إسلام ويب

تفسير سورة التكويرللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أراد أن يعلم بالحوادث التي تكون يوم القيامة فليقرأ سورة التكوير، ففي بداية هذه السورة ذكر للأهوال العظيمة التي تصيب المخلوقات في ذلك اليوم العظيم، وفي ختامها إثبات لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف جبريل عليه السلام بالقوة والأمانة، ووصف القرآن بأنه ذكر لمن شاء الهداية والاستقامة، ومشيئة العباد تحت مشيئة الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا الشمس كورت...)

    باسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    يقول الله سبحانه وتعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] ، المعنى: تذكر يا محمد! واذكر هذا اليوم الذي فيه تكور الشمس، ومعنى (كُوِّرَتْ) لُفَّ بعضها على بعض، ومنه قولهم: كورت العمامة، أي: لفت العمامة، ومن العلماء من قال: كُوِّرَتْ : رُمي بها، ومنهم من قال: (كُوِّرَتْ) أي: ذهب ضوءها.

    والحقيقة أن هذه المعاني كلها يرجع بعضها إلى بعض، فإنها إذا كُوِّرَت ولُفَّت ذهب ضوءها، ثم يُرمى بها بعد ذلك.

    فمن العلماء من فسر كُوِّرَتْ ) بالحادث الأول من أحوالها يوم القيامة وهو: اللف، ومنهم من فسره بالحادث الثاني، وهو: ذهاب الضوء، ومنهم من فسره بالحادث الثالث وهو: الرمي بها، لكن المعنى متآلف متناسق، فمعنى قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أي: لُفَّ بعضها على بعض، فإذا لُفَّ بعضها على بعض فقد ذهب الضوء، ثم بعد ذلك رمي بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في البخاري -: (الشمس والقمر مكوَّران يوم القيامة) ، وفي رواية غير البخاري زيادة (ثوران) في هذا الحديث، هكذا: (الشمس والقمر ثوران -مثنى الثور- مكوران في النار يوم القيامة).

    فإن قال قائل: لماذا تكون الشمس والقمر ثورين مكورين في النار يوم القيامة على ثبوت هذه اللفظة؟

    فالإجابة: حتى يُعَذَّب بهما أتباعهما وعُبَّادهما، ففي الصحيحين: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينادي منادٍ يوم القيامة: لتَتْبع كلُّ أمة ما كانت تعبد، فيَتْبع أهلُ الصليب الصليبَ، ويَتْبع أهلُ الأوثان الأوثانَ، ويَتْبع كلُّ قوم آلهتَهم التي كانوا يعبدونها) ، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينادي منادٍ يوم القيامة: لتَتْبع كلُّ أمة ما كانت تعبد، فيَتْبع مَن كان يعبد الشمس الشمسَ، ويَتْبع مَن كان يعبد القمر القمرَ، ويَتْبع مَن كان يعبد الطواغيت الطواغيتَ)، إذاً: فتكون الشمس في النار حتى يُعَذَّب بها عُبَّادها كما قال سبحانه في الآية الأخرى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:22-23]، وكما قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]، هذا قول.

    وورد عن أبي بن كعب رضي الله عنه بإسناد موقوف عليه، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس! أي: اختفى ضوء الشمس فجأة- فبينما هم على ذلك إذ تناثرت النجوم! فبينما هم على ذلك إذ سقطت الجبال، وفزعت الجن إلى الإنس، وفزعت الإنس إلى الجن! وبينما هم على ذلك إذ خرجت الوحوش! وقالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر، فذهبت الجن تلتمس الأخبار من البحر، فإذا البحر قد أُجِّج ناراً! -أي: اشتعل البحر ناراً- فبَيْنا هم على ذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السفلى ... ) والأثر طويل، وهو موقوف على أبي بن كعب رضي الله عنه، وإسناده إليه حسن.

    وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير:2] أي: تساقطت، وقال فريق: تناثرت، وقال فريق: الانكدار: من الكدرة، أي: كدرة غطت على ضوئها حتى ذهب ضوءُها.

    وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:3] أي: أزيحت عن أماكنها.

    وهذه كلها أحوال الساعة، الشمس يذهب ضوءُها ويُرمى بها، والنجوم تتساقط على الأرض، فقول بعض الفلكيين: كوكب كذا يريد أن يسقط على الأرض، فهذا من الخزعبلات، وإذا نزل الكوكب على الأرض فإن الأرض تكون قد انتهت، وقامت الساعة؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر:41]، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج:65].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا العشار عطلت...)

    وَإِذَا الْعِشَارُ [التكوير:4]: العشار هي: النوق الحوامل في شهرها العاشر، وقد كانت العرب تحتفي بها وتهتم بها، وهذه الإبل من أنفس أموال العرب، ولذلك يضرب بها المثل كثيراً كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَأَن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعم)، وقوله: (لَأَن يجلس أحدكم في المسجد يقرأ آية، خير له من ناقة)؛ فالإبل أو النوق كانت من أنفس الأموال عند العرب، فيُمَثَّل بها، يقول سبحانه: وَإِذَا الْعِشَارُ : الإبل الحوامل، عُطِّلَتْ يعني: أهملها أهلها، فلم يلتفتوا لها؛ وذلك لانشغالهم بما هو أدهى وما هو أمر، فانشغلوا بأحوال الساعة عن أنفس الأموال وأحب الأموال إليهم وهي العشار من الإبل.

    وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]: (حشرت): للعلماء فيها قولان مشهوران:

    القول الأول: أن (حُشرت) معناها: جُمعت، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي: جُمعت الوحوش، فالحشر هو الجمع، ومنه أطلق على يوم القيامة: يوم الحشر.

    القول الثاني: أن (حُشرت) معناها: ماتت.

    والقول الأول تشهد له الأدلة، والقائلون بالقول الثاني قالوا: إن الوحوش لا حساب عليها، وإنما تموت ولا يبقى لها أثر، والدليل على صحة القول الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) أي: الشاة التي ليس لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون!!

    وقال سبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38] أي: يُجمعون، وهذا هو القول المختار في (حُشرت) أي: جُمعت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا البحار سجرت...)

    وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:6]: للعلماء في تسجير البحار أقوال:

    القول الأول: ما تقدم عن أبي : أن سُجِّرَتْ : اشتعلت ناراً، فالبحار التي أمامكم تتحوَّل إلى نار، وقد ورد أثر عن علي أنه سأل يهودياً: (أين النار؟ فأشار إلى البحر وقال: هذا، فقال علي رضي الله عنه: ما أراه إلا صادقاً؛ لأن الله يقول: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور:6])، أي: الملتهب، ومنه ما في قصة كعب بن مالك لما أتته رسالة من أحد ملوك غسان قبل توبة الله عنه، قال: (فسجرتُها في التنور)، سجرتُها أي: حرقتها في التنور، وألقيت بها كي تحترق في التنور، ومن العلماء من قال: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ باعتبار ما سيئول إليه أمر البحر، إذ هو الآن المصدر للماء، وبعد ذلك سيكون مصدراً للنيران، فيكون ناراً، وقد ورد في الباب أثر: (إن تحت البحر ناراً تتأجج) لكن يُنظر فيه.

    القول الثاني: (سُجرت) أي: اختلط عذبها بمالحها، فالبحار الآن بينها وبين الماء العذب برزخ كما قال سبحانه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [الرحمن:19-20]، فمن أشراط الساعة على هذا القول أن يختلط العذب بالمالح.

    القول الثالث: (سُجرت) بمعنى: فُجرت، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:3].

    القول الرابع: بمعنى: فاضت.

    وكل الأقوال السابقة محتمَلة.

    وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير:7]: تزويج النفوس معناه: اقتران النفوس، فكل نفس تقرن بأشكالها، يقرن أهل الكفر بعضهم ببعض على حسب طوائفهم، وقد ذكرنا أنه يتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، ويتبع من كان يعبد الصليب الصليب، ويتبع من كان يعبد وثناً الوثن الذي كان يعبده، فقوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي: قرنت بأشكالها وأمثالها وأضرابها، كما قال سبحانه عن فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98]، فكل طائفة تقرن بأشكالها، وهذا هو المراد بالتزويج، ومن العلماء من قال: زوجت كل نفس بقرينها وشيطانها كما قال سبحانه: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً [الفرقان:13]، من العلماء من قال: مُقَرَّنِينَ أي: كل شيطان مع قرينه من الإنس الذي كان في الدنيا قرينه، وهذا قولٌ ثانٍ، والله أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا الموءودة سئلت)

    وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [التكوير:8]: الموءودة هي: المدفونة حيةً في الصغر، وكان أهل الجاهلية يئدون البنات خشية العار على زعمهم، ويقولون: إنه لا نفع في البنت -عياذاً بالله من ذلك- روى البخاري في الأدب المفرد ما حاصله: أن رجلاً جاء إلى ابن عباس وقال: يا ابن عباس ! إني أذنبت ذنباً عظيماً وجئت أستفتيك، قال: ما هو؟

    قال: كانت لي امرأة فولدت لي جاريةً حسناء جميلة، فأردت أن أئدها عند مولدها، ثم تركتها حتى شبت شباباً حسناً، وهي جميلة فقلت لأمها ذات يوم: ألبسيها ثوباً جميلاً، فألبستها ثوباً جميلاً؛ لكنها رأت في وجهي الشر، فاستحلفتني ألَّا أفعل بها شيئاً مكروهاً، فوعدتها خيراً ثم أخذتها وانصرفت، فلما انصرفت وابتعدت عن عين أمها جئت إلى شفير بئر لأقذفها في البئر، فقالت: يا أبي! -وتعلقت بثيابي- ماذا تريد أن تفعل بي؟

    فأخذتني الشفقة فتركتها، ثم تذكرت العار، فقمت لأقذفها، فتعلقت بي ثانيةً وقالت: يا أبتِ! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فتركتها، ثم تحاملت على نفسي وقذفتها في البئر وأتبعتها الحجارة، فهل لي من توبة؟! إلخ الأثر، فكان أهل الجاهلية يئدون البنات، كما قال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58] أي: ممتلئاً غماً وحزناً وهماً يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:59]، وكان أحدهم يعتزل امرأته الشهور إذا ولدت بنتاً، حتى قالت امرأة شعراً:

    ما لـأبي حمزة لا يأتينا؟!

    حزينَ ألَّا نلد البنينا!

    وهل لنا من أمرنا ما شينا؟!

    إنما نحن وعاء لما أُعطينا

    فكان دأبهم هجران المرأة إذا ولدت بنتاً، وللأسف هذا موجود في أوساط المسلمين الآن، حتى بين بعض الملتحين، والله يقول: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً [النساء:11]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عال جاريتين حتى تبلغا، كنت أنا وهو كهاتين، وفرَّج النبي صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه)، وأتت امرأة إلى عائشة ومعها ابنتان لها تسألها الصدقة، فلم تجد عائشة إلا تمرة، فأعطتها إياها، فقسمت المرأة التمرة بين ابنتيها، فأخبرت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: (إن الله قد أوجب لها بذلك الجنة!).

    فإن قال قائل: إذا كانوا يئدون البنات فمن أين كانوا يتزوجون؟

    فالإجابة: منهم من كان لا يئد البنات، وكان في قلبه بعض الرحمة، كـزيد بن عمرو بن نفيل وقد كان مسلماً، وبذلك افتخر الفرزدق على جرير فقال:

    وجدي الذي أحيا الويئدة ومنع الوئيد فلم يوأد

    فكان يذهب إلى الرجل الذي ولدت امرأته بنتاً فيقول له: أعطني البنت، فيأخذها ويربيها، فإذا كبرت جاء بها إلى أبيها وقال: إن شئت أن تأخذ ابنتك أخذتَها، وإن شئت أن تزوجها زوجتَها، فمثل هذا يُفتخر به.

    كلنا يعلم أن فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من ملء الأرض من مثل ابن نوح، وهي أنثى وهو ذكر، لكنه من الكافرين، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وكم من ذكر أرهق أبويه طغياناً وكفراً!

    ولماذا تُسأل الموءودة؟

    الموءودة تُسأل لتبكيت والدها، فتُسأل الموءودة: لماذا وُئدتِ يا موءودة؟! وليس المراد توجيه السؤال إلى الموءودة بالدرجة الأولى؛ ولكنها تُسأل لتبكيت من وأدها، فيتوجه اللوم والتعيير إليه، ومن ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116] وليس المراد بهذا السؤال عيسى بالدرجة الأولى، فالله يعلم أنه ما قال ذلك، قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116]، ومن ذلك قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:40-41]، ومن ذلك قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ [الفرقان:17-18] -غمرتهم بالنعم حتى كفروا- حتى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً [الفرقان:18] فيرجع الخطاب إلى الكفار: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ [الفرقان:19] يا أيها الكفرة! هذه آلهتكم التي عبدتموها كذبتكم فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً [الفرقان:19] -أي: صرف العذاب- وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً [الفرقان:19].

    فالموءودة تُسأل لتبكيت القاتل، ومن العلماء من قرأها: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَألَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] قراءة شاذة، وتفسيره مبني على هذه القراءة؛ لكنه وجه ضعيف، ويشهد له حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (يأتي المقتول يوم القيامة، وهو يحمل رأسه آخذاً بتلابيب قاتله فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا الصحف نشرت...)

    وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير:10]: تطايرت الصحف، والمراد بالصحف: صحف الأعمال، (نُشِرَتْ أي: فُتحت، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً [الإسراء:13] أي: مفتوحاً، فصحيفة عملك -يا ابن آدم- مطوية الآن، تعمل العمل ولا يراك إلا الله، الصحف المطوية المستورة على ما فيها تتطاير يوم القيامة وتُفتح كما في حديث: (سيبعث الله رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة ثم ينشر له تسعةً وتسعين سجلاً)، فـنُشِرَتْ أي: فُتحت، والمراد بـالصُّحُفُ : صحف الأعمال، ونُشِرَتْ أي: فُتحت.

    وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:11]: من الكشط أي: المحو والإزالة، السماء تُزال وتُكشط، ومن العلماء من قال: جُذبت وأزيلت عن مكانها، كما قال تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:16-17] وقد أسلفنا أن الملائكة التي عليها تنزل وتقف على قطعها، فإن الأرجاء هي: القطع المتساقطة من السماء، وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17].

    وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير:12]: أُوقد عليها حتى اشتعلت والتهبت.

    وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير:13] أي: قُربت الجنة وأدنيت، ومنه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، ومنه قولك: فلان يتزلف إلى فلان، أي: يحاول أن يفعل الشيء الذي يتقرب به إليه.

    عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14]: كل نفس تعلم الأعمال التي اكتسبتها واقترفتها في دنياها، كما قال سبحانه: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس...)

    ثم قال الله سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [التكوير:15]: الخنس هي: النجوم التي تخنس، ومنه قول أبي هريرة : (لقيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جنب فانخنست منه) أي: اختفيت منه، وتجنبته... الحديث.

    فأطلق على النجوم: (الخنس) لأنها تخنس، تختفي أو ترجع إلى أماكنها.

    الْجَوَارِ [التكوير:16] هي: التي تجري.

    الْكُنَّسِ [التكوير:16] أي: التي تغيب وتستتر في بيوتها.

    وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [التكوير:17]: من العلماء من قال: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ أي: أدبر وذهب، وهذا القائل وضع الآيتين مقابل آيتين أخريين من سورة المدثر: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ [المدثر:33-34]، فهنا: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير:17-18].

    فـأَسْفَرَ بمعنى: تنفس، إذاً: أَدْبَرَ بمعنى: عَسْعَسَ .

    وهذا القول قول قوي، ومن العلماء من قال: عَسْعَسَ معناها: دخل وأقبل، واستدل أن الله أقسم بذلك فقال: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2] فأقسم بالنهار، وأقسم بالليل إذا غطى وأظلم، فهي محتملة للمعنيين.

    وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير:18]: فكلها آيات دالة على قدرة الله سبحانه وتعالى، وإذا حاججت ملحداً فلياحجج بمثل هذه الأدلة، كما حاجج إبراهيمُ الجبار فقال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [البقرة:258] إن كنت تزعم أنك إله فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم...)

    إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [التكوير:19]: من هو هذا الرسول الكريم؟

    جماهير المفسرين على أن المراد به: جبريل صلى الله عليه وسلم، وسياق الآيات يدل على ذلك، ذِي قُوَّةٍ [التكوير:20]: أي: جبريل قوي، عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:20]: له مكانة عند الله سبحانه وتعالى.

    فجبريل ذو قوة، قال الله سبحانه وتعالى: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:6]، فالمرة هي: القوة، كما في حديث: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)، فهو ذو قوة وذو مرة، وجبريل صلى الله عليه وسلم له ستمائة جناح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت جبريل على صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح)، وتقدمت نماذج من قوة جبريل صلى الله عليه وسلم.

    ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ : أي: له مكانة عند الله سبحانه وتعالى، والله يقول: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:19-20] يعني: له مكانة عند الله، والدليل على أن لجبريل مكانةً عند الله سبحانه وتعالى: قوله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:97-98] ثم نص على جبريل وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:98].

    ومن الأدلة على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيحين-: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريلَ: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريلُ: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه) وهذا يدل على مكانة جبريل صلى الله عليه وسلم عند الله عزَّ وجلَّ.

    ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ قال الله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، فـمَكِينٍ أي: ذو مكانة.

    مُطَاعٍ : في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة.

    مُطَاعٍ ثَمَّ أي: مطاع هناك. ثَمَّ أي: هناك.

    ( مُطَاعٍ ثَمَّ ) أي: جبريل -عليه الصلاة والسلام- مطاع في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة، كما في الحديث أنه يقول: (إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فتحبه الملائكة).

    أَمِينٍ [التكوير:21]: أمين على الوحي، لا كما يقول الشيعة السفلة القذَرة: إن جبريل خان ونزل بالرسالة على محمد عليه الصلاة والسلام، وكان اللائق أن تنزل على علي ، ويضربون خدودهم ويشقون جيوبهم قائلين: خان الأمين، خان الأمين، وإنه لعجبٌ أن يوصف الأمين بأنه خائن! كيف يلتئم هذا؟! فرب العزة يقول: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195]، فمن خزعبلات الشيعة هذه المقولات الكاذبة التي لا تروج إلا على سفيه مثلهم.

    واعلموا أن الشيعة يمارسون أعمالهم في أوساط ضالة، مثل جماعة التكفير والهجرة التي لا تقر بتراث السلف وتقول: الصحابة رجال ونحن رجال، فيعبثون بهم كما شاءوا، أو يبثون أفكارهم في اليساريين الذين يطعنون في الكتاب والسنة أصلاً، إذ هم أهل شك وزندقة مثلهم، وهذا الصنف الثاني يسمونهم الثوريين، والشيعة تحمل شعار الثورة، أو في الأوساط المتصوفة.

    وهذه خطط أعمالهم، فيعملون في ثلاثة أوساط:

    الوسط الصوفي، تحت ستار محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الوسط البدعي الذي لا يقر بالتراث ولا يقر بـالبخاري ولا بـمسلم ، ويقول: نحن رجال والصحابة رجال، وينزل نفسه منزلة الصحابة، وهم أوساط التكفير والهجرة.

    الوسط اليساري الشيوعي الذي تتبناه جريدة: روز اليوسف، ونحوها، فمثل هذه الأوساط يعبث فيها الشيعة.

    قال سبحانه وتعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين [التكوير:20-21] وأمين على الوحي، كما قال الله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195] وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا [النحل:102] فالقرآن محفوظ، نزل به أمين -وهو جبريل- على أمين وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو لا يشبه الباطل، ولا يستطيع الشيطان المساس به، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ [فصلت:41-42] أي: الشيطان على قول، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون...)

    ثم جاء الكلام على صاحبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22]: يا قرشيون! يا من اتهمتم نبيكم أنه مجنون! وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ بل قد نزل بالوحي أمين على نبي عاقل بل هو أعقل الخلق عليه الصلاة والسلام، وَمَا صَاحِبُكُمْ انتقل الخطاب إلى المشركين، وصاحبهم هو: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ كما ادعيتم.

    وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:23] من رأى مَن؟

    النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه الصلاة والسلام.

    وما معنى (الأفق)؟ وما معنى (المبين)؟

    (الأفق) هو: الاتجاه المستعرض المرتفع نحو مشرق الشمس.

    و(المبين) هو: المظهِر والموضح للأشياء، فالمكان المرتفع المستعرض اتجاه شروق الشمس هو: الأفق، فـ(الأفق المبين) أي: الأفق المظهِر والموضِّح للأشياء.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح، ورآه بالأفق في وقت تبين فيه الأشياء وتتضح فيه الأشياء؛ لأن هذا شأن أهل الخير، لا يأتيهم الخير في الظلام كأهل الشر والشياطين، نحو ما أورده بعض العلماء عن مسيلمة أنه سئل: كيف يأتيك الوحي -وهو وحي الشياطين-؟

    قال: في ليلة ظلماء شديدة الظلمة؛ لأن الشياطين في الظلام تنتشر وتمارس كل ما تخفيه من تلبيس، ولهذا يستعيذ أهل الإسلام من شر الغاسق إذا وقب وهو: الليل إذا دخل أو القمر إذا دخل، والقمر من علامات دخول الليل؛ لأنه في الليل تبدأ الشياطين بأعمالها، ويبدأ شياطين الإنس وشياطين الجن في الانتشار ليلاً؛ ولذلك نادراً أن تجد أهل الشر والفساد يرتكبون حادثةً في الضحى؛ إنما الجرائم والسطو واللصوصية والاغتيالات والقتل أغلبه يكون في الليل، ففي الضحى الشياطين تكاد تبتعد؛ لأن عملها في الظلام، ورب العزة قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] والفلق المراد به: الصبح، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:2-3] لأن وقت الغاسق إذا وقب تبدأ الشياطين بالانتشار كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ)، ومن ثَمَّ لما قال فرعون لموسى: فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوىً * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً [طه:58-59] لأنه ستكون الأمور فيه واضحةً، ليس فيها تلبيسات ولا فيها شعوذة ولا فيها سحر ولا أي شيء، ولذلك أي ساحر وأي دجال يبدأ نشاطه في الليل، فتذهب -مثلاً- إلى المشعوذين الذين في كفر الأمير عبد الله بن سلام وهو مكان مظلم، ويأتون ببعض الخيالات والأوهام ليخدعوك بها، فيقول لك: انظر! فرس سيدنا علي يجري، وسيدنا علي راكب عليه! ويخدعون الناس السذج والعياذ بالله.

    فرب العزة يقول: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ أي: رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه الصلاة والسلام بالأفق المظهِر للأشياء الموضِّح لها، فهو رأى رؤيا لا التباس فيها، ولا شك فيها، ولا يمكن لأحد أن يتشكل بصورته أو يقول: لعلك كنت في خيال، أو رأيت عفريتاً، أو كذا وكذا، لا أبداً، إنما رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ، رآه رؤية واضحة صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين...)

    وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:24]:

    كثير من المفسرين قالوا: إنه محمد عليه الصلاة والسلام.

    وما هو (الغيب)؟

    قالوا: الغيب كل ما غاب عنا مما أمرنا أن نؤمن به، كالإيمان بالملائكة، والجنة والنار، وكل ما غاب عنا يدخل في عداد الغيب.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . ويُستنبط من هذه الآية فائدة للدعاة إلى الله، فنبينا محمد ما هو عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) ومن العلماء من قال: (الضنين): البخيل، يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببخيل في تبليغه العلم الذي أرسله الله سبحانه وتعالى به، وأنت -مثلاً- كداعي أمة يمكن أن تكون لك معلومة لا تريد أن تظهرها؛ لأنك إذا أظهرتها ستتساوى مع الناس في العلم بها، ولا يكون لك فضل عليهم، فتحب أن تسرها في نفسك ولا تتكلم بها إلا عند موقف تظهر فيه -عياذاً بالله- علمك لتري الناس أنك أفضلهم، أما الرسول فليس هكذا أبداً، فما هو على الغيب ببخيل، بل يخبر بكل ما جاءه عن الله سبحانه وتعالى، فجدير بكل حامل علم ألَّا يبخل بعلمه، ولا يضن بالعلم، فكما أنك تريد أن تصل إلى الجنة، فافتح لهم أبواب الخير التي توصلهم إلى الجنة.

    فإذا سئلت: ما هو وجه الاستفادة الدعوية من قوله تعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ؟

    تقول: إنه ينبغي على الداعي إلى الله ألَّا يكون بخيلاً في تعليم الناس دينهم، وتعليم الناس ما ينفعهم، فنبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان بهذه المثابة، ليس بضنين على الغيب.

    والقول الآخر في قوله: بِضَنِينٍ أي: بمتهم، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمتهم بتزوير أو تحريف ما ينقله عن الله سبحانه وتعالى.

    القول الأول وجهه من قولك: ضن فلان بالشيء، أي: بخل به، وضن فلان أن يعطيني كذا أي: بخل أن يعطيني كذا وكذا.

    وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [التكوير:25]: تنقُّل من ضمير إلى ضمير إلى ضمير، فالله سبحانه وتعالى ذكر جبريل بقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ثم قال: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ، ثم قال: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ انتقل الخطاب إلى القرآن، وهذه الانتقالات من العلماء من يسميها التلوين في الخطاب، أي: التغيير فيه، وهي تجذب نظر القارئ ونظر المتعلم ونظر المتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى.

    قال الله جل ذكره: وَمَا هُوَ أي: وما القرآن، بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ .

    فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير:26]: فكر يا مغفل! أنت يا جاهل! أين ذهب عقلك؟!

    فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ : بعقولكم؟! بعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان:5]، وبعضهم يقول: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان:4]، وبعضهم يقول: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً [الإسراء:47].

    عقولهم ناشفة!! انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً [الإسراء:48].

    فرب العزة يقول: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ : أي: أين تذهب بكم عقولكم عن هذا الكتاب؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين...)

    إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [التكوير:27] أي: ما هذا القرآن إلا ذكر للعالمين.

    لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28]: لمن شاء أن يلتمس طريق الهداية.

    ثم تُختم السورة بقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]: وهذا الختام ختام قاسٍ ولاذع على القدرية الذين يقولون: لا قدر، والشخص يختار لنفسه طريق الهداية إن شاء أو الغواية إن شاء، وهذا قول مردود، فإن الله قال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13]، وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس:100]، وقال أهل الإيمان: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، وقال سبحانه: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]، وفي كل صلاة نصليها نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:5]، فرب العزة يقول: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية إزالة النجاسة من الثوب إذا لم يمكن تحديد موضعها

    السؤال: قد يتعرض الفراش الذي أنام عليه إلى بعض آثار الاحتلام ولا أستطيع أن أحدد مكان النجاسة، وكذلك ملبسي الداخلي ببعض آثار المذي ولا أستطيع تحديد مكان النجاسة، فكيف يكون التطهر؟

    الجواب: إذا كان المَنِي يابساً فافركه، افرك المكان؛ لأنه يُرى، وإذا تأكدت أن هناك منياً لكن لا تستطيع تحديد مكانه فاغسله، والغالب أنه يُحدد لأنه يُرى أثره، لكن خذ بالاحتياط -وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]- فاغسله، والمَنِي عند عدد من أهل العلم طاهر؛ لقول عائشة : (كنت أفرك المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم)، والله أعلم، أما المذي فيجب أن يُغسل؛ لأن المذي نجس، والله سبحانه أعلم.

    هل بول النبي نجس؟

    السؤال: سمعت أحد الناس يقول: إن الدم نجس إلا دم الرسول صلى الله عليه وسلم وبوله وغائطه، وقال: وقد شربت امرأة بول الرسول صلى الله عليه وسلم! فما رأيكم؟

    الجواب: نعم، شربت امرأة بول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لكنها -على ما يظهر من سياق القصة- ما تعمدت شرب البول، وإنما وجدت تحت السرير إناءً كان يبول فيه الرسول، فشربت منه ظناً أنه ماء، وهذه المرأة هي: أم أيمن رضي الله عنها، لكن هل بول الرسول غير نجس؟

    لا، بل بوله نجس، وكون امرأة شربت بول الرسول لا يدل على طهارة بول الرسول، فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110]، فالرسول بشر كسائر البشر إلا ما استُثني بالدليل، مثلاً: (تنام عيناي، ولا ينام قلبي)، وقوله: (إني لست كهيئتكم، إني أواصل فيطعمني ربي ويسقيني)، فهو بشر إلَّا ما استثني بالدليل، فنصير مع الدليل، أما الباقي فالرسول بشر صلوات الله وسلامه عليه.

    وصية حامل مفاتيح المسجد النبوي

    السؤال: هذه الوصية التي من المدينة المنورة، من الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم الرسول! هل هي صحيحة؟

    الجواب: كل سنة تطلع هذه الورقة! ويقول لك: لابد أن توزعها، والذي لا يوزعها بيته سيُخرب أو يصاب ببلية، نحن نقطعها أمام الأشهاد، والله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3].

    تلقين الخطيب للمستمعين التوبة

    السؤال: هل يجوز أن يقول الإمام في خطبة الجمعة: قولوا جميعاً: تبنا إلى الله، وعزمنا على ألَّا نعود إلى ارتكاب المعاصي والذنوب أبداً، وندمنا على ما فعلنا؟

    الجواب: هذه اللهجة يكررها الناس في خطب الجُمع، وللأسف أن بعض الذين يقولونها أصحاب لحىً، فيظن الناس أن هذه سنة، وهي بعيدة عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم أن الرسول قالها قط، على الإطلاق، وديننا دين الإسلام فيه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

    تفشى في أذهان بعض الناس أنه إذا أذنب أحد ذنباً يقول: أذهب إلى الشيخ يتوِّبني!! من الذي قال لك: الشيخ يتوِّبك؟! باب التوبة مفتوح بينك وبين الله سبحانه وتعالى، هذه الخرافات اتركها وراء ظهرك، واعلم أن ربك قريب سبحانه وتعالى كما قال عن نفسه ذلك، أما صيغ التتويب الجماعي: تبنا إلى الله .. تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا .. وندمنا على ما فعلنا، وبرئنا .. وبرئنا، كل هذه من البدع، الله يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، ومعنى: الْمُعْتَدِينَ هنا هم المعتدون في الدعاء. والاعتداء له صور:

    فقد يكون الاعتداء بالتحليل والتحريم: قال الله سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87]، والمعتدون هنا هم المعتدون في التحليل والتحريم، فهناك:

    معتدون في التحليل والتحريم.

    ومعتدون في الدعاء، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، هم المعتدون في الدعاء.

    هل قنوت الفجر من الاعتداء في الدعاء؟

    السؤال: هل قنوت الفجر من الاعتداء في الدعاء؟

    الجواب: لا، وردت في ذلك نصوص مرفوعة، فالمسألة محل اجتهادات فقهية، فقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر، فمن الصحابة من رأى مشروعية الاستمرار عليه، ومنهم من رأى أن الشخص لا يستمر عليه، فهي مسألة اجتهادية، ولا يدخل ذلك في الاعتداء في الدعاء.

    حكم قنوت الفجر

    السؤال: ما قولكم في القنوت في الفجر؟

    الجواب: نحن فصلنا القول فيه مراراً، فإن العلماء لهم فيه ثلاثة أقوال، ومن النصائح لطالب العلم: احرص على أن تكون مستمعاً أكثر منك متكلماً، إذا كان المتكلم يعرف أكثر منك قليلاً، فالعلماء لهم ثلاثة أقوال أو أربعة أقوال في هذه المسألة:

    قولٌ بأن القنوت في صلاة الفجر مستحب، وهو قول الإمام الشافعي وأصحابه.

    وبعضهم أوصله إلى الوجوب؛ لحديث البراء : (كان النبي يقنت في الفجر).

    وبعضهم قال: لا يجوز، والله أعلم.

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.