إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب الوضوء [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شملت أحكام الوضوء بعض الواجبات والسنن التي أوردها العلماء في باب الوضوء، ومن هذه الواجبات والسنن: الاقتصاد في الماء، وترتيب أعضاء الوضوء، وإسباغ الأعضاء بالماء، والذكر المسنون الذي يقوله العبد في أول الوضوء وعند الانتهاء منه.

    1.   

    مسائل في الوضوء

    ما يبدأ به من أعضاء الوضوء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما -في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم-: قال صلى الله عليه وسلم: (ابدأوا بما بدأ الله به) أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر ].

    يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن في الوضوء، فما علاقة صفة الحج بأعمال الوضوء؟

    لقد أراد المؤلف رحمه الله تعالى الإتيان بعبارة جاءت في صفة الحج صالحة لجميع الأعمال، فجاء بها إلى الوضوء، وهذا لأول وهلة يعطينا فكرة عن المؤلف أنه يرى القياس؛ لأنه سيقيس أعمال الوضوء على أعمال الحج بعموم القاعدة التي جاء بها من صفة أعمال حج النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج قال: (ابدأوا) أو قال: (أبدأ) والفرق بين الروايتين هو كسر الهمزة وإسناد الفعل إلى واو الجماعة، وفتح همزة القطع، فبكسر الهمزة هو أمرٌ موجه للناس، وبفتح الهمزة هو إخبار عن فعله وإرادته ورغبته فيما يفعل، وذلك في المتساويين: الصفا والمروة، فكلاهما غاية في السعي، والمطلوب سبعة أشواط، فإن بدأت بالصفا وأتيت إلى المروة كان شوطاً، وإن بدأت بالمروة وانتهيت إلى الصفا كان شوطاً، فنحن نعد قطع المسافة بينهما شوطاً، ولكن النص هنا في البداية، فإذا كان الصفا والمروة متساويين من حيث البداية إن بدأنا من هنا أو بدأنا من هنا فهو شوط فمن أيهما نبدأ؟!

    فلما قال صلى الله عليه وسلم: (ابدأوا بما بدأ الله به) والله بدأ بالصفا كان المشروع أن نبدأ بالصفا.

    فمن بدأ السعي بالمروة للشوط الأول وجاء إلى الصفا، ثم رجع من الصفا إلى المروة يكون له شوط واحد، وهو رجوعه من الصفا إلى المروة، والشوط الأول الذي بدأه من المروة إلى الصفا يكون لاغياً؛ لأن المروة ليست محلاً لبداية السعي، فيكون فعله الشوط الثاني في حسابه من الصفا إلى المروة هو الشوط الأول من السبعة، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (ابدأوا)، سواءٌ أكان أمراً والأمر يقتضي الوجوب، أم كان إخباراً، فقد أحال أيضاً على فعله وقال: (خذوا عني مناسككم)، فهو بدأ بالصفا وقال: (ابدأوا بما بدأ الله به).

    وفي رواية (أبدأ) تكون قضية خاصة بالسعي؛ ولكن قوله: (بما بدأ الله به)، لفظة (ما) فيه موصولة، فيتعين إذا كان هناك حكم والأعمال فيه متساوية، وتصح البداءة من أي واحد منها أن نراعي البداية بِمَا بدأ الله به من هذه المتعددات، فيتعين أن نبدأ منه؛ لأن العليم الخبير لا يقدم واحداً من المتساويات إلا لحكمة، فنعمل بذلك، وقلتُ: وذلك ما لم يكن هناك مراعاة لجانب آخر، كالترتيب الزمني.

    فمثلاً قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى:13] فذِكْرُ نوح ثم ذِكْرُ إبراهيم وموسى وعيسى هو حسب الترتيب الزمني أم لا؟ وإبراهيم هل هو حسب الترتيب الزمني أم لا؟ وهل هم متساوون في الزمن أم مختلفون؟ والجواب: مختلفون.

    فترتيبهم الزمني كترتيبهم في النص الذي جاء بإيرادهم، فروعي في ذلك الزمنُ.

    فأنت عندما تقول: الله سبحانه شرع لنا من الأديان ما شرع للأنبياء من قبلنا عيسى وموسى وإبراهيم لا مانع من ذلك؛ لأن التركيب جاء مراعياً للزمن، وأنت لم ترد بيان التاريخ.

    الآية وترتيبها لأعضاء الوضوء

    أعضاء الوضوء المنصوص عليها في الآية الكريمة هي في قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] وهذه الأربعة الأركان بالترتيب.

    فلو غسلتَ القدمين ثم مسحت الرأس ثم غسلتَ اليدين ثم الوجه فإنك تكون أتيتَ بالأركان المذكورة في الآية.

    وكما يقولون: (الواو) لا تقتضي الترتيب، ولكن تقتضي التشريك.

    و(ثم) و(الفاء) هما اللتان تدلان على الترتيب والتعقيب، أما (الواو) كمثل: (جاء زيد وعمرو)، و(زارني اليوم زيد وعمرو)، فلا تعطي الأولية للذي جاء أولاً، ولا تفيد ترتيب مجيئهما إليك.

    فلما كان الأمر كذلك أمكن البداءة باليدين ثم الرجلين ثم الوجه ثم مسح الرأس، فكل هذا ممكن؛ لأنه لا يوجد نص فيما يتعلق بالترتيب.

    والآية ذكرت الأعضاء الأربعة في نسق، فجاء الحديث لما سأله رجل: (من أين نبدأ يا رسول الله؟) بياناً لما يبدأ به.

    بل كان هناك سؤال قبل ذلك، فلما اقتربوا من مكة قالوا: يا رسول الله! من أين ستدخل مكة؟

    ومكة لها مدخلان، كَداء وكُداء، وهما موقعان متقابلان، ولذا يقول بعضهم في هذا من باب الظرافة والدعابة: افتح وادخل، واضمم واخرج.

    والمعنى: (افتح) تورية بفتح الباب، والمراد به (كَداء)، واضمم واخرج أي: من (كُداء).

    فقالوا: من أين ستدخل يا رسول الله؟ وكان أعلاها يسمى (كَداء)، وأسفلها يُسمى (كُداء)، وهي مداخل لمكة من بين الجبال، فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يحيلهم على أمر أدبي، وعلى نصرة الدعوة في الشعر الإسلامي، فقال: (انظروا ماذا قال حسان !).

    وذلك أنه هجا أهل مكة فقال:

    عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كَداءُ

    فـحسان يتوعد أهل مكة بمجيء الخيول بكثرة، وبكثرتها تثير النقع أي: الغبار، وموعدها؟

    كَداء.

    فلما نطق الشاعر المسلم الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه بأحد المتساويين أيده رسول الله، وأيد شعره في نصرة الإسلام، وأمرهم أن يطبقوا قول حسان ، فدخلوا من (كَداء).

    ولما دخلوا مكة وطافوا بالبيت وأرادوا السعي لقوله تعالى في الآية الكريمة: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] سألوا رسول الله، فقال: (ابدأوا)، فهي جواب عن سؤال منهم رضي الله تعالى عنهم لما رأوا الطرفين متساويين، وتصح البداءة من أيهما؛ ولكن كان الرسول موجوداً فسألوا: من أيهما تكون البداية؟ فقال: (ابدأوا بما بدأ الله به).

    خلاف العلماء في الترتيب بين أعضاء الوضوء

    ننتقل من السعي ووجوب البداية مما بدأ الله به -وهو الصفا- إلى الوضوء.

    فلو قال قائل: كيف نتوضأ؟ وبم نبدأ؟

    فالجواب: (ابدأوا بما بدأ الله به)، والله بدأ في أعضاء الوضوء بالوجه.

    ومن هنا ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا النص يدل على ترتيب غسل أعضاء الوضوء كما جاء في الآية.

    وإلى هنا تمَّ التشريع، وبقي الحكم، فهل هذا الترتيب شرط في صحة الوضوء، أم أنه إذا غاير هذا الترتيب صح الوضوء؟

    فالأئمة الأربعة وجمهور العلماء يقولون: لا ينبغي مغايرة هذا الترتيب.

    وبعضهم يحكي الإجماع بأنه لو غاير ذلك ناسياً وصلى فلا إعادة عليه؛ لأنه أتى بالغسل المطلوب، و(الواو) في الآية لا تقتضي الترتيب.

    ثم يذكرون عن علي رضي الله تعالى عنه في التيامن وفي الترتيب أنه قال: (لا أبالي غسلتُ قدميَّ أولاً أو يديَّ أو وجهي، إذا أكملتُ الوضوء).

    أما اليمين واليسار فيقولون: اليدان والرجلان كالعضو الواحد، فأيهما غسلتَه قبل الآخر تَمَّ غسلهما إذا أوقعتهما في مكانهما.

    وعلى هذا لم يقل أحد بأن مخالفة الترتيب الموجود في الآية مبطل للوضوء قطعاً، إلا أنهم يجمعون على أنه السنة، ولا ينبغي تعمُّد خلاف ذلك.

    وبعضهم -غير الأئمة الأربعة- يقول: إن تعمد فلا وضوء له، وإن وقع منه نسيان فلا إعادة عليه.

    وإذا جئنا إلى السنة النبوية -كما يقول الشوكاني وابن القيم- فلم يؤثر ولم يرِدْ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن الخلفاء الراشدين -سوى رواية علي ، وفيها ما فيها- أن أحداً توضأ عاكساً هذا الترتيب الذي جاء في كتاب الله.

    فلا ينبغي عكسه، وإذا قسناه على بداية الصفا والمروة فإننا نعتبر البداءة التي بدأ الله سبحانه وتعالى بها.

    ثم من ناحية أخرى يقولون: لو نظرنا إلى أعضاء الوضوء الأربعة، فأشرفها الوجه.

    فالوجه فيه خصائص تقدمه على غيره، فإذا بدأت بالوجه نزلت بالترتيب إلى اليدين، لكنك تصعد إلى الرأس ثم تنزل إلى القدمين.

    ومن هنا قال الشافعي : الترتيب واجب، فمن غير الترتيب فإن وضوءه باطل.

    قال: لأن الله سبحانه غاير في تلك الأعضاء بين المتشابهين أو بين القرينين، فاليدان والرجلان متناسقان، ففرَّق بينهما، فأمر بغسل الوجه، ثم بغسل اليدين، وبإمكانه أن ينزل إلى الرجلين؛ ولكنه أمر بمسح الرأس. فمجيء الرأس بين اليدين والرجلين يدل على أن هذا محل مسح الرأس، فلا يقدَّم على اليدين، ولا يؤخَّر عن الرجلين.

    ثم قال من ناحية أخرى: اليدان مغسولتان، والقدمان مغسولتان، والرأس ممسوح، فأدخل ممسوحاً بين مغسولين، فلِمَ لَمْ يجعل المغسولات كلها في نسق وجاء بالممسوح وسطهما؟

    فـالشافعي رحمه الله لهذا الأمر قال: الترتيب واجب، ويستوي فيه العامد والمخطئ، فمن نسي فأخلف الترتيب، أو تعمد فأخلف الترتيب فوضوءه باطل.

    وبقية الأئمة رحمهم الله يقولون: إنما الترتيب هو الأكمل.

    والشافعي هو الذي قال ببطلان الوضوء إذا اختل فيه الترتيب عن نسقه في الآية الكريمة، مستدلاً بهذا على الترتيب الموجود في وضع أعضاء الوضوء، ومستنداً أيضاً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (ابدأوا بما بدأ الله به).

    والله تعالى أعلم.

    إدخال المرفق في غسل اليد

    قال: [ وعنه رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه). أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف .. ].

    هنا يأتي المؤلف رحمه الله ليبين لنا قضية لغوية وعملاً شرعياً، فالآية الكريمة: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة:6] لم تطلق اليد عن القيد، بل قيدت غسل اليد بـ(إلى)، و(إلى) حرف غاية، فجعلتا الغايةَ إلى المرفقين، والمرفق هو المفصل؛ لأنك ترتفق به وتتكئ عليه، واللغة تقول: إذا كانت الغاية من جنس المُغَيَّا فهي داخلة فيه، وإذا كانت الغاية من غير المُغَيَّا فليست داخلة.

    كقوله سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] فهل الليل داخل في الصيام، أم هو خارج عنه؟

    الليل مغاير للنهار، وجُعل الصيام إلى الليل، فالليل خارجٌ عن منطقة الصيام، وإن كان العلماء يقولون: يأخذ جزءاً من الليل تحقيقاً لكمال صوم يوم النهار؛ لكن الليل من حيث هو ليس داخلاً في الصوم، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم).

    فلما كان الليل مغايراً للمُغَيَّا -وهو النهار، أو زمن الصوم- لم يكن الليل داخلاً.

    لكن هل المرفق داخل في مسمى اليد أو أنه ليس بداخل؟

    يقولون: إن كلمة (اليد) يدخل فيها أطراف الأصابع إلى المنكب، وأجزاؤها مختلفة التسمية، فالأصابع أولاً، ثم الكف، ثم الرسغ، فالزند، فالساعد، فالمرفق، فالعضد، فالمنكب، فكل جزء في اليد أخذ اسماً مستقلاً، ولكن الجميع يدخل تحت اسم اليد.

    فلما جاءت كلمة (اليد) وغييَ المطلوب غسله من اليد إلى المرافق، كان المراد غسل اليد مع المرافق؛ لأنها جزء من الأيدي.

    فجاء بهذا الحديث ليبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غسل يديه أدار الماء على مرفقيه، يعني: شمل المرفق بالغسل، فالمرفق داخل في غسل اليد.

    والله تعالى أعلم.

    التسمية عند الوضوء وخلاف العلماء فيها

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة بإسناد ضعيف، وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه، قال أحمد : لا يثبت فيه شيء ].

    قوله: (لا وضوء) (لا) حرف نفي.

    و(الوضوء): عمل محسوس بيِّن وهو غسل أعضاء معينة، والأعيان لا يتوجه إليها النفي.

    فعمل الوضوء حاصل، فهو قد غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه، وغسل قدميه، فالوضوء حاصل.

    - فكيف نقول: (لا وضوء) وهو متوضئ؟

    قالوا: إن النفي يتوجه إلى أحكام الأعيان، أما الأعيان بذواتها فلا تُنفَى.

    وعلى هذا قالوا: يجب أن يكون هناك حكم مقدَّر يتوجه عليه النفي وهو: (لا وضوء معتبر)، أو (لا وضوء صحيح) أو (لا وضوء كامل).

    وأي المعاني يقدر حتى يتوجه عليه النفي؟

    بعضهم قال: لا وضوء كامل.

    فالوضوء موجود، ولكن ليس بكامل، فإذا كان موجوداً والمنفي الكمال، فتصح به الصلاة.

    وبعضهم قال: لا وضوء معتبر.

    فيكون هنا المراد نفي الاعتبار، فلا تصح به الصلاة؛ لأنه أصبح كالعدم؛ لأن عدم اعتباره هو عبارة عن عدم وجوده، فلا يُعتد به.

    ومن هنا عند اختلافهم في تقدير الوصف الذي يتوجه إليه النفي وقع الخلاف.

    فإذا جئنا إلى الحديث فهو ضعيف، وأحمد بن حنبل رحمه الله يقول: لم يثبت في هذا شيء، وكون الوضوء يُعتبر أو لا يُعتبر، والصلاة يُعتد بها بهذا الوضوء أو لا يُعتد بها ليس بأمر هين، بل يحتاج إلى أن يكون الحكم صادراً عن قاعدة ثابتة قوية.

    فلما كان الحديث ضعيفاً فلا يمكن أن نبطل الصلاة بعدم ذكر اسم الله على الوضوء إلا بحديث صحيح قوي يقاوم أهمية الوضوء وأهمية الصلاة، وما وجدنا.

    ثم قالوا: هناك بعض النصوص، كقوله: (لا وضوء كامل). أورده الصنعاني .

    وبعضهم قالوا: هناك حديث: (من توضأ كما أمره الله ...)، قالوا: لما أمرنا الله بالوضوء قال: (( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ )) ولم يذكر تسمية.

    فأجيب عليهم: الأمر جاء مجملاً، ولكن الرسول بيَّن!

    فقالوا: أثبتوا البيان ثم احتجوا به، فالذي قلتم: إنه بيان هو ضعيف، ولا ينبغي أن نعول في أركان الإسلام والأعمال على شيء ضعيف.

    ومن هنا لم يقل بوجوب التسمية على الوضوء إلا الظاهرية.

    وبعض شُرَّاح الحديث ينسب لـأحمد أنه قال: إذا ترك التسمية عامداً بطل وضوؤه، وإن تركها ناسياً صح وضوءه ولا يعيد الصلاة. وهذا القول يذكره ابن قدامة في المغني.

    فالرواية عن أحمد ليست على العموم كالظاهرية، وإنما يفرق بين المتعمِّد والناسي.

    والجميع -ما عدا الظاهرية وهذا التفصيل عند أحمد- على صحة الوضوء ولو لم يذكر اسم الله عليه.

    وأهم ما في الموضوع هنا -كما قال أحمد-: أنه لم يثبت فيه شيء، فلا نحكم على أحد ترك التسمية ببطلان وضوئه، ولا ينبغي لأحد أيضاً أن يترك التسمية على الوضوء ولو كان الحديث ضعيفاً؛ لأن غاية ما فيه أنه ذكرٌ لله على هذا العمل، ويعتضد بصفةٍ عامة بحديث: (كل أمر ذي بال لم يُبدأ باسم الله أو الحمد لله فهو أبتر)، فلا نجعل وضوءنا أبتر وأقطع، بل نذكر اسم الله عليه، ويتم لنا الأمر، والحمد لله.

    الفصل بين المضمضة والاستنشاق

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق) أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف ].

    إيراد هذا الحديث في هذا المكان يورد عليه بعض العلماء شيئاً من وجهة النظر في الترتيب؛ إذ كان ينبغي أن يذكر هذا مع المضمضة والاستنشاق هناك.

    فقوله: (يفصل) الفصل: جعل كل شيء على حدة.

    والمضمضة والاستنشاق جاء لهما صور عديدة:

    منها: أن يمضمض ويستنشق ويستنثر بالكف التي أخذ بها الماء.

    ومنها: أن يمضمض ويستنشق بكف واحدة.

    ومنها: أن يفعل ذلك ثلاث مرات بكف واحدة.

    ومنهاك أن يفصل بينهما.

    فقوله: (يفصل بينهما) يحتمل أنه يأخذ كفاً واحدة فيتمضمض ثلاث مرات، ثم يأخذ كفاً واحدة فيستنشق ثلاث مرات. فهذا فصل بين المضمضة والاستنشاق.

    أو أنه يأخذ للمضمضة غرفة فيتمضمض، ثم يأخذ للاستنشاق غرفة ويستنشق، ويفصل بينهما في أخذ الماء، فالمضمضة لها ماء مستقل، والاستنشاق له ماء مستقل.

    فعلى كلتا الحالتين العمل صحيح، سواءٌ أجمع المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة بكف واحدة، أم أخذ لكل واحدة غَرفة مستقلة، وسواءٌ أأخذ ثلاث غَرفات للمضمضة وثلاث غَرفات للاستنشاق، أم ثلاث غَرفات لكل من المضمضة والاستنشاق يتمضمض ويستنشق من كل غَرفة منهما معاً، وهذا نص في أنه يفصل بينهما.

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن علي رضي الله عنه في صفة الوضوء: (ثم تمضمض صلى الله عليه وسلم واستنثر ثلاثاً، يمضمض ويستنثر من الكف الذي يأخذ منه الماء). أخرجه أبو داود والنسائي ].

    هذه الصورة الأخرى في رواية علي رضي الله تعالى عنه، وهي أنه يمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاثاً من الكف الذي أخذ به الماء)، يعني: من كف واحدة يتمضمض بجزء من الماء، ثم يستنشق ببقية الماء في تلك الكف، ويستنثر بتلك الكف التي أخذ بها الماء، سواءٌ أكان أخذُه الماءَ باليمنى، أم كان أخذُه الماءَ باليسرى، فيجمع المضمضة والاستنشاق في غَرفة واحدة، ويستنثر الماء من الأنف بتلك الكف التي أخذ بها الماء، ولم يعيِّن لنا أيَّ الكفين، أهي اليمنى أم اليسرى.

    والله تعالى أعلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: (ثم أدخل صلى الله عليه وسلم يده، فمضمض واستنشق من كف واحد، يفعل ذلك ثلاثاً). متفق عليه ].

    يؤخذ من قوله: (فمضمض واستنشق من كف واحد) أنه جمع بينهما، ففي حديث طلحة: (يفصل)، وهنا: (يجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحد).

    فسواءً جمعتَهما أم فصلتَهما فلا حرج في ذلك.

    وجوب إسباغ أعضاء الوضوء بالماء

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن أنس رضي الله عنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، فقال: (ارجع فأحسن وضوءك) . أخرجه أبو داود والنسائي ].

    هذا حديث (اللمعة) كما يقال، وهو متعلق بإسباغ الوضوء وترتيبه، فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً توضأ وعلى قدمه أو في عقبه لمعة مثل الظفر -أي: قدر الظفر- وفي بعض الروايات: (قدر الدرهم)، أو يكون معنى (مثل الظفر): لمعة كلمعة الظفر؛ لأن الظفر يلمع، والجلد إذا غُسل وبقي جزء منه لم يُغسل صار أبيض يلمع؛ لأن الماء معدود في الألوان السوداء، كما في باب التغليب، وفي الحديث: (الأسودان: التمر، والماء)، فإذا غسل القدم أو اليد أو الوجه وتعدَّى الماء عن جزء فلم يصبه كان كاللمعة وسط بقية العضو المغسول، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ارجع فأحسن وضوءك). وفي بعض الروايات: أعد وضوءك. وبعضها: أتمم وضوءك.

    فمعنى (أحسن) أن الوضوء قبل ذلك كان ليس بحسن.

    وروي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا كان شيئاً يسيراً فلا تأثير في الوضوء؛ لأن الحكم للأغلب.

    وعلى رواية: (أتم) أو: (أعد) يكون ذلك نصاً في أن هذا الوضوء بهذه اللمعة غير تام، ولا تصح به الصلاة.

    ومن هنا أخذ العلماء وجوب الموالاة بين غسل الأعضاء، لا أن يغسل وجهه، ثم يذهب ليشرب قهوة، ثم يجيء ليغسل يديه، ثم يأخذ كتاباً ويقرأ فيه، ثم يمسح رأسه ويتكئ حتى يستريح، ثم يقوم ويغسل قدميه.

    والموالاة مقياسها أن يغسل العضو قبل أن يجف الماء عن العضو الذي قبله، فلو أنه غسل وجهه، ثم أراد أن يغسل يديه، وكان البرد شديداً، فأخذ شيئاً يستر وجهه أو يمسح بيده الماء عن وجهه ولم يجف، فغسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم بعد أن مسح رأسه لبس الطاقية أو العمامة، ثم ذهب وغسل قدميه. يعتبر ذلك موالاة؛ لأنه لم يفرق بين العضو والذي قبله بزمن يجف فيه العضو -كما يقولون- في الجو المعتدل مع الإنسان المعتدل، فهناك بعض الناس عنده حرارة، فحالاً يجف الماء، وأحياناً في الشتاء يكون جفاف الماء عن العضو ليس مثل الصيف، فقالوا: في الجو المعتدل.

    وموجب أخذهم بالموالاة هنا أنه عندما غسل تلك الأعضاء، وبقيت لمعة في رجله أو في يده أو في غير ذلك، فإنه لو غسل ذلك الجزء فقط فبقية الأعضاء التي جاءت بعد هذا العضو جاءت على فساد؛ لأن العضو الذي قبلها لم يتم غسله، وكذلك لو أن اللمعة كانت في القدمين وليس بعدها عضو آخر، فإذا طال الزمن، وجف الماء عن الرأس واليدين، وأراد أن يكمل غسل القدمين، أيكون غسل اللمعة موالياً للأعضاء التي قبلها، أم أنه مضى عليه زمن؟

    فإن كان مضى عليه زمن فإن الموالاة تكون قد فُقِدت، فيكون قد غسل القدمين، أو أحسن غسل القدمين بعد فصل طويل عن الأعضاء قبلها، فيبدأ الوضوء من جديد لتتحقق له الموالاة.

    ولذا قدمنا أنه إذا انتبه للمعة وهو في مكان الوضوء أخذ نقطة ماء -ولو من شعره- ومسح اللمعة وأجزأه ذلك، أما إذا كان قد بعُد عن مكان الوضوء وجفت الأعضاء فإن القدمين ستصبحان مفصولتين عن الأعضاء قبلهما، فلم تكن هناك موالاة، فعليه أن يبدأ الوضوء من جديد لتتم له الموالاة.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    الاقتصاد بالماء عند الوضوء

    قال رحمه الله تعالى: [ وعنه رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد). متفق عليه ].

    مقدار الماء في الوضوء والغسل موضوعه واحد، فكان من حسن التنسيق أن يكونا معاً في مكان واحد.

    ولعله أخره من أجل أنه فيه ذِكْر الغسل، فأخره إلى آخر أعمال الوضوء.

    قال: (كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ -والمُد: قدر لتر وثلث- ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، والصاع أربعة أمداد، فقوله: (إلى خمسة أمداد) أي: صاع وربع.

    فهذا بيان لأقل المقدار، والذي ينبغي على الإنسان -كما يقول العلماء- ألَّا يزيد على ذلك؛ لئلا يدخل في السَّرَف وتضييع المال.

    وإذا كان النص جاء -في العبادات لله- بالمحافظة على الماء وعدم الإسراف فيه مع وفرته وكثرته فما بالك بالمال الذي هو عصب الحياة؟!

    فهو تعويد على الاقتصاد في استعمال الماء؛ ليكون خطوة إلى التعوُّد على الاقتصاد في غير الماء.

    وفي هذا المعنى جاءت أحاديث، منها أنه: (اغتسل من فَرَق) و(الفَرَق): ثلاثة آصُع.

    ومنها أنه: (اغتسل هو وميمونة في جفنة فيها أثر العجين).

    فإذا كان يغتسل بالصاع الذي هو أربعة أمداد فهذا يكفيه في الغسل، وهذا يأتي مع الدلك والتحفظ في استعمال الماء.

    قوله: (ويتوضأ بالمُد)، وفي رواية: (أتي بثلثي مد)، فهل هناك مغايرة؟

    والجواب: لا توجد مغايرة، فإذا كان الماء قليلاً دلك حتى يتمكن من إيصال الماء لجميع البشرة، وإذا كان الماء متوافراً مرَّر يده ليتأكد، فالمهم التأكد من إسباغ الوضوء، فإذا كان الماء قليلاً تعيَّن الدلك، وإذا كان الماء كثيراً وتأكد بجريان الماء على العضو فالحمد لله، لكن لا ينبغي أن يزيد -إن أمكن- في الوضوء على المُد، ولا في الغسل على الخمسة أمداد، أي: صاع ومد.

    والله تعالى أعلم.

    فهذا ما يتعلق بالوضوء والغسل في العبادة.

    ويُقاس عليه الوضوء والغسل للنظافة، أو المسنون في غسل الجمعة أو للإحرام أو لدخول مكة أو لعرفة، ولكن المهم هنا أنه لو أن إنساناً في الغسل الاعتيادي يريد أن يغير ملابسه، ويريد أن يزيل عنه العرق، ويريد أن ينظف نفسه، فتارةً يستعمل الصابون، وتارةً يستعمل الماء بدون صابون، فهذا لا حد فيه، ما لم يصل إلى الإسراف؛ فالتحديد هنا في رفع الحدثين، الأصغر بمُد، والأكبر بصاع إلى خمسة أمداد.

    1.   

    بيان الذكر عند الانتهاء من الوضوء

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). أخرجه مسلم والترمذي وزاد: (.. اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) ..].

    لقد أحسن المؤلف ختم هذا الباب بهذا الحديث، وبيان ما ينبغي أن يقوله المتوضئ، فهذا هو الدعاء المسنون المشروع عقب الوضوء، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يتوضأ فيسبغ -قيده بإسباغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، فهي أساس التوحيد وقاعدة الإسلام، فأنه فعل ذلك امتثالاً لأمر الله، وطاعة لرسول الله؛ لأن هذا العمل الذي جاء به أمر تعبُّدي، ولا دخل للعقل ولا للعلة فيه، إنما يأتي به المسلم طاعة لله ورسوله، كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: (عملٌ مُوجَبُه في غير موجِبِه). فالإنسان يخرج منه الريح، فيتوضأ ولا يغسل موضع خروج الريح الذي هو سبب في الوضوء، فلا نغسله ونغسل أعضاءً بعيدة كل البعد عن سبب هذا الوضوء، فأين العلة هنا؟ فلا علة ولا سببية، إنما هي طاعة لله.

    ومن هنا يعلن المسلم هذه الشهادة عقب هذا العمل التعبدي المحض الذي لا علاقة له بعلة ولا سبب، كأنه يقول: يا رب! أشهد أنك أنت الله الواحد الأحد، أمرتني فامتثلتُ، وأشهد أن نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم بلَّغنا عنك فسمعنا وأطعنا، فتحقيق الإيمان بالله والطاعة لله ولرسوله، بسببه فتحت له أبواب الجنة الثمانية.

    وقال في الحديث: (فُتحت)، ولم يقل: (تفتَح)، فقالوا: هذا يراد به أنها ستُفتح له يوم القيامة.

    ونحن نقول: لماذا التكلف فيها؟ لنقل: فُتحت الآن، وما المانع أن تُفتح الآن؟ وسيدخلها إن شاء الله من أيِّ أبوابها، فلا مانع.

    وزاد بعض الروايات: (اللهم اجعلني من التوابين -أي: فيما أخطأتُ، وما أسررت وما أعلنت- واجعلني من المتطهرين)، والتوبة هي طهارة داخلية، والتطهر طهارة ظاهرية، ولأن الوضوء يحقق الطهارة والنظافة فسأل الله التوبة بالمناسبة.

    ومن هذا قوله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37]، ثم قال تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [آل عمران:38]، فلما وجد الأرزاق تأتي من عند الله قال: يا رب! أعطني.

    فكذلك هنا، فلما فعل الطهارة الحسية طلب من الله الطهارتين: الطهارة الحسية من كل الأخطاء، والطهارة المعنوية بالتوبة، فيكون من عباده التوابين والمتطهرين.

    وينبه العلماء على قضية شائعة عند العوام، وهي أنهم يجعلون لكل عضو من أعضاء الوضوء دعاءً، ويقول النووي رحمه الله: كل هذه الأدعية المخصوصة بكل عضو لا أصل لها في السنة، وإنما يفعلها بعض الناس بالمناسبة.

    والله تعالى أعلم.