقة عن خديجة لصاحباتها، حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: خديجة ، حتى بعد الممات خديجة. فهذا فعله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك سداد الدين؛ فإن المرأة التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجها عن أمها: [إن فريضة الله في الحج، أدركت أمي أفأحج عنها؟] كان الجواب يكفي: نعم أو لا، ولكن يأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام بقياس؛ لنأخذ نحن الحكم من أنفسنا: (أرأيتِ -أخبريني وأعلميني- لو أن على أمك دين فقضيتيه -أي: عنها- أكان ينفعها؟ قالت: بلى. قال: كذلك فدين الله أحق) إذن قضاء الدين ينفع. وكما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان في بادئ الأمر إذا قدمت جنازة يسأل: (هل على ميتكم دين؟ إن قالوا: نعم، قال: صلوا عليه أنتم، وإن قالوا: لا. صلى عليه. فأتي بميت فسأل قالوا: عليه ديناران، قال: صلوا عليه، قال أبو قتادة : يا رسول الله! صلِّ عليه وديناراه عليَّ أنا، قال: في ذمتك؟ قال: نعم. قال: برئت منهما ذمة الرجل؟ قال: بلى. قال: عليك أنت؟ قال: نعم. فصلى عليه) فهنا بين يدي رسول الله لم يسدد، لكن التزم واعترف وقال: (برئت منهما ذمته - أي بضمانك وكفالتك؟ - قال: بلى) وفي نفس الخبر أنه لقيه رسول الله من الغد فقال له: (ماذا فعل الديناران؟ قال: يا رسول الله! الرجل مات -بالأمس فقط- من الغد، قال: ماذا فعل الديناران؟ -يعني يطالبه- قال: سددتهما، قال: الآن بردت جلدته من النار) لأن الميت يرهن في قبره بدينه.

    ثم لما وسع الله على المسلمين وجاءت الفتوحات والغنائم، وبقي عند المسلمين بيت مال، قال صلى الله عليه وسلم: (من مات وله مال فماله لورثته، ومن مات وعليه ضياع أو دين فعليَّ) فكان صلى الله عليه وسلم يصلي على المدين وغير المدين، والمدين يوفي دينه من بيت مال المسلمين.

    والذي يهمنا هنا بيان أن العبادة المالية: الصدقة.. سداد الدين.. الكفارات المالية... إلى غير ذلك، تصل إلى الميت.

    حكم وصول العبادات البدنية إلى الميت

    العبادات البدنية تبدأ من الذكر باللسان: الدعاء، الاستغفار، تلاوة القرآن، البدن: صلاة، صيام، فجاءوا في الأذكار والدعاء وقالوا: لا شك أن الدعاء يصل الميت، وقد وجدت للإمام ابن تيمية نحواً من المائة صفحة في هذا الباب يدلل على وصول عمل الحي للميت بدنياً كان أو مالياً، والدعاء -يقول- أكبر شاهد، حيث إنه يؤتى بالميت ونقوم فنصلي عليه، وفيها قراءة الفاتحة، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ندعو للميت، ولولا أن الميت ينتفع بدعاء المصلين له لما كان له فائدة وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا [الحشر:10] إخواننا من؟ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] يدعون الله بالمغفرة لهم ولمن سبقهم من إخوانهم بالإيمان، فهذا نص القرآن الكريم بأنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة، ولمن سبقهم من إخوانهم بالإيمان، أي: الذين ماتوا قبلهم، فالدعاء لا شك فيه ولا غبار.

    أما الصلاة فجاء الحديث: (كان لي أبوان أبرهما في حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فذكر صلى الله عليه وسلم: تتصدق عنهم، وتدعو لهم مع دعائك، وتصلي لهم مع صلاتك) فقالوا: هذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أنه يصلي لوالديه مع صلاته.

    ونجد في الحج أن يُحج عن الميت، وبعد الطواف هناك صلاة ركعتي الطواف، فهذا طواف عن الميت، وهذه الصلاة عن الميت، نقول: هو الذي طاف، ليس هناك مانع، لكن باسم غيره.

    أما الصوم، فقد جاء في الحديث الصحيح: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وعليه الأئمة الثلاثة ما عدا المالكية يقولون: إن كان الصوم نذراً فإنه هو الذي أوجبه على نفسه فيقضيه، أما إذا كان صوم رمضان فالله هو الذي كلفه وهو الذي أماته فليس عليه قضاء، لكن الحديث عام وصريح: من مات وعليه صوم } بالتنكير دون تعيين نوع من أنواع الصيام.

    والحج جاء فيه: (أحج عن أبي؟ قال: بلى) (أمي ماتت أحج عنها؟ قال: نعم.) والحج عن الغير أمر مشهور عند الجميع.

    لكن بقي الخلاف والنزاع الطويل في قراءة القرآن، فمن يرجع إلى الإمام ابن تيمية رحمه الله في المجموع وفي كتاب الجنائز يجده رحمه الله يرتب الموضوع فيقول: نحن اتفقنا على أن الميت ينتفع بدعاء الحي: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وهذا متفق عليه، ما معنى: اللهم ارحمه؟ معناه: يا رب! أنا ليس عندي شيء، ولكن أتوجه إليك، وأسألك من عندك رحمة للميت، فإذا كان الله سبحانه يرحم الميت برحمة من عنده بسؤالك أنت إياه، فرحمة الله نزلت على الميت فضلاً من الله وليس لك في ذلك شيء إلا المسألة، فالرحمة من الله لعبده.. ماذا فعلت أنت؟ دعوت.

    يقول: نأتي إلى القراءة حينما تقرأ الفاتحة.. يس.. آية من كتاب الله، لك بكل حرف عشر حسنات، فأنت عملت وبعملك وعدك الله الأجر، فأصبح لك -بمقتضى وعد الله وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم- بكل حرف عشر حسنات تكتب في صحيفة أعمالك، فأنت تقول: يا رب! هذا الذي عملت، وهذا الذي وعدتني وهو حق لي، أسألك أن تعطيه لفلان، فإذا كان الدعاء وهو طلب الرحمة من الله وأنت لا تملك منها شيء يصل إلى الميت، فكيف بالحسنات التي استحققتها أو التي وعدت بها وتكتب في صحيفتك فأنت تقول: أنت وعدتني به وأنا أتبرع به للميت، أيهما أولى بالقبول الشيء الذي كان عن عمل منك، أو الشيء الذي هو مجرد سؤالك رحمة من الله؟ الذي كان عن عمل منك؛ لأنك عملته، وبوعد من الله كنت تستحقه، ويكتب لك في صحيفة أعمالك، فهو موجود عن سبب منك أنت.

    وبهذا المنطق يسترسل رحمه الله في إثبات انتفاع الميت بعمل الحي.

    ثم نحن نقول: هل نحن نحجر فضل الله؟ هل نمنع رحمة الله عن عباده؟

    فإنك إذا ما عملت عملاً وطلبت من الله أن يجعل ثوابه لوالديك أو لمن شئت من المسلمين، فإنه يكون صدقة جارية ذا ثمرة تدوم بعدك، مثل بناء مدرسة، أو مسكن للمساكين، أو حفرت قناة، أو بنيت جسراً، أو مهدت طريقاً، أو بنيت مسجداً، أو ورثت مصحفاً، فأنت بصلاحك وبفعلك الخير لهذا الرجل بقي من أثر عملك عنده ما جعله يدعو الله لك، إذن لك أثر في هذا العمل؛ لأنه لا يوجد أحد يقرأ لك قرآناً ويهب ثوابه إليك وبينك وبينه عداوة، بل لابد أنه كانت هناك صلة، كان لك عمل من الخير يجعله باقٍ عنده يعطفه عليك حتى يهب لك من عمله الخير.

    إذاً: الصدقة الجارية باقية.

    وكذلك عمل الولد: (ولد صالح يدعو له) .. (ولد الرجل خير كسب أبيه) فإذا دعا الولد أو عمل الولد صالحاً فإنه داخل لا يمنعه. وأما قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم:39] فقد أجاب ابن تيمية رحمه الله حيث قال: الآية تقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ [النجم:39] أي: من نفسه إلا ما سعى هو به، فالآية ما منعت أن يكون له من سعي غيره، نعم. سعيه انقطع لحديث: (إذا مات العبد انقطع عمله) لكن إذا انقطع عمله فإنه لا يمنع أن يستمر له عمل من غيره، إذن الميت انقطع عمله، لكن هذا لا يمنع أن يأتيه من عمل الغير خير له.

    وأرجو من كل طالب علم أن يرجع من هذا الموضوع إلى هذا المرجع المجموع ليرى الأسلوب والمنهج والهدوء، وعدم الخصومة، وعدم النزاع، وليرى أسلوب السلف في معالجة الأمور، وكيف كانوا يقيمون الأدلة عليها، وأرى إن شاء الله أنه ما من طالب علم يقرأ هذا البحث إلا سيجد الخير الكثير، وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    باب القراءة عند الميت

    وعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرءوا على موتاكم يس) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان .

    على ما تقدم في معنى (موتاكم) أنه حين الاحتضار أو بعد الوفاة، والجمهور على أن هذا الحديث بالذات إنما يراد به عند الاحتضار؛ لأن القرائن في النصوص الأخرى تؤيد ذلك (فإنه ما قرئت يس عند محتضر إلا خفف عنه) وهذه قرينة على أنها تقرأ عند احتضار الموت وعند النزع.

    تسبيح الجمادات

    قد يتوقف بعض الإخوان في بعض النصوص، ولكن أكرر وصيتي مرة أخرى لكل طالب علم أن يرجع في البحث إلى الإمام ابن تيمية رحمه الله.

    مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر -أو لا يستنزه- من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) إلى هنا الحديث متفق عليه، وهناك زيادة في الحديث: (فأخذ جريدة رطبة فشقها ووضع على كل قبر شقاً منها وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)

    فقالوا: هذا يدل على انتفاع الميت بشيء خارج عن عمله، وأين عمل الغير؟ وإنما هو انتفاع بالرطوبة الموجودة، وقالوا: إن النبات والشجر ما دام رطباً يسبح الله، فلعل الله يخفف عنهما بالتسبيح الصادر من هذه الأغصان، مع أنه جاء في القرآن الكريم: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ [الإسراء:44] أخضر أو يابس، نبات أو جماد أو حيوان أو أياً كان: إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

    وجاء عند بعض السلف أنهم كانوا جالسين على خوان فقال أحدهم لصاحب البيت: أيسبح هذا الخوان؟ -على عموم قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]- قال: نعم. كان يوماً يسبح، يعني حينما كان نباتاً أخضر.

    وقد جاءتنا حادثة معجزة محسوسة ملموسة شاهدها الناس، وسمعوها بآذانهم، وهي حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم نطق الحصى وسبح في كفه صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لما كان يخطب متكئاً على الجذع ثم انتقل إلى المنبر، فلما تحول صلى الله عليه وسلم إلى المنبر حن الجذع لرسول الله حنين الناقة العُشَراء، حتى سمعه كل من في المسجد، فأتى إليه صلى الله عليه وسلم وربت عليه وقال: (إن شئت أخذتك فغرستك فعدت نخلاً غضاً تثمر، وإن شئت كنت من غرس الجنة، فقال: -والكل يسمع- بل أكون من غرس الجنة، فحفر له في أصل المنبر ودفنه) فهذه الجمادات الله سبحانه وتعالى أعلم بأمرها، ولكن ثبت في العيان أنها تسبح الله، وأنها تتكلم ويسمعها الناس، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء .. إذاً: نترك الأمر لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    باب إغماض عيني الميت

    وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، وقد جاء ناس من أهلي فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لـأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه) رواه مسلم .

    الصلاة على الجنازة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    يقول ابن أبي شيبة في تاريخه: كانوا في سابق الأمر، أول مجيئهم إلى المدينة ، إذا مرض إنسان واحتضر آذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره، فيأتي إلى بيته، ويجلس معهم ينتظر، فإذا ما قضى الله أمره، جهزوه، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في محله، وذهبوا إلى دفنه، فقالوا: لقد أكثرنا على رسول الله، وقد يحضر الميت الوفاة بالليل، فيشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم، ولكن لندع رسول الله يستريح، وإذا ما جهزنا ميتنا حملناه إليه، وهناك يصلي عليه.

    فكان بداية مصلى الجنائز من ذلك الوقت إلى الآن، ومصلى الجنائز هو السور الصغير، أو الحوش الصغير الذي ما بين باب جبريل، وغرفة المشايخ التي يصلي فيها الإمام هناك، وهو الجانب الشرقي من المسجد.

    حقيقة الروح

    حضر صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة ، فأغمض عينيه، وبيَّن: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) وهنا وقفة استسلام .. ماذا يرى هذا البصر؟ يرى الروح، قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، وهل الروح جرم وجسم له حيِّز يرى، أم أنها أمر معنوي لا نعلم كنهه، أم هي جسم شفاف، أم هي متوزعة في جميع خلايا الجسم، تحت كل شعرة جزء منها، وتكون بها الحياة، أم ما أمرها؟

    نقف موقف العاجز الذي لا يدرك، كما قال سبحانه: قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85].

    جميع ما يتعلق بها: بكنهها.. بتصرفها في الجسم.. بخروجها منه.. بمصيرها إلى الآخرة.. كل ذلك من أمر ربي؛ قال تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر:29]، النفخ من روحه سبحانه وتعالى، وهو نفخ جبريل أو أن (روح) مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، كل ذلك أمره ومرجعه إلى الله.

    استحباب تغميض الميت عند خروج الروح والحكمة منه

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا عملياً أن نغمض العينين عند تلك الحالة، قبل أن تستكمل الروح خروجها؛ لأن العين إذا شخصت وذهب أثر الحياة منها، يصعب أن تنطبق؛ لأن الباقي جرم مادي ليس فيه أثر الحركة، فلا يمكن أن يرجع الجفن على ما كان عليه، وإذا بقي الميت على تلك الصورة ربما أفزع النساء أو الأطفال أو بعض الأشخاص، فالنبي صلى الله عليه وسلم أغمض عينيه؛ ليبقى في صورة النائم على وضع طبيعي، وقال: (إن الروح إذا قبض) إذاً: الروح تصعد إلى الله، وكل روح تصعد سواء كانت مؤمنة أو كافرة، ولكن هناك روح تتفتح لها أبواب السماء، حتى تصعد إلى الجنان، ويأمر الله بها أن توضع في طيور خضر ... إلخ، وهناك -عياذاً بالله- من توصد دونها الأبواب، وترد إلى سجين.

    إذاً: ينبغي على الحاضر عند الميت أن يلاحظ تلك الحالة، فإذا وجد الميت يشخص ببصره إلى السماء، في تلك اللحظات يغمضه برفق، لا بشدة ولا بعنف، حتى يصبح الميت كأنه إنسان نائم.

    حقيقة الموت

    ما هي حقيقة الموت؟

    نجد أن الأطباء يقولون: الموت موت الدماغ، وليس موت القلب؛ لأن القلب عضو يعمل آلياً، وبقية الأعضاء تعمل ميكانيكياً، بمعنى: أن اليد منفردة لأن العضلة منبسطة، فإذا أراد الله لليد أن تنقبض جاءت هناك عملية مواصلات واتصالات، فتنقبض العضلة فتسحب الذراع، كما لو كان هناك ذراع مربوط ببكرة بها حبل، فإذا ارتخى الحبل نزل الذراع، وإذا شُدَّ الحبل ارتفع، فهذه عملية ميكانيكية، وكذلك الحاجب، فكل عضو متحرك إلا القلب فإنه يعمل آلياً، أي: أن حركته منبعثة من داخله هو، وليس هناك عضو يسيطر عليه؛ لأن حياة الإنسان بحركة القلب، فإذا ما توقف لحظات مات الإنسان.

    وآخرون يقولون: يعمل آلياً بعمل الروح، والروح ساكنة في القلب، ومنتشرة في الجسم كله بأحاسيس ...إلخ، وهذا أمر في التشريح لا ندري عنه.

    إذاً: هم يقولون: حقيقة الموت موت الدماغ، وذلك بأن يصبح الدماغ لا يدرك ولا يدير شيئاً في الجسم، وتتعطل إشاراته إلى الأعضاء، أما القلب فهو مضخة تعمل، يجمع الدم ويدفعه، مثل أي دينامو يسحب من الخزان الأسفل ويدفع للخزان الأعلى، ومن هنا يمكن الاستعاضة عن القلب في الجسم بقلب صناعي، ويكون القلب الصناعي يعمل دورة في الدم في الجسم بدلاً من القلب الطبيعي، وعلى هذا باستطاعتهم الآن تحت آلات الإنعاش أن يديموا حركة القلب بعد وفاة الدماغ لمدة يوم إلى أسبوع إلى شهر، ولعلكم سمعتم عن بعض العظماء في أنفسهم أو عند قومهم، أنه عند وفاة أحدهم بقي قلبه يعمل تحت الآلات إلى ستة أسابيع، وأخيراً ليس هناك أي فائدة، ما دام أن الدماغ قد مات فإن الحياة قد انتهت.

    علامات الموت

    للموت علامات عند الفقهاء تدل عليه، حيث لم يكن عندهم موت الدماغ ولا موت القلب، إنما إذا توقف النفس علموا أن الموت قد حصل، إلا موت الفجأة، فينتظرون له ست ساعات أكثر أو أقل، وأحياناً يأتون بالمرآة ويضعونها عند فم الميت، فإذا كان هناك نفس فإن البخار يتكاثف على المرآة في شكل الماء، فيعلمون أن النفس ما زال موجوداً.. وأحياناً يضعون آذانهم على القلب لعلهم يسمعون شيئاًً، وهو بدل السماعة.. وأحياناً تميل أرنبة الأنف إلى جانب، أو تظهر زرقة في الأنف، أو زرقة في القدمين، أو تميل القدمان.. إلى غير ذلك من العلامات التي يعرفونها بالعادة، وهذا كله راجع إلى التجارب.

    إذاً: من حضر عند المريض وهو في آخر اللحظات، ورأى بصره شاخصاً، فعليه أن يغمض عينيه، وذلك حينما يرى تلك العلامات أو تلك الأمارات.

    إحساس بعض العباد بدنو أجله

    من نوادر الأمور: أن الله سبحانه قد يجعل عند بعض الأشخاص إحساساً بقدوم الوفاة، فقد جاء في بعض التراجم لـفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها في يوم وفاتها بعد أن صلت العصر حضَّرت الماء، واغتسلت، ولبست ثيابها النظيفة أو الجديدة، وقالت لمن عندها: لقد اغتسلت والآن قد حضر الموت. ثم نامت على فراشها بثيابها، وما أذن المغرب إلا وفاضت روحها. ويذكرون أخباراً نسمعها من أناس كثيرين، يقول بعضهم: يا بني! قد حضر الأوان.. يا بني! إن الشمس على أطراف الجريد.. يعني في آخر النهار .. وهكذا. وهذه أمور نوادر قد يطلع الله بعض عباده بشيء من الإحساس .. بشيء من الخواطر .. بشيء مما يكشفه لبعض العباد، وهذه أمور لا حكم لها؛ لأنها نوادر، وقد يجعلها الله إكراماً لمن شاء من عباده.

    ثم قال: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) .

    الروح إذا قبضت صعدت، وتبعها البصر إلى أعلى.

    كراهية البكاء والعويل عند الميت

    قالت أم سلمة: (فضج ناس من أهله)

    لما رأوه يغمض بصره عرفوا أنه قد مات فضجوا، فهناك قال لهم: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي: لا تقولوا إلا خيراً، كما في بعض الروايات: (لا تقولوا إلا خيراً؛ فإن الملائكة تؤمن) أي: أن الملائكة تحضر عند الميت، إما ملائكة الرحمة، وإما ملائكة العذاب، عياذاً بالله!

    إذاً: الملائكة تحضر عند الوفاة، وتؤمن على ما يقول أهل بيته.

    الدعاء للميت

    ثم دعا لـأبي سلمة فقال: (اللهم اغفر لـأبي سلمة) وههنا لطيفة، وهي أنه كان يمكن أن يقول: اللهم اغفر له.. اللهم ارحمه.. ولكنه سماه باسمه فكأنه نوع من التلطف، ونوع من المواساة، بحيث أبرز الظاهر بدل الإضمار عنه، وهذا فيه شدة عناية به؛ لأنه يحب أبا سلمة .

    ولا شك أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب، ولهذا قال بعض الصحابة لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لميت: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وذلك لمكان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (وارفع درجته في المهديين)

    ثم قال: (وارفع درجته في المهديين) .

    من هم المهديون؟ لو تأملنا قوله تعالى في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7] أي: أنعمت عليهم بالهداية، وقوله تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا لـأبي سلمة أن يرفع الله درجته في المهديين، ليس فقط: وألحقه بهم، أو أن يكون معهم، بل أن يكون معهم في درجة رفيعة، وهذا والله هو سيد الدعاء.

    وفاز بها أبو سلمة رضي الله عنه، وهو حري بذلك، ومن قرأ ترجمته في هجرته وفي حياته وجهاده عرف أنه يستحق فعلاً (وارفع درجته في المهديين).

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (وأفسح له في قبره)

    ثم قال: (وأفسح له في قبره) .

    القبر محدود، وهو على قدر الإنسان، فكيف يفسح له فيه أو يضيق عليه؟ هذا أمر غيبي، وأمور البرزخ غيبية لا يمكن إدراك شيء منها قط. وهناك محاولات عديدة رغبة في الاستطلاع، ولكنها باءت بالفشل.

    وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن القبر أنه بين أحد أمرين: إما روضة من رياض الجنة، ورياض الجنة لن تكون ضيقة بل فسيحة، وإما حفرة من حفر النار، عياذاً بالله!

    ولا مجال للعقل أن يتدخل في الكيفيات، لكنه يتدخل في التصور، فيتصور روضة الجنة، ويتصور حفرة النار، لكن كيف يصير القبر واحدة من هاتين؟ هنا يعجز العقل؛ لأننا نجد الموتى في المقبرة متجاورين، وهذا في نعيمه وذاك في جحيمه، عياذاً بالله! فدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفسح الله له في قبره يدل على أن هذا ممكن؛ لأنه لو لم يكن ممكناً لما كان لسؤاله حاجة.

    وقد ذكرنا فيما سبق ما جاء عند ابن كثير في قصة العلاء بن الحضرمي ، لما رجع من البحرين ، وفتح الله على يديه، أصيب بعد عبور النهر، فتوفي فدفنوه في مكانه، فأتاهم أناس من أهل ذلك المكان وقالوا: إن كان صاحبكم عزيزاً عليكم فلا تتركوه في هذا القبر، فإن هذه الأرض لا تقبل الموتى، تلفظهم على وجهها!! ماذا فيها؟! والله سبحانه وتعالى يقول: أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً [المرسلات:25] أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً [المرسلات:26]؟ فالله جعل الأرض أماً للإنسان، في حياته تطعمه وفي مماته تؤويه، وهذه الأرض خرجت عن القاعدة، فكيف أعطاها الله هذه الحالة؟ لا ندري، فقالوا: والله ما من حق ابن الحضرمي أن نتركه نهباً للسباع. ما دامت الأرض سوف تلفظه ستأتي السباع وتأكله، ومن حقه علينا أن نكرمه، فرجعوا إلى القبر وحفروه وهم حديثو عهد به، فلما فتحوا القبر لم يجدوا فيه أحداً، ووجدوا القبر ممتداً على مرمى البصر.

    وقد ذكرت لكم مصدر هذا الخبر؛ لأن الروايات التاريخية مبناها على الإثبات، وابن كثير ليس رجلاً عادياً، بل هو محدث، ومفسر، وهو سلفي، وبعيد عن الترهات.

    وقد جاء في الحديث الآخر ما يتعلق بسؤال الملكين، وأنه أول ما ينزل الإنسان القبر يأتيه الملكان ويسألانه، ثم إن كان صالحاً فتحت له نافذة إلى النار، وقيل له: هذا مكانك لو لم تؤمن، ثم تغلق، وتفتح له نافذة إلى الجنة، ويقال له: هذا مكانك، ويفسح له في قبره مد البصر، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة.

    فجاء الإخبار عنه صلى الله عليه وسلم بأن القبر يفسح فيه ويضيق، وهنا يدعو النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي سلمة أن يفسح الله له في قبره.

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (ونور له فيه)

    ثم قال: (ونور له فيه) .

    لا شك أن القبر مظلم، وهو أشد ظلمة من ظلمات الدنيا، لا يأتيه ضياء ولا هواء، إلا رحمة الله، وهنا يدعو النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي سلمة أن ينور الله له في قبره .. ومن أين يأتي هذا النور؟ لا توجد شمس، والعالم كله يقول بأن الشمس هي مصدر النور، حتى القمر يقولون: يستمد ضوءه من الشمس، وقد خالف في ذلك بعض العلماء، ونحن لسنا بفلكيين في هذا الموضوع.

    وقد جاء عن علي رضي الله عنه لما رتب أمير المؤمنين عمر صلاة التراويح في المسجد جماعة، وأمر بإسراج المساجد في رمضان، فدخل علي رضي الله عنه فقال: نور الله عليك قبرك يا ابن الخطاب كما نورت مساجدنا. وتنوير القبر إنما هو من رحمة الله، فنحن لا ندري، وليس لنا طريق أن ندري كيف يكون نور القبر؟ إنما هو من رحمة الله بالعبد، وما دام أن قبره روضة من رياض الجنة فإن الجنة ليس فيها ظلام.

    إذاً: يأتيه النور من رحمة الله وجزاءً لحسن عمله، وهو إكرام من الله مهما يكن له من عمل، وهذا النور إلى أن تقوم الساعة، ولو حسبنا كل أربعة وعشرين ساعة بدرهم لما وفى حقها، لكنها رحمة الله.

    هذا هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل في جهره صلوات الله وسلامه عليه بالدعاء ليسمعه الحاضرون فيتذكروا ويعلموا أن الإنسان أحوج إلى أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، وأن أخوف ما يكون عليه ضيق القبر وظلمته، كي يعمل لذلك اليوم، ويرجو في الله خيراً.

    وقد جاء عن بعض السلف أنه كان يداوم على صلاة ركعتين من صلاة الأوابين، وهي كما قيل ما بين المغرب والعشاء، فكان يصليها بنية أن ينور الله عليه قبره.

    ومهما يكن من شيء؛ فقد جاء الحديث يبين حالات غيبية من خصائص ذلك اليوم، وجاء القرآن يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد:12]، وجاء الحديث: (إن أمتي يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء) وتتمة الآية: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ [الحديد:13].

    إذاً: الله سبحانه وتعالى ينير القبر للمؤمن، ويرزقه نوراً يوم القيامة، وكذلك تنور مواطن الوضوء، نسأل الله أن يرحمنا جميعاً.

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (واخلفه في عقبه)

    ثم قال: (واخلفه في عقبه)

    دعا له بشخصه بالرحمة، وبسعة القبر وبنوره، فلا تحزن -أبا سلمة- فالقبر فسيح، ولا تخف فالقبر مضيء لك .. لا تخف فإن دعوة رسول الله لك بالرحمة مستجابة.

    وأهلك وعقبك لا تخف عليهم، فإن الله يخلفك فيهم، ومن أخلفه الله في عقبه فلن يضيعوا.

    ولقد خلفه الله في عقبه، نعم. إنه تصديق للدعوة؛ فإنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة ، وقال لها: (قولي: اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلفني خيراً منها، قالت في نفسها: ومن سيكون خيراً من أبي سلمة؟) ولكن امتثالاً وطاعةً قالتها، فأخلفها الله خيراً من أبي سلمة .

    وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد حقق بعض هذه الدعوات المباركات؛ فإنه دليل على تحقيق بقية الدعوات التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي سلمة .

    تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه

    نظرة سريعة أيضاً في أمر أبي سلمة ، لنرى الروابط والصلة الإسلامية والدينية والروحية بين سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وأفراد أمته:

    لو أن إنساناً قرأ جميع سجلات التاريخ في العالم، فلا يمكن أن يشم رائحة هذا العطف، ولا هذا التراحم، والتلاحم، بين قمة الأمة وأفرادها وآحادها، كما نجد هنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذكرنا في عيادة المريض من مكارم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان له خادم يهودي ذمي، وأنه مرض، فكان يذهب إليه ليزوره، ويعرض عليه الإسلام، ويكرم الله ذلك الغلام بالإسلام بعرض رسول الله عليه .. فمن يفعل هذا؟!

    أعتقد أنه لو لم يأت نص في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، ولا وصية من صحابي من أصحاب رسول الله بوجوب محبة رسول الله على النفس والمال والولد؛ لكان حرياً بذلك، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].