إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها [4]

كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للأطفال من المحبة ما يجعل المرء يتعلق بهم ويكثر من حملهم، فلا يخلو عند ذلك من أن تصيبه النجاسة من بولهم، وقد فرق الشرع بين بول الغلام الرضيع والجارية الرضيعة، فالغلام إنما يرش من بوله والجارية يغسل من بولها، مع أن البول نجس في كل حال.

    1.   

    بول الرضيع وحكمه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول: المصنف رحمه الله: [وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم ].

    هذا موضوع جديد، وهو نجاسة البول بصفة عامة، وقد تقدم لنا ما يتعلق بنجاسة البول، وهو متعلق بهذا الباب، وكثير من المؤلفين يذكره في هذا الموضع.

    وتقدمت لنا قصة بول الأعرابي حينما بال في المسجد، وكانت طريقة تطهيره مكاثرته بالماء، كما قال الشافعي رحمه الله: يكاثر بالماء مقدار سبع مرات وهذه ناحية نسبية تعتبر بغلبة الظن.

    وهنا يأتي المؤلف رحمه الله بهذا النص عن أبي السمح ، وكان خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لا يُعلم له حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا، فنقل لنا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام) فمن الجارية، ومن الغلام؟

    الجارية لغة: تطلق على الصغيرة الرضيعة، وتطلق على من هي دون البلوغ، وتطلق على الأمة الكبيرة، كما تقول: جارية فلان والغلام يطلق على الطفل الصغير الرضيع، وعلى من دون الأربعين سنة، كما قيل في الحجاج :

    .. غلام إذا هز القناة سقاها

    وهو قائد الجيوش، ومع ذلك سمي غلاماً.

    أحاديث في التفريق بين بول الغلام والجارية

    في هذا الباب جاءت نصوص أخرى مع حديث أبي السمح ، منها:

    أنَّ أم قيس بنت محصن: أتت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحنكه -والتحنيك: هو أن يأخذ الكبير تمرة فيلوكها في فِيه، ثم يخرجها بعد المضغ وامتزاجها بلعابه، ويضعها بين فكي الطفل، فيبلغها أو يتلمض بها- قالت: فبال على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بماء ونضحه).

    وكذلك جاء عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: كانوا يأتون بالصبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم للتبريك، والتحنيك -والتبريك: التماس البركة، ويحنكهم ليختلط ريقه صلوات الله وسلامه عليه بالتمرة، ويبتلعه الطفل الصغير- (فبال غلام على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، أو في حجره صلى الله عليه وسلم فأتبعه بالماء) .

    وجاء عن أم قيس حديثان، أحدهما قالت فيه: (أتي بغلام فبال على ثوبه صلى الله عليه وسلم فنضحه، وأتي بجارية فبالت على ثوبه فغسله) .

    وعن أم الفضل : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بغلام -الحسن ، أو الحسين- فصعد على بطن النبي صلى الله عليه وسلم فبال على صدره، قالت: قلت: أعطني ثوبك -يا رسول الله- أغسله والبس غيره قال: إنما ينضح من بول الغلام) .

    وعن علي رضي الله تعالى عنه: (أن غلاماً بال على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية)، قال قتادة : وذلك قبل الفطام، أو: وذلك للرضيع.

    وكل هذه الآثار جمعها وساقها صاحب المنتقى، وتكلم عليها الشوكاني في نيل الأوطار، وغيره.

    والقول الصريح بضم الفعل مع مجموع ذلك كله أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين بول الغلام الذكر، وبول الجارية الأنثى، وهذا التفريق محله قبل أن يستغني بالطعام ما دام رضيعاً، فأمر بغسل بول الجارية، واكتفى أو أرشد إلى نضح أو رش بول الغلام.

    اختلاف العلماء في تطهير بول الغلام والجارية

    موقف العلماء من بول الجارية وبول الغلام الرضيع يتلخص في ثلاثة مذاهب، كما نقل ذلك: الصنعاني والشوكاني وابن حجر في فتح الباري، وغيرهم.

    المذهب الأول: يغسل الجميع، بول الغلام وبول الجارية وهذا مروي عن الأحناف والمالكية.

    والمذهب الثاني: يرش من الجميع بدون تفرقة، فالأول لا يفرق بين ذكر وأنثى، وقال: يغسل الجميع. والثاني لم يفرق بين ذكر وأنثى، وقال: يرش الجميع. وهذا قول الأوزاعي

    المذهب الثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله -ويؤيده الحديث- أنه يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام.

    ووجهة نظر من قال بغسل الجميع، قولهم: هناك عمومات أخرى، منها: عموم غسل البول، ومنها: حديث القبرين: (وكان أحدهما لا يستنزه من البول)، وهذا عام في البول، فيشمل الصغير والكبير، ثم ألحق الغلام بالجارية، وهذا الإلحاق يسمى عند الأصوليين إلحاقاً بنفي الفارق. أي: ننفي فارق الذكورة والأنوثة، ونرجع إلى أصل البول فهو سواء عندهم، فنغسل الجميع، كما جاء في حديث: (من أعتق شقصاً له في عبد)، فكلمة (عبد) تطلق على المملوك الذكر، فقالوا: كذلك من اعتق شقصاً له في أمه، ولماذا الأمة والنص جاء خاصاً بالعبد؟

    قالوا: بإلغاء الفارق بين الأمة والعبد، وهو الذكورة والأنوثة، فمن أعتق شقصاً في مملوك له ذكراً كان أو أنثى قوم عليه ودفع الباقي لشريكه ويعتق العبد، هذا ما يسمى عندهم بنفي الفارق.

    ولكن هذا حينما يأتي النص في أحد المتماثلين أو المتقابلين، فيكون هنا الإلحاق بنفي الفارق؛ لأن الأمة لم يأتِ في عتق شقصها نص ولكن هنا جاء النص مستقلاً في الغلام بالرش، وجاء مستقلاً في الجارية بالغسل، فنأخذ بالنص الموجود، أما القياس هذا فإنه يسمى عند الأصوليين قياساً فاسد الاعتبار، أي: اعتباره فاسد؛ لأنه في مصادمة النص؛ إذ يلحقون الغلام بالجارية، وهذا فيه نص صحيح صريح، وهو حديث أم قيس الذي رواه الجماعة، وحديث عائشة الذي رواه البخاري، وعند مسلم زيادات.

    فالغلام فيه نص مستقل، والجارية فيها نص مستقل، ولا يلحق أحدهما بالآخر؛ لأننا إذا ألحقنا أحدهما بالآخر ألغينا النص الذي يختص به، وهذا لا يجوز، وهو كما -يقول الأصوليون- قياس فاسد الاعتبار.

    علة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية

    قد يقال: هل يمكن أن نتطلع إلى سبب في التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، أم أنه لا يوجد هناك فرق؟

    قال بعض المتقدمين -وهو المتولي من أئمة الشافعية-: نعم هناك فرق؛ فإن بول الغلام أبيض رقيق خفيف، وبول الجارية أصفر ثقيل كثيف، فالفقهاء نبهوا على أن هناك فرقاً في الماهية، فبول الغلام رقيق خفيف يكفي فيه الرش، وأما بول الجارية فأصفر كثيف ثقيل والنضح لا يكفيه، ويحتاج إلى الغسل.

    وبعض المتأخرين الذين يتكلمون عن التشريح أو عن الخواص يقولون: بول الجارية فيه من هرمون الأنوثة أكثر، فيحتاج إلى زيادة في الغسل، وهرمون الأنوثة -كما يقولون- أثقل من هرمون الذكورة، والله تعالى أعلم.

    وبعضهم يعلل ذلك بقوله: الغلام ذكر والجارية أنثى، وأصل الخلقة -خلقة الإنسان- هو أبونا آدم، وآدم خلق من تراب وماء، والماء والتراب طهوران، فأصل التكوين في خلقة الذكر من طاهرين، والأنثى جاءت من حواء، وحواء خلقت من ضلع آدم، وضلع آدم فيه دم ولحم، والدم نجس، فالغلام يرجع إلى أصله، والجارية ترجع إلى أصلها، وهذا امتداد طويل وبعيد الاعتبار، وذكرناه من باب الفائدة.

    وهناك من يقول -وهي قضية والله ما أدري كيف ساغ لهم أن يقولوها- فيقول: الرسول صلى الله عليه وسلم عامل الناس بحالة نفسية؛ إذ كان العرب في أول أمرهم إذا جاءهم المولود أنثى فهم كما قال تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58].

    فكانوا إذا جاءت البنت لا يحبون حملها، أما الصبي فيحب، ودائماً يحمل، فخفف في بوله، لكن هذه العادة غير حميدة، فهل يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويقر الناس عليها، ويخفف لهم ويرخص لهم بسببها، أم يقضي عليها؟ لاشك أنه سيقضي عليها.

    فهذه وإن كانت ساقطة فهي بعيدة بعد آدم وحواء، لكن تلك أقرب للتعليل من هذه.

    ومهما يكن من شيء فإن المهم هو الحكم الفقهي، وهو أنه يكتفى بنضح بول الغلام ويغسل بول الجارية، وبعض الذين قالوا بالغسل قالوا: النضح بمعنى الغسل؛ لأنه جاءت رواية: (رشه: نضحه) ، والنضح غسل.

    ولكن جاء في رواية علي رضي الله تعالى عنه: (فنضحه ولم يغسله) فهل النضح هو الغسل أم هو مغاير له؟

    والجواب: مغاير له، ويكفينا في ذلك أن أصل البول نجس، وذلك في الأصل عند الجارية، ولكن الغلام الرضيع الذي لم يتناول الطعام خففت حالته، واكتفي فيه بالنضح، وما عدا الغلام الرضيع -سواءٌ أكان غلاماً يأكل الطعام، أم جارية من أول أمرها -فإنه يغسل، والله تعالى أعلم.

    1.   

    نجاسة الدم وكيفية تطهيره

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب-: (تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه) متفق عليه].

    انتقلنا إلى مسألة أخرى، وهي حكم الدم في هذا الباب -باب النجاسة-، وقد تقدم شيء من التنبيه على ما وجد في الآونة الأخيرة من القول بطهارته.

    وقد أجمع على ذلك المسلمون إلى القرن الرابع عشر من المحدثين وعلماء تفسير، وفقهاء المذاهب الأربعة وأئمتها.

    ومن أراد الرجوع إلى ذلك بإيجاز فليرجع إلى كلام المفسرين عند قوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، فقالوا: الدم المسفوح والميتة ولحم الخنزير كل ذلك نجس، والمسفوح: هو الذي يخرج بغزارة وبقوة، وغير المسفوح هو الدم الذي يكون باقياً في عروق الذبيحة بعد سلخها، وقد تظهر حمرة هذا الدم في المرق في أوائل الطبخ، وهذا معفو عنه.

    خلاف العلماء في تقدير الدم المعفو عنه

    يبحث العلماء المتقدمون فيما يعفى عنه من النجاسات، ولم يعف عن شيء إلا عن قليل الدم.

    وقليل الدم وكثيره اختلف العلماء في تقديره، فمنهم من يقول: قليل الدم هو ما كان في حجم الدرهم البغلي. والدرهم البغلي كان درهماً نقدياً، صكه رجل يهودي اسمه: (البغل)، وكان في الدولة العباسية، وكان يصك الدراهم للخلفاء العباسيين، خاصة للمناسبات.

    وبعضهم يقول: هو بقدر ما يرى في ذراع أو في ساق الحمار أو البغل من الداخل على هيئة دائرة سوداء تعادل الريال السعودي تقريباً، وهناك من أبعد في ذلك وقال: كربع الثوب ولكن هذه مجازفة كما يقول أصحابه.

    وجاء في الموطأ عند مالك رحمه الله في باب الرعاف أن ابن عمر رضي الله عنهما كان ربما رعف في الصلاة بدم قليل، فيفتله بين أصابعه ويمضي في صلاته، وربما فقأ البثرة في وجهه -أي حب الشباب- فتخرج القطرة والقطرتان، فيمسحها بأصابعه ولا يغسلها.

    وجاء عن سعيد بن المسيب أنه رعف في الصلاة فاستلقى على ظهره لكثرته، ثم خرج فغسل عنه الدم.

    وجمهور علماء المسلمين يقولون: إن الدم نجس، ويعفى عن قليله، ولكن لماذا لا يعفى عن قليل النجاسات الأخرى؟!

    قالوا: لأن بقية النجاسات الأخرى يمكن الاحتراز عنها، وقد جاء في حديث صاحبي القبرين: (كان لا يتنزه من البول)، أما الدم فقالوا: الإنسان عبارة عن قربة دم، وفي كل موضع من جسمه يوجد دم، فمن الصعب أن يتحفظ الإنسان من دمه، وقاسوا عليه دم غيره.

    ومجموع هذه الأحاديث تابع للتدليل على نجاسة الدم، وبعد أن نمر عليها سنعود إلى قول من يقول بطهارة الدم بعد أربعة عشر قرناً، ونبين وجهة نظره والرد عليه.

    قوله: [وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما] هي من أقارب بيت النبوة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض.

    وقولها: (دم الحيض يصيب الثوب) مثل الثوب الفراش، وكل شيء يمسه.

    الطريقة الشرعية في تطهير دم الحيض

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه).

    أي: تفرك اليابس، و(تقرصه) أي: بين يديها، و(تنضحه) أي: تغسله بعد هذا فهذه ثلاث مراحل في كيفية تطهير الثوب من دم الحيض.

    ولا يوجد أحد يخالف في نجاسة دم الحيض أبداً حتى اليوم، وإنما الخلاف في الدم المسفوح.

    قال العلماء: هذا نص صحيح صريح في وجوب غسل دم الحيض حين يصيب الثوب، والغسل يكون ببذل الجهد في إزالة النجاسة:

    فأولاً: بالحت إن كان يابساً، وغالباً الدم يكون له جُرم.

    وثانياً: بالقرص، أي: تدلكه بأصابعها مع الماء.

    وثالثاً: بالغسل، ثم بعد ذلك تصلي فيه.

    حكم أثر الدم الباقي في الثوب بعد تطهيره

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة : يا رسول الله! فإن لم يذهب الدم؟ قال: (يكفيكِ الماء، ولا يضركِ أثره) أخرجه الترمذي وسنده ضعيف].

    هذا السؤال تتمة للموضوع الأول، فإذا حتتنا وقرصنا وغسلنا وبقي اللون -خاصة إذا كان الثوب أبيض؛ فإن البياض قليل الحمل للدنس- فماذا نفعل؟

    قال: ( يكفيك الماء لا يضركِ أثره)، فافعلي هذه الأوامر، فالله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    ويذكرون عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا حتّت وقرصت ونضحت ولم يذهب اللون تأتي بالزعفران، وتبله في الماء، وتأخذ ماء الزعفران وتصبه على محل الدم.

    قالوا: تريد أن تغير لون النجس بلون الطاهر، ولكن هذا لمن أراد أن يصبغ ثوبه كله بالزعفران، وليس هذا من باب التكليف، فهذا فعلها رضي الله تعالى عنها، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر به.

    ويهمنا أنه صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الحت، ثم القرص، ثم غسل الماء، وقال الفقهاء: إذا كان يمكن استعمال الحواد -والحواد: جمع حاد، وهو الشيء الكيماوي الحار الذي يذهب اللون، مثل الصابون، ومثل النخالة، ومثل الدقيق، ومثل الأشنان وغيرها، فكل هذه عوامل تنظيف يعرفها الناس- فإذا لم يذهب الأثر وكان عندك صابون فهل يتعين استعماله تبعاً لهذا التشديد -أي الأمر بالحت والقرص ثم النضح- وهل يعد استعمال الصابون من بذل الجهد, وقد يكون فيه كلفة على المساكين؟ وهل نطالب باستعمال منظف مزيل لا يؤثر على صبغ الثوب ولا على قماشه، أو ليس ذلك بلازم؟

    والجواب: يجب أن نستعمل ما يمكن استعماله بدون كلفة، وبدون مشقة، وبدون تأثير على عين الثوب، والله تعالى أعلم.

    فجمهور العلماء من السلف والخلف يقولون: إن جميع الدماء نجسة.

    وقد جاء عند البخاري وعند مسلم حديث فاطمة بنت قيس في الاستحاضة.

    والبخاري ومسلم ذكرا حديثها في كتاب الطهارة والنجاسة ليبينا أن دم الاستحاضة نجس كدم الحيض، أو أن الدم نجس بصفة عامة، ثم أعادا نفس الحديث في باب الحيض والاستحاضة ليستدلا بذلك على أن دم الاستحاضة ملحق بدم الحيض، ودم الاستحاضة دم مسفوح؛ لأنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلكِ عرق)، واستدلوا بالآية الكريمة: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، فقالوا: جمع في هذه الآية بين تحريم الميتة والدم المسفوح، والميتة نجسة كما تقدم التنبيه على ذلك في حديث ميمونة : (لو أخذتم إهابها فانتفعتم به -أو: فدبغتموه فانتفعتم به؟!- فقالوا: إنها ميتة. فقولهم: (إنها ميتة)) يستلزم أن الميتة نجسة، فتنجس الإهاب تبعاً للميتة، وأقرهم على هذا الفهم، وأجابهم عنه، وأخبرهم أنه يطهرها الدباغ.

    وعلى هذا فالدم المسفوح نجس بدلالة اقترانه بالميتة، ولذلك حرم أكله، وحرم بيعه، وحرمت الاستفادة منه في أي شيء.

    حكم نقل الدم

    هنا مسألة، وهي حكم نقل الدم، ونقل الدم لا يكون إلا من إنسان إلى إنسان، ودم الإنسان نجس كما تقدم في أنه يغسل، وكما تقدم في الاستحاضة، ونصوص العلماء كثيرة في هذا.

    ومسألة نقل الدم وجدت في الوقت الحاضر، ولم تكن موجودة في السابق.

    وقد اختلف العلماء في حكمها.

    فقوم قالوا: لا يجوز استعماله أبداً؛ لأن الدم نجس، ولا يجوز استعمال النجاسة في دواء ولا في غيره.

    والآن -والحمد لله- كتبت رسائل، وألفت مؤلفات في هذا الموضوع، ولكن من الجانب الطبي، أما من ناحية الإباحة والمنع فكان مما حدث في بعض نوادي الجامعة الإسلامية أن سأل سائل: هذا الدم الذي ننقله لإنسان آخر حلال أم حرام؟!

    فتكلم المشايخ -جزاهم الله خيراً- وكل تكلم بما قد حضره، والشيخ الأمين -يغفر الله له- ساكت ما تكلم، ولا بشيء، فسأله الشيخ ابن باز رحمه الله: أراك -يا شيخ- ساكتاً لا تتكلم!

    قال: نعم -يا سماحة الشيخ- فماذا أقول، ليس عندنا آية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع الجديد؟

    فقال: ولكن لابد من القول، ولابد للإنسان المسلم أن يعرف أقوال العلماء في هذه الحالة، فلا نقول: الإسلام قاصر. بل ويجب أن نجتهد.

    فقال: إن كان ولابد فإننا نجد القرآن الكريم قرن الميتة بالدم في التحريم كما قال تعالى: ، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3]، ووجدنا القرآن الكريم يأتي بالرخصة في أحد المقترنين، وهي الميتة، قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173]، فإذا جاءت الرخصة في المحرم أو أحد المحرمين، -وهي الميتة- للضرورة كما قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173]، فإذا جاءت نقول: قرين الشيء يأخذ حكمه، فنقول: الدم قرين الميتة، فإذا وصلت بإنسان حالة شبيهة بحالة المخمصة التي يضطر فيها الجائع لأكل الميتة إنقاذاً لحياته، ويأثم إن ترك الأكل فكذلك أيضاً في نقل الدم؛ لأنها ضرورة تعادل تلك الضرورة، وإنقاذٌ لحياته، فيباح نقل الدم.

    قال الشيخ ابن باز : ماذا نريد أكثر من هذا؟! ومهما بحثنا فلن نجد أحسن من هذا، فهذا يكفي.

    وهناك قرار لهيئة كبار العلماء جاءت فيه أبحاث عديدة في التشريح والدم ونحوهما.

    وهل يتعاطى ثمناً للدم الذي أعطاه المعطي أم لا؟!

    قالوا: الجواب: لا. لأن الدم لا يباع، ولا يؤخذ ثمنه، ولكن يمكن أن يُكْرَم المعطي للدم من الطعام ومن الشراب ما يعوضه شيئاً من ذلك، فيشترى له ما يطعمه، وما يشربه من العصير، أو من الأشياء المباحة التي تعوض جسمه نشاطه، ونحو ذلك.

    وعلى هذا أصبح موضوع نقل الدم قضية -كما يقولون- شائعة، وفتحت بنوك الدم، واتسع فيها بعض الناس، وأصبحت تجارة، ولكن موقف الإسلام من هذه القضية أنه يباح للضرورة.

    أدلة من قال بعدم نجاسة الدم والجواب عنها

    الذين يقولون بطهارة الدم المسفوح قالوا: إنما حرم أكله ولم تحرم ملامسته، ولا يدل ذلك على النجاسة. واستدلوا بقصة عمر رضي الله تعالى عنه، حينما صلى وجرحه ينزف دماً.

    واستدلوا بقصة عمار والذي كان معه في الشعب، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يحرس ليلاً، وكان العدو قد وقعت به حادثة فتبعهم ليلاً، فقام أحدهما يحرس ويصلي ويقرأ، فسمع العدو صوت القارئ فسدد السهم في الليل على الصوت فأصابه، فانتزع الحارس السهم ومضى في صلاته، إلى أن رماه بثلاثة أسهم، فأيقظ صاحبه سقوط الدم على وجهه، فقال: ما هذا؟ فأخبره. فقال: هلا أخبرتني؟ قال: كنت اقرأ سورة فكرهت أن أقطعها -قيل: سورة الكهف-، فقالوا: خرج منه الدم فلم يقطع صلاته، ولو كان نجساً لقطعها، وكذلك ما جاء في حق المستحاضة: (صلي ولو قطر الدم على الحصير)، لأنها لم تستطع إيقافه.

    لكن لا تقاس حالة الاضطرار على حالة السعة، أترى عمر يترك الصلاة لجرحه، وهو يقول: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة! وكذلك الذي كان يحرس في الجيش، ألا ترى المجاهدين يجرحون ويصابون، بل تكون سيوفهم مليئة بالدماء، ويصلون صلاة الخوف وهم يحملون السلاح، فلا تقاس حالة الاضطرار في القتال على حالة السعة في السلم، والكلام في غير الضرورات، فلا مستند لهم فيما يقولون، والله تعالى أعلم.