إسلام ويب

تفسير سورة الكوثرللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الكوثر من السور القصيرة ذات الدلالات العظيمة، فإنها ذكرت ما أنعم الله به على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرته بأن يقابل ذلك بالشكر للخالق وحده، وإفراده بالصلاة والقربات. وهذه السورة هي مما استدل به الفقهاء على إثبات البسملة آية في أوائل السور.

    1.   

    المراد بالكوثر

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3] هذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما المراد بالكوثر؟

    من العلماء من فسر الكوثر بتفسير خاص، ومنهم من فسره بتفسير عام، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الكوثر نهر أعطانيه ربي عز وجل)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر أعطانيه ربي عز وجل)، وثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الكوثر بحوضه صلى الله عليه وسلم، فلرسول الله حوض (ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً)، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم للكوثر تفسيران:

    التفسير الأول: أن الكوثر هو نهر.

    التفسير الثاني: أن الكوثر هو حوض للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وبالنسبة للأحاديث التي أثبتت الحوض لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحاديث متواترة، جاءت من عدة طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحاديث المتواترة أصح الأحاديث على الإطلاق، فحديث الحوض من الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن العلماء من جمع بين القولين: أن الكوثر هو الحوض، وأن الكوثر هو النهر، وقالوا: هو نهر يصب في الحوض.

    وورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله للنبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لـسعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس : إنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الكوثر هو الحوض) ، قال: الحوض من الخير الكثير الذي أعطاه الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم).

    فـابن عباس يرى التفسير بالأعم، فالخير الكثير يدخل فيه الحوض، والنهر، ويدخل فيه القرآن الذي آتاه الله للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والمقام المحمود والشفاعة العظمى، ويدخل فيه كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وسيد ولد آدم، وكون أمته صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس، وكون أمته شهيدة على سائر الأمم، فكل المناصب التي أعطاها الله للنبي صلى الله عليه وسلم تدخل في الكوثر.

    التفسير بالأعم لا ينافي التفسير بالأخص

    من المفسرين من إذا فسر يفسر بالتفسير الأعم، ومنهم من إذا فسر يفسر بالتفسير الأخص، وهذان مسلكان للمفسرين، مثال ذلك ما ورد في تفسير (الغاسق إذا وقب) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة لما رأى القمر: (يا عائشة ! استعيذي بالله من هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب)، فورد أن الرسول فسر الغاسق إذا وقب بالقمر.

    ومن العلماء مع ورود حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي فيه أنه فسر الغاسق إذا وقب بالقمر، قال: الغاسق إذا وقب هو الليل إذا دخل، وقال: لا تعارض بين تفسير الغاسق إذا وقب بالقمر، وتفسيره بالليل إذا دخل، فالليل إذا دخل يدخل فيه مجيء القمر، لكن دخول الليل فيه أشياء أخرى يستعاذ بالله منها: كانتشار الجن والشياطين، وانتشار الحيات والعقارب، وانتشار اللصوص، وهناك أمور تدبر في الليل كثيرة منها: ما يأتي من الغاسق إذا وقب، ومنها ما يأتي من القمر أو يأتي القمر معها.

    فالشاهد: أن هناك من يفسر بالأعم، وهناك من يفسر بالنص الوارد عن رسول الله.

    ونذكر مثالاً آخر: قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] فسر الرسول صلى الله عليه وسلم التثبيت في الحياة الدنيا وفي الآخرة أنه إجابة المؤمن في قبره إذا سئل: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ديني الإسلام، نبيي محمد صلى الله عليه وسلم.

    ومن العلماء من فسر الآية: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ بتفسير أوسع فقال: هو التثبيت على الإيمان في الدنيا، التثبيت على النطق بالشهادتين في القبر، والتثبيت على الصراط، وعند الأسئلة التي توجه إلى العبد يوم القيامة.

    وقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] الخطاب أو السياق كله جاء في خطاب أزواج النبي؛ لأن الآية مصدرة بـ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28] إلى قوله: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب:34] الآيات كلها في نساء النبي، فقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ فيه تفسير أو بيان أن المراد بآل البيت: الأزواج، فمن العلماء من جنح إلى هذا، وآخرون قالوا: هي أعم من الأزواج؛ لأن النبي لما نزلت الآيات دعا علياً وحسناً وحسيناً وفاطمة ووضع عليهم الكساء وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) الشاهد: أنه أحياناً تكون هناك تفسيرات عامة، وتفسيرات خاصة تدخل تحت التفسيرات العامة، ولا يكون هناك تعارض بين التفسيرين.

    فالتفسير الأعم يكون في الغالب أحوط؛ لأنه تدخل فيه مفاريد التفسيرات.

    إعطاء الله الكوثر لنبيه صلى الله عليه وسلم

    يقول الله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] فالله يمتن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإعطائه الكوثر، فإن قال قائل: أليس المن مذموماً في شرعنا؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر : من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) فثبت بهذا أن المن في شرعنا مذموم، فلم يمتن الله عز وجل على نبيه محمد ويقول له: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ؟!

    الإجابة: إن الله يمتن على من يشاء، إذ الخلق خلقه، والأمر أمره سبحانه وتعالى، وأما بالنسبة للبشر فالمن لا يمنع في كل الأحوال، بل أحياناً إن احتاج الأمر إلى تذكر بعض مناقبك أمام قوم جحدوها وغدروا بك فلا بأس بذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال -وإن كانت المناسبة غير المناسبة- قال للأنصار لما بلغته عنهم المقالة: (ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن، ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن.) الحديث.

    وعثمان أيضاً لما حاصره الثوار وتآمروا على قتله نظر إليهم وقال: (أناشدكم الله، ولا أناشد إلا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أما سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتها؟ قالوا: بلى. قال: أناشدكم الله! ألم تسمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزته؟ قالوا: بلى، قال: فبم تقتلونني؟ والله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت عن ديني حتى أقتل، ولا قتلت نفساً بغير حق، والنبي يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. فبم تقتلونني؟.)

    الشاهد: أنه ذكر بعض المناقب التي فعلها، فليس المن -أو الامتنان- مذموماً في كل الأحوال، فإن كان يراد به دفع باطل فلا بأس به، أما على سبيل التعالي والافتخار على الناس فالله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264] فبينت الآية أن المن والأذى يبطل الصدقات ويذهب ثوابها.

    وجوب شكر النعم

    يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] والشخص إذا أُنعم عليه بنعمة يجب عليه أن يؤدي شكراً موازياً لهذه النعمة، فالله يقول: يا محمد! أعطيناك الكوثر الذي هو نهر في الجنة، أو الحوض والخير الكثير، فلذلك صل لربك وانحر.

    فالعبد إذا أنعم الله عليه بنعمة لزمه شكر يوازي هذه النعمة، ولذلك أمثلة متعددة كقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:10-11]، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12] إلى قوله: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ [سبأ:13]، وقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:1-4] إلى قوله: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].

    وقوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:6-11] ، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:42-43] فهكذا إذا أُنعم عليك بنعم لا بد أن تقابل هذه النعم بشكر يكافئها بالعمل، وباللسان، وبالقلب، كما قال القائل:

    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)

    فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، من العلماء من فسرها تفسيراً عاماً، ومنهم من فسرها تفسيراً أخص، فقال فريق منهم: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي: اجعل صلاتك كلها خالصة لله، ونحرك كله خالصاً لله، لا كما يفعل أهل الشرك إذ يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، ويراءون بصلاتهم، ويشركون في ذبحهم.

    إذا: المعنى الأول: صل لله، واجعل صلاتك خالصة له سبحانه وتعالى لا لأحد سواه، وانحر لربك كما في الآية: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163].

    ومن العلماء من قال: إن المراد صلاة مخصوصة، ونحر مخصوص، وهي: صلاة العيد، ونحر الأضاحي يوم العيد.

    أي: صل صلاة العيد، وبعد أن تصلي صلاة العيد انحر يوم العيد.

    وثم قول غريب وهو: (صل لربك وانحر) أي: اجعل يدك اليمنى على اليسرى عند النحر، وهذا قول ضعيف، لكن يرد عنده بحث: أين توضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؟

    ولم يثبت في الباب أي خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الثابت في أحاديث عدة أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى، وأما موضعهما ففيه نزاع: كحديث سهل بن سعد الساعدي في صحيح البخاري: (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة)، وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليمنى على اليسرى في الصلاة)، لكن أين توضع اليمنى على اليسرى؟ هل تحت السرة؟ أم فوق السرة؟ أم بمحاذاة السرة؟ أم على الصدر؟ أم على النحر؟

    كخبر ثابت عن رسول الله لم يثبت في هذا الباب شيء، بل ورد فيه أثران، الأول: أثر عن طاووس بن كيسان اليماني عند أبي داود وغيره: (أن النبي كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) لكنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف.

    الثاني: زيادة في حديث وائل بن حجر : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليمنى على اليسرى على صدره) زاد (على صدره) وهي زيادة ضعيفة، فهذا أمثل ما ورد في الباب، وليس معنى كونه أمثل ما ورد في الباب أنه صحيح، لكن المعنى أنه أحسن ما ورد في الباب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    من العلماء من قال: إن اليد تسدل سدلاً وتكون بجوارك، ولا توضع اليمنى على اليسرى، واستدلوا بحديث المسيء صلاته وفيه: (كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، ولم يقل له: ضع يدك اليمنى على اليسرى، وأجيب على هذا: بأن صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤخذ من مجموع الأحاديث التي رويت لا من حديث واحد، والله تعالى أعلم.

    وقال الله سبحانه وتعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]:

    النحر يختلف عن الذبح، فالنحر هو الطعن بالسكين في اللبة، فمعنى (انحر) أي: اطعن في اللبة التي هي منتهى اتصال رقبة الناقة بجسمها، هذه اللبة يطعن فيها بضربة قوية باليد، أما الذبح فهو: إمرار السكين على العروق.

    والذبح يكون في البقر، ويجوز فيها النحر، والنحر يكون في الإبل، ويجوز فيها الذبح أيضاً، والغنم الأفضل فيها الذبح، وإن كان النحر جائزاً.

    أما جواز النحر في ثلاثتها فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، عدا السن والظفر أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) سكاكين الأحباش.

    وأما جواز النحر في البقر فلحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأن بقراً تنحر، فأولتها على أنهم أصحابي الذين قتلوا يوم أحد) الشاهد من قوله: ( رأيت بقراً تنحر ).

    أما استحباب ذبح البقر فلقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] فهنا النص في البقر على الذبح.

    إذاً: في قوله: (فصل لربك وانحر) أربعة أقوال:

    أحدها: صل عموم الصلوات واجعلها خالصة لله، واجعل نحرك كله خالصاً لله.

    الثاني: صل صلاة العيد، وانحر الأضاحي.

    الثالث: صل الفجر وبعد الفجر انحر.

    الرابع: صل لربك وضع يدك اليمنى عند النحر على اليسرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر)

    إِنَّ شَانِئَكَ [الكوثر:3] أي: مبغضك، والشانئ هو المبغض، والشنآن هو البغض: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8].

    فالشانئ هو المبغض، أي: إن مبغضك يا محمد وكارهك هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3] وذلك أنهم كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: اتركوه فهو رجل أبتر، أي: منقطع الذكر ليس له ولد يحمل اسمه بعد موته، فإذا مات انقطع ذكره، فليس له إلا بنات والبنت ذريتها لا تكون باسمها، فيقول الكفار لبعضهم: اصبروا عليه فإنه إذا مات انقطع ذكره، فكان قائلهم يقول هذه المقالة فقال الله تعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3] رداً على الذي يصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر.

    والأبتر هو المنقطع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبل) (والأبتر): الحية التي هي قصيرة الذيل، فهي تلتمس البصر: يعني: تنفخ سمها في العين فتصاب بالعمى، إذا رأت الرجل من بعيد نفخت سمها في عينيه فأصيب بالعمى، فالرسول أمر بقتلها وقتل ذا الطفيتين الذي على رأسه نقطتان من الحيات؛ لأنها نقاط ممتلئة سماً.

    فالشاهد: أن الأبتر هو المقطوع.

    وكذلك يقولون: الخطبة البتراء، وهي: الخطبة المقطوعة التي ليس فيها حمد ولا شهادة.

    والأبتر: منقطع الذكر.

    فالله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّ شَانِئَكَ أي: مبغضك هُوَ الأَبْتَرُ يا محمد.

    1.   

    البسملة في سورة الكوثر

    وسورة الكوثر لما نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم خرج النبي على أصحابه يتلوها ويقول: (نزلت علي آنفاً سورة هي أحب إلي من كذا وكذا، وقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] الآيات.).

    فلما قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) أخذ فريق من العلماء منها أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة؛ لأن الرسول قرأ بين يديها بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: البسملة آية من سورة الكوثر ومن غير سورة الكوثر، وهذا محل خلاف طويل، خاصة فيما يتعلق بالفاتحة، فمن العلماء من قال: البسملة آية منها لحديث الكوثر، ولقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87] ولا تكون الفاتحة سبعاً إلا باعتبار البسملة آية على رأي الجمهور.

    ومن العلماء من قال: ليست بآية، لقوله تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل: إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي...) الحديث. ولم تذكر البسملة، ولما نزل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق:1-2] لم يقل: (بسم الله الرحمن الرحيم) (اقرأ باسم ربك الذي خلق). والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3001747349

    عدد مرات الحفظ

    718429345