إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [12]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع النبي صلى الله عليه وسلم أن يختم المصلي الصلاة بدعاء مهم فيه الاستعاذة من أربعة أشياء من الغيبيات، ولا يقدر دفعها عن الإنسان إلا الله عز وجل، ويشرع بعده أن يسأل العبد ربه من خيري الدنيا والآخرة، ولا يشترط في ذلك التقيد بالألفاظ الواردة.

    1.   

    عذاب القبر حق

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

    من الغرائب ما يذكره بعض المتوسعين في السيرة في غزوة بدر: أن ابن عمر كان مر ببدر بعد الوقعة، فرأى رجلاً يخرج من الحفرة ويقول: يا عبد الله ! وخلفه رجل يضربه بسوط ويجره بسلسلة، ويقول: يا عبد الله ! لا تسقه إنه كافر، فيقول ابن عمر : فوالله لا أدري أعرفني أني عبد الله بن عمر أو ناداني بنداء العرب، يا عبد الله! وكل الناس عبيد الله، فذكر ابن عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنت رأيته؟ قال: نعم، أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: ذلك أبو جهل يعذب بذلك إلى يوم القيامة)، وأخبار القبر من أراد أن يتوسع فيها فليراجع فيها كتاب ابن أبي الدنيا، وكتاب الروح لـابن القيم، وأحوال أهل القبور فيها أشياء مسطرة كثيرة جداً، منها ما صح سنداً، وما ضعف فيه السند، أشياء فوق العقل، وليس لنا إلا أن نسلم لكل ما صح سنده، وقد جاءت النصوص الصريحة عنه صلى الله عليه وسلم في أن القبر أحد أمرين:

    إما روضة من رياض الجنة، وإما -عياذاً بالله- حفرة من حفر النار، وفي الحديث: (إذا وضع المؤمن، جاءه الملكان وسألاه -في باب طويل جداً- فإن كان مؤمناً وأجاب، فتحت له فتحة من النار، ويقال: ذاك مقعدك لو لم تكن آمنت، ثم يقفل عنه ويفتح له باب من الجنة، ويقال: ذاك مقعدك يوم القيامة، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة)، وإن كان العكس بالعكس.

    وما أنكر عذاب القبر إلا بعض من يُلغي الغيبيات غير معقولة المعنى، وهذا خطأ، وبعضهم ينسب ذلك إلى عموم المعتزلة، وبعضهم يقول: إنه رأي للبعض منهم وليس للجميع، ومما يوردون من الشبه: كيف يكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار والقبور متقاربة متلاصقة؟ وفي بعض الروايات: (يمد له مد البصر)، كيف يمد مد البصر والمقبرة مائة متر في مائة متر؟ واحد فقط لو مد له مد البصر أخذ المقبرة كلها، ثم أين يذهب البقية؟ ولكن ما دام الأمر غيباً والله لا نستطيع أن نقول: كيف يمد؟

    ويستحي الإنسان الآن أن يقول هذا، نحن في الوقت الحاضر ربما نجلس أمام الشاشة، ونجد منظر بواخر في المحيطات، وطائرات تطير، وغواصات في باطن الماء، ونجد ونجد .. والشاشة كلها أربعة وعشرون بوصة، فهل نقول: كيف جاءت هذه؟ لا والله ما نقول، وهذا تقريب للواقع، وقد توجد شاشة ثانية بجوارها فيها خلاف ذلك، ونحن لسنا في حاجة إلى هذا كله، ولكن نقول: يجب على المسلم إذا سمع خبراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سمعاً وطاعة، كيف نؤمن بالجنة والنار؟ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133]، الروم تساءلوا: إذا كان عرضها السماء والأرض فأين تكون النار؟ فجاءهم الجواب.

    إذاً: كل ما كان غيباً لا يمكن للعقل أن يدركه؛ لأنه إذا أدركه لم يعد غيباً، وكل المغيبات فوق قانون التصور العقلي، وهنا فرق بين المسلم وغير المسلم، فالمسلم بإيمانه ويقينه وتصديقه بالوحي عن الله يقول: سمعاً وطاعة، وكما نقل عن كعب الأحبار عندما سأله عمر : ما هذا العلم الذي تعرفون به محمداً أكثر من أبنائكم؟ كما قال الله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، قال: والله! إن لمعرفتي بمحمد أشد من معرفتي بولدي، قال: كيف ذلك؟ قال: لأن نعت محمد وتعريفه جاء بالوحي، والوحي صادق، أما ولدي فإن النسوة يُحدثن -انظر إلى أي مدى- فيخطئن، وأنا لا أحرس امرأتي وآخذها معي، فهي تغيب عني ولا أدري ما يكون، ولكن الوحي لا يعتريه شك، فأنا أعرف بمحمد لصفاته عندنا بالوحي، وأشد اطمئناناً إليه من اطمئنان نسبة ولدي إليّ.

    إذاً: نحن نستيعذ بالله من عذاب القبر، وأشرنا لما قاله والدنا الشيخ الأمين: إن العلماء يقولون: عذاب القبر ثابت بنص القرآن، كما جاء في حق آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا [غافر:46]، وهذا العرض غدواً وعشياً قبل أن تقوم الساعة، ولا يكون ذلك في الحياة وهم أحياء، إذاً: لم يبق إلا فترة البرزخ، ونسأل الله جميعاً أن يعيذنا من جهنم ومن عذاب القبر، ونسأل الله السلامة والعافية، والعالم مهما اجتمع وأوتي من قوة وإمكانيات ومستحدثات لا يمكن أن يدفعوا عذاب القبر عن صاحب القبر وأرادوا مرة أن يقفوا على سؤال منكر ونكير، وفي بعض البلاد لا يوضع لحد ولا قبر إنما توجد غرف يضعون فيها الموتى، وهذا موجود في البقيع في حالة -عافانا الله وإياكم- الطوارئ، عندما يحدث موت بالجملة، ولا يستطيع الناس أن يحفروا حالاً لكل شخص قبراً، فيجعلون مكاناً واسعاً ويرصون فيه الموتى، وكل مقبرة كبيرة فيها شيء للطوارئ من هذا، فبعض البلدان يجعلون هذا للأسر، وقد تكون هناك بعض البلاد فيها تكليف، المهم جاءوا بجهاز تسجيل ووضعوه في تلك الغرفة وسحبوا السماعة إلى الخارج، وجلسوا ينتظرون ما يسمع بعدما دفنوا ميتهم، والمسجل يسجل، لكن لا يوجد أي شيء، إلى أن مضت أربعة وعشرون ساعة، ورجعوا فوجدوا المسجل على ما هو عليه، والشريط انتهى ولم يلتقط أي شيء.

    إذاً: شيء فوق تصور العقل، والميت يسمع ويعقل، والأحاديث في سؤال القبر شبه المتواترة، ومن ينفي عذاب القبر يلزمه أن ينفي عذاب جهنم؛ لأن الحديث جاء بالاستعاذة منهما معاً، فإذا كان يؤمن بعذاب النار، ويستعيذ بالله من عذاب جهنم؛ فما الذي يجعله يمتنع من أن يثبت عذاب القبر، ويستعيذ بالله من عذاب القبر؟ إن أثبت هذا فليثبت هذا معه، وإن نفى هذا يلزمه أن ينفي الثاني معه، ولا أحد ينفيهما حتى أهل الكتاب.

    1.   

    الاستعاذة من فتنة المحيا والممات

    قال: (ومن فتنة المحيا والممات).

    هناك عذاب وهو شيء واقع، وهنا فتنة، ويقول علماء اللغة: أصل الفتنة: إدخال الذهب في النار لتخليصه من الشوائب العالقة به؛ لأن الذهب لا تحرقه النار، وإنما تحرق ما علق به؛ ولهذا حينما يريدون معرفة عيار الذهب في المصاغ يأخذون جزءاً من المصاغ وليكن سنتي من مائة سنتي من الجراب، ويدخل هذا الجزء إلى نار حرارتها فوق المائتين لكي تذيب كل المعادن الموجودة مع الذهب، وقد يكون معه نحاس أو قصدير أو النحاس الأحمر وأشياء كثيرة، فتذوب ويبقى الذهب خالصاً بعد إدخاله في تلك الدرجة العالية من الحرارة؛ فيعيدون وزنه بعد ذلك. وبقدر ما نقص بعد الوزن الأول وقبل الإحراق فيقولون: عيار كذا، فتكون السبيكة أو الجرم الذي أخذ منه العينة فيها من المعدن غير الذهب بقدر ما أحرقته النار وبقي الصافي، وعلى هذا قالوا: استعملت الفتنة ونقلت من الاسم المادي؛ على قواعد فقه اللغة، فأصل المادة اللغوية توضع للمحسوس أولاً، ثم تنتقل من المحسوس إلى المعقول المقارب لها، كما قالوا في الصلاة والصيام والزكاة: كل هذه وضعت للأمر اللغوي أولاً.

    فالصلاة مأخوذة من الصلوين، أو من المصلي وهو الفرس الثاني، الأول مجلي والثاني مصلي؛ لأن عنقه عند صلوي الفرس، وهما مؤخر الفرس، وصلو الإنسان عند حقوه؛ لأنه يثني ظهره إلى حقوه في الركوع، ثم جاء أصلها الدعاء ونقلت إلى الصلاة.

    وكذا الأُذن، أصل مادة الأذان والآذن والمأذون والإذن راجع إلى حاسة الأذن؛ لأن الخبر يلقى فيها، إلى غير ذلك من علم أصل الاشتقاق، فهنا الفتنة الأصل فيها لأمر محسوس وهو إحراق الذهب لمعرفة خالصه من شائبه، ثم انتقلت بعموم الاختبار، وأصبحت الفتنة الامتحان والاختبار، ولذا جاء في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج:10]، قيل: أحرقوهم؛ لأن أصل الفتنة الإحراق بالنار، وقيل: فتنوهم عن دينهم بهذا التعذيب، والعامل المشترك بين معاني الفتنة: الشدة والعجز عن التحمل.

    حقيقة فتنة الدنيا

    يستعيذ الإنسان بالله من فتنة الدنيا، وهل في فتنة الدنيا إحراق أو شدة؟

    قالوا: لا، لكن بجامع الشدة في التحمل، والفتنة في الدنيا، انتقل استعمالها مرة ثالثة فيما يختبر به الإنسان ويُمتحن من التكاليف أو مما يعرض له من ظروف الحياة من شدة ورخاء، قد يفتن بالمال: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، وقد يفتن بالغنى: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وبعض العلماء يقول: الصبر على العافية أشق على النفس من الصبر على المرض والضعف؛ لأن المريض خامد ليس عنده شيء، لكن المتعافي يتحرك بالقوة وقد يعتدي بأدنى مناسبة، وهكذا زيادة المال تُطغي.

    يقول ابن دقيق العيد : كل ما يرد على الإنسان من خير أو شر لامتحانه، وهنا يأتي مبحث بعض المربين: أيهما أفضل: الغني الشاكر الذي يصبر على النعمة التي افتتن بها لكنه يحفظها ويشكر الله عليها فلم يفتن أو الفقير الصابر الذي اختبر وامتحن بقلة المال فصبر؟

    يُرجح الغني الشاكر؛ لأن الغني الشاكر شكره لغناه يجعله يعدي تلك النعمة إلى الآخرين، ويحسن إليهم بصدقة وبفعل الخير، لكن الفقير الصابر هو صابر، والناس ما نالهم من صبره شيء، وكما قالوا: الخير المتعدي أولى من الخير اللازم على صاحبه، وعلى هذا قالوا: فتنة المحيا كل ما يعطاه الإنسان من خير أو شر؛ فإن كان خيراً امتحن فيه، هل يؤدي شكر النعمة؟ وإن كان شراً؛ هل يصبر عليه؟ كما جاء في حديث عيادة المريض: (انظروا ماذا يقول لعواده؟ هل يشتكيني عليهم: أمرضني وأسقمني وسوى وسوى معي؟ أم يحمد الله على ما أعطاه، فإذا سمعوا منه أنه يشتكي الله عليه قال: دعوه مع الذي اشتكى لهم، وإذا سمعوا منه أنه يحمد الله على ما أصابه، وأنه رضي بقضاء الله وقدره فيقول: أمهلوه) فالله قد يحب أنين العبد الصالح في ابتلائه فيتركه على حاله ليصعد هذا الأنين الصادر من القلب إلى الله وحده.

    يهمنا هنا أن فتنة المحيا تشمل كل شيء، وكما قدمنا في المال والولد: أنه قد يكون فتنة ولا يدري الإنسان ما هو الخير.

    فتنة الممات وما تطلق عليه

    فتنة الممات تحتمل أمرين:

    إما فتنة ما يقع فيه الإنسان عند آخر حياته، وبما يُختم له به، ونسبت إلى الممات؛ لأنها قريبة في مماته، وما قارب الشيء أعطي حكمه، وفي الحديث: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ومنكم من يعمل بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)؛ ولذا قالوا: الافتتان هنا عند آخر حياته، هل يكون آخر كلامه لا إله إلا الله؛ أم أنه يعجز عنها وينصرف ويشغل بأمور أخرى؟

    فبعضهم يقول: وفتنة الممات تحتمل أن تكون عند لحظة النزع والاحتضار فهناك يفتن، وقد يأتيه الشيطان ويسول له أشياء كثيرة، وإما الفتنة بعد الموت فهي السؤال في القبر، لما ورد من الأحاديث الصحيحة في ذلك: (إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان فأجلساه)، وجاء أن الملكين يسألانه: عن ربه ودينه ونبيه؛ فإذا كان مؤمناً صالحاً وفق للجواب، وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم (حضر جنازة وبعد أن انتهوا من دفنها قال: سلوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل)؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحضر دفن الجنازة بعد أن يفرغوا من دفنه وتسوية التراب عليه أن يسألوا الله له الثبات في الجواب عن السؤال.

    عمرو بن العاص أوصى عند موته فقال: (إذا أنتم دفنتموني، فأقيموا عند قبري بقدر ما تنحر الجزور، -يعني: تذبح وتسلخ وتقسم- فإني أستأنس بوجودكم عند سؤال الملكين).

    إذاً: عند السؤال الله أعلم بمن كان مخلصاً في دينه، صادقاً في إيمانه، فيلهمه الله الجواب الصحيح، ومن كان منافقاً -عياذاً بالله- أو كان أو كان، قال: هاه هاه لا أدري، هاه هاه سمعت الناس يقولون فقلت، وهنا الفتنة حقاً.

    ويقول بعض العلماء: هل هذا السؤال وتلك الفتنة عامة في جميع البشر من آدم إلى الآن وفي جميع الأمم؟ قالوا: لا، هذا خاص بهذه الأمة فقط، وما كان أحد من الأمم يسأل عن هذه الأمور في قبره، ولماذا امتحنت هذه الأمة مع أنها خير الأمم؟ ولماذا فتنت في قبرها؟

    قالوا: لأن الأمم السابقة كانت إما أن تستجيب لنبيها فتسلم، وإما أن تعاند فيعاجلها العذاب، وكم من أمة جاءها العذاب واستأصلها لأنهم كذّبوا، أما هذه الأمة فقد رفع الله عنها العذاب إلى يوم القيامة، فهم يمضون في طريقهم.. الصادق على صدقه، والكاذب على كذبه، والمنافق على نفاقه، ومن هنا تأتي الفتنة والسؤال والفرز الأول في القبر، نسأل الله السلامة والعافية.

    في القبر من يمكن أن يساعد الإنسان هناك؟

    لا أحد، وكما قيل: ثلاثة تصحب الميت، اثنان يرجعان، ويبقى واحد، ماله وأهله وعمله، ماله يذهب في فخر الناس ومجاملاتهم، وأهله يحزنون عليه، وعمله هو الذي يصحبه ويلازمه في قبره، فلا يملك أحد له شيء إلا الله. كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من هذه الأربع في كل صلاة، وعلمنا ذلك؛ لئلا تغيب عن البال، دائماً وأبداً إذا استعذنا بالله من عذاب النار تجنبنا موجبه، إذا سألنا الله الاستعاذة من عذاب القبر أيضاً تجنب سببه، وقد جاءت بعض الأحاديث تؤكد على بعض أسباب عذاب القبر، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول)؛ يعني: ليس بكبير لأنه يستطيع أن يتحرز منه، (بلى إنه كبير)؛ لأن عليه تتوقف صحة الصلاة، والصلاة عماد الدين، (وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة بين الناس)، ليس بكبير، يستطيع أن يمسك لسانه ويكفه عن الغيبة، ولكنه كبير؛ لأن الغيبة تفسد ما بين كل اثنين أو جماعة أو الجميع، والحديث هنا صحيح الإسناد، وهناك زيادة فيها مباحث (فأخذ جريدة فشقها نصفين، فوضع على كل قبر شقاً، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)، ويأتي بحث العلماء: هل لنا أن نفعل ذلك اقتداء به صلى الله عليه وسلم، الكثير يقولون: نعم، والبعض يقول: لا، لأننا لم نطلع كما اطلع صلى الله عليه وسلم على أهل القبر، ولا ندري أنه يعذب أو ينعم، لذا لا نضع احتياطاً، قالوا: وهل وضعنا نحن بأيدينا كوضع رسول الله؟ قالوا: لا، والمسألة تدور بين جواز فعل مثل ذلك عند القبور ومنعه، والذي عليه الاتفاق: أن ندعو له، وعند الدفن نسأل الله له التثبيت، وهذا ما يتعلق بفتنة الممات على إحدى المعنيين: إما أن يكون عند احتضاره مخافة سوء الخاتمة -عياذاً بالله- وإما ما يتعلق بسؤال القبر وهو فتنة عظيمة، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال

    قال: (ومن فتنة المسيح الدجال).

    مسيح على وزن: فعيل، من المسح، ويقول بعض العلماء: لقد جمعت له وجه في الاشتقاق ولم نقف على ذلك، ولكن كلمة المسيح من حيث اللغة يقول بعضهم: المسِّيح بتشديد السين تكون للدجال، والمسيح بدون أي وصف آخر هو عيسى بن مريم عليه السلام، قال الله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ [المائدة:75] وكيف نسبة الاسمين لهذين مع بعد ما بينهما؟

    قالوا: المسيح تطلق بالتخفيف على الجانبين، ولكن إذا أُريد به عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام جاءت مجردة وإذا أُريد الدجال لابد من القيد، كقولنا: جاء بأن المسيح الدجال يفعل كذا، فقالوا: سبب التسمية من أصل مادة المسح.

    أما الدجال: فلأنه يمسح الأرض كلها، ويأتي على جميع أماكن الأرض، ويطوف الكرة الأرضية ما عدا مكة والمدينة فلا يدخلهما، وقد جاء في رواية الموطأ في حق المدينة أن بها ملائكة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون؛ فالله سبحانه وتعالى حفظ المدينة من أن يدخلها الدجال، ولكن فتنته تصلها، بمعنى يأتي فينزل بملتقى الأسيال وراء بئر رومة -كما جاء في نص الحديث- فينصب خيامه ويدق طبوله، ويخرج له من المدينة كل منافق .. يخرجون إليه والمدينة معصومة منه وهي حرام عليه، وكذلك مكة المكرمة.

    إذاً: سمي المسيح لأنه يطوف في العالم بالمساحة السطحية ويجوبها كلها ما عدا الحرمين الشريفين.

    أما عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقالوا: مسيح بمعنى فعيل، ومسيح بمعنى فاعل، فقالوا: بمعنى فعيل ممسوح؛ لأنه نزل ممسوحاً، وما معنى ممسوح؟ قالوا: لأن النصارى من مبادئهم: أنهم يمسحون الطفل بما يسمى المعمدانية، فعيسى نزل ممسوحاً من عند ربه ولا يحتاج إلى مسحهم، وقيل: مسحه وعمده زكريا، وقيل: مسيح بمعنى فاعل أي: ماسح؛ لأنه كان يمسح المعتل فيبرأ.

    واللفظ هنا جاء مقيداً بالدجال، واللفظ يطلق فيشمل عيسى عليه السلام ويشمل الدجال، ولكن إذا أريد بالاستعمال المسيح الدجال لابد أن يأتي بهذا القيد.

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة الدجال

    شدد النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من فتنة المسيح الدجال وقال: (إن ظهر فيكم وأنا بينكم فأنا حجيجه، وإن يظهر وأنا لست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه) وبيّن صلى الله عليه وسلم أنه: (مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤها كل مؤمن)، وبأي لغة أو بأي حروف أو بأي مداد تكتب؟ الغ العقل هنا، وصدق الخبر، فسوف تراها في جبينه، وكيف كتبت وكيف رضي بذلك؟ هذا رغماً عنه.

    إذاً: فتنته بينها صلى الله عليه وسلم، وقضية تميم الداري مشهورة، حينما نزل بالسفينة وانكسرت بهم وجاء إلى جزيرة ورأى.. ورأى.. إلى آخره، وكتب الحديث والفتن والملاحم مليئة بأخباره، وفتنته: أن يأتي والناس في محل وشدة فيقول: يا سماء! أمطري فتمطر، يا أرض! أنبتي فتنبت، يا زرع! استوي فيستوي.. اطحنوا كلوا، في موقف واحد: تمطر السماء وتنبت الأرض ويطحنون ويأكلون، ويقول: أنا إلاهكم، أنا ربكم ها قد فعلت، أما المؤمن فيقول: لا، إنك كافر، قد أخبرنا بذلك رسول الله، وأما الكافر فلا يدري، ويقول: نعم، إنك كذلك؛ لأنك فعلت وفعلت، ثم يأتي بمسلم ويشقه نصفين بالسيف، ويمشي بين شقيه، ثم يقول له: قم، فيقوم ملتحم الشقين إنساناً سوياً، ويقول: أنا ربكم أُحيي وأميت، فالكافر يفتن به -عياذاً بالله- والمؤمن يقول: لا، قد أخبرنا بذلك رسول الله ولا يفتن به، ولأن المسألة تتعلق بلقمة العيش وبالحياة والموت كانت الفتنة به خطيرة، وتخشى على كثير من الناس، ومن هنا من يستطيع أن يدفع تلك الفتنة؟ إنه الله، فكانت الاستعاذة من المسيح الدجال بالله سبحانه وتعالى؛ لأنها فوق مستوى العقل، وفوق قدرة البشر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا جميعاً من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن كل فتنة تقع بالناس، والله تعالى أعلم.

    قال رحمه الله: [وفي رواية لـمسلم : (إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير)].

    تقدمت فائدة هذه الزيادة، وبأن موضع الاستعاذة يكون بعد الفراغ من التشهد الأخير، وقبل سؤال الله ما أعجبه.

    ومن الناحية الفقهية: يرى بعض العلماء كالظاهرية: بأن الاستعاذة من هذه الأربع واجبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا فرغ فليقل أو فليستعذ)، وهذه صيغة أمر، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب، ولكن الجمهور على أنها ليست على الوجوب، ولكنها للتعليم والإرشاد؛ فهي للندب، وأعتقد أن العاقل لا ينبغي له أن يتركها إذا علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا إليها، وبيّن لنا صلى الله عليه وسلم أنسب وقت لها، وهو: إذا فرغ من التشهد؛ فكيف يتركها الإنسان؟ وهل أمن على نفسه؟ لا والله، إذاً: لا ينبغي له أن يتركها.

    1.   

    شرح حديث: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً...)

    قال رحمه الله: [وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)، متفق عليه].

    كأنه يقول: كل ما أعلمه لا يساوي ما يعلمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه من خصائص الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع رسول الله، فقد كانوا يتلقون الأمر عنه مباشرة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    ويقول العلماء: الإنسان مهما كانت منزلته، ومهما بلغ فضله؛ فليس في غنى عن التعليم، فها هو أبو بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه، وقد شهد له الله في كتابه، وأخبر عنه صلى الله عليه وسلم: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح بها) .. ها هو في حاجة إلى من يعلمه، ولكن من؟ رسول الله؛ لأنه لا يوجد أحد أعلم منه إلا رسول الله، فأدرك الحاجة إلى التعليم، وأدرك أنه ليس هناك أحد يعلمه إلا رسول الله، فقال: (علمني كلمات أقولهن في الصلاة)، والرسول صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك؛ لأنه طلب وجيه.

    وكلمة: (به في صلاتي) تدل أن الدعاء في الصلاة عقب التشهد ليس مقيداً بالأربع، وليس مانعاً من غيرها، وكلمة في الصلاة مطلقة.

    (قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي).

    هل حدد له موطناً في الصلاة؟ لم يحدد، يكون في سجوده، بعد الفراغ بعد التشهد، ضمن: (تخير من المسألة ما تشاء)، الرسول صلى الله عليه وسلم أخبره بعموم.

    أبو بكر الصديق ظلم نفسه، وعلي وحسين وعطية ومحمد وحسن عملوا ماذا؟ ظلموا أنفسهم وظلموا الناس معهم، من أحق وأولى بهذا الدعاء أبو بكر الصديق الذي قال الله فيه: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40] أو كل الحثالات الذين جاءوا من بعده؟

    ولذا يقول العلماء: لا يسلم مخلوق مهما كان على وجه الأرض بعد الرسل من ظلم النفس، الرسول يقول له: (قل يا أبا بكر: (اللهم إني ظلمت نفسي)، وكيف يقع الظلم من الإنسان لنفسه؟

    قالوا: أصل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهنا العبد مكلف، ضع العبادة هذه هنا، ابتعد عن المعصية هذه هناك، فإذا لم يضع العبادة في موضعها فقد وضع الشيء في غير موضعه؛ وبذلك ظلم نفسه؛ لأنه قصر في حق نفسه، وإذا لم يتباعد عن المعصية ظلم نفسه؛ لأنه وضع نفسه في غير ما ينبغي أن يوضع فيه، ولهذا قالوا: ظلم النفس إما بتقصير فيما يجب أن يفعله، أو في اعتداء بفعل ما لا يجوز أن يفعله، فهذا ظلم نفسه بحرمانها من فعل ما أمر به، وهذا ظلم نفسه بفعل ما نهي عنه، فحملها ما لا تطيق، ولهذا يأتي إنسان ساعة الاحتضار وهو حزين أسف، لماذا؟ إن كان محسناً حزن على التقصير في الإحسان، وإن كان مسيئاً حزن على التفريط في الإساءة.

    ولكن الظلم يتفاوت إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؛ فأعلاه الشرك، وأدناه اللمم.

    (ظلماً كثيراً) ليس مرة أو مرتين، بل ظلم متوالي، قد يرى العبد الصالح التفريط في المندوبات، أو الإفراط في المباحات؛ ظلماً، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدخل الخلاء لقضاء الحاجة وهو أمر جبلي، فيخرج فيقول: (غفرانك)، وما موجب طلب المغفرة هنا؟ وما الذنب الذي يحتاج إلى مغفرة؟ قالوا: لامتناعه من ذكر الله أثناء وجوده في الخلاء، فكأنه يرى جزءاً من عمره خلا عن ذكر الله، فيطلب مغفرة من الله لذلك، سامحني في هذه اللحظة؛ لأنها كانت لحظ نفس، وبعضهم يقول: لأن ما يحصل للإنسان في ذاك المكان تتوقف عليه حياته، ولا يقوى على شكر نعمة الإخراج، كما لا يقوى على شكر نعمة الإدخال؛ لأنه لو حبس فيه مات، فكأنه يقول: هذه أيضاً نعمة أعجز عن شكرها فغفرانك، ولكن الأول أولى، والله تعالى أعلم.

    وفي بعض الروايات: (ظلمت نفسي ظلماً كبيراً)، فنجد بعض العلماء يقول: نجمع بينهما: (ظلماً كثيراً كبيراً)، والبعض يقول: تارة تقول: كبيراً، ولا تأتي بكثيراً، وتارة تقول: كثيراً، ولا تأتي بكبيراً؛ لأن الرسول لم ينطق بهما معاً في وقت واحد، وإنما جاء تعليمه مرة ظلماً كثيراً وحدها، أو جاء تعليمه ظلماً كبيراً وحدها، فأنت لا تجمعهما؛ لأنه لم يجمعهما، فتأتي بهذا تارة، وتأتي بذاك تارة أخرى، والله أعلم.

    (ولا يغفر الذنوب إلا أنت)، أنا رجعت إليك؛ لأن ظلمي لنفسي هو بحق التشريع الذي أمرتني أو نهيتني، فالمرجع إليك أنت.

    (فاغفر لي مغفرة من عندك).

    لا بعملي، ولا باجتهادي، ولا بعباداتي، سبحان الله! أبو بكر الذي يخرج من الدنيا بكاملها لله ولرسوله، ويأتي بكل ما يملك من ماله، يخرج به مهاجراً إلى الله ورسوله، يأخذ كل ما يملك في مكة -أربعمائة درهم- ولم يترك لعياله شيئاً، ثم يأتي إلى المدينة، وبعد أن يأتي ويجتمع عنده المال، ويحض النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، يأتي بكل ماله فيقال له: (ماذا تركت لعيالك يا أبا بكر ؟ فيقول: تركت لهم الله ورسوله)، هذا أبو بكر مع عمله هذا كله .. الشخصية الصادقة في الرسالة، وفي صحبته له في مكة، وعرضه على القبائل، وتهيئته للهجرة، وخروجه معه إلى الغار، ومجيئه إلى المدينة، ومؤازرته، وشراء أرض المسجد الذي بني فيه، ومرافقته في كل غزواته، ولم يتخلف عنه قط ولا في غزوة من غزواته، ومع هذا كله: (واغفر لي مغفرة من عندك) ثم هذا الذي قدمته ما هو؟ قال: لا، كله من عند الله، هدايته، وتوفيقه لصحبة رسول الله، وجوده بنفسه وبماله، كل ما فعله الأصل فيه أنه من الله. (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قيل: ولا أنت، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، قال عبد الرحمن بن عوف : (رأيت كأني مت، وكأن القيامة قامت، وقد جئت ونوقشت الحساب؛ حتى ظننت أني هالك، وما أنجاني إلا صحبتي لرسول الله)، ابن عوف الذي يأتي يتصدق بالعير وبما تحمل في سبيل الله، ويأتيه التُجار لشرائها بربح عشرة في المائة، وهو يرفض ويقول: هناك من أعطاني ألف في المائة، قالوا: ليس هناك تاجر في المدينة حاضر يعطيك هذا، قال: الله أعطاني، ،الحسنة بعشرة أمثالها، هي بما فيها في سبيل الله، ومع ذلك يقول: (نوقشت الحساب حتى ظننت أنني هالك، وما أنجاني الله إلا صحبتي لرسول الله)، هذا فضل من الله.

    ولهذا لا ينبغي أبداً أن يرى الإنسان لعمله قدراً، ويعقد رجاءه وأمله وحسن ظنه بالله، ويذكرون عن شخص كان مسرفاً على نفسه، فحضرته الوفاة فبكى الحاضرون عنده، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: والله! نخشى عليك لأنك كنت وكنت، قال: أرأيتم لو عدت ورجعت إلى والدتي أكانت تحرقني بالنار، قالوا: لا والله، قال: الله أرحم بي من أمي، انظر الرجاء! والصديق بنفسه يقول: (والله! لو أن إحدى قدمي في الجنة، والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله).

    إذاً: في هذه الكلمات التي علمه رسول الله إياها وهي تعليم لنا: بيان وتوجيه فيما ينبغي أن يعقد العبد مع الله من قوة الرجاء، ويجتهد بقدر ما استطاع لطلب المغفرة من الله.

    (وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) متفق عليه.

    انظروا الترتيب والمقابلة، (اغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)، وهكذا في الدعاء: الإنسان يسأل الله من أسمائه الحسنى بما يتناسب مع حاجته؛ لأن الصديق طلب المغفرة والرحمة فقال: اغفر لي وارحمني إنك أنت غفور رحيم، ولم يقل: رزاق كريم، ولا قادر علي عظيم؛ لأن حاجته المغفرة، وكأن كل اسم من أسماء الله باب مفتوح للخير، فتطرق ذلك الباب بتلك الصفة وبهذا الاسم.

    وبالله تعالى التوفيق.