إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يهم المسلم في حياته الزوجية معرفة أحكام الجنب، كالوضوء عند إرادة العود مرة أخرى، والوضوء عند الأكل والشرب، والوضوء عند إرادة النوم، وكيفية غسل الجنابة، وحكم استعمال المناشف بعد الغسل.

    1.   

    شرح حديث: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود...)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    ثم أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً) رواه مسلم، زاد الحاكم : (فإنه أنشط للعود) ].

    لا زلنا فيما يتعلق بالجنب من الأحكام، ومنها إذا أتى الرجل أهله -وهذا كناية عن الجماع- ثم أراد أن يعود في تلك الليلة إلى أهله، وهذه أمور شخصية تعود إلى ذات الإنسان نفسه وإمكانياته، فهل له أن يعود دون أن يحدث غسلاً أو وضوءاً مكانه؟

    هنا الحديث يقول: (إذا أتى أحدكم أهله وأراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً)، وهذا النص أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أتى أهله، ثم وجد في نفسه رغبة للعودة مرة أخرى، ألا يعود مباشرة بل يتوضأ ثم يعود، وقوله صلى الله عليه وسلم: (فليتوضأ بينهما) إلى هنا كان يكفي في التشريع، ولكن قال: (وضوءاً)، وعلة ذلك كما يقول العلماء: تأكيد بالمصدر لينفي المجاز، ويدل على حقيقة الماهية، كما جاء في قوله سبحانه: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] أي: ليبين أن الله كلم موسى كلاماً حقيقياً، وليس من باب المجاز، كأن يكون نفث في روعه، فقوله: (فليتوضأ بينهما وضوءاً) يؤكد أن المقصود هو الوضوء الشرعي المعروف، وجاء في بعض الألفاظ: (وضوءه للصلاة)، فيكون هذا التصريح صارفاً المعنى اللغوي وهو غسل اليدين والوجه إلى المعنى الشرعي الذي يبدأ بغسل اليدين وينتهي بغسل القدمين وقبل ذلك غسل الفرج.

    وقد نبه كثير من الأطباء على ضرورة غسل الفرج بعد المباشرة؛ لأن في الفرج رطوبة، ويخرج من الرجل ماء، فإذا ترك ذلك وجف على المحل فإنه قد يؤلم ويضر، وأقل شيء يبقى في الجلد فيسبب حساسية أو حرارة أو شيئاً من هذا، فإذا أتى أهله ولو لم يرد أن يعود فليغسل فرجه، ثم جاءت الزيادة على هذا الحديث مبينة الحكمة من وراء هذا الوضوء والثمرة منه، لأن هذا الوضوء لا يرفع حدثاً ولا يبيح صلاة؛ ولذا من ألغاز الفقهاء: ما هو الوضوء الذي لا ينقضه إلا الجنابة؟

    هو هذا الوضوء إذا أراد أن يعود، فإذا عاد وأراد أن يعود مرة ثالثة فليتوضأ أيضاً بينهما وضوءاً، والجنابة في العود الثاني قد نقضت ذلك الوضوء، فهذا الوضوء لا يرفع حدثاً ولا يبيح صلاة، ولكنه لأي شيء؟ قالوا: أولاً: للنظافة، وثانياً: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنه أنشط للعود) يا سبحان الله ! إلى هذا الحد يرشد النبي صلى الله عليه وسلم في الأمور الشخصية، وهذه -يا إخوان- أخطر ما يكون في الحياة الزوجية؛ لأن من أتى أهله وليس عنده نشاط، فلربما تتراخى قوى الرابطة الزوجية، وكم من مشاكل تحصل بسبب ذلك؛ ولذا في مسألة العنين ذكر العلماء أنه يمهل سنة، حتى تمر عليه فصول السنة الأربعة، فإن كان متأثراً من الحرارة، تأتي البرودة في الشتاء، وإن كان متأثرا من البرودة تأتي الحرارة في الصيف، وهكذا، فإذا مرت عليه السنة بفصولها الأربعة وعجز في الوصول إلى أهله فحينئذ يعتبر عنيناً، وللزوجة حق المطالبة بالفراق، والمهلة بعد أن ترفع أمرها للقضاء، والقاضي هو الذي يمهله تلك المهلة، وقد تختلف الأمور، ويكون للقاضي وجهة نظر، فيجعل المدة أقل أو أكثر.

    حكم الوضوء للجنب إذا أراد العود

    نأتي إلى الحكم الفقهي في هذا الوضوء: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ)، اللام هنا: لام الأمر؛ لأنه عند الأصوليين: لام الأمر مع المضارع من صيغ الأمر الذي يقتضي الوجوب، وأكده بالمصدر ليدل على أن المطلوب هو الوضوء الكامل، وليس مجرد غسل الفرج فقط؛ لأن الوضوء لغة يطلق على النظافة، وغسل الفرج يكون من النظافة، فجاء بالمصدر (وضوءاً) ليؤكد على أن الوضوء الشرعي هو المقصود.

    وهل معنى (فليتوضأ) وجوب الوضوء أم له أن يأتي أهله ولو لم يتوضأ؟

    يقولون: إن هذا الوضوء ما قال بوجوبه إلا داود الظاهري ومن تبعه، والجمهور على أنه سنة؛ لأنه من باب الإرشاد، وبين الحكمة والنتيجة منه وهو أنه أنشط للعود، فكأن قائلاً يقول: وإذا كان نشيطاً فهو ليس بحاجة إلى منشط، ولكن يستثنى من ذلك غسل الفرج، ويتحتم غسل الفرج إذا أتى جاريته ثم أراد أن يأتي الزوجة، فإنه يتعين عليه أن يغسل ذكره، وهذا من حق الزوجة عليه؛ لأن إتيانها بعد إتيان غيرها من غير غسل الفرج فيه إيذاء لها، وقد يكون فيه مضرة عليها.

    يأتي هنا بحث آخر، لو كان عنده عدة زوجات، وأراد أن يطوف عليهن في ليلة واحدة، قالوا: (جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه مرة طاف على نسائه ولم يغتسل إلا عند الأخيرة)، ولم يذكر عنه أنه غسل فرجه، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه طاف على نسائه واغتسل عند كل واحدة منهن، ثم قيل له: ألا تجعل هذا في الآخر؟ قال: (هذا أطيب وأطهر) أي: الاغتسال بعد كل واحدة على حدة، ومن هنا قالوا: إن الوضوء هنا إنما هو للندب والاستحباب، وليس للوجوب؛ لأن حكمته أنه أنشط للعود مرة أخرى، والله أعلم.

    شرح حديث: (كان رسول الله ينام وهو جنب...)

    قال رحمه الله: [عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، وهو معلول)].

    من أحكام الجنابة: إذا أجنب الرجل فهل ينام وهو جنب؟ وهل يأكل وهو جنب؟ وهل يشرب وهو جنب؟ كل هذه الأمور جاءت فيها النصوص، وبدأ المؤلف بموضوع النوم الذي ورد في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء)، وجاءت أحاديث أخرى كحديث عبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم سئل: (أينام الجنب قبل أن يغتسل يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا توضأ)، وهنا: (من غير أن يمس ماء)، قال بعض العلماء: ماءً هنا عام؛ ماء الغسل أم ماء الوضوء؟ فالجمهور على إطلاق الماء لا لوضوء ولا لغسل، والآخرون قالوا: لا، لو لم تأت الأحاديث الأخرى لكان الحمل على الإطلاق واقع، ولكن جاءت أحاديث أخرى (نعم إن هو توضأ)، وجاء في حديث عائشة : (وكان جنباً يتوضأ وينام.. يتوضأ ويأكل)، فإذا أثبتت الوضوء، والوضوء مس ماء، ثم نفت الماء؛ فيكون الماء المنفي هو ماء الغسل، ويكون ماء الوضوء ثابتاً بحديث عائشة نفسها، وبحديث ابن عمر وغيره أنه صلى الله عليه وسلم أباح للجنب أن ينام قبل أن يغتسل إذا هو توضأ.

    وجاء عند ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا يذكره السيوطي في تعليقه على موطأ مالك- سئل: (أينام الجنب يا رسول الله؟! قال : نعم إن هو توضأ، فإني أخشى أن يموت في تلك الليلة وهو جنب فلا يحضره جبريل)، فبين صلى الله عليه وسلم العلة في وضوئه عند نومه، وهنا قالوا: ما الغرض من الوضوء، فالوضوء لا يرفع حدثاً ولا جنابة؟

    قالوا: أولاً: مع الوضوء غسل الفرج، وهذه النقطة الأساسية الحساسة.

    ثانياً: إذا توضأ فهو بين أحد أمرين: إما أنه بوضوئه خفف حكم الجنابة، أو إنه إذا لامس الماء وباشر الماء وتوضأ، فلعل ذلك يدفعه إلى الغسل، فيكون الوضوء مقدمة وتنشيطا لما هو المطلوب من أن يغتسل.

    يهمنا في هذه الجزئية: أن الجنب ممنوع من تلاوة القرآن، ومن حمل القرآن، ومن الطواف, وهنا هل تمنعه الجنابة من النوم؟

    بين صلى الله عليه وسلم أنها لا تمنعه، ولكن قال: (إن توضأ).

    وهل الوضوء من الجنابة واجب كالوجوب للصلاة أم أنه من باب الإرشاد والتوجيه؟

    رواية ابن ماجة: (أخشى أن يموت فلا يحضره جبريل) تدل أن الأمر هنا من باب الإرشاد وبيان الأفضلية، ومن الذي لا يريد أن يحضره جبريل عند الوفاة؟ كل إنسان يرجو ذلك. إذاً: الأولى أن ينام الجنب بعد أن يتوضأ، فإذا توضأ فلعله يخطو خطوة أخرى وينشط ويغتسل وينتهي الأمر.

    حكم الأكل والشرب حال الجنابة

    بقي التساؤل عن الأكل والشرب للجنب، وقد وسع هذا البحث صاحب المنتقى، وفصل فيه الشوكاني تفصيلاً طيباً جداً، وهو موجز من فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وقد جاءت النصوص أيضاً في الأكل والشرب، فقالوا: (هل يأكل الجنب يا رسول الله؟! قال: نعم إن هو توضأ)، فجمهور العلماء حمل الوضوء هنا على الغسل نظافة؛ لأنه لم يأت تأكيده بالمصدر كما جاء في النوم، وقالوا: إن الأكل يحتاج إلى نظافة في يديه، فقد يكون مس فرجه، وقال بعضهم: إن الوضوء هنا هو الوضوء الشرعي المعروف.

    وروى عند البيهقي رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها أن أبا موسى -أو شخصاً آخر- سألها قال: يا أم المؤمنين! إني أستحي، -أي: إنه يجول بخاطري أمور وأستحي أن أواجهك بها- هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب؟ قالت: نعم، كان أحياناً يغتسل وينام، وأحياناً ينام ويغتسل. قال: هل كان يغتسل في أول الليل أو في أوسطه أو في آخره؟ قالت: كان أحياناً يغتسل في أول الليل، وأحياناً يغتسل في أوسطه، وأحياناً في آخره، قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، وهل كان يأكل معك وأنت حائض؟ قالت: نعم، كنت آكل معه فآخذ العظم فأتعرقه ثم أناوله إياه فيتعرقه بفمه بعد فمي، وكنت آخذ القدح فأشرب ثم أناوله إياه فيضع فاه موضع فيَّ فيشرب، وكان في كل مرة يقول: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، ثم سألها هل كان يوتر عليه الصلاة والسلام قبل أن ينام؟ فقالت: أحياناً وأحياناً.

    ففي هذا الحديث رد على اليهود، فقد جاء في الحديث: (قدمنا المدينة فإذا اليهود إذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها ولا يشاربونها، فقال صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء غير الجماع)، وعلى هذا فمن أراد العود بعد الإتيان، فيستحب له الوضوء قبل العود، وكذا الوضوء للأكل، وكل ذلك مندوب إليه وهو أولى، ولكن لم يقل بالوجوب إلا داود الظاهري ومن وافقه، وبالله تعالى التوفيق.

    المؤلف ذكر أن كثيراً من أحكام الجنب، وهو ألا يقرأ القرآن، وكذا حمل المصحف، كما جاء في الحائض في رواية مالك أن ابن عمر قال لجارية: (ناوليني المصحف، قالت: إني حائض، قال: حيضتك ليست في يدك، ناوليني من العلاقة) وعلاقة الكيس هو الذي فيه المصحف، أما أن تباشره فلا.

    1.   

    شرح حديث: (صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة)

    قال رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيده على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ ، ثم يأخذ الماء ، ثم يدخل أصابعه في أصول الشعر ، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم غسل رجليه)متفق عليه واللفظ لـمسلم.

    ولهما من حديث ميمونة : (ثم أفرغ على فرجه فغسله بشماله ثم ضرب بها الأرض)، وفي رواية: (فمسح بها التراب، وفي آخره: ثم أتيته بالمنديل فرده ، وفيه : فجعل ينفض الماء بيده).]

    هذا شروع في كيفية الغسل من الجنابة: كيف يغتسل من الجنابة؟

    أما الوضوء فقد جاء القرآن الكريم ببيان كيفيته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، وجاءت السنة النبوية وبينت هذه الأعضاء، فأضافت إلى غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، وأضافت إلى مسح الرأس مسح الأذنين، وأضافت تخليل الأصابع، وهذا تأكيد في الغسل، أما غسل الجنابة فلم يأت فيه تفصيل وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، فهنا تأتي السنة فتفصل ما أجْمل القرآن في أمر الغسل.

    جاء حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث ميمونة، وحديث حفصة، وكل هذه الأحاديث بمجموعها تبين لنا كيفية الغسل من الجنابة.

    غسل الكفين

    بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بحديث عائشة رضي الله عنها، لأنه أشمل وأجمع، ولا شك أن أمهات المؤمنين هن أعرف الناس بغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهن يشاركنه في هذا العمل، ماذا قالت عائشة؟

    قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه) والمراد باليدين: الكفان وليس الذراع، وجاء في بعض الروايات أنه يأخذ الحلاب - وهو الإناء الذي يحلب فيه - فيصب على يديه ويغسلهما، كما جاء في غسل اليدين في الوضوء لمن كان نائماً، (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً) فكان أيضاً صلى الله عليه وسلم يأخذ هذا الإناء الذي كان يحلب فيه، ويغترف من الإناء الذي فيه ماء الغسل، ويصب على يديه ويغسلهما ثلاثاً، هذا أول الأمر.

    غسل الفرج

    (ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه). يفرغ من الحلاب أو يقترب فيأخذ بيديه من الإناء بعد غسلهما. ولكن هنا تقول: (يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه)، لأنه ورد حديث: (لا يمسن أحدكم فرجه بيمينه)، فاليمين لا تباشر هذه الأماكن، بل يفرغ باليمين على الشمال فيغسل فرجه، ويقدم الوضوء على الغسل؛ لأنه ألزم لنظافة المحل قبل أن تجف رطوبته، وليكون احترازاً لئلا يعود إلى مس هذا المحل فينتقض وضوءه بمس فرجه، فيغسل فرجه قبل أن يتوضأ وقبل أن يفيض الماء على جسده؛ لتبقى الطهارة بلا ناقض.

    نأتي إلى حديث ميمونة، وفيه زيادة أنه بعد غسل فرجه عليه الصلاة والسلام يضرب يديه بالتراب، وفي بعض الروايات: بالجدار، قالت ميمونة: (ولو شئتم لأريتكم أثر يده في الجدار من ذلك الغسل)، وأخذ العلماء من هذا أن التراب يزيل ما يمكن أن يكون قد علق باليد من لزوجة آثار الوطء، أو أنه فعل ذلك ليزيل ما بقي من الرائحة.

    الوضوء

    في البداية غسل كفيه، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، ثم يتوضأ.

    وهل المقصود الوضوء اللغوي -غسل الكفين مع الوجه- أم الوضوء الشرعي -غسل أعضاء الوضوء كاملة-؟

    الجمهور على أن المقصود هو الوضوء الشرعي، لأنه جاءت التفصيلات بأن يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه..، فقوله: (ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم يؤخر غسل رجليه بعد أن يفرغ الماء)، المقصود من ذلك الوضوء الشرعي لا اللغوي.

    وهنا مسألة: عندما يتوضأ هل يغسل القدمين في هذا الوضوء أم يؤخر غسل القدمين حتى يفيض الماء على سائر جسده؟ سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

    تخليل الشعر

    وقولها: (ثم يتوضأ ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر)، بعد أن يتوضأ يأخذ الماء ويصبه على رأسه، ويدخل أصابعه إلى أصول الشعر، ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له جمة تضرب إلى منكبيه إن أطالها أو إلى شحمة أذنه إن قَصَّرها، ويدلكها ثلاثاً حتى يغلب على ظنه أن الماء قد وصل إلى أصول منابت الشعر.

    صب ثلاث حفنات من الماء على الرأس

    وقولها: (ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات)، الحفنة: هل هي بكف واحد أو بكفين؟ اللغة الدارجة: الحفنة بالكف، والحفان بالكفين، تقول: هذا من الإحفان، فقال: حفن بكفه ثلاث حفنات، وجاء في بعض الروايات: (بكفه)، على الإفراد، وجاءت بعض الروايات: (بكفيه)، على التثنية.

    إفاضة الماء على سائر البدن

    وقولها: (ثم أفاض على سائر جسده) أي: بعد أن غسل يديه غسل فرجه، ثم دلك يديه بالتراب، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم بدأ بالرأس فأدخل الماء إلى أصول الشعر، حتى ظن أنه أرواه -كما في بعض الروايات- ثم أخذ ثلاث حفنات فأفرغها على رأسه. وهل يثلث الغسل كما يثلث الوضوء أم أن هذا من باب تأكيد غسل الرأس فقط؟

    الجمهور أنه يستحب أن يثلث كما في الوضوء، فأخذ ثلاث حفنات للحيطة والتأكيد وأفاضها على رأسه.

    إذاً: الرأس بدأ بتخليله حتى يصل إلى أصول منابت شعره، وإذا كانت لديه لحية كثة فهل يخللها أم لا؟

    قالوا: نعم يخللها إلحاقاً لها بشعر الرأس، خاصة إذا كانت كثة، فإذا أفاض على رأسه ثلاث حفنات فماذا بعد ذلك؟

    قالت: (ثم أفاض على سائر جسده).

    الإفاضة: تعميم الجسد بالماء، وقولها: (على سائر) أي: الباقي بعدما تقدم؛ لأن سائر ليست بمعنى الجميع، بل بمعنى الباقي، فكأن سائر جسده بقية الأعضاء التي لم يمسها الماء، وقال بعضهم: الإفاضة على سائر الجسد تشمل الرأس وأعضاء الوضوء، ويكون غسلها أولاً بصيغة الوضوء تكريماً لأعضاء الوضوء ثم يشملها الغسل مع سائر البدن.

    وجاءت بعض الروايات بأنه يبدأ بشقه الأيمن، يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم يفيض الماء على شقه الأيسر، ثم يتأخر ويغسل قدميه تتمة للوضوء الذي أوقعه قبل غسل رأسه وإفاضة الماء على جسده.

    وهنا مسألة: هل الدلك واجب في هذا الغسل؟

    الجمهور لا يقولون بوجوب الدلك، بل يقولون: إنه إذا جرى الماء على الجلد، وتأكد الإنسان من أن الماء قد وصل إلى أصل كل شعرة؛ فإن ذلك يكفي، ومالك يقول: لا بد من الدلك، ويتعين على المغتسل من الجنابة أن يدلك جلده بقدر ما تطول يداه، قالوا: لماذا تشترط هذا؟

    قال: لنتأكد من تعميم الماء على سائر الجسد، وفي أثر موقوف على علي: (تحت كل شعرة جنابة) فإذا كان كذلك فلا بد من التأكد من إيصال الماء إلى جميع البشرة.

    وبعض الروايات تقول: (ثم غسل رجليه)، وبعض العلماء يقول: إن قلنا: إن الوضوء السابق للغسل كالوضوء للصلاة فيتعين غسل القدمين أولاً، وقال بعضهم: حتى وإن قلنا: إنه كالوضوء للصلاة فيمكن تأخير بعض الأعضاء، وفصلها بجزء من الزمن، وقال مالك رحمه الله: إن كان المكان الذي وقف ليغتسل فيه نظيفاً فإنه يغسل قدميه مع الوضوء أولاً، وإن كان غير ذلك بأن كان تراباً أو كان طيناً وسيعلق فيهما من أثر الغسل فيؤخرهما، ثم بعد أن ينتهي من الغسل ينتقل إلى مكان آخر جاف فيغسلهما فيه.

    وهكذا يتم من مجموع حديث عائشة مع حديث ميمونة كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وتبقى بعض الجوانب في اغتسال الرجل مع المرأة في وقت واحد وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل).

    حكم استعمال المناشف بعد الوضوء

    وفي حديث ميمونة رضي الله عنها: (ثم أتيته بالمنديل) المنديل: (المنشفة)، يقول علماء اللغة: سمي هذا النوع من القماش باستعماله منديلاً (مفعيل) من الندل، والندل: الخسيس -عافانا الله وإياكم- لأن المنديل دائماً يستعمل للتنظيف، ولا يستعمل في أشياء مشرفة، بل يستعمل في الأشياء الدنية؛ ولذلك سمي منديلاً، قالت: (فأتيته بالمنديل)، وفي رواية: (وأتيته بالخرقة فردها وجعل ينفض الماء بيده)، وهنا يقول العلماء: ما حكم استعمال المناشف بعد الغسل؟

    قال بعض العلماء: هذا عائد لاختلاف الجو، ففي الشتاء ينبغي ذلك؛ مخافة التعرض للمرض، بخلاف الصيف، وقد جاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام استعمل المنديل كما في رواية أم سلمة .

    والخلاصة: أن استعمال المناشف -المناديل- بعد الغسل راجع للمصلحة، والله أعلم.