إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب الأذان [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشرع اتخاذ إمام ومؤذن لكل مسجد تقام فيه جماعة، ويختص كل منهما باختصاصات، وهذا يدل على مشروعية توزيع الاختصاصات في الإسلام، فالإسلام دين ينظم الأمور ويرتبها على أحسن وجه، وقد جاءت السنة ببيان كثير من آداب المؤذن حتى يقوم باختصاصه على أكمل وجه.

    1.   

    حكمة الأذان

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    يقول المصنف رحمه الله: [ وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) الحديث أخرجه السبعة ].

    هذا الحديث تكملته: (وليؤمكم أقرؤكم) ولنبين رأي من يقول: إن هذه صيغة أمر: (وليؤذن لكم أحدكم)، واعتبر الأذان واجباً من الواجبات، وتقدمت معنا هذه المسألة: هل الأذان حق للإعلام بدخول الوقت أو حق للصلاة؟

    على القول بأنه إعلامٌ لدخول الوقت، فإذا كان القوم مجتمعين أو كانوا قد سمعوا أذاناً من مسجد آخر، فإنه يكفيهم؛ لأنهم قد علموا بدخول الوقت، وإذا كان الإعلام للصلاة، فإنهم يؤذنون للصلاة، ولو سمعوا أذان مسجد آخر.

    وأعتقد أن الراجح كون الأذان للصلاة، وليس للوقت، أو هو لهما معاً، وكونه للصلاة أرجح، لقضية تعريس النبي صلى الله عليه وسلم وانتباههم بعد ارتفاع الشمس، وفي الرواية الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً فأذن، وكونه أذن بعد خروج الوقت يرجح أن ذلك للصلاة، وإن كانوا يقولون: الإقامة للصلاة آكد من الأذان، فهنا قال: (وليؤذن لكم أحدكم)، صيغة أمر تقتضي وجوب الأذان، وهذا الأمر لهم كان حين عودتهم إلى ديارهم وهم في السفر، وكذلك الحال في الحضر، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا غزا غزوة ومر بقوم ولم يعلم عن حالهم: أهم مسلمون أو من المشركين؛ فإنه ينتظر إلى وقت الصلاة، فإذا سمع أذاناً علم أنهم مسلمون، ولم يغر عليهم، وكان غالباً ما ينشئ الإغارة بعد طلوع الفجر أول النهار، فكان ينتظر أن يسمع منهم أذان الفجر، فإن هم أذنوا علم أنهم مسلمون، فجنب عنهم، وإن لم يؤذنوا علم أنهم غير مسلمين؛ لأنهم لم يقيموا شعار الإسلام.

    قال مالك رحمه الله: إذا ترك أهل قرية الأذان قوتلوا عليه، حتى ولو كنا نعلم أنهم مسلمون، ويصلون، ويصومون، لكنهم تكاسلوا عن الأذان للصلوات واكتفوا بالإقامة، فإنهم يقاتلون حتى يؤذنوا؛ لأن الأذان أصبح شعار من شعارات الإسلام، كما يقال عن التراويح: إنها سنة رمضان، وشعار المسلمين في رمضان، فمن عطلها في المساجد فهو مخطئ وعلى أهل القرية إحياء قيام التراويح في المساجد، وإن كانت في البيت هي أفضل منها في المسجد، لكن إقامتها في المساجد شعار من شعارات الإسلام؛ فينبغي أن يحافظ عليه، ولا يجوز تعطيلها، والله تعالى أعظم.

    1.   

    الترسل في الأذان والحدر في الإقامة

    قال رحمه الله: [ وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـبلال : (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله) الحديث رواه الترمذي وضعفه ].

    هذه التعليمات في هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية الأداء للأذان والإقامة، قد تعلم المؤذن ألفاظ الأذان والإقامة، ولكن كيف تكون صيغة الأداء؟

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لـبلال : (إذا أذنت فترسل)، كما يقال لشخص يمشي: على رسلك، كما في قصة البعير الذي هاج على صاحبه، ولما ذهبوا عنده رأى أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن البعير هائج داخل البستان، فقال لرسول صلى الله عليه وسلم: على رسلك يا رسول الله! فإن البعير هائج، وتقدم صلى الله عليه وسلم إلى البعير الهائج في البستان، وكانت المفاهمة كما تقدم بيان ذلك مراراً.

    فترسل. أي: تمهل واجعل بين كل جملة وجملة فراغاً.

    بينما قال في الإقامة: فاحدر، والحدر هو كما تقول: انحدر السيل. أي: أسرع، والانحدار: الانصباب من علو إلى أسفل، ويكون في ذلك إسراع.

    وما الفرق بين الأذان والإقامة؟

    كما يقال: لكل مقام مقال، وهذا هو سر البلاغة، الأذان هو إعلام للغائب بدخول الوقت، والغائب مختلف البعد فيحتاج إلى تطويل في الأذان حتى يعلم أكثر عدد ممكن من الناس؛ لأنه لو أتى بألفاظ الأذان في دقيقتين يكون قد انتهى ومن لم ينتبه لم يسمع شيئاً، بخلاف ما إذا لو أتى بالأذان في ربع ساعة مثلاً، ومن العجب ما حكاه بعض العلماء من البدع أن بعض القرى كانت تحتم على المؤذن أن يستغرق نصف ساعة في أذانه! وهذا تطويل أكثر من اللازم، وقد يؤخر الصلاة عن أول وقتها.

    فترسل. أي: أنك لا تسرع في أداء ألفاظ الأذان فتفوت على الكثيرين السماع، فتمهل في الأذان وترسل بحيث أن الأذان يأخذ وقتاً أوسع، لإبلاغ البعيدين، فيكون فيه فرصة أوسع لتعميم البلاغ والنداء للمصلين.

    أما الإقامة فهم موجودون، ولا ينادي بعيداً، إنما هو يعلم الحاضرين بأن الإمام قد حضر، وأنه قد تهيأ وقام في محرابه، ولم يبق إلا أن تقوموا للصلاة اقتداء بالإمام، فالإقامة إشعار بأن الإمام قد حضر، وأن الصلاة ستقام الآن.

    إذاً: لا في حاجة إلى الترسل فيها، ولا حاجة إلى الإطالة فيها، إنما هي مجرد إشعار بقرب شروع الإمام في أداء الصلاة ليتهيئوا إلى القيام، وإلى تعديل الصفوف، كما هي السنة، وكان بعضهم يقوم إذا رأى الإمام، ومنهم من يقوم حتى يقول المقيم: قد قامت الصلاة، وبعضهم يقول: إن السنة في القيام للصلاة حينما يشرع المؤذن في الإقامة.

    أي: يقوم حينما يسمع قول المؤذن: قد قامت الصلاة، فلا يبادر بالقيام حينما يسمع المؤذن يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، إنما ينتظر حتى يصل إلى قوله: (قد قامت الصلاة) فينهض ويقوم، والبعض يقول: هذا بحسب حالات الأشخاص، فهناك إنسان خفيف البنية سريع الحركة بمجرد أن يسمع الإقامة يكون قد نهض، ولا ينهض بعجلة وبخفة؛ لأن المقام مقام طمأنينة وسكينة، ولهذا السنة لمن سمع الإقامة وهو خارج المسجد ما جاء في الحديث: (فائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم، فاقضوا أو فائتموا)، ولا ينبغي الإسراع للصلاة لمن سمع الإقامة؛ لأن الإسراع قد يخل بالمروءة، وهو مذهب للخشوع والخضوع.

    فإذا سمع الإنسان وهو في المسجد المقيم نهض إذا كان ثقيل الحركة كبير السن، ضعيف البنية، لو أنه انتظر حتى يقول: قد قامت الصلاة، ولربما كبر الإمام تكبيرة الإحرام وهو لم ينهض بعد، فهو أعلم بحالته، وتقدير ظروفه، وبالوقت الذي يبدأ بالقيام فيه حتى يكون قائماً مستوياً حينما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام حتى لا تفوته تكبيرة الإحرام.

    فقوله: (يا بلال ! إذا أذنت فترسل)، أي: تمهل، لا تسرع وتتعجل، (وإذا أقمت فاحدر) أي: فأسرع، وليكن هناك فرق بين أداء الأذان وبين أداء الإقامة؛ لأن لكل واحد منهما مهمة تتناسب مع كيفية الأداء، فالأذان نداء إلى البعيدين، فيحتاج إلى ترسل وإعطاء فرصة أكثر، والإقامة إعلام للحاضرين فلا حاجة إلى زيادة الوقت.

    وقوله: (واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله)، هذا تحديد بواقع الحال، بحيث أن الإنسان لو كان على طعام وأذن المؤذن فلو أنه عجل بالإقامة لكان هذا الآكل بين أحد أمرين: إما أن يقضي حاجته ونهمه من طعامه فتفوته تكبيرة الإحرام وقد تفوته الركعة الأولى، وإما أن يترك الطعام ونفسه متعلقة به، وهذا يشوش عليه صلاته، كما جاء في الأثر: (إذا قدم العَشاء، وقامت العِشاء، فقدموا العَشاء على العِشاء)، قالوا: هذا لمن كان جائعاً ونفسه متعلقة بالطعام، وأما إذا كان شبعان ولا يهمه أن يقدم العشاء أو يؤخر، فيقدم صلاة العشاء من باب أولى.

    فهنا جعل صلى الله عليه وسلم بين الأذان والإقامة قدر ما يفرغ الآكل من أكله، وقد يقول إنسان: الناس يتفاوتون في طبيعة الأكل، فهناك من يأكل على تمهل فيتم المضغ للأكل ويشرب الماء، وهناك من يعجل، والعامة تقول: إذا أكلت فكل أكل الجمال، وإذا كذا فافعل فعل الرجال، يعني: لا تكن مثل بعض الناس أو صنف من الناس يستغرق الساعة والساعة والنصف في تناول الطعام، حديث وكلام وسمر وإلى آخره، لا، بل طبيعة وسط الناس.

    وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقيم المقيم فيذهب أحدهم إلى الخلاء، ويقضي حاجته، ويتوضأ، ويأتي ويدرك النبي عليه الصلاة والسلام في الركعة الأولى، وقد يؤذن المؤذن فيذهب الذاهب إلى قضاء حاجته ويتوضأ وما قد قامت الصلاة.

    وتقدم أنه كان صلى الله عليه وسلم، في صلاة العشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم تأخروا أخر، مراعاة لظروف الناس، فإذا تعود جماعة مسجد معين أو قرية معينة شيئاً؛ روعي ظروف هؤلاء الجماعة، أما التشريع العام فأقل ما يكون بين الأذان والإقامة قدر ما يفرغ الإنسان العادي من طعامه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    استحباب الأذان على وضوء

    قال المصنف رحمه الله: [ وله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله وسلم قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) وضعفه أيضاً ].

    هذا الحديث من أحكام الأذان، وهذه الصيغة صيغة الحصر، (لا وإلا) من أقوى صيغ الحصر، كأنه ينفي أذان غير المتوضئ، ولا يأذن لغير متوضئ، فمفهوم ذلك أن غير المتوضئ لا يؤذن، ولكنهم مجمعون -لضعف هذا الحديث- على أنه لو أذن غير المتوضئ فإن الأذان صحيح ولا يعاد، بخلاف الجنب، فإنهم يختلفون فيه: فمنهم من يقول: يصح أيضاً ولا يعاد، ومنهم من يقول: لا يصح الأذان مع الجنابة، ويقولون: الأمر هنا تعليم وإرشاد؛ لأن المؤذن بعد الأذان إنما ينتظر في المسجد، وينتظر مجيء الإمام ليقيم الصلاة، ويصلي مع الناس، ولا ينادي الناس للصلاة ويخرج ليتوضأ، فنحن لا نعرف متى يرجع، ولا ننتظر حتى يأتي، ومن أذن فهو يقيم، فهذا تعليم وإرشاد بحيث يكون متهيئاً للصلاة، لا يضطر إلى أن يخرج بعد أن يؤذن من المسجد ليتوضأ.

    وقالوا: ونظير هذا أن من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ، قالوا: حمل الميت ليس حدثاً يوجب الوضوء، ولكنه من باب الإرشاد، بحيث أنه إذا حمل الميت وجاء ووضعه سواءً كان في المسجد أو كان عند المقبرة على خلاف في ذلك، وقاموا للصلاة عليه؛ فلا يحتاج إلى الوضوء فيحمله ثم يتخلى عنه عند الصلاة عليه! ولذا ينبغي أن يكون متوضئاً متهيئاً للصلاة عليه، أما إذا حملها وهو غير متوضئ فإن الناس يصلون عليه وهو لا يستطيع أن يصلي عليه، فيكون ذلك قصوراً منه، فوت على نفسه ثواب الصلاة على الجنازة، ويكون في صورة غير لائقة.

    قالوا: وكذلك هنا: (لا يؤذن إلا متوضئ)، فأجمعوا واتفقوا على أن المؤذن إذا أذن وهو على غير وضوء على حدث أصغر؛ فإن الأذان لا يعاد، واختلفوا لو كان جنباً، وفيما إذا أذن صبي دون البلوغ، وفيما لو أذنت امرأة، وفيما لو أذن غير مسلم، قيل: يعاد الأذان، ولا يعتد بأذان هؤلاء الأشخاص.

    وبهذه المناسبة يتفقون أنه يجوز لو كان هناك خطيب للجمعة وإمام للصلاة، فلا مانع، وتصح الجمعة بخطيب على حده وإمام على حده، فيمكن أن يكون الخطيب غير إمام، وأن يكون الإمام غير الخطيب، فلو خطب وهو غير متوضئ لا تعاد الخطبة؛ لأنها مجرد ذكر وموعظة بخلاف الإمام، فلابد أن يكون على طهارة كاملة من الحدثين، فالمؤذن والخطيب يصح عملهما ولو كانا غير متوضئين، أما الجنابة فلا.

    1.   

    المؤذن أحق بالإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ وروى زياد بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن أذن فهو يقيم) وضعفه أيضاً ].

    هذا أيضاً من باب التعاليم والآداب في الأذان، من أذن فهو يقيم، وهذه الحكمة واضحة عندما نكون جالسين في المسجد ونسمع المؤذن، وعلمنا بدخول الوقت، ومن أراد أن يتنفل نافلة قبلية تنفل، ثم بعد ذلك سمعنا إنساناً آخر يقيم الصلاة فإنه يلتبس علينا: هل هذه إقامة الصلاة بعد الأذان الذي سمعناه أم هو أذان في مسجد آخر؟ أما إذا كان نفس المؤذن هو الذي يقيم فإننا قد علمنا من هو بأذانه الأول عندما دخل الوقت.

    ويمكن أن يكون للإقامة شخص آخر فيكون أدعى لمعرفة الإقامة أن الأول أذان والثاني إقامة، وسيأتي عن عبد الله بن زيد أنه لما رأى الأذان تطلع أن يكون مؤذناً؛ لأنه هو صاحب القضية، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (قم فأمله على بلال فإنه أندى منك صوتاً قال: اجعلني أقيم. قال: أقم)، ويقولون: هذه الرواية وإن كان فيها ما فيها، فهي أول مرة استجابة لطلبه وتطييب لخاطره، ولكن بعد ذلك الذي يؤذن هو الذي يقيم، واتفقوا أنه إذا أذن إنسان وأقام آخر وصلوا الصلاة بتلك الإقامة أن الإقامة صحيحة، ولا تحتاج إلى إعادة.

    مثلاً: المؤذن كان له عذر ولم يستطع أن يقيم الصلاة، فأناب غيره ليقيمها، حتى الإمام يجوز أن يقيم الصلاة بدل المؤذن أو أي أحد من الحاضرين يجوز أن يقيم الصلاة بدل المؤذن، ثم إذا حضر المؤذن فلا حاجة إلى إعادة الإقامة من المؤذن؛ لأنه سقط حقه في غيبته أو في عدم تقدمه ابتداءً.

    إذاً: الأولى والسنة أن من أذن فهو يقيم، ولو قدر أنهم قدموا شخصاً آخر ليقيم الصلاة؛ لأن المؤذن كان على غير وضوء أو انتقض وضوءه فذهب ليتوضأ، وغاب علينا وأراد الإمام وهو أملك بالإقامة أن يقيم الصلاة؛ فإنه يقدم شخصاً من الحاضرين ليقيم الصلاة في غيبة المؤذن الذي كان له حق الإقامة، ثم لا تقام الإقامة بعد حضوره.

    حكم إقامة الصلاة لغير المؤذن

    قال المصنف رحمه الله: [ ولـأبي داود من حديث عبد الله بن زيد أنه قال: (أنا رأيته)، يعني: الأذان (وأنا كنت أريده)، قال: (أقم أنت) وفيه ضعف أيضاً ].

    هكذا رواية عبد الله بن زيد أنه لما رأى ألفاظ الأذان في المنام أو كما يقول الأحناف: تلقاه عن ملك، على الخلاف في الرواية؛ لأن رواية عبد الله بن زيد فيها: (رأيت كأني وأنا في النوم أقول: نائم ولست بنائم). يعني: بين المنام واليقظة، في حالة بين وبين، فالأحناف حملوا هذه الحالة على أن الرجل الذي رآه عبد الله بن زيد لابساً حلة خضراء ويحمل كذا وكذا أنه ملك نزل ليعلم عبد الله ألفاظ الأذان، وسواءً كان ملكاً أو كانت رؤيا منام، فالرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة، فلما أجرى الله سبحانه وتعالى هذه السنة على يده، وأراه إياها، رأى أن لنفسه حقاً فيها، وقال: (كنت أريده)، أي: كنت أريد الأذان؛ لأنه شرف عظيم وفضل كبير، وقد قال عمر : لولا الإمامة لكنت مؤذناً، أو لو كنت أستطيع الأذان لأذنت، فالمؤذن يشهد له كل من سمع صوته من شجر وحجر ومدر، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً، ويوجد آثار كثيرة في فضل المؤذنين.

    فكان يريده لنفسه لأنه الذي رآه، ولكن كونه الذي رآه شيء، وموضوع الأذان شيء آخر، فموضوع الأذان إعلام، والأحق بالإعلام من كان أندى صوتاً، أما كونك رأيته وصوتك دون صوت بلال في ارتفاع الصوت أو النداوة أو القبول أو الصيغة وحسن إصغاء الناس إليها فهذا أدعى لأن يتولى هو الأذان؛ لأنها صفات ذاتية في الأذان، وكونك أنت رأيته يكفيك شرفاً وفضلاً، أما أداء الأذان بذاته فنحن نريد الإعلام، والإعلام أحق به من كان أندى صوتاً، وهذا من وضع الشيء في موضعه، لكن من حقه أن يتطلع، فقال له صلى الله عليه وسلم: (أقم أنت)، يعني: نحن جعلنا الأذان لـبلال لأنه أندى منك صوتاً، وهذا هو الوصف المناسب للحكم، وأما أنت لكونك رأيته وتتطلع إليه فأقم، والإقامة شريكة الأذان، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم سماها أذاناً في قوله: (بين كل أذانين صلاة)، وهما الأذان والإقامة، والإقامة تكون بألفاظ الأذان.

    إذاً: من أذن فهو يقيم، وعبد الله بن زيد تطلع للأذان فجعله عليه الصلاة والسلام أن يقيم وبلال يأذن، ومن هنا قالوا: لو أقام غير المؤذن صحت الإقامة ولا تعاد.

    1.   

    المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة)، رواه ابن عدي وضعفه، وللبيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله ].

    هذا يمكن أن نسميه توزيع المسئولية وتوزيع الاختصاصات، نحن نعلم بأن الإمام من حيث هو أعلى منزلة من المؤذن، الأجر لا نتكلم عليه هنا، لكن المنزلة في الدين أو المنزلة في الناس فإن الإمام أعلى منزلة من المؤذن، ولهذا يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم كانوا يؤمون الناس في الصلاة ولم يكونوا مؤذنين.

    فالمؤذن أدنى مرتبة من الإمام، ولكن كما في الحديث: (المؤذن مؤتمن، والإمام ضامن)، فهم أمناء على الوقت؛ لأنهم مع التكرار والتعود أصبحوا يعرفون الوقت بسرعة ولو لم تكن هناك آلة، ولو لم تكن هناك وسيلة لقياس الزمن، مع أن مقاييس الزمن معروفة من قبل بالظل، فإذا كان المؤذن كل يوم خمس مرات يتتبع الأوقات، يتتبع طلوع الفجر، ويتتبع زوال الشمس، ويتتبع ظل كل شيء مثله، ويتتبع الغروب، ويتتبع غياب الشفق، في كل الأوقات الخمسة؛ فهذا أنه بعد شهر يصير هذا شيء جبلي عنده، حتى لو نظر إلى الأفق ونظر إلى الساعة فاختلفا فإنه يقدم الأفق على الساعة.

    وكان الأفق أضبط عنده من الساعة.

    إذاً: المؤذن أمين على الوقت.

    ومن هنا: إذا سمعنا المؤذن يؤذن لا نحتاج إلى بينة على دخول الوقت، وعلى صحة الصلاة، وعلى الإمساك في الصيام، وعلى الإفطار في رمضان؛ لأننا نكون جالسين في المسجد، وما رأينا هل الشمس غربت أو لم تغرب ما ندري، حتى الساعة في أيدي الناس هذه تقدم دقيقتين وهذه خمس وهذه تؤخر، وهذه كذا، لكن حينما نسمع المؤذن نلغي هذه الساعات التي تقدم والتي تؤخر، وما نسأل فيها، وعندنا المؤذن أمين على صيامنا بوقت دخول الفطر، وكل الذين في المسجد من آلاف مؤلفة، ومن في البيوت من حريم ورجال وصغير وكبير يأتمنون المؤذن على دخول الوقت، ويأتمنونه على الإفطار.

    وبعض العلماء يذكر هنا مسألة أصولية وهي: أن قبول خبر المؤذن وائتمان المؤذن على الوقت، وترتيب الأحكام الشرعية من صلاة وإمساك وإفطار على أذانه؛ يعتبر أقوى دليل على قبول خبر الواحد؛ لأن المؤذن شخص واحد، والأمة كلها تقبل خبره، وتعمل به، فتؤدي الصلاة والصلاة لا تؤدى إلا في وقتها، ويمسك عن الطعام من أجل الصيام فيحرم ما أحل الله، ويفطر ويأكل ويستحل ما كان حراماً، وكل ذلك بخبر الواحد، فقالوا: إن قبول المؤذن في إخباره عن الوقت وائتمانه عليه أقوى دليل في قبول خبر الواحد عند الأصوليين، والله تعالى أعلم.

    مشروعية توزيع الاختصاصات وترتيب الأمور

    هنا المؤذن أملك بالأذان، وأمين على الوقت، والإمام أملك بالإقامة، فالإمام هو الذي يرى أن نقيم الصلاة الآن أم ننتظر بعض الناس المتأخرين قد يرى أن نقدم الإقامة إذا كان في المسجد جماعة من النسوة معهن الأطفال، وسمع الصراخ، والصياح أو هناك شيء حدث ويحتاجون إلى أن يعجلوا الصلاة.

    إذاً: الإمام الذي يملك أن نقيم الآن أو نتأخر، نتعجل بالإقامة في أول وقتها أو نؤخرها.

    ويقولون: إذا اختلف الإمام والمؤذن في الوقت، فقال الإمام للمؤذن: قم فأذن، قال: لا، الوقت ما جاء، هل نأخذ بكلام المؤذن أم بكلام الإمام؟ المؤذن؛ لأن هذا اختصاصه، والإمام ما هو ضابط للوقت كضبط المؤذن، ولو أنهم اتفقوا وأذن المؤذن ثم بعد فترة قال الإمام: يا مؤذن! أقم الصلاة، قال: لا، انتظر، نأخذ بكلام الإمام؛ لأن الإمام أملك بالإقامة، كما أن المؤذن أملك بالوقت، وهذا نسميه توزيع الاختصاص، حتى لو كنا في عمل دنيوي فهناك ذوي اختصاص في جانب من الجوانب، فينبغي أن نقدم من كان اختصاصه في هذا الموضوع ولا نحابي في ذلك.

    وفي السنة النبوية: (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضكم زيد ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة) وقال لـابن العباس : (اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل) فإذا اختلفوا في فريضة من الميراث فالمقدم رأي زيد ، بالرغم أن فيهم أبو بكر وعمر ، وهم أفضل منه، لكن هو مختص بذلك، وكذلك لو اختلفوا وتنازعوا في حلال أو حرام فرأي معاذ مرجح.

    ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني المسجد النبوي البناية الثانية، وكان ذلك بعد عودته من خيبر، وكان المسجد الأول (60×70) ذراعاً، وكان من جذوع النخل كما تعلمون، وكثر الناس، فأراد أن يوسع المسجد إلى أن صار (100×100)، وكان هناك رجل من بني حنيفة وفد إلى المدينة، فرأى رجلاً من الأنصار يخلط الطين بالتبن، فلم يعجبه عمله فقال: أرني وأخذ منه المسحاة، وأخذ يخلط الطين، والرسول صلى الله عليه وسلم ينظر فقال: دعه لهذا العمل فإنه أعرف به منك، وهذا إسناد العمل للمختص فيه.

    فلو جاءنا مهندس معماري وعنده مشروع زراعي، وعنده رجل خبير في الزراعة بدون دراسة، فهل يقدم المهندس المعماري أو الفلاح الخبير المجرب عشرين أو ثلاثين سنة؟ الفلاح الذي اكتسب الخبرة والتجارب، وكذلك العكس لو عنده مشروع معماري، وجاءنا مهندس زراعي، وجاء معلم من المعلمين العاديين واختلفوا، وكل له وجهة نظر فمن نقدم؟ نقدم المعلم الذي له تجارب عشرين.. ثلاثين.. أربعين سنة في البنيان، وهذا مهندس زراعي تخصصه في الزراعة.

    إذاً: توزيع الاختصاصات من صميم الإسلام، كذلك التخصص في مادة دنيوياً أو أخروياً إلا أن تخصص المادة العلمية اليوم فيه جوانب سلبية، فالطالب درس الابتدائي والمتوسطة والثانوي على قدر في العلوم، وجاء إلى الكلية ودرس منهج الكلية، والكلية قد تكون نظرية كالجامعة الإسلامية، لأن دروسها كلها نظرية، وليست عملية، وقد تكون عملية، مثل: كلية هندسة، كلية طب، مكنيكا، كهرباء، فهذه أشياء عملية، فهو يدرس ويطبق بالعمل، فإذا كانت هذه الحالة، ودرس المنهج العام ثم أراد أن يتخصص في فن من الفنون أو علم من العلوم ففي الجامعة الإسلامية -مثلاً- كلية الشريعة، فيها أصول وفقه وتفسير وحديث ومصطلح، فأراد أن يتخصص في مادة من تلك المواد الرئيسية بخلاف المواد الفرعية. مثل: النحو والصرف والبلاغة، فهي في كلية الشريعة فرعية وليست أصلية، ولا يقبل من خريج الشريعة أن يتخصص في اللغة؛ لأن اللغة أساسية في كلية اللغة، وأما الحديث والتوحيد والتفسير فهي علوم فرعية في كلية اللغة، وهكذا.

    إذاً: لكل كلية منهجها ودروسها الأساسية والتكميلية، فإذا كان الطالب في كلية الشريعة وأراد الماجستير في أصول الفقه فهذا من حقه، والناحية السلبية هي أن يكرس جهده كله في أصول الفقه ويكون ذلك على حساب المواد الأخرى من فقه وحديث وتفسير، فلا يكون مبرزاً في بقية المواد كما هو مبرز في مادة الأصول، وهذه ناحية سلبية بالنسبة للمواد الأخرى، وحينما كان عدد الطلاب محدوداً كان يتعين على كل متخرج أن يكون مبرزاً في جميع المواد التي في الكلية، ولما كثر المتخرجون وازداد العدد فلا مانع أن نخصص هذا في الأصول، ونخصص هذا في الفقه، ونخصص هذا في الحديث، ومن مجموع المتخصصين يكون عندنا منهج تخصصي في مواد الكلية كلها.

    وينبغي على الطالب في ذاته إن اختار مادة يتخصص فيها ألا يغفل، بقية المواد؛ لأنه كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: العلوم أقران. فالأصولي لا يستغني عن الفقه للتشبيه والتمثيل والبيان، والفقيه لا يستغني عن أصول الفقه ليبني ويستنبط على أصول الأحكام، وكل منهما لا يستغني عن الحديث؛ لأنه مرجع لاستنباط الأحكام، وكذلك التفسير.

    إذاً: المؤذن أملك بالوقت، والإمام أملك بالإقامة، وهذا من توزيع الاختصاصات، فكل في حده، وكل في مجاله، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) رواه النسائي وصححه ابن خزيمة ].

    هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم أنه لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة، وهل هذا أسلوب حصر كالأساليب المتقدمة أو خبر عار عن الحصر؟ لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة، هل تعرض لأوقات أخرى؟ ما تعرض لها.

    إذاً: هذا إخبار بالنسبة لموضوع الباب، وهو الأذان والإقامة، وهناك مواطن كثيرة جداً يستجاب فيها الدعاء، كالساعة التي في يوم الجمعة عند صعود الإمام إلى المنبر إلى الفراغ من الخطبة والصلاة، وفي الثلث الأخير من الليل، ودعاء المظلوم، وفي حالة عمل الخير وعمل البر، وعقب ختم القرآن، فلكل ختمة دعوة مستجابة، ويوم عرفة، وليلة الجمعة، وليلة العيدين، وكل هذه مواطن يستجاب فيها الدعاء، ولكن المؤلف هنا أتى بما يتعلق بالأذان والإقامة.

    1.   

    الدعاء بعد الأذان

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) أخرجه الأربعة ].

    هذا تتمة الحديث المتقدم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلو الله لي الوسيلة، فمن سأل الله لي الوسيلة كنت له شفيعاً يوم القيامة)، فهنا يعطينا الصيغة التي بها نسأل الله الوسيلة له صلى الله عليه وسلم، (من قال حين يسمع الأذان)، أي: وقال مثلما يقول المؤذن وصلى علي ثم قال: (اللهم! رب هذه الدعوة)، الدعوة إلى الصلاة، أنت تدعو: حي على الصلاة والفلاح فهذه دعوة تامة.

    (والصلاة القائمة)، هذه الصلاة عماد الدين، ومكانتها عند الله عظيمة.

    (آت محمداً)، في هذا الحديث لفظ محمد مجرد عن السيادة، وبعض العلماء ينظر بعمق ويقول: نحن نسأل له، والمسئول له يجب أن يكون في مقام التواضع مع المسئول، فهل عندما نسأل له الوسيلة نسيده ونعظمه وهو سيد وعظيم أم أن المناسب للمقام -مع تكريم النبي صلى الله عليه وسلم- أن نقول كما قال صلى الله عليه وسلم: (آت محمداً الوسيلة)؟ المناسب الثاني، وحينما يكون المقام مقام تكريم وتعظيم فلا بأس بذكر السيادة، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وسيد العالمين وسيد الثقلين أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم.

    لا مانع من ذلك لكن هنا: (آت محمداً الوسيلة)، وقد بين صلى الله عليه وسلم أنها منزلة رفيعة في الجنة لا تنبغي إلا لشخص واحد، قال: (وأرجو أن أكون أنا هو).

    إذاً: هذه الصيغة التي نسأل الله له بها الوسيلة.

    الدعوة التامة بكل أركانها، وتامة بكل تشريعاتها، لا نقص فيها أبداً، في هيئتها.. في أدائها.. في مهمتها، وما يعود على الإنسان منها.. فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعين على نوائب الدهر.

    (الوسيلة)، أي: تلك المنزلة الرفيعة. (والمقام المحمود الذي وعدته)، المقام المحمود هو مقام الشفاعة العظمى حينما يعتذر عنها جميع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، ويتقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشفع لهم عند رب العزة سبحانه، حتى يأتي لفصل القضاء، فتكون شفاعة شاملة للأمم مع أنبيائهم، وهو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (حلت له شفاعتي)، هذا وعد منه صلى الله عليه وسلم أن من فعل ذلك استحق شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ونسأل الله حسن الختام بحسن ختام هذا الحديث الذي فيه إرهاص بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يكرمنا وإياكم جميعاً بشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.