إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب التيمم [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خص الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بخصائص جمة، وهذه الخصائص لا يشركه فيها أحد من الأنبياء، ومنها: أنه نصر بالرعب مسيرة شهر، وأحل له أخذ الغنائم، وأعطي الشفاعة، وبعث إلى الناس كافة، ومنها: أنه جعلت له الأرض ولأمته مسجداً وطهوراً، فإذا لم يجد أحد من أمته الماء ليتوضأ أو ليغتسل فليتيمم وليصلِّ حيث شاء.

    1.   

    مشروعية التيمم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [باب التيمم: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراًً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل ..) ، وذكر الحديث.

    وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عند مسلم : (وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) ، وعن علي رضي الله عنه عند أحمد : (وجعل التراب لي طهوراً) ].

    انتقل المصنف رحمه الله إلى الطهارة الترابية وهي التيمم، والتيمم لغة: القصد، يقال: يممت جهة كذا أي: قصدتها، أو تيممت إلى جهة كذا قصدتها.

    وشرعاً: القصد إلى الصعيد الطيب عند عدم وجود الماء، لمسح الأعضاء على صفة مخصوصة.

    وهذا الباب مما يدل على مدى سماحة الإسلام، ومجيء البدائل من الأصل المفروض، وهذا أولها.

    فالأصل في الطهارة أن تكون بالماء، ولكن إذا عدم الماء أو تعذر استعماله فلا يتعطل التشريع، ولا تتوقف العبادة، بل يأتي البديل وهو التيمم، سواء كان التيمم رخصة أو عزيمة، فإنه نيابة مؤقتة، أو دائماً على حسب الظروف في استعمال الماء.

    ونجد البدائل في الإسلام عندما تأتي الشدائد أو المضايقات والعجز، وفي بعض الأحيان تسمى رخصة، وأحياناً تكون عزيمة.

    فإذا انتهينا من الطهارة وجئنا إلى الصلاة فإن الأصل فيها: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] ، فإذا عجز الإنسان عن القيام جاءته الرخصة في أن يصلي جالساً، وإذا عجز عن الجلوس صلى وهو على جنبه، أو مستلقياً على ظهره.

    وإذا جئنا إلى الصيام فإن الأصل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فإذا كان عاجزاً عن الصوم أو تلحقه به مشقة من مرض أو سفر أو ما يلحق بالمرض والسفر، فإنه تأتي الرخصة في الفطر والقضاء في أيام أخر: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185].

    وتأتي الزكاة ولا تجب إلا على الغني الذي يملك نصاباً، ويبقى عنده مال وهو مستغنٍ مستغنياً عنه حتى يحول عليه الحول في يده، فحينئذٍ يثبت غناه فتفرض عليه الزكاة.

    ونأتي إلى الحج فنجد من أول مشروعيته: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    ونأتي إلى الجهاد فنجد: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ .. [الفتح:17] ..وهكذا.

    ومن هنا لم يكن في التشريع الإسلامي ما يسمى طريقاً مسدوداً، بل كلما عجز الإنسان جاءته الرخصة، والتيمم يختلفون فيه على ما سيأتي إن شاء الله: هل هو عزيمة أو رخصة؟ كما اختلفوا في إباحة الميتة، إذا نفد الطعام ولم يجد ما يسد رمقه ووجد الميتة، وهي محرمة في الأصل، فإنه أبيح للمضطر: غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [البقرة:173] فإباحة الميتة عزيمة أم رخصة؟

    قالوا: إنها رخصة، ولكن قد تكون عزيمة إذا خاف على نفسه الموت ولم يجد غيرها.

    وهنا في التيمم مباحث كثيرة من حيث العزيمة والرخصة، ومن حيث أنه مبيح للصلاة أو رافع للحدث، وهذه كلها جوانب فقهية تتعلق بموضوع التيمم، وسيذكر المؤلف بعض النصوص الموجودة في هذا الباب، وسنشرحها إن شاء الله تعالى.

    1.   

    من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم

    والتيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، فلا حاجة إلى بحث جوازه أو مشروعيته، وقد بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بشيء من بيان المشروعية مع خصوصيات المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومنها:

    حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي)، قوله: (أعطيت) فعل مبني للمجهول، أو لنائب الفاعل، ومعلوم أن الذي أعطاه هو الله سبحانه وتعالى، بدليل قوله: (لم يعطهن أحد قبلي) ، وقد اعتبروا هذه الخمس من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

    ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحصر ما أعطيه دون الأنبياء في الخمس، وإنما قال: (أعطيت خمساً)، ويمكن أن يعطي خمساً أخرى أو عشراً، ولهذا ذكر السيوطي أنه عد ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم فوصل إلى مائتي صفة، وذكر ابن حجر في فتح الباري ثمانية بنصوصها.

    وهناك أمور تمر على الإنسان وقد لا يعلم أنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم، والقاعدة في بيان خصائصه: إما أن يأتي النص عليها، كما جاء في الواهبة نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد جاء القرآن بالتنصيص: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فهذا نص قرآني على أن هذه الصورة من صور الزواج خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أن المرأة إذا رغبت في زواجها من رسول الله، فجاءت ووهبت نفسها لرسول الله، فإنه يحق له أن يتزوجها بدون صداق ولا ولي ولا شهود، وهذا من خصائصه، قيل: لأن الولي لا حاجه إليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أما غيره فلا يحق له أن يتزوج امرأة بالهبة كما هو معلوم.

    ونرجع إلى الخمس المذكورة في هذا الحديث، فنجد أنه صلى الله عليه وسلم استهل حديثه بقوله: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي)، وفي رواية: (أحد من الأنبياء قبلي)، وإذا كان لم يعطهن أحد قبله فهل يعطى أحد بعده شيئاً منها؟

    الجواب: لا؛ لأن الرسالة انتهت، والعطاء والإكرام من الله سبحانه وتعالى بتخصيص فرد من الأفراد بشيء لم يكن لغيره قد انتهى أمره، اللهم إلا أمور ليست في التشريع، كما قالوا عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنه كانت تمر به الملائكة فتسلم عليه وكان يراها، فحدث، أن اكتوى، فامتنعت الملائكة عن التسليم عليه، وعن رؤيته، فلما ترك الكي عادت إليه، وقال: قد عاد إليَّ ما كان أولاً.

    وكذلك العباس رضي الله تعالى عنه لما جاء إلى بيت رسول الله، واستأذن على رسول الله فلم يأذن له، والباب مفتوح، وهو يراه في داخل البيت، فغضب العباس، وكان في بني هاشم نوع حدة، فجاء راجعاً إلى بيته، فقال له عبد الله : لا تغضب يا أبي! لعله مشغول عنك بالرجل الذي كان يتحدث معه، فقال: وهل معه رجل؟ قال: بلى، قال: ما رأيته، فرجع العباس مرة أخرى، فاستأذن على رسول الله فأذن له، فدخل وقال: (ما شأنك يا ابن أخي استأذنتك أولاً ثلاث مرات فلم تأذن لي، وقال لي الغلام: إنه كان عندك رجل تحادثه؟ فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى ابن عباس وقال: أرأيته يا غلام؟ قال: بلى، قال: ذاك جبريل كان عندي آنفاً)، فهذا قد يكون من خصوصياته، ولكن وجدنا في مجلس عام في حديث عمر : (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل ..)، وذكر من صفاته، فهذا في مجمع عام، وفي النهاية قال لهم صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم).

    فقد يخص الله بعض العباد ببعض الخصائص التي ليست للآخرين، كإجابة الدعوة، فليس كل إنسان مجاب الدعوة، ولكن يوجد من بعض عباد الله الصالحين كما قال صلى الله عليه وسلم: (لو أقسم على الله لأبره).

    قذف الرعب في قلوب الأعداء

    قال عليه الصلاة والسلام: (نصرت بالرعب مسيرة شهر).

    والرعب: هو الخوف، والمسيرة نسبة إلى موضع السير، والمعنى: مسافة ما يسير الإنسان شهراً بالسير العادي على الأقدام أو على الإبل، قالوا: مسيرة شهر أمامه، ومسيرة شهرٍ وراءه، ومسيرة شهر عن يمينه، ومسيرة شهر عن يساره، فكل من سمع به على بعد شهر فإنه يخاف منه، وجاء في بعض الروايات: (نصرت بسيفي) أي: بالسمعة، ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم، والرءوف الرحيم لا يخاف الناس منه، إنما يخافون الناس من البطاش والجبار والظالم، ولكنه رءوف رحيم ومع ذلك يخافون منه!

    وقوله: (نصرت)، هذه النصرة كما يقولون: لو كان وحده وليس معه من الجيش أحد فإنه بمجرد وجوده في مكان ويسمع به أي إنسان ولو على بعد مسيرة الشهر فلابد أن يرتجف قلبه خوفاً من رسول الله؛ لما أعطاه الله من النصر على أعدائه.

    وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات كما يقول الراوي: نزلنا منزلاً وكان الظل شحيحاً، فكنا نترك الشجرة المظلة لرسول الله ونتجنب عنه -أي: ليقيل وينام- فجاء إلى ظل شجرة وعلق سيفه بغصنها ونام، فجاء أعرابي وأخذ السيف واستله من جرابه، وأيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد! من يعصمك مني؟ -السيف في يده، وهذا أعزل وجالس في الأرض وهو متمكن بقيامه- قال: الله، فسقط السيف من يد الأعرابي فتناوله صلى الله عليه وسلم وقال: يا أعرابي! من يعصمك مني؟ فقال: العفو يا محمد. فهذا من نصرة الله، فإنه لم يأتِ أصحابه حوله، ولم يستصرخ أحداً، ولا استنجد بأحد، ولا نادى أحداً، ولكنه استعان بالله.

    ومن المعلوم أن نصرة الأنبياء في مثل تلك الوقائع ليست بدعاً من الأمر، فالقرآن الكريم قد ذكر عدة وقائع، فهذا الخليل عليه السلام عندما وضعوه في المنجنيق وأرادوا إلقاءه في النار وهي ملتهبة مستعرة، ويأتي جبريل ويقول: ألك حاجة؟ فيقول له: أما منك فلا، وأما من الله فنعم، قال: أفلا تدعوه؟ قال: علمه بحالي يغني عن سؤاله، فكانت نصرة الله له أقرب من كل شيء، وقد جاء في الحديث: (ضجت الملائكة لما رأته في المنجنيق وقالوا: إن سألكم عوناً فأعينوه إن استطعتم)، ولم يسأل أحداً شيئاً، وكانت نصرة الله له بقوله: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69].

    وموسى عليه السلام لما وقف على حافة البحر، ونظر من معه فإذا فرعون وجنوده وراءهم، فقالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] البحر أمامنا، والعدو وراءنا، فقال موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، وكلمة (معي) نجدها في الغار عندما وصل الطلب من قريش لرسول الله إلى فم الغار وقال الصديق : (يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما بالك باثنين الله ثالثهما)، قال تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    وهكذا نجد نصرة الله للرسل عامة، ولكن أن يكون النصر على مسيرة شهر، فهذا مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا [غافر:51].

    جعل الأرض كلها مسجداً وطهوراً

    قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً ..).

    والجعل: التصيير، تقول: جعلت الطين خزفاً، وجعلت الخشب باباً، وجعلت الطحين خبزاً، والأرض موجودة من قبل، ولكن الجعل منصب على الوصف الطارئ، و(الأرض) جنس -كما يقولون- الكوكب الذي نعيش عليه، و(أل) هنا للاستغراق، فتشمل جميع أجزاء الأرض مشارقها ومغاربها، شمالها وجنوبها، أعلاها وأسفلها، وكلمة (لي) مفهومها أنها لم تجعل لغيره، وقوله: (مسجداً وطهوراً) هل المسجد والطهور خصلة واحدة؟

    التحقيق في العدد أنها خصلة واحدة؛ لأننا لو عددناهما خصلتين لكان المذكور في الحديث ست خصال، والمذكور في الحديث في الجملة خمس، وهذا من الأساليب النبوية، وهو الأبلغ، أن تذكر القضية مجملة ثم يفصل في أجزائها.

    و(مسجِد) على وزن مفعِل، من سجد يسجد فهو مسجد، على خلاف القياس، وهو موضع السجود، كمجلس، يقال: هذا مجلس زيد أي: مكان جلوسه، وهذا مسجد زيد أي: مكان سجوده، وهل المراد بالمسجد هنا المعنى اللغوي أم المعنى الشرعي؟ بمعنى هل المراد أن يجوز أن يبنى المسجد في أي جزء من الأرض، أم المراد أن جميع أجزاء الأرض مسجد بمعنى موضع للسجود، ولو لم يكن هناك مسجد مبني؟

    المعنى الثاني أعم، وكأن الأرض كلها مسجد كبير جداً في جميع أجزاء الأرض.

    وقوله: (وطهوراً)، والأرض تكون طهوراً، وكلمة (الأرض) تشمل جميع طبقاتها، والأرض أنواع كما بين صلى الله عليه وسلم في قوله: (مثلي ومثل ما بعثني الله به من الحق كمثل أرض خصبة شربت الماء وأنبتت، وأرض قيعان لم تمسك ماءً ولم تنبت كلأ، وأرض أمسكت الماء ولم تنبت واستفاد بها غيرها)، فقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، يعم كل أرض، وسيأتي بيان هذا الطهور وكيف نتطهر بالأرض.

    إذاً: التعميم هنا والمجيء بـ(أل) وهي لجنس الأرض، أخذ العلماء من ذلك أن طهور الأرض يصلح بكل أنواع أجزائها، سواء كانت رملاً، أو حصى، أو صخرة ملساء، أو أرضاً طيبةً منبتة، أو غير ذلك؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، كما تصح الصلاة في جميع أجزاء الأرض، سواء كانت صخرة ملساء، أو رملاً بيضاء، أو حصوة، أو حجارة، أو حتى على رأس جبل فإنه تصح الصلاة فيه، وكذلك تصح الطهارة منه، وهذا هو ما أخذ به من يقول بأن التيمم يصح أن يكون على جميع أجزاء الأرض.

    وقوله: (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)، (أي) من صيغ العموم، و(ما) هنا موصولة وهي من صيغ العموم، فتعم كل رجل وكل امرأة (أدركته الصلاة) في أي بقعة من بقاع الأرض، (فعنده مسجده وطهوره) مسجده أي: الذي يصلي فيه، وطهوره الذي يتطهر للصلاة.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل) أي: من أمته، فالأمم الماضية ما كانت تصح لهم الصلاة في عموم الأرض؛ لأن هذا مما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في شخصه ولأمته معه، وكان الأنبياء والأمم من قبل لا تصح صلاتهم إلا في أماكن العبادة، سواء كانت البيع، أو الكنائس، أو مواطن العبادة التي تختص بهم، أما عموم الأرض فلم يرخص لهم فيها، وجاءت هذه الأمة فكانت صلاتها تصح في المساجد التي بنيت للصلاة، وتصح في أي جزء من أجزاء الأرض، فأيما رجل أدركته الصلاة في سفر أو في حضر، وليس عنده مسجد فعنده مسجده، أي: وجه الأرض، وإذا لم يجد الماء فعنده الأرض يتطهر بها ويصلي عليها، أي: أنه لا يعفى أي رجل من أداء الصلاة، فلا يقول: لا يوجد مسجد، فعنده مسجده، ولا يقول: ليس عندي ماء أتوضأ، فعنده طهوره.

    إذاً: لا عذر لأي رجل كان في أي بقعة كانت أن يترك الصلاة لعدم وجود مسجد مقام، أو لعدم وجود ماء يتطهر به، فعنده في أي مكان كان مسجده وهو وجه الأرض، وعنده طهوره الذي هو جزء الأرض المكشوف لنا.

    وقوله: (فأيما رجل) تلحق به المرأة أيضاً، فلو أن عائلة بكاملها رجالاً ونساءً، أو قبيلة في رحلة، أدركتهم الصلاة ولم يجدوا الماء، فإن الجميع رجالاً ونساءً يتيممون ويصلون.

    حكم التيمم بغير التراب مما هو من صعيد الأرض

    [وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عند مسلم : (وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) ].

    من فقه المؤلف رحمه الله أنه جاء باللفظ الأول: (وجعلت لي الأرض)، والأرض عامة، ثم جاء باللفظ الآخر: (وجعلت تربتها) يقولون: إن التربة والأرض سواء، وتربة كل جزء من الأرض بحسبها، يقال: هذه الأرض تربتها خصبة، وهذه الأرض تربتها رمل، وهذه الأرض تربتها حصى، وهذه الأرض تربتها صخر، فتربة كل مكان بحسبه.

    إلا أن البعض قال: (تربتها) نوع خاص منها هو الذي يمكن أن يكون منه التيمم، وهنا سنبدأ في تخصيص عموم الأرض، ويبين ذلك الأثر الذي يأتي بعد هذا، وهو عن علي عند أحمد : (وجعل التراب لي طهوراً)]، وهذا نص صريح، والتراب متميز عن أجزاء الأرض من غيره؛ لأن الأرض ليست كلها تراباً، وكذلك الطين، والرمل الأبيض الناصع، والحصا والصخرة الملساء، فالتراب: ما كان من الأرض صالحاً للزرع والإنبات، وكان له غبار.

    فمن هنا لوجود هذه الروايات هناك من أخذ بالعموم وقال: يصح التيمم على جميع أجزاء الأرض، كـمالك وأبي حنيفة رحمهم الله.

    وقال الشافعي : لابد من وجود تراب، وإذا وجد التراب ولو في غير الأرض صح التيمم، كما يقول النووي رحمه الله: لو جاء إلى كيس من الحب معرض للهواء والغبار والتراب، أو إلى مفرشة مليئة بالغبار، فضرب عليها، وتصاعد غبار التراب من هذا الكيس أو من هذه المفرشة؛ صح التيمم عليه؛ لأن الغرض هو التراب.

    والجمهور يقولون: إن الله يقول: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، فلا بد من القصد للصعيد، وهو وجه الأرض.

    إذاً: العلماء مجمعون على مشروعية التيمم، ولكنهم اختلفوا في هل عموم الأرض على النص الأول العام أم على التربة؟ وهل التربة تتميز عن عموم الأرض؟ وإذا كان التراب على جدار أو على كيس أو على مفرشة أو نحو ذلك فهل يصح التيمم؟

    فـالشافعي رحمه الله أخذ بأثر علي ، وجعل التراب حيثما كان ولو لم يكن مباشراً للأرض؛ لأن التراب عوض عن الماء.

    والآخرون قالوا: الذي يصح منه التيمم هو وجه الأرض؛ لقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا [النساء:43]، والصعيد: ما تصاعد وارتفع عن وجه الأرض، حتى قال المالكية: صعيد الأرض ولو كان حجراً أملساً، فلو أن صخرة بالوادي كانت مليئة بالتراب وجاء السيل وغسلها، ثم جاء إنسان في وقت من الأوقات ولم يجد ماء، ووجد تلك الصخرة الملساء، فإنه يصح التيمم عليها ولو لم يكن بها ذرة غبار ولا تراب.

    إذاً: إلى هنا بيان اختلاف العلماء رحمهم الله في نوعية ما يصح منه التيمم من الأرض، وهم مجمعون على أن جميع أجزاء الأرض تصح الصلاة عليه، فلو كان هناك إنسان في قمة جبل، ثم حان وقت الصلاة، فلا نلزمه أن ينزل إلى بطن الوادي ليصلي، بل يصح أن يصلي في قمة الجبل ولو كان أملساً مثل الرخام المنعم.

    وقالوا: كما تصح الصلاة وتكون الأرض مسجداً بعمومها وجميع أنواع أجناسها، سواء في رملة، أو في حصوة، أو في صخرة، أو في تراب، أو في غير ذلك، فكذلك الطهور قرين المسجد، فعنده مسجده وطهوره، فإذا كان عنده مسجده والأرض صخرة ملساء وقلنا: لا يصح التيمم، صار عنده مسجده فقط، وعليه أن يبحث عن طهوره، وهذا ينافي الحديث.

    وعلى هذا يكون الراجح من هذه الأقوال: أن أي جزء من أجزاء الأرض بطبيعته فإنه يصح التيمم عليه كما تصح الصلاة فوقه.

    والمؤلف لم يذكر من الخصائص الخمس إلا اثنتين، ثم قال: (وذكر الحديث)، أي: أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه ذكر بقية الحديث، ولكن المؤلف اقتصر من الحديث على ما هو محل الشاهد هنا، وهو قوله: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، وما دام أن المؤلف قد ذكر قوله عليه الصلاة والسلام: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) فلا بأس أن نقف على بقية الخصال الخمس التي اختص بها خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه.

    إباحة الغنائم

    قال صلى الله عليه وسلم: (وأحلت لي الغنائم -وفي لفظ: المغانم- ولم تحل لأحد قبلي).

    الغنائم والمغانم: هي ما يناله الجيش المنتصر من ممتلكات الجيش المنهزم، من أموال وحيوانات وسلاح وغيرها، فيقول صلى الله عليه وسلم: أنا أول من أحلت له الغنائم، أما الأمم الماضية فلن تكن حلالاً لهم، والأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على قسمين:

    قسم أمر بالقتال ووعده الله بالنصر: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا [غافر:51].

    وقسم لم يؤمر بقتال فليست عنده مغانم، فالذين أمروا بالقتال وكانوا يغنمون من العدو، كانوا يجمعون المغانم والغنائم في مكان واحد، فإن كان عملهم خالصاً وسلم من الغلول -أي: لا يوجد شخص من الجيش أخفى شيئاً لنفسه- نزلت عليه نار وأحرقته، كما حدث في قضية قابيل وهابيل لما قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وهو أن نزلت نار فأحرقت القربان الذي قبل عند الله.

    فكانت تنزل نار فتحرق تلك الغنائم، ولا يمتلك الجيش المقاتل منها شيئاً، ويُذكر عن نبي من الأنبياء أنه قاتل وجنده فغنموا مغانم ووضعوها، فلم تنزل نار لتحرقها، فقال لرؤساء القوم: فيكم غلول منع من نزول النار لإحراقها، فكان كل واحد يقول: لا يوجد عندنا الغلول، فدعا رؤساء الجند وقال: ليبايعني كل واحد على قومه، فبايعوه، إلا واحد لصقت كفه بكف نبي الله، فقال: في قومك الغلول، ائتني بهم ليبايعوا واحداً واحداً، فجاءوا وبايعوه، فلصقت كف الغال بكف النبي عليه السلام، فقال: أنت عندك الغلول، فأخرج رأس ثور من ذهب وألقاه، فنزلت النار وأحرقته.

    فكانت الأمم الماضية والرسل المتقدمون إذا غنموا لا يقتسمون الغنائم، ولكن هذه الأمة أحلت لهم الغنائم، وكلمة (أحلت) تشعر بأنها لم تكن حلالاً من قبل، كما في آية الصيام: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، وقبل نزول الآية لم يكن الرفث -وهو الجماع- حلالاً.

    وبعض العلماء يقول: المراد بالمغانم هنا بعضها وهو الخمس، فيتصرف فيه صلى الله عليه وسلم كيفما شاء، كما جاء في الآية: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الحشر:7] الآية.

    وبعضهم يقول: بل المراد جميع الغنائم، كما جاء في سورة الأنفال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1]، فما أعطى للآخرين شيئاً وهو الذي يعطي المقاتلين حصتهم، ثم جاء التقسيم: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال:41]، والأربعة الأخماس تكون للمقاتلين، وهذا مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الشفاعة العظمى

    قال صلى الله عليه وسلم: (وأعطيت الشفاعة)، الشفاعة هنا جنس عام، وأصل الشفاعة: من الشفع، والشفيع يأتي مع الشخص المفرد فيجعله شفعاً، فإن الشخص وحده وتر فرد، فإذا ضم إليه من له حاجة إليه فإن هذا الذي جاء معه يشفعه، فصار هو والذي جاء شفعاً وليس وتراً، والشفيع: هو الذي يأتي مع المشفوع فيه فيكون شفعاً معه.

    وعرفاً: هو الذي يسأل من عنده الحاجة للمشفوع له، وغالباً يكون الشفيع أو الشافع ذا منزلة عند المشفوع عنده؛ لأن الشخص بذاته قد لا يعنى به من عنده الحاجة، وإذا أتاه قد لا ينظر إليه أو لا يقضيها له، فإذا أتاه من له مكانة عنده ربما قضى حاجة المشفوع له بموجب وجود الشافع الذي أتى معه.

    والشفاعة يوم القيامة: هي أن يشفع الشافع في غيره، إما بعدم دخول النار وقد استحقها، وإما بدخول الجنة وهو لم يستحقها، وإما بإخراجه من النار وقد دخلها.

    والشفاعة من حيث هي بهذه الصفات يشارك فيها الكثيرون، فالعالم يشفع في جيرانه وفي أهله، والطفل يشفع في أبويه، والشهيد يشفع في سبعين من أهله، فهناك من الأشخاص من يعطيهم الله حق الشفاعة في الأفراد.

    ولكن الشفاعة هنا للجنس، وإذا أطلق الجنس انصرف إلى أكمل أفراده، يقال: جاء الرجل، والرجل هو إنسان في مقابل المرأة، لكن إذا أطلق وقيل: جاء الرجل، فالمعنى: الأمثل في الرجال الذي ينصرف إليه الاسم كعلم عليه لتميزه، وقد يكون نسبياً، فيقال: جاء الرجل الشجاع، جاء الرجل الكريم، جاء الرجل العاقل، وذلك إذا كنا في قضية حول الشجاعة والجبن، وحول الكرم والشح، وحول الحلم والغضب، فيقال: جاء الرجل، أي: الرجل الذي هو أحق بهذه الصفة عند الناس.

    واسم الجنس قد يكون علماً للغلبة على فرد، مثل كلمة (المدينة)، فإذا أطلقت المدينة التي هي في أصل اللغة نكرة ودخلتها (أل) التعريف، فيراد بها المدينة المنورة، مع أنها تصدق على كل مدينة من مدن العالم، ولكن أصبحت علماً على المدينة المنورة.

    وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت الشفاعة)، تصرف الشفاعة عند الإطلاق على أعلى فرد من أفراد الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى.

    والشفاعة المذكورة هنا هي الشفاعة التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون بقية الرسل والأنبياء وجميع الخلق، وهي ما يسمى عند العلماء: بالشفاعة العظمى، وهي المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس حفاة عراة، وتدنو الشمس من الرءوس بقدر الميل، ويشتد الأمر بالناس، حتى يقول بعضهم لبعض: ألا تطلبون مجيء الرب لفصل القضاء؟ ألا تجدون من يشفع لنا؟ فيذهبون إلى أبي البشر آدم عليه السلام ويقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، ألا ترى ما نحن فيه؟ اذهب فاشفع لنا عند ربك ليأتي لفصل القضاء، فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولقد نُهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها؛ فإني أستحي أن أسأل ربي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم عليه السلام فيقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الرحمن، وأنت وأنت وأنت ... فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى كليم الله، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى! أنت كليم الله، فيقول: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى، فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى محمد، فيأتون إلى محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه فيقول: أنا لها أنا لها) .

    وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل نبي دعوة مستجابة، وقد تعجل كل بني بدعوته على قومه في الدنيا، -قال: (وأنا ادخرت دعوتي إلى يوم القيامة)، فاخرها لذلك اليوم، يقول: (فأذهب فأسجد تحت العرش، فيلهمني الله بمحامد لم أكن أعلمها) ، ونحن نذكر في الدعاء: (اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك..)، فهناك يعطي الله رسوله في ذلك المقام مما استأثر به في علم الغيب عنده، فيحمد الله بتلك الأسماء في ذلك المقام، وهي المناسبة لذلك لهذا الموقف الحرج الشديد، إلى أن يقبل الله منه فيقول: (يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط)، فيسأل المولى سبحانه المجيء لفصل القضاء، أو أن يعجل فصل القضاء.

    وهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي وعده الله، والذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسألها من الله له عندما قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد من عباده، وأرجو أن أكون أنا هو)، فهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون، وهي الشفاعة العظمى؛ لأنها تشمل جميع الأمم وجميع من في الموقف.

    إذاً: الشفاعة في قوله: (وأعطيت الشفاعة) وإن كانت اسم جنس عام إلا أنها تصرف لأعلى أفراد الجنس، وبقية الشفاعات يذكرون أنها سبعة أنواع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن استحق دخول النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن لا يستحق الجنة فيدخلها، ويشفع ثلاث أو أربع مرات لمن دخل النار بالفعل أن يخرجه الله منها، كما في الحديث: (يا رب! أمتي، فيقول: اذهب فأخرج من تعرف من أمتك من النار) ، وفي بعض الروايات: (فيحد لي حداً في النار ويقول: اذهب فأخرج من وجدت من أمتك في النار) أي: في هذا الحد، ثم يرجع مرة ثانية وثالثة .. وهكذا.

    بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة

    قال صلى الله عليه وسلم: (وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة).

    هذه هي الخامسة، وهي عموم وشمول الرسالة، فقد كان النبي يبعث في قومه خاصة، فلوط بعث في قومه، وإبراهيم بعث في قومه، ونوح بعث في قومه، وإن كان نوح عليه السلام بعد الطوفان أصبح لجميع من على وجه الأرض؛ لكن هذا العموم طرأ بعد أن غرق كل من عدا من آمن معه؛ ولكن أصل بعثته لقومه خاصة: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [نوح:2] .. إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ [نوح:1]، فبعد أن وقع الطوفان، وغرق سوى من لم يؤمن، أصبح لا يوجد على الأرض إلا من تبعه، فلا نقول: إن رسالته عامة للناس؛ لأن هذا العموم طارئ بعد فناء من لم يؤمن، فأصل رسالته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام خاصة لقومه.

    وهكذا صالح أرسل إلى ثمود، وهود أرسل إلى عاد، وهكذا كل واحد من الأنبياء أرسل لقومه، إلا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، فرسالته عامة للأسود والأبيض والأحمر، والعربي والعجمي، وكل بشر على وجه الأرض شملته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: (ما من أحد سمع ببعثتي ولم يؤمن بي إلا دخل النار)، (سمع) من أي الأجناس، في أي بقعة على وجه الأرض، وأعتقد أنه لا يوجد على وجه الأرض بشر إلا وقد سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا -في نظري- أولئك البشر الذين يعيشون في بعض الغابات في آسيا، ولم يتعرفوا على البشر، ويعيشون عراة تحت الأشجار، وبعض الدول هناك تذهب وتأخذهم كما يؤخذ الصيد، وتأتي بهم إلى المدن وتحاول أن تلبسهم فيمزقون اللباس، فجعلت لهم بيئة كبيئة الغابة بالفعل، وجعلت أنهاراً في وسط الأشجار، فتأتي أول ما تأتي بهم وتطلقهم في هذه الغابة المصنوعة، وبعد فترات تجعل لهم أكواخاً صغيرة، وتضع أطعمة في بعض الصحون، فيأكلون الأطعمة ويكسرون الصحون، وعندما يتآلف الشخص منهم يأتون إليه بنوع من القماش، ويفتحون فيه فتحة من الوسط ويدخلون رأسه، ويتركونها عليه جزء منها من الأمام، وجزء منهما من الوراء، فإذا بهم يخلعونها ويرمونها، ويعودون إلى العراء، وبعد فترة يألفون هذا اللباس، ثم بعد ذلك يعطون قميصاً واسعاً، ثم بعد ذلك يخاط القميص والسراويل ويألفون عليها.. وهكذا.

    ويحكون عنهم أنه إذا برز واحد من طرف الغابة التي يعيشون فيها ورأى بشراً من بعيد هرب ودخل إلى الغابة، فهؤلاء لا أدري هل بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم؟! الله أعلم، ولكن الذي يهمنا أن دعوة رسول الله عامة حتى لهؤلاء، وعلى ولاة المسلمين أن يعملوا على إبلاغها لهؤلاء ما استطاعوا لذلك سبيلاً.

    وهذه الخصيصة تعتبر من الخصائص المتميزة التي ذكرت، ومن أراد الوقوف على أكثر من ذلك فليرجع إلى فتح الباري، أو إلى الخصائص للسيوطي ، أو إلى الخصائص النبوية للبيهقي ، فهناك أشياء عديدة في شخصه صلى الله عليه وسلم، وفي قوته وشجاعته وكرمه، وفي بيته مع نسائه، وأشياء عديدة يمكن أن تمر بالإنسان في بعض الأحاديث فيدرك خصوصيتها.

    أما ما لم يأت التنصيص على خصوصيتها لرسول الله فإن العلماء يقولون: كل ما أمر به ولم يفعله فعدم الفعل له من خصائصه، وكل ما نهى عنه وفعله فهو من خصائصه ولا يقتدى به في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.