إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب قضاء الحاجة [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من آداب وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الخلاء ألا يتمسح الإنسان من الخلاء بيمينه، ولا يمس ذكره بيمينه حال البول، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستجمر برجيع أو عظم.

    1.   

    حديث أبي قتادة والمسائل الواردة فيه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسَّنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء) متفق عليه، واللفظ لـمسلم ].

    هنا في الحديث ثلاث مسائل:

    النهي عن مس الذكر باليمين حال البول

    المسألة الأولى: (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول).

    هل هناك حاجة لأن يمسك الإنسان ذكره وهو يبول؟

    نعم، قد تكون الحاجة لذلك كأن تكون الأرض التي هو عليها صلبة وأمامه مكان رخو، فيحتاج إلى أن يمسك ذكره ليرفع مجرى البول عن المكان الصلب إلى مكان آخر، وقد يكون لحاجة أخرى، فإذا احتاج أن يمسك ذكره وهو يبول فلا يكون باليمنى، وهذا أمر واضح.

    (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه).

    إذا تكررت مسائل في حديث واحد؛ فإن اتفقت فبها ونعمت، وإن اختلفت طلبنا الرابط بين المسألتين المختلفتين في الحديث الواحد؛ لأن عقلاء الناس لا يجمعون بين متناقضين أو متنافرين في سلسلة حديث واحد، فإذا ذكر إنسان عندك أموراً فلابد أن يكون هناك رابط يربط تلك الأمور، ولو على الأقل رابطة التعليم أو حاجة المستمع إلى ذلك.

    فهنا: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) نهى عن أن يمسكه بيمينه، فيكون مفهوم المخالفة له أن يمسكه بشماله، إذاً: اختصت اليمين بالامتناع عن هذا المحل.

    النهي عن التمسح من الخلاء باليمين

    المسألة الثانية: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه).

    التمسح من الخلاء إن كان يستعمل الماء فيده ستباشر المحل مع الماء، وكان بعض السلف يمتنع أن يستنجي بالماء، ويقول: لا تزال يدي منتنة لأنها باشرت النجوى، والآخرون كانوا لا يستنجون بالماء إلا بعد استعمال الحجارة، فهي تزيل النجوى ويبقى الأثر، فيغسل بالماء ويباشره بيده، فحينئذ إذا استنجى بيمينه فاليمين ستباشر النجوى الخارجة منه، فإذا نهي عن ذلك بخصوص اليمين فمعناه أنه سيستعمل اليسار.

    إذاً: تميزت اليمنى بإبعادها عن هذين الموطنين، وأبيح استعمال اليسرى فيهما، حينئذ نستطيع أن نقول: النهي عن استعمال اليمنى في هذين المحلين تكريماً لليمنى؛ لأنه سيتناول بها الطعام، ويصافح بها الآخرين، فتكون اليمنى للمكرمات -كما قيل- واليسرى لغيرها.

    النهي عن التنفس في الإناء حال الشرب

    إلى هنا المسألتان بينهما مناسبة ولكن قوله: (ولا يتنفس في الإناء) -وهي المسألة الثالثة- فيه النهي عن التنفس في الإناء عند الشرب، فما علاقة التنفس في الإناء مع هاتين المسألتين المتقدمتين؟

    وموضوع التنفس في الإناء جاء إيضاحه أكثر عندما نهى صلى الله عليه وسلم الشارب عن أن يتنفس في الإناء -أي: الإناء الموجود- قال قائل: (يا رسول الله! إنني لا أروى من النفس الواحد، فقال: أدر القدح عن فيك وتنفس، ثم أعد القدح واشرب. قال: إني أجد فيه القذاة -القشة أو شيء تستقذره النفس، فيريد أن يبعد بنفخة- قال: أبنه عنك) أي: لا تبعده بالنفس.

    ونحن نبين الحكمة من النهي عن التنفس في الإناء، قالوا: إن الحكمة من النهي عن التنفس في الإناء وأنت تشرب أن الحلق ينتهي بطريقين: طريق دخول الهواء للرئة، وطريق دخول الطعام والشراب للمعدة، وعند افتراقهما كيف يميز الهواء عن الطعام والماء؟

    قالوا: يوجد صمام على شكل عضلة، إذا أراد أن يبلع طعاماً أو شراباً فالعضلة في الحلق تنقبض فتسد طريق الهواء، وإذا أراد أن يتنفس انفتحت هذه الفتحة وذهب الهواء إلى الرئة؛ لأنه لو قدر أن قطرة ماء وصلت أو جاءت خطأً أو بسرعة إلى طريق الهواء فإنها تضر الرئة.

    ومن حكمة الله أن القصبة الهوائية التي تتفرع من الزور إلى الرئة يوجد فيها شعيرات تمتد إلى أعلى وليس إلى أسفل، أي: تنبت كما ينبت الخوص في الجريدة إلى أعلى، فإذا جاءت قطرة وسبقت لسان المزمار من أن يسد طريق الهواء، فإن تلك الشعيرات التي في القصبة الهوائية تطرد ما أتى ودخل عليها من ماء أو طعام، ولو نصف حبة سمسم، ولا تزال كل طبقة تطردها إلى أعلى وتتلقاها عنها التي أعلى منها، وتتلقاها ما بعدها إلى أن تردها إلى الحلق فتنزل عن طريق المعدة؛ لأنها لو وصلت إلى الرئة أفسدت فيها شيئاً كثيراً.

    وعملية بلع الطعام والشراب ليست مجرد انزلاق من أعلى إلى أسفل، بل إنها عملية امتصاص ودفع، وكما يقول بعض الأطباء في هذا: لو علق إنسان من قدميه وتدلى رأسه إلى أسفل وأعطي الماء فإنه بتلك الحالة يستطيع أن يشرب الماء ويبلعه وهو منكوس الرأس، ويستطيع أن يمضغ التمرة والطعام ويبلعه ويصل إلى معدته وهو منكوس الرأس، لأن هناك عملية امتصاص ودفع.

    إذاً: عندما يشرب الإنسان وينتهي نفسه في الشرب ويريد أن يزيد ماء فإنه سيأخذ نفساً، وعندما يأخذ نفساً والإناء على فيه فلربما سبق الماء إلى الرئة عند أخذ الهواء فيكون خطراً عليه، وهذه يسمونها الشرقة، والشرقة بالماء من أصعب ما يكون؛ لأن رد الشعيرات للماء أصعب من ردها لقطعة من الخبز أو التمر أو غير ذلك.

    وهنا تظهر الحكمة النبوية في كونه صلى الله عليه وسلم ينهى عن التنفس في الإناء عند الشرب، والفقهاء يقولون: نهى عنه لأنه ربما خرج مع الهواء الخارج من أنفه ما يقذر الماء.

    ما هي الرابطة بين (لا يتنفس في الإناء) وبين (لا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يمس ذكره بيمينه)؟

    يمكن أن نقول: بجامع الاستقذار؛ لأن من تنفس في الإناء كان عرضة لتقذيره أو كان عرضة لإيذائه بوصول شيء من الطعام أو الشراب إلى القصبة الهوائية فيؤذيه، وهذا كذلك قد يؤذيه باستعمال اليمنى في ذلك.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    حديث سلمان في آداب الخلاف

    [ وعن سلمان رضي الله عنه قال: (لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم) رواه مسلم ].

    الحكمة في النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة

    في حديث سلمان جملة من آداب قضاء الحاجة، ووالله -يا إخوان- لو أخذتم جميع كتب الأدب، سواء الشعر الجاهلي أو الأدب الحديث في أرقى دول العالم في الحضارة، فلن تجدوا شيئاً من هذه الآداب مدونة عندهم، وهذا من سمو الإسلام، ومن تربية الفرد على أعلى ما يمكن من علو الهمة وعلى التجنب لما لا يليق.

    يقول سلمان رضي الله تعالى عنه: (نهانا) والنهي يقتضي التحريم إن لم توجد قرينة صارفة عن التحريم إلى الكراهية، وهنا لا يوجد قرينة حتى الآن.

    (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول): والقبلة هي: جهة الكعبة. وماذا سيضر القبلة إذا استقبلنا أو استدبرناها؟

    والجواب أن الحكمة من ذلك العمل كأنه تهوين من شأن القبلة، والقبلة من أعظم مقدسات المسلم؛ لأنه تستقبل في اليوم خمس مرات استقبال تكريم وتشريف وتعظيم، والمحرم إذا جاء ووصل إلى مكة ووقف على باب المسجد ورأى الكعبة قال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً ورفعةً وأمناً، وزد يا رب من شرفه وكرمه... إلخ الدعاء.

    وقد ذكرنا سابقاً وقلنا: هناك جانب عاطفي وجانب عقلي، الجانب العقلي يقول: شرق أو غرب كما تشاء، ولكن العاطفة تقول: تلك القبلة التي تجعلها وجهتك في وقوفك بين يدي الله يجب أن تكرمها، فلا تستقبلها بغائط أو بول.

    مسألة استدبار القبلة عند قضاء الحاجة

    في حديث سلمان هنا قال: (لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين).

    حديث سلمان اقتصر على النهي عن الاستقبال، وجاءت نصوص أخرى تنهى عن الاستدبار، في المدينة المنورة وما حاذاها من البلاد أن من استقبل القبلة فقد استدبر بيت المقدس، وبيت المقدس هو القبلة القديمة، فيجب أيضاً أن نكرمها؛ لأنها كانت قبلتنا في وقت من الأوقات، فنهى أن نستقبل القبلة أو نستدبرها؛ لأننا إن استقبلناها استقبلنا بيت المقدس، وبيت المقدس والمدينة على خط مستقيم واحد، وهكذا المساجد الثلاثة: بيت المقدس، المدينة، البيت الحرام على خط مستقيم واحد، وأنتم ترون مسجد القبلتين، القبلة الأولى كانت مقابلة للقبلة الموجودة حالياً، وكذلك هنا في هذا المسجد كانت القبلة إلى الشمال، ولما تحولت صارت إلى الجنوب فهما متقابلتان سواء، فموضوع استقبال القبلة واستدبارها سيأتي له نصوص أخرى في هذا الباب، وعند كل حديث منها نوفيه شرحه إن شاء الله.

    حكم استقبال القبلة واستدبارها في المراحيض

    (نهانا أن نستقبل) هل هذا النهي شامل لمن قضى حاجته في الخلاء وفي المراحيض في البيوت أم أنه خاص بواحد منهما؟

    الشوكاني رحمه الله ذكر حوالي عشرة أقوال، وهذا أنسب ما يرجع إليه طالب العلم ليقف على تلك الأقوال بأدلتها والراجح منها، فهناك من يقول: إن هذا النهي خاص بالأرض الفلاة التي ليس فيها بين الإنسان وبين القبلة حاجز، فإذا وجد حاجز في الخلاء خرج عن النهي، واستدل قائل هذا القول بما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان في سفر، ثم أناخ راحلته واستتر بها متجهاً إلى القبلة وقضى بوله، فقيل له: (يا أبا عبد الرحمن ! ألم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة بغائط أو بول؟ فقال: إذا كان بينك وبين القبلة حاجز فلا بأس) إذاً: يكون النهي خاصاً بالخلاء إذا لم يوجد ساتر.

    المراحيض في البيوت هل يشملها هذا النهي؟

    الجمهور على أنه من باب الأفضلية أن يتجنب استقبالها واستدبارها، عملاً بعموم حديث سلمان ، والبعض يقول: ما دام في البنيان وفيه السترة فلا مانع، وهناك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (قيل لرسول الله: إن أناساً يمتنعون -أو يتأبون أو يكرهون- أن يواجهوا القبلة بفروجهم! فقال: أو فعلوا ذلك؟ حولوا مقعدتي إلى القبلة) والمضاف والمضاف إليه لا يكون إلا في مكان مخصوص كالمراحيض في البيوت التي فيها بنيان.

    قوله: (حولوا... الحديث) في هذا الحديث شيء من الكلام، لكن قد قدمنا أن هناك من قال: إذا كان في البنيان فلا مانع، وإذا كان في الخلاء وهناك حاجز فلا مانع، إنما ينصب النهي على من كان في الخلاء ولا ساتر عنده، فهذا لا يستقبل ولا يستدبر إذا كان على سمت المدينة من مكة، أما إذا كان شرقيها أو كان غربيها فإنه إن يستقبل أو يستدبر فلا شيء عليه؛ لأنه لا يسامت الكعبة باستقباله القبلة -أي: الجنوب- من حيث هو؛ لأنه جاء في هذا الحديث: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا)؛ لأن الذي يتوجه إلى الشرق لا يكون أمامه البيت الحرام، ولا خلفه المسجد الأقصى، وكذلك الذي يغرب ليس أمامه من القبلتين شيء.

    وعلى هذا قالوا: إن هذا الحديث يتوجه إلى أهل الحجاز أو أهل المدينة ومن في حكمهم؛ لأن استقبال القبلة يكون فيه استدبار بيت المقدس، واستقبال بيت المقدس يكون فيه استدبار القبلة.

    وهناك أقوال أخرى كمن يجوز الاستقبال ولا يجوز الاستدبار، وسيأتي زيادة بيان في هذا الموضوع عند النصوص الأخرى إن شاء الله.

    النهي عن الاستنجاء باليمين

    (أو نستنجي باليمين) يستنجي: الهمز والتاء والنون، وماذا عن السين والتاء؟ إنما هي لطلب الفعل، وهي طلب إزالة النجو باليمين كما تقدم؛ لأن استعمال اليمين ومباشرتها لإزالة النجو فيه استقذار لليمين، فإذا نهانا أن نستنجي باليمين معناها أننا سنستنجي باليسار، اللهم إلا إذا كان إنسان يساره معطلة لشيء ما فحينئذ (الضرورات تبيح المحظورات).

    النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار

    قال: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).

    أي: نهى عن إزالة النجو بأقل من ثلاثة أحجار، وهل العدد مطلوب من حيث هو أم أن المراد الصورة التي تنقي المحل؟

    الظاهرية يقولون: ثلاث مسحات بثلاثة أحجار، والجمهور يقولون: لو أن عنده حجراً كبيراً وله ثلاثة أضلاع وتمسح بكل ضلع من الحجر الواحد فقد حصلت ثلاث مسحات وأجزأه ذلك؛ لأن الغرض ليس العدد من حيث هو، ولكن التكرار للتأكد من إنقاء المحل، وكما قالوا أيضاً في إطعام المساكين في الكفارة.

    فمثلاً إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، فهل المراد عشرة بالعدد، أم أننا لو أعطينا إطعام العشرة لثلاثة أو خمسة فإنه يجزئ، وأن المراد بالعشرة بيان المقدار التي تقع به الكفارة؟

    نقول: سواء وصل عدد الإطعام إلى العشرة أو أن إطعام العشرة أعطي لخمسة، فيكون المراد في عدد العشرة المقدار الذي تصح به الكفارة، فكذلك هنا قوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) فلو وجد حجران يتأتى بهما ثلاث مسحات أو حجر واحد يتأتى به ثلاث مسحات أجزأ ذلك، ما عدا الظاهرية فإنهم يقولون: لابد من ثلاثة أحجار معدودة.

    النهي عن الاستنجاء برجيع أو عظم

    قال: (أو أن نستنجي برجيع أو عظم)

    الرجيع: هو روث الدواب، والعظم معروف، والسبب في هذا ما جاء في حديث ابن مسعود : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم قال: ائتني -أو ابغني- ثلاثة أحجار. يقول: فما وجدت إلا حجرين وروثة، فجئت بالحجرين والروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة -ويزيد بعض الرواة- وقال: ائتني بغيرها -وفي بعض الروايات- فإنها ركس) أي: إنها نجسة، ولا تزال النجاسة بنجس.

    إذاً: الذي لا يجوز الاستجمار به ما كان نجساً أو عظماً، وقاسوا على العظم كل مطعوم، لأن العظم مطعوم، وجاء في بعض الروايات أن العظم إذا ألقاه المسلم وسمى الله عليه فإنه يكسوه الله لحماً للجن.

    وفي ليلة نصيبين سأل الجن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاد فقال لهم: (لكم روث كل دواب المسلمين يعود على ما كان عليه قبل أن تأكله دوابهم ) أي: فإن كان روث البرسيم فإنه يرجع برسيماً، وإن كان روث الشعير فإنه يعود شعيراً ويكون علفاً لدوابهم، وقال: وما ألقاه المسلم من عظم وسمى الله عليه يكسوه الله لحماً طعاماً لكم.

    فبعضهم يقول: النهي عن الاستجمار بالعظم لأنه طعام مؤمني الجن، وبعضهم يقول: العظم من حيث هو حاد يجرح ولا ينقي، وإذا استنجى بمستطيل العظمة -بجرمها- فالعظم أملس، والأملس لا ينقي، وعليه: لا يصح الاستجمار بكل ما كان مثل العظم في ملاسته، فلو أخذ قارورة صغيرة من الزجاج واستنجى بها لم يصح لأنه أملس لا ينقي، أو أخذ مثلها من الأجرام الأخرى من العاج أو من الأحجار الناعمة فهذا لا يجزئ.

    وبالتالي فإن كل ما كان يشاكل الحجارة في اليبوسة والخشونة فإنه يجزئ، ولو كان هناك قماش متين كالصوف مثلاً فإنه يجزئ، أما الحرير الناعم لا يجزئ؛ لأنه لا ينقي، وإذا كان هناك ورق خشن كما يوجد في بعض المحلات ورق خاص لبيوت الخلاء فهذا يجزئ.

    وهكذا النهي عن الاستجمار بكل محترم طعاماً كان للإنس أو الجن، وما كان طعاماً للإنس تلك نعمة ويجب أن تكرم وتحفظ لا أن تضيع وتتلف وتخالط النجاسة، فلا يجوز أن يستجمر بالتمر أو الرمان أو التفاح؛ لأنه لا يجوز تقذيره، ويحرم عليه أن يستعمله في هذه الحالة.

    1.   

    حديث أبي أيوب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها

    قال المؤلف: [ وللسبعة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: (ولا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا) ].

    أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه يذكر هذا الحديث: (لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولا تستدبروها)، فزاد النهي عن الاستدبار على حديث سلمان .

    وأبو أيوب سافر إلى الشام، وجاء في آخر الحديث: (فقدمنا الشام، فوجدنا بيوت الخلاء قد بنيت إلى القبلة، فكنا ننصرف أو ننحرف -الرواية المشهورة: ننحرف- ونستغفر الله)، أي: المقعدة موجهة إلى القبلة، وهو مضطر إليها، وحينما يجلس على تلك المقعدة ينحرف ويجعل اتجاهه شرقاً أو غرباً، وهذه يستطيع أن يتصرف فيها الإنسان وإن كان ليس على كمال الصورة من تجنب القبلة تماماً لكن ينحرف عن القبلة قدر استطاعته، وبعضهم يرويها: (ننصرف) أي: ننصرف عن تلك المحلات ولا نقضي الحاجة فيها لكونها متجهة إلى القبلة.

    ولكن قوله: (ونستغفر الله) أنسب لـ(ننصرف)منها لـ(ننحرف).

    والجمهور يقولون: إنها أنسب لـ(ننحرف) لأن انحرافه ليس انصرافاً كاملاً، فهو يجلس والمقعدة متجهة إلى القبلة، وقدماه عليها إلى القبلة، لكنه ينحرف بصدره أو بجسمه عنها، فيستغفر الله لعدم تمام الاتجاه إلى الشرق أو الغرب، وفيه نوع اتجاه إلى القبلة، وإن كان أقل ممن لو كان مستقيماً إليها.

    وبعضهم يقول: ونستغفر الله لمن بناها على تلك الحال، سواء ننصرف ونستغفر الله لأصحابها، أو ننحرف ونستغفر الله لأنفسنا لقضاء الحاجة على تلك الصورة التي ليست كاملة في الابتعاد عن الاستقبال أو الاستدبار.

    والله تعالى أعلم.

    وهنا مما يذكر أن بعض العلماء -ومنهم أبو أيوب رضي الله تعالى عنه- يمنع الاستقبال والاستدبار سواء في الفلاة أو في بيوت الخلاء، ولكن جاء عن جابر أنه قال : ( نهينا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، ولكني رأيت رسول الله قبل وفاته بسنة يستقبل القبلة بالبول) فقالوا: هذا ناسخ لما قبله، والآراء والأقوال في ذلك متعددة، ولكن مجمل ذلك أن النهي منصب على الخلاء ما لم يكن هناك ساتر، وأن الأولى في بيوت الخلاء ألا تكون متوجهة إلى القبلة، فينبغي على الإخوة الذين ببنون بيوتهم أن يراعوا هذه الحال، ولا يجعلوا بيوت الخلاء -في الجلسة عليها- مستقبلة للقبلة أو مستدبرة لها، ولكن يجعلها متجهة إلى الشرق أو إلى الغرب، وهذا أسلم وأدعى لأن يكون بعيداً عن الخلاف الموجود، سواء قلنا بحديث جابر هذا أو بحديث سلمان أو بغيره، فيكون هذا أدعى لطمأنينة النفس.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    وجوب الاستتار عند الغائط

    [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى الغائط فليستتر) رواه أبو داود ].

    هذا من آداب قضاء الحاجة، ومعناه: ألا يجلس للبول حيث يراه المارة أو يراه الناس، وجاء في بعض الحديث (ولو يجمع كثيباً من الرمل).

    وكان صلى الله عليه وسلم من عادته أن يستتر إما في مكان مطمئن وهو الغائط، أو يستتر ولو بحائش من نخل أو بشجر أو بأي شيء، وبعض الناس يقول: قد يكفي الاستتار بطرف الثوب من الوراء، ولكن قد لا يتمكن الإنسان من ذلك أو يكون ثوبه ضيقاً لا يسع هذا، فلابد أن يتخذ له سترة من الناس.

    1.   

    الذكر عند الخروج من الخلاء

    [ وعنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك) أخرجه الخمسة، وصححه أبو حاتم والحاكم ].

    انتهينا من الكيفيات والهيئات والحالات التي يكون عليها الإنسان في قضاء الحاجة، جاء هنا في هذا الحديث ما يقول إذا خرج من الخلاء.

    قولها: (كان) يدل على الدوام والاستمرار.

    (كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك): تقدم لنا أنه إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث، وإذا خرج قال: غفرانك).

    (غفرانك) منصوب على حذف العامل، بمعنى: أسألك غفرانك، أو على أنه مفعول مطلق والتقدير: اغفر غفرانك، فلأي معنى من المعاني طلب المغفرة، فإن طلب المغفرة أنما يكون عن ذنب قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]، فأي ذنب فعله هنا حتى يقول:(غفرانك).

    يذهب العلماء إلى البحث عن الموجب لطلب الغفران في هذه الحالة، فبعضهم يقول: ربما لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على جميع أحيانه، وما كان يغفل عن ذكر الله أبداً، وإذا كان عامة المؤمنين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون... إلخ، فالنبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى، وقد جاء في حقه: (تنام عيناي ولا ينام قلبي) فقالوا: وقت نزوله لقضاء حاجته لا يستطيع أن يذكر الله، فهو يتعطل عن ذكر الله مدة وجوده في بيت الخلاء، فإذا ما انتهى اعتبر امتناعه عن ذكر الله تلك الفترة كأنه ذنب وتقصير، فيطلب من الله الغفران عن هذا التقصير، فكأن المعنى: أننا أكلنا كثيراً واحتجنا إلى بيت الخلاء، فانشغلنا بالطعام والشراب، وتسببنا في ما يبعدنا عن ذكر الله.

    وبعضهم يقول: إنما يقول: (غفرانك) لأنه كل إنسان حينما أنعم الله عليه بنعمة العافية، ورزقه الطعام والطيبات من الرزق، وأكل واستمتع وانتفع في بدنه، ثم إن هذا الخارج عبارة عن فاضل هذه النعمة بعد أن أخذ منها فائدتها واستفاد الجسم منها، ويسر الله خروج المؤذي منها، فإذاً: هذه نعم متوالية: نعمة العافية، ونعمة الطيب من الرزق، ونعمة الاستمتاع بالطيب الحلال، ثم نعمة وإخراج المؤذي من تلك النعمة وفضلاتها نعمة أخرى.

    ولذا يقولون: إن بعض الملوك دخل عليه شخص من زهاد الدنيا وقال: ماذا تطلب؟ قال: وما الذي لديك؟ قال: ما تريده.

    قال: كل ما عندك لا يساوي بولة ولا كأس ماء. قال: كيف هذا؟ قال: إذا كنت في فلاة ونفد ماؤك وأشرفت على الموت وتطلب كأس ماء، أتشتريه بالملك أو لا؟ قال: نعم. قال: إذاً: ملكك لا يساوي إلا كأس ماء، وإذا شربتها واحتبس عليك البول، وطلبت إخراجه، أتدفع ملكك في إخراج هذا البول أو لا؟ قال: نعم. قال: إذاً: ملكك لا يساوي كأس ماء تشربها ولا بوله تخرجها.

    ومن هنا -أيها الإخوة- كان من نعم الله على الإنسان أن متعه بالصحة وأنعم عليه بطيبات الرزق، واستمتع بطعمها، واستفاد بما أودعت من فوائد في جسمه، ثم أنعم الله عليه بإخراجها.

    والله -يا إخوان- لقد رأيت إنساناً في حوالي سن الأربعين منذ أكثر من أربعين سنة يدور في الشوارع ويصيح بسبب إمساك عنده، وعجز الناس عن أن يسعفوه بشيء، فإذا حبس في الإنسان فضلات الطعام فهذه مصيبة.

    قال العلماء: فالنبي صلى الله عليه وسلم استشعر نعمة الله عليه بالصحة، وبالرزق الطيب، وبالاستفادة من هذا الرزق، ثم يسر عليه خروج هذا المؤذي، فكأنه يقول: لا يستطيع الإنسان أن يشكرها لله سبحانه وتعالى، فيستغفر على التقصير من أنه لم يقدم لله من العبادات ومن الذكر ما يعادل تلك النعم المتعددة.

    إذاً (غفرانك) إما لأنه منع من ذكر الله في تلك الفترة، أو لأنه استشعر نعم الله عليه، واستشعر التقصير في شكره عليها، فيطلب الغفران لذلك.

    وهذا تنبيه لنا على أن نستشعر نعم الله علينا، وأن نسأل الله دائماً وأبداً أن يوزعنا شكر النعمة ولو كانت شربة ماء، ولو كانت خروج فضلات من جسمه؛ لأن هذا سواء كان في الإدخال أو في الإخراج فهي نعمة من الله سبحانه وتعالى.

    الحكمة في النهي عن الاستنجاء بالروثة والعظم

    [ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً، فأتيته بروثة فأخذهما وألقى الروثة، وقال: هذا رجس -أو ركس-) أخرجه البخاري ، وزاد أحمد والدارقطني : (ائتني بغيرها) ].

    يأتي المؤلف رحمه الله بحديث ابن مسعود هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط وقضى حاجته، قال: فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين ولم أجد الثالث، فأتيته بروثة؛ والروثة تكون غالباً للحمار أو للبغل أو للفرس، والبعرة تكون للبعير، والخثل يكون للبقر.

    وروث ما لا يؤكل لحمه نجس، وفضلات ما يؤكل لحمه طاهر عند كثير من العلماء ما عدا الشافعي .

    فهنا ابن مسعود ذهب ليأتي بثلاثة أحجار ما وجد إلا حجرين، فألغى وصف الحجرية وجاء بالروثة اجتهاداً منه بأن يأتي بثلاثة أحجار.

    فلما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحجرين ورد الروثة، وقال: (ائتني بغيرها، ثم قال له في سبب ردها: إنها (رجس) بالجيم أو (ركس) بالكاف). الرجس والركس هو: النجس؛ فأخذ العلماء بأنه لا يجوز الاستنجاء بشيء نجس؛ لأن النجاسة لا تزال بنجس.

    ولذا قال بعض العلماء: لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين، بل طلب الثالث، وقال ابن حزم : لابد من الأحجار الثلاثة لثلاث مسحات.

    والله تعالى أعلم.

    [ وزاد أحمد والدارقطني : (ائتني بغيرها) ].

    يعني: لم يكتف بالحجرين، بل طلب حجراً ثالثاً.

    [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران) رواه الدارقطني وصححه].

    أما العظم فلأنه أملس، وأما الروث فلأنه نجس، فلا يصح واحد منهما أن يستعمل في الاستنجاء، وهما لا يطهران، وعلى هذا لا يجوز الاستجمار بالعظم ولا بالروث، ويزاد على ذلك أيضاً العلة التي ذكرها العلماء في أنها طعام للجن ودوابهم.

    والله تعالى أعلم.