إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط الصلاة: طهارة البدن واللباس والمكان الذي تصلي فيه، ويجوز الصلاة بالنعلين الطاهرتين إذا لم يكن هناك مانع مثل أن يكون المسجد مفروشاً ويخشى تضرر الفراش بالنعال، أو إذا كانت الصلاة بالنعال ستسبب فتنة وخلافاً.

    1.   

    مسائل في الصلاة

    طهارة النعلين من الأذى والمراد به

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب) أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان].

    تقدم شيء من الكلام على الصلاة في النعلين، وجاء المؤلف رحمه الله تعالى تبعاً لذلك بهذا الحديث، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فطهورهما التراب)، والحديث المتقدم هو: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه، فإذا رأى أذى أو قذراً فليمسحهما في التراب وليصل فيهما)، وهما دليلان على طهارة النعل بالمسح بالتراب.

    والأذى والقذر حمله بعض العلماء على النجاسة، والتحقيق أنهما أعم من كونهما نجسين، قال البيهقي : يحتمل أن يكون الأذى من الطاهر المستقذر، كما يقولون عن الطين الذي في الطريق: هو أذى مع أنه طاهر.

    وقال الشافعي رحمه الله: اليابس من القذى أو الأذى أو ما هو أخص كالنجاسة يطهر إذا ذهبت منه العين، وذهب اللون، وذهبت الرائحة.

    أما إذا كان النعل به أذى أو قذى -على المعنى الأعم أو المعنى الأخص- رطباً فيقول الشافعي رحمه الله: لا يطهره إلا الماء.

    وجاء عن مالك رحمه الله تعالى أن الحديث محمول على ما يستقذر في اليابسات، فإذا مر على يابس مستقذر وعلق شيء منه، فإنه إذا مر على يابس آخر طهره،كما جاء في إطالة ذيل ثوب المرأة، فإن اليابس الآخر الطاهر سيستخلص ما علق بذيل المرأة من الأذى أو القذى اليابس، ولن يبقى شيء هناك.

    وقد حكى مالك رحمه الله الإجماع على أن النجاسة لا تطهر إلا بالماء، خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله الذي يقول: إن كل مائع طاهر يزيل النجاسة لأن النجاسة عنده حكم ظاهر المراد إزالة عينها، والجمهور أنه تعبدي، ولا يستعمل في إزالة النجاسة إلا الماء، ومن هنا قال البيهقي : يحتمل أن يكون الأذى أو القذى هو كل طاهر مستقذر.

    ويقول الآخرون: لو أن إنساناً لم يلبس النعل، ومشى حافياً، ووطئ الأذى أو القذى، وكان في هذا الأذى أو في هذا القذى نجاسة، فهل تطهر قدمه بدلكها في التراب، أم يتعين عليه غسلها؟

    قالوا: إن النجاسة في الثوب والبدن لا يزيلها إلا غسلها بالماء، وكذلك النجاسة إذا كانت معروفة بالحواس، فإما أن تعرف بالرؤية بلونها، أو بالشم برائحتها، أو بالجرم بالعين، فلا بد من إزالة عينها وإزالة رائحتها وإزالة لونها، وإلا فلا يصح أن يصلي بهذه النعل.

    حكم الصلاة في النعلين

    هذا الموضوع يهم في الدرجة الأولى طلبة العلم؛ لأن العامة لا يصلون في النعلين تحرجاً، والذي يفعل ذلك -خاصة في هذه الآونة- هم بعض الإخوة طلبة العلم؛ لحديث: (خالفوا اليهود وصلوا في النعال)، وحديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه) ، وفيها أمر بالصلاة في النعلين.

    وأنبه إلى الرجوع في هذا إلى معالم السنن، وإلى شرح السنة، أو إلى سنن أبي داود، أو إلى سنن الترمذي، أو إلى فتح الباري، أو إلى شرح ابن دقيق العيد للعمدة فسنجد حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه سئل: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه؟ فقال: نعم. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شاء فليصل في نعليه، ومن شاء فليخلعهما) ، وعلقوا على ذلك لأن هذا ناسخ للأمر الذي جاء في حديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر أسفل نعليه..)، قالوا: (فليصل) هنا أمر، نسخه عن الوجوب قوله: (إن شاء).

    قال ابن دقيق العيد في مبحث دقيق نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم المسجد)، وكذلك ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، حيث كان في فتح مكة -وقيل: بالمدينة- فقرأ بأول سورة المؤمنون، وأخذته كحة فاختصر القراءة، وقد أمره جبريل أن يخلع نعليه فخلعهما، فخلعوا نعالهم، فلما سلم قال: (ما حملكم على خلع نعلكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. قال: أما إنه أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتهما) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر ...إلخ)، فهذا تتمة لحديث جبريل عليه السلام.

    قال بعض العلماء: جبريل عليه السلام أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بعد أن دخل في الصلاة، وفي رواية من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه جعلهما عن يساره، ثم قال: (إذا خلع أحدكم نعليه وصلى فلا يجعلهما عن يمينه، ولا عن يساره فيؤذي بهما جاره) ، وفي بعض الروايات: (لا يجعلهما عن يمينه ولا عن يساره فتقع عن يمين جاره) ، وعلّق على ذلك الخطابي بأن هذا من باب احترام الجوار، واحترام الصلاة. لذا ينبغي أن يجعل الإنسان في الجانب الأيمن أفضل النعلين.

    قال صلى الله عليه وسلم: (وليجعلهما بين قدميه)، فهذه هي السنة في وضع النعلين، فإذا كان يريد ابتداءً أن يصلي، ويريد أن يضع النعلين فلا يضعهما عن يمينه؛ لأن هذا -كما يقال- ليس من الاحترام الكامل، ولا عن يساره فيأتي أحد فيصلي بجواره فتكون نعليه عن يمين هذا المصلي فيؤذيه بها، ولا تلقاء وجهه؛ لأنه إذا سجد ستكون أمامه، فيكون هذا المنظر غير لائق بالصلاة، ولكن ليجعلهما بين قدميه.

    قالوا: هناك جزء مضى من الصلاة قبل أن يخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء جبريل وأخبره بالأذى، فلو قدرنا أن الأذى كناية عن النجاسة فكيف يُقَرُّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوقع جزءاً من صلاته وهو متلبس بنجاسة، وكان الأولى أو الأنسب أو المتوقع أن يبادر جبريل عليه السلام فيخبره قبل أن يدخل في الصلاة بتلك النجاسة؛ لأن الأكمل في حقه صلى الله عليه وسلم أن يكون أطهر وأبعد من هذا كله؟

    قالوا: كلمة (أذى) لا تحمل على النجاسة؛ لأنها لو كانت نجاسة لكان النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر صلى بنجاسة، وهذا لا يليق، ولا تصح الصلاة به، وكذا قال البيهقي في السنن: يحتمل قوله: (قذى أو أذى) أنه طاهر يستقذره الناس، أو طاهر مستقذر.

    قال ابن دقيق العيد : قوله في الحديث: (فليحتهما، وليصل فيهما) ليس دليلاً على استحباب الصلاة في النعلين، وإنما هو إباحة بمعنى الرخصة، وقال: أما كونه مستحباً فليس بوارد؛ لأنه ليس من الزينة التي أمرنا بأخذها عند المساجد في قوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، فإن كان داخلاً في معنى الزينة فهو مطلوب ومستحب، ولكن النعل يلامس الأرض، ويخالط الأذى والقذى، فيضعفه ذلك عن منزلة الاستحباب، ولا يدخل في الآية.

    وقال: إن إزالة النجاسة هي المرتبة الأولى في التشريع؛ لأنها من درء المفاسد، ودرء المفاسد إنما هو في الضروريات كما يقال، وأخذ الزينة هو الدرجة الثانية، والتشريع يدور حول درء المفاسد وجلب المصالح من التحسينيات والكماليات إلى كل ركن في الإسلام.

    والاستحسان يدخل في جميع العبادات، وهو الترقي بتلك العبادة، فمن باب الاستحسان أخذ الزينة، وكمال اللباس، والعناية بالنظافة، وطهارة الثياب والمكان طهارة كاملة، وقد جاء في الحديث: (ما على أحدكم أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته)، وكذلك أن يغتسل، وأن يتطيب، فهذا استحباب، والأصل هو صلاة الجمعة.

    فدرء المفاسد بتجنب النجاسات هو درجة أعلى، وأشد طلباً من درجة الاستحسان والكمال، فالحفاظ على ترك النجاسة أولى في التشريع وأهم من الحفاظ على الزينة في اللباس.

    قال: فليس هناك داعٍ إلى الصلاة في النعلين، إلا إذا كان داخلاً في عموم قوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، وهذه هي الدرجة الثانية في التشريع، وتجنب النجاسة هي الدرجة الأولى في التشريع.

    قال: وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على استحباب الصلاة في النعلين، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل قال: (إن شئت فاخلعها، وإن شئت فصل فيهما).

    ونحن في هذه المسألة بحاجة إلى التوسع والاستقصاء؛ لما يحدث فيها من أخذ وعطاء مع بعض الإخوة الغيورين على السنة، وهم يقولون: إن التعليل هو قوله عليه الصلاة والسلام: (خالفوا اليهود وصلوا في النعال؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم).

    فما دام ان ابن دقيق العيد يقول: الصلاة في النعلين ليست مستحبة، وغيره يقول: هي مسنونة -كما قال الشوكاني الذي جمع كل هذه الأقوال التي أشرت إلى مراجعها، وانتهى إلى أن الأصل المشروعية- فنقول: الأصل جواز الصلاة في النعلين، وهي مشروعة، ولكن مع التحفظ من وجود أذى أو قذى، ولو كان لابس الخفين وفوق الخفين نعلان يباشر بهما الأرض فإنه يصلي بالخفين ولا غبار على ذلك، ولا أحد ينكر عليه.

    أما النعلان اللذان يباشر بهما الطريق، ويدخل بهما بيت الخلاء فإنه قد يتساهل في نظافتهما، ولا يكفي أن ينظر فيهما ويحتهما في التراب، فهل هو بهذا الحت قد طهرهما؟

    فالأئمة رحمهم الله اختلفوا في تحقيق المناط في تطهير النعلين بالحت حتى ذهاب عينها وذهاب لونها وذهاب رائحتها، وهناك من يقول: هذا في اليابسات وهناك من يقول: يحتمل أن يكون هذا في الطاهر المستقذر.

    فالأحوط أنه لا حاجة إلى الإصرار على الصلاة في النعلين، مادام أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى منتعلاً وصلى حافياً، أي: صلى على كلتا الحالتين.

    ولو أن إنساناً في سفر نزل في أرض فلاة وهو بنعليه، فنظر فيهما فلم يجد فيهما أذى ولا قذى، ولا يستطيع أن يصلي على الحصباء؛ لأنه يتأذى من ذلك فنقول: يصلي في نعليه لهذه الحاجة، ولا مانع من ذلك، فإذا لم يكن هناك حاجة فليخلعهما.

    فالصلاة في النعلين رخصة يباح فعلها، والرخصة معللة بقوله: (خالفوا اليهود..)، فهل نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟

    أشرنا أنها لا تدخل تحت هذه القاعدة؛ لأنه ليس هناك الأمر المطلق بالصلاة في الخف، وإنما لعلة بذاتها، والذي يهمنا الآن هو تنبيه الإخوة ألا يجعلوا هذه المسألة مثار خلاف ونزاع بينهم.

    ومن الحكمة النبوية الكريمة أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يترك الأمر الذي يحبه ويتقرب بفعله لما يترتب عليه من مفاسد أخرى، ومن ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعلى عنها عندما سألته أن يدخلها الكعبة لتصلي فيها، فأخذ بيدها وقال: (صلي في الحجر ؛ فإنه من البيت) ، وذكر أن قومها قصرت بهم النفقة عن إقامة الكعبة على قواعد إبراهيم، فتركوا من البيت جزءاً حجروا عليه حتى لا يضيع في المسح، ثم قالت: ما بال الباب مرتفعاً؟ قال: (ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا حداثة قومك بكفر لهدمت الكعبة، ولأقمتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باب للداخل، وباب للخارج، وسويتهما بالأرض)، فهو رغب أن يجعل الكعبة على تلك الحالة، ولكن ترك ذلك مراعياً ما يترتب عليه من رد الفعل في نفوس قريش؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بشرك.

    وكذلك لما شرب من بئر زمزم قال للسقاة: (انزعوا يا بني عبد المطلب؛ فلولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم)، فرغب أن يأخذ الدلو ويسقي نفسه، ولكن خاف أن يأتي كل مسلم فيقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نزع بالدلو فأنا أنزع مثله، فإذا أراد جميع الحجاج أن ينزعوا بالأدل فيسغلبون السقاة على زمزم.

    فكان صلى الله عليه وسلم يترك الشيء الذي يرغب فيه خوفاً مما يترتب عليه، وهذا يسميه علماء الأصول سد الذرائع، وهو ترك الجائز مخافة الوقوع في الحرام، والأصل فيه من كتاب الله قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]، فلو أنكم سببتم أصنامهم فهذا ليس فيه مانع، وهي تستحق ذلك، ولكن إن فعلتم ذلك فنتيجة ذلك أن يسبوا الله، فلو أنكم سببتم آلهتهم سبوا إلهكم.

    وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: وهل يسب الرجل أباه؟ قال: نعم. يسب أبا الرجل فيسب أباه)، فهو السبب في سب أبيه.

    وأذكر قصة لشخص أشهد الله أني أراه على الفطرة، وهو إنسان فيه خير كثير، وكانت مخالطته للناس قليلة، وكان يحافظ على الصلوات جماعة، وكان يلبس نعلين كبيرتين ويصلي بهما، وكان معه عصا منحنية يتوكأ عليها، ففي يوم من الأيام في صلاة العصر صلى بجانبي، وعكس العصا فجعل المقبض إلى الأرض، وجعل الطرف الذي فيه حديدة صغيرة إلى أعلى ومسكها بيده، فلما صلينا سألته: لماذا تمسك العصا هكذا، وأصل المقبض من أسفل؟ فقال: لأن هذا أتكئ عليه ويباشر الأرض. فأشرت له إلى نعله الذي في قدميه، فقلت: تقول كذا في العصا، وهذا في رجليك؟! فنظر إلي وتبسم، وخلع النعلين وجعلهما بجواره.

    فهذا كان مقتنعاً بأن الصلاة في النعلين سنة، فهو يحافظ على السنة، لكن الفطرة عنده سليمة في العصا، وماذا ستأخذ العصا من الأرض؟! فإنه عكس العصا، وجعل الجزء الذي يتوكأ به على الأرض في يده من أعلى، وجعل الجزء الذي يمسكه بيده من أسفل، وذلك في المسجد؛ لأن طرف العصا هو الذي يباشر الأرض.

    فمهما يكن في هذا الباب من بحث فإن الحديث -كما قال ابن دقيق العيد - لا يؤخذ منه استحباب الصلاة في النعلين، وغاية ما يؤخذ منه إما الجواز بمعنى: الرخصة، وإما الكراهة، والكراهة لاحتمال نوع الأذى، ونوع التطهير، وهل يطهر أم لا؟

    فليس بواجب، وليس بمستحب، فلا ينبغي أن نجعل ما هذا حكمه موضع نزاع وخلاف بيننا، أو نثير العامة علينا.

    وبعضهم الآن يمنع من الصلاة بالنعلين من ناحية المال، فيقول: المسجد يغسل وينظف ويكنس، والمفارش تكنس، ويأتي الناس بثياب نظيفة،وأنت تمشي بنعالك في الأرض، وتباشر القذى اليابس والرطب، فإذا دخلت المسجد بنعليك فإن المفارش تتلف، وتؤذي الناس في ثيابهم، فهذه الأمر قد يكون له أثر، ولكن قد يكون الأثر ضعيفاً، ولا يتعلق به حكم شرعي، فما دام أن الأمر دائرٌ بين الجواز والكراهة فلا ينبغي أن نجعل ما كانت هذه مكانته في التشريع موضع نزاع وخلاف وإثارة شغب بين الناس. والله تعالى أعلم.

    حكم الكلام في الصلاة

    قال رحمه الله تعالى:[ وعن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم ].

    هذا من بيان شروط الصلاة، فلا تصح الصلاة إذا وقع فيها كلام الناس، ويراد بكلام الناس الكلام الذي منشأه من الناس، وإلا فالناس يتكلمون بالتسبيح والتكبير وغير ذلك مما أصله من التشريع، بأن يكون نصاً قرآنياً، أو حديثاً نبوياً، فإذا قرأ الإنسان القرآن فهذا كلامه، والأصل فيه أنه كلام المولى سبحانه، وهذه قضية عقدية لها مكانها.

    ونعلم جميعاً أنه إذا قال إنسان: (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم) فهذا ليس من كلام الناس؛ لأن الله أمر بأن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وإن اختلفت الصيغ فالأولى أن يتحرى الإنسان الصيغ الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أنواع الصلاة الإبراهيمية في تشهد الصلاة.

    فكلام الناس هو ما أنشأه الناس من عندهم، وإذا جئنا إلى بعض المواطن نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد المصلي في سجوده أن يجتهد في الدعاء، فقال: ( أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء)، فالدعاء قد يكون من كتاب أو سنة، وقد يكون من كلام الإنسان يسأل الله حاجة له خاصة، فيقول: اللهم! اشف ولدي اللهم! نجح ولدي، اللهم! رد علي غائبي بخير. فهذا كلام الإنسان في مصلحته الشخصية، وعموم الدعاء مطلوب ومشروع، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى ورغب الإنسان أن يدعو الله في السجود.

    قال بعض العلماء: يجوز أن تدعو الله بما ورد في الكتاب على تأويل الدعاء، لا على تأويل التلاوة، فتقول -مثلاً-: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.)، (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين). فهذه ألفاظ دعوات يأخذها الإنسان من الكتاب، ويتكلم بها لا على أنها تلاوة، ولكن على أنها دعاء وطلب.

    ولهذا فإن الجنب والحائض إذا أتيا بهذه الألفاظ من الأدعية من الكتاب وهما لا يريدان تلاوة، وإنما يريدان التعبد بالدعاء بهذه الألفاظ فلا مانع، وإن كان الجنب والحائض يمنعان من تلاوة القرآن، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (لا، ولا حرفاً واحداً).

    فكلام الناس المراد به ما عدا ما شرعه النبي عليه صلى الله عليه وسلم من التسبيح والتحميد والتكبير؛ لأن المصلي يحمد الله، سواءٌ كان في الفاتحة، أم عند الرفع من الركوع، والتسبيح يكون في الركوع وفي السجود، وهذا من كلامه، فيسبح الله ويحمد الله.

    والمنهي عنه في الصلاة هو ما يبينه الحديث الذي يأتي بعده: (يكلم أحدنا صاحبه في حاجته)، كأن يقول: أين كنت أمس؟! وكيف حال المريض الذي كان عندكم؟! وما هو السعر اليوم في السوق؟ وهل فلان أتى أم لم يأت؟

    فكلام الناس هذا الذي في مصلحة الناس لا دخل له في العبادة، ولا يجوز في الصلاة.

    وقد كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير ... ) إلخ.

    الدعاء بما لم يرد

    مسألة: هل للمصلي أن يسأل الله في قنوته أو في سجوده بما أراد، أو يتقيد بما هو وارد؟

    بعض المالكية يقول: ما هو مشروع في العبادة يتقيد به، كالقنوت في الصلاة، والقنوت في النوازل، فينبغي أن يتقيد القانت بما ورد من الدعاء في تلك المناسبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل من كلام الناس شيئاً؛ لأن القنوت عبادة.

    وهناك من يقول: ما دام الباب باب دعاء فله أن يدعو بالمناسب، والرسول صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان، وقد سماهم بأعيانهم كما في قصة أصحاب الرجيع، وهم القراء الذين استشهدوا.

    مسألة: إذا كان في الصلاة فهل له أن يتكلم بالقرآن مخاطباً لإنسان سأله عن شيء، أو استفسر عن شيء، أو رأى شيئاً ويريد أن ينبه عليه فتلا آية من كتاب الله ليدل على المطلوب؟

    الجمهور يقولون: لا. لأن هذا يخرج القرآن إلى كلام الناس فيجيب به الآخرين. وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم كان في صلاة النافلة يأذن بالتنحنح، أو يرد السلام بإشارة اليد.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) يدل على أنه لا ينبغي لإنسان وهو في الصلاة أن يتكلم بكلام الناس، ولو فعل بطلت صلاته، ولو كان حرفاً واحداً يؤدي معنى.

    فلو أن إنساناً وقف بجوارك وقال: أجاء زيد؟ فقلت: (لا) فهذا حرف، لكن هذا الحرف يتضمن نفي جملة، أي: لم يأت. لأن النفي هنا راجع إلى جملة المجيء، وأنت تقول: (لا)، فـ (لا) وحدها ليست كلمة، كما قال ابن مالك في الألفية:

    كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم

    فكلمة (استقم) هي كلمة واحدة، وهو يقول: كلامنا لفظ مفيد. ويقول النحاة: لفظ مركب. والإفادة حصلت بكلمة (استقم)؛ لأن المعنى: (استقم أنت)، فهي كلمة متضمنة جملة كاملة.

    وكذلك الحروف المستعملة في المعاني، نحو: يا زيد فـ(يا) تقوم مقام الفعل: (أناديك)، فكذلك إذا حصل كلام ولو بحرف واحد يؤدي معنى يحسن السكوت عليه فحينئذٍ تبطل الصلاة.

    نسخ جواز الكلام في الصلاة

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن زيد بن أرقم أنه قال: (إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام)، متفق عليه، واللفظ لـمسلم ].

    هذا الحديث يشعر بأن الصلاة مرت بأطوار، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره أن الصلاة مرت بثلاث حالات، منها الإعلام بها، فكان يعلم أحدهم صاحبه بالصلاة، فهذا الطور الأول، ثم جاء الأذان بعد ذلك.

    وكان الرجل المسبوق يأتي فيسأل من في الصف: كم صليتم؟ فيشير بأصابعه ولا يتكلم: صلينا ركعة أو صلينا اثنتين، فيصلي المسبوق ما فاته بسرعة، ثم يلحق الإمام في الركعة التي هو فيها، ويتساوى معه في عدد الركعات، فإذا أتم الإمام صلاته يكون هو أيضاً قد أتم؛ لأنه أتى بما سبق به أول ما جاء، فإذا سلم الإمام سلم معه؛ لأنه أتى بما نقص عليه قبل أن يتابع الإمام.

    فجاء معاذ بن جبل وقال: والله لا أجد النبي صلى الله عليه وسلم على حالة في الصلاة إلا تابعته عليها. فجاء ذات مرة وقد فاته من الصلاة شيء، فدخل مع الرسول صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، ولم يأت بشيء قبل، ولم يسأل أحداً، ولما سلم النبي صلى الله عليه وسلم علم ما الذي فاته من صلاته، فقام يقضي ما فاته، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا العمل من معاذ فقال لهم: (إن معاذاً قد سن لكم في الصلاة سنة فاقضوها).

    فكان الواحد منهم يكلم صاحبه في الصلاة بحاجته، حتى نزل قوله سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238].

    ونص الآية الكريمة فيه عطف الخاص على العام، وهذا يستدعي الاهتمام بهذا الخاص على أفراد عمومه، ومثله قوله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة:98]، فجبريل داخل في عموم (ملائكته)، ولكن عطف جبريل على عموم الملائكة يدل على خصوصية جبريل عليه السلام؛ لأن اليهود لما سألوا: من الذي يأتيك بالوحي يا محمد؟! قال: (جبريل). قالوا: هذا عدونا من الملائكة؛ لأنه يأتي بالعذاب، وأما ميكائيل فهو صديقنا؛ لأنه يأتي بالأرزاق. فهم أبدوا عداوة لجبريل بخصوصه، فجاءت الآية الكريمة ترد عليهم: مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة:98]، وخص جبريل الذي يتخذونه عدواً، فيكون عطف جبريل عليه الصلاة والسلام على عموم الملائكة لأمر أثاره اليهود بخصوصه هو.

    وهنا كذلك قال الله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238]، والصلوات خمس صلوات، والوسطى منها بلا شك، فخص الوسطى من تلك الصلوات بالحث عليها بذاتها، فتكون موضع عناية ورعاية أكثر من عموم الصلوات الداخلة في اللفظ العام: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238].

    اختلاف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله في تحديد الصلاة الوسطى، فـمالك رحمه الله يقول: هي صلاة الصبح. وقال بعضهم: كل الصلوات الخمس صالحة لأن تكون الوسطى؛ لأن الوسطية في الصلوات نسبية. ولكن لو قلنا: الصلوات الخمس صالحة لأن تكون الوسطى فمعناه أن الصلوات الخمس كلها صلوات وسطى، ونحن عندنا الوسطى واحدة فقط كما في هذه الآية؛ لأنه تعالى قال: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:238]، ثم خص واحدة من تلك الصلوات وجعلها الوسطى.

    فـمالك رحمه الله قال: إنها صلاة الصبح. والجمهور يقولون: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. فما موجب تخصيص مالك لصلاة الصبح؟ وما موجب تخصيص الجمهور لصلاة العصر؟

    أما مالك رحمه الله فإنه نظر إلى شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الصبح، وقوله: (لقد هممت أن آمر رجلاً يؤم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب، فأحرق على أناس بيوتهم)، وهم: الذين لم يشهدوا صلاة الصبح. وأي اهتمام أكثر من هذا، فهو قد هم أن يحرق البيوت على من فيها لأنهم لم يصلوا الصبح، ولكن البيوت فيها النساء، وليست الجماعة واجبة عليهن، والبيوت فيها الصبيان وليست عليهم الفريضة، فكونه يقول: (لقد هممت) والرسول صلى الله عليه وسلم ما يهم بأمر إلا وهو مهتم بشأنه يدل على عظم قدر صلاة الصبح.

    قال مالك : هذا الاهتمام أشد ما سمع؛ لأنه في سبيل أن يحرق على الناس بيوتهم، وفيهم من ليس مكلفاً بالصلاة. وقال أيضاً:

    صلاة الصبح هي وقت نوم وغفلة، وكثير من الناس قد يغلبه النوم فيها، ويضيع صلاة الصبح، فيكون هذا الحث عليها.

    أما الجمهور فقالوا: صلاة العصر وقد جاءت نصوص كثرة تبين ذلك منها: حديث غزوة الأحزاب لما شغلوا بالعدو -ولم تكن قد شرعت صلاة الخوف- حتى دخل الليل، فـعمر رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والله -يا رسول الله- ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله! ما صليتها)، ثم دعا على المشركين فقال: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، فالصلاة الوسطى التي شغلوهم عنها هي صلاة العصر، وبعد ذلك صلى المغرب والعشاء، وهما تشتركان في الوقت، فالتي فاتهم وقتها هي صلاة العصر، فسماها صلى الله عليه وسلم بأنها صلاة العصر.

    وجاء بسند صحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها طلبت من زيد أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا وصلت إلى هذه الآية الكريمة: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] فآذني -تعني: أعلمني وأخبرني أنك وصلت- فلما وصل أخبرها، فقالت: اكتب: (والصلاة الوسطى صلاة العصر)، وهذا تفسير منها للآية، وأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها حاشاها أن تزيد كلمة في كتاب الله، ولكن كان السلف رضوان الله تعالى عليهم يجعلون بعض الألفاظ شارحة أو مفسرة لمعنى غامض أو هامٍّ على هامش المصحف، فكتب على هامش المصحف: (الصلاة الوسطى)؛ لأن الصلاة الوسطى ما جاءت في القراءة، ولا ثبتت قراءة في كتاب الله، لكنها أملتها عليه كأنه من باب الشرح، وتكون في حافة المصحف.

    ولهذا أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه لما أتاه من يشتكو إليه اختلاف القراء في القراءات جمع القراء، وجمع الكتاب، وكتب المصحف الإمام، فطلب الصحف التي كانت عند أم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنها، وهي التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم انتقلت من أبي بكر إلى عمر ، ثم كانت عند حفصة ابنة عمر رضي الله تعالى عن الجميع، فاستعارها منها لينقل المصحف على رسم واحد، وأمر كل من كان عنده مصحف كتبه لنفسه أن يحرقه، حتى لا يطول الزمن ويدخل ما كان في الهوامش في صلب القرآن، فأحرق الجميع ما كان بأيديهم، واكتفوا بالمصحف الإمام الذي قرئ على عثمان رضي الله تعالى عنه، وأصبح المصحف الذي يرجع إليه العالم الإسلامي، وجعله خمس نسخ، وأرسل كل نسخة إلى مصر من الأمصار ومعها قارئ يقرئ الناس، فأخذوا القرآن سماعاً ووجادة.

    فأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أملت على الكاتب أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ولم ينكر الكاتب، ولم ينكر عليها من سمع بذلك.

    فالجمهور على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر؛ لما قاله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، ولقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عند إرادتها كتابة مصحف لها.

    وقال الجمهور: إن جميع أوقات الصلاة تأتي عند فراغ الناس إلا العصر، فصلاة الصبح يكون الناس فيها فارغين من الأعمال، وما على الإنسان إلا أن يصلي ثم يرجع لينام كما شاء، وصلاة الظهر تأتي عند القيلولة والناس قد ملوا من العمل وجاؤوا إلى بيوتهم للقيلولة وللغداء والراحة، فهم في فراغ، والمغرب يكون عند انتهاء النهار وأول الليل، فيأوي الناس إلى بيوتهم وهم فارغون، وكذلك في العشاء يكونون في بيوتهم فارغين، فجميع الصلوات الخمس تأتي أوقاتها عند فراغ الناس من العمل إلا العصر، فهي في وقت شدة العمل، أو هي في أوسط أوقات العمل.

    وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نصلي العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيذهب الذاهب إلى بني عوف فيجدهم يصلون العصر.

    قال الشراح: كانوا يؤخرون العصر في المدينة؛ لأنهم أصحاب فلاحة وأعمال، فكانوا يقيلون، فإذا قاموا من القيلولة استأنفوا العمل، فيأتي وقت العصر وهم في وسط عملهم، فإن تركوا العمل في أول وقت الصلاة وصلوا تكون العودة إلى العمل ثقيلة، ولكنهم يتمادون في العمل شيئاً ما حتى يذهب شيء من أول الوقت، ثم يصلون العصر ولا يعودون إلى العمل.

    فكان يأتي وقت العصر والناس في شدة عملهم، ولهذا كانوا يشغلون عنها، وكانوا يؤخرونها، وكانت أعمالهم تعوقهم عنها، فجاء التنبيه عليها؛ لأنها في حاجة إلى العناية والرعاية؛ لأن أشغال الناس تكون في وقتها أشد ما تكون.

    والله تعالى أعلم.