اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [2] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الجنائز [2] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
الموت حق، وهو حتم واقع على كل إنسان، وحدث يتردد على بيوتنا وجيراننا بين الحين والآخر؛ فلذلك كان من الواجب علينا أن نتعلم الأحكام المتعلقة به، لنتمكن من توديع موتانا ودفنهم وفقاً للسنة، ولنتجنب البدع التي كثرت في العهود المتأخرة في مراسم الموت.وعلى هذا فإن هناك أحكاماً كثيرة متعلقة بالاحتضار، والتجهيز، والدفن، والتلقين، والقراءة للميت، والصدقة عنه.. وغير ذلك من الأحكام؛ موضحة أحسن توضيح، مدعمة بالأدلة الشرعية، مردفة بأقوال الأئمة والفقهاء.
باب تلقين الموتى لا إله إلا اله
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم والأربعة.
 حكم وصول العبادات البدنية إلى الميت
العبادات البدنية تبدأ من الذكر باللسان: الدعاء، الاستغفار، تلاوة القرآن، البدن: صلاة، صيام، فجاءوا في الأذكار والدعاء وقالوا: لا شك أن الدعاء يصل الميت، وقد وجدت للإمام ابن تيمية نحواً من المائة صفحة في هذا الباب يدلل على وصول عمل الحي للميت بدنياً كان أو مالياً، والدعاء -يقول- أكبر شاهد، حيث إنه يؤتى بالميت ونقوم فنصلي عليه، وفيها قراءة الفاتحة، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ندعو للميت، ولولا أن الميت ينتفع بدعاء المصلين له لما كان له فائدة وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا [الحشر:10] إخواننا من؟ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] يدعون الله بالمغفرة لهم ولمن سبقهم من إخوانهم بالإيمان، فهذا نص القرآن الكريم بأنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة، ولمن سبقهم من إخوانهم بالإيمان، أي: الذين ماتوا قبلهم، فالدعاء لا شك فيه ولا غبار.أما الصلاة فجاء الحديث: (كان لي أبوان أبرهما في حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فذكر صلى الله عليه وسلم: تتصدق عنهم، وتدعو لهم مع دعائك، وتصلي لهم مع صلاتك) فقالوا: هذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أنه يصلي لوالديه مع صلاته.ونجد في الحج أن يُحج عن الميت، وبعد الطواف هناك صلاة ركعتي الطواف، فهذا طواف عن الميت، وهذه الصلاة عن الميت، نقول: هو الذي طاف، ليس هناك مانع، لكن باسم غيره.أما الصوم، فقد جاء في الحديث الصحيح: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وعليه الأئمة الثلاثة ما عدا المالكية يقولون: إن كان الصوم نذراً فإنه هو الذي أوجبه على نفسه فيقضيه، أما إذا كان صوم رمضان فالله هو الذي كلفه وهو الذي أماته فليس عليه قضاء، لكن الحديث عام وصريح: من مات وعليه صوم } بالتنكير دون تعيين نوع من أنواع الصيام.والحج جاء فيه: (أحج عن أبي؟ قال: بلى) (أمي ماتت أحج عنها؟ قال: نعم.) والحج عن الغير أمر مشهور عند الجميع.لكن بقي الخلاف والنزاع الطويل في قراءة القرآن، فمن يرجع إلى الإمام ابن تيمية رحمه الله في المجموع وفي كتاب الجنائز يجده رحمه الله يرتب الموضوع فيقول: نحن اتفقنا على أن الميت ينتفع بدعاء الحي: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وهذا متفق عليه، ما معنى: اللهم ارحمه؟ معناه: يا رب! أنا ليس عندي شيء، ولكن أتوجه إليك، وأسألك من عندك رحمة للميت، فإذا كان الله سبحانه يرحم الميت برحمة من عنده بسؤالك أنت إياه، فرحمة الله نزلت على الميت فضلاً من الله وليس لك في ذلك شيء إلا المسألة، فالرحمة من الله لعبده.. ماذا فعلت أنت؟ دعوت. يقول: نأتي إلى القراءة حينما تقرأ الفاتحة.. يس.. آية من كتاب الله، لك بكل حرف عشر حسنات، فأنت عملت وبعملك وعدك الله الأجر، فأصبح لك -بمقتضى وعد الله وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم- بكل حرف عشر حسنات تكتب في صحيفة أعمالك، فأنت تقول: يا رب! هذا الذي عملت، وهذا الذي وعدتني وهو حق لي، أسألك أن تعطيه لفلان، فإذا كان الدعاء وهو طلب الرحمة من الله وأنت لا تملك منها شيء يصل إلى الميت، فكيف بالحسنات التي استحققتها أو التي وعدت بها وتكتب في صحيفتك فأنت تقول: أنت وعدتني به وأنا أتبرع به للميت، أيهما أولى بالقبول الشيء الذي كان عن عمل منك، أو الشيء الذي هو مجرد سؤالك رحمة من الله؟ الذي كان عن عمل منك؛ لأنك عملته، وبوعد من الله كنت تستحقه، ويكتب لك في صحيفة أعمالك، فهو موجود عن سبب منك أنت. وبهذا المنطق يسترسل رحمه الله في إثبات انتفاع الميت بعمل الحي.ثم نحن نقول: هل نحن نحجر فضل الله؟ هل نمنع رحمة الله عن عباده؟فإنك إذا ما عملت عملاً وطلبت من الله أن يجعل ثوابه لوالديك أو لمن شئت من المسلمين، فإنه يكون صدقة جارية ذا ثمرة تدوم بعدك، مثل بناء مدرسة، أو مسكن للمساكين، أو حفرت قناة، أو بنيت جسراً، أو مهدت طريقاً، أو بنيت مسجداً، أو ورثت مصحفاً، فأنت بصلاحك وبفعلك الخير لهذا الرجل بقي من أثر عملك عنده ما جعله يدعو الله لك، إذن لك أثر في هذا العمل؛ لأنه لا يوجد أحد يقرأ لك قرآناً ويهب ثوابه إليك وبينك وبينه عداوة، بل لابد أنه كانت هناك صلة، كان لك عمل من الخير يجعله باقٍ عنده يعطفه عليك حتى يهب لك من عمله الخير.إذاً: الصدقة الجارية باقية.وكذلك عمل الولد: (ولد صالح يدعو له) .. (ولد الرجل خير كسب أبيه) فإذا دعا الولد أو عمل الولد صالحاً فإنه داخل لا يمنعه. وأما قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم:39] فقد أجاب ابن تيمية رحمه الله حيث قال: الآية تقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ [النجم:39] أي: من نفسه إلا ما سعى هو به، فالآية ما منعت أن يكون له من سعي غيره، نعم. سعيه انقطع لحديث: (إذا مات العبد انقطع عمله) لكن إذا انقطع عمله فإنه لا يمنع أن يستمر له عمل من غيره، إذن الميت انقطع عمله، لكن هذا لا يمنع أن يأتيه من عمل الغير خير له.وأرجو من كل طالب علم أن يرجع من هذا الموضوع إلى هذا المرجع المجموع ليرى الأسلوب والمنهج والهدوء، وعدم الخصومة، وعدم النزاع، وليرى أسلوب السلف في معالجة الأمور، وكيف كانوا يقيمون الأدلة عليها، وأرى إن شاء الله أنه ما من طالب علم يقرأ هذا البحث إلا سيجد الخير الكثير، وبالله تعالى التوفيق.
باب القراءة عند الميت
وعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرءوا على موتاكم يس) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان . على ما تقدم في معنى (موتاكم) أنه حين الاحتضار أو بعد الوفاة، والجمهور على أن هذا الحديث بالذات إنما يراد به عند الاحتضار؛ لأن القرائن في النصوص الأخرى تؤيد ذلك (فإنه ما قرئت يس عند محتضر إلا خفف عنه) وهذه قرينة على أنها تقرأ عند احتضار الموت وعند النزع.
 تسبيح الجمادات
قد يتوقف بعض الإخوان في بعض النصوص، ولكن أكرر وصيتي مرة أخرى لكل طالب علم أن يرجع في البحث إلى الإمام ابن تيمية رحمه الله. مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر -أو لا يستنزه- من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) إلى هنا الحديث متفق عليه، وهناك زيادة في الحديث: (فأخذ جريدة رطبة فشقها ووضع على كل قبر شقاً منها وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فقالوا: هذا يدل على انتفاع الميت بشيء خارج عن عمله، وأين عمل الغير؟ وإنما هو انتفاع بالرطوبة الموجودة، وقالوا: إن النبات والشجر ما دام رطباً يسبح الله، فلعل الله يخفف عنهما بالتسبيح الصادر من هذه الأغصان، مع أنه جاء في القرآن الكريم: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ [الإسراء:44] أخضر أو يابس، نبات أو جماد أو حيوان أو أياً كان: إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].وجاء عند بعض السلف أنهم كانوا جالسين على خوان فقال أحدهم لصاحب البيت: أيسبح هذا الخوان؟ -على عموم قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]- قال: نعم. كان يوماً يسبح، يعني حينما كان نباتاً أخضر.وقد جاءتنا حادثة معجزة محسوسة ملموسة شاهدها الناس، وسمعوها بآذانهم، وهي حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم نطق الحصى وسبح في كفه صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لما كان يخطب متكئاً على الجذع ثم انتقل إلى المنبر، فلما تحول صلى الله عليه وسلم إلى المنبر حن الجذع لرسول الله حنين الناقة العُشَراء، حتى سمعه كل من في المسجد، فأتى إليه صلى الله عليه وسلم وربت عليه وقال: (إن شئت أخذتك فغرستك فعدت نخلاً غضاً تثمر، وإن شئت كنت من غرس الجنة، فقال: -والكل يسمع- بل أكون من غرس الجنة، فحفر له في أصل المنبر ودفنه) فهذه الجمادات الله سبحانه وتعالى أعلم بأمرها، ولكن ثبت في العيان أنها تسبح الله، وأنها تتكلم ويسمعها الناس، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء .. إذاً: نترك الأمر لله سبحانه وتعالى.
باب إغماض عيني الميت
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، وقد جاء ناس من أهلي فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لـأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه) رواه مسلم .
  تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه
نظرة سريعة أيضاً في أمر أبي سلمة ، لنرى الروابط والصلة الإسلامية والدينية والروحية بين سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وأفراد أمته: لو أن إنساناً قرأ جميع سجلات التاريخ في العالم، فلا يمكن أن يشم رائحة هذا العطف، ولا هذا التراحم، والتلاحم، بين قمة الأمة وأفرادها وآحادها، كما نجد هنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد ذكرنا في عيادة المريض من مكارم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان له خادم يهودي ذمي، وأنه مرض، فكان يذهب إليه ليزوره، ويعرض عليه الإسلام، ويكرم الله ذلك الغلام بالإسلام بعرض رسول الله عليه .. فمن يفعل هذا؟! أعتقد أنه لو لم يأت نص في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، ولا وصية من صحابي من أصحاب رسول الله بوجوب محبة رسول الله على النفس والمال والولد؛ لكان حرياً بذلك، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [2] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net