إسلام ويب

تفسير سورة المعارجللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تصف سورة المعارج حال الإنسان في عرصات القيامة، فذكرت أن المجرم يفتدي من عذاب الله بأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ولكن أنى له ذلك، فالعذاب في حقه واقع، ليس له من الله دافع، أما المتقون فهم في أمن من الفزع الأكبر، وذلك لأنهم كانوا في الدنيا يحافظون على الصلاة ويؤدون الزكاة، ويحفظون فروجهم من الحرام، ويؤدون الأمانات، ويقومون بالشهادات، ويخافون من عذاب ربهم، فجزاؤهم أنهم في جنات مكرمون، جزاءً بما كانوا يعملون.

    1.   

    وقوع العذاب على الكافرين

    قال تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:1] من هو السائل الذي سأل؟

    صح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إن السائل هو الحارث بن النضر ).

    ومن العلماء من قال: إن السائل هو أبو جهل .

    وللعلماء ثلاثة أقوال في تفسير قوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:1]:

    فمن العلماء من قال: سأل متى هذا العذاب؟ أي: سأل عن وقت هذا العذاب؟ وقوله: (بِعَذَابٍ) قيل: إن الباء بمعنى: عن، كما قال الشاعر:

    إن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب

    فقوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ [المعارج:1] أي: سأل سائل عن عذاب، وكما قال تعالى: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان:59] أي: اسأل عنه خبيراً.

    فمن أهل العلم من قال: إن المعنى سَأَلَ سَائِلٌ مستعجلاً هذا العذاب، كما قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47].

    فهذا هو الوجه الأول: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ [المعارج:1] أي: سأل سائل عن العذاب متى هو؟ على سبيل الاستنكار.

    والوجه الثاني: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ [المعارج:1] أي: دعا داعٍ بنزول العذاب، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، والسؤال أحياناً يطلق على الدعاء.

    من السيلان، سائل: وهو صديد أهل النار، وهذا يوم القيامة، لكن هذا القول استضعفه أكثر المفسرين، وهو منقول عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، الذي يقال فيه في أكثر الأحيان: قال ابن زيد كذا، وهو مفسر مشهور غاية في الشهرة، فإذا فسر آية فتفسيره له وجه، لكنه عند المحدثين ضعيف في الحديث، وهو الذي يذكره العلماء دائماً إذا ذكروا الضعفاء في الحديث قالوا: اذهب إلى عبد الرحمن يحدثك عن سفينة نوح؛ لأنه روى حديثاً في شأن سفينة نوح أنها طافت بالبيت سبعاً، وصلت خلف المقام ركعتين، وهذا من الأحاديث المكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    الشاهد أن الوجه الأخير منبوذ وضعيف في هذا الباب.

    فالوجهان المشهوران في قوله: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:1]:

    الوجه الأول: (سَأَلَ سَائِلٌ) مستعجلاً هذا العذاب، كما قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47].

    والوجه الثاني: (سَأَلَ سَائِلٌ) أي: دعا داعٍ بالعذاب، كما قال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16]، وكما قال: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32].

    فقوله: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ [المعارج:1] أي: عن العذاب، أو دعا داعٍ بالعذاب، والله وصف هذا العذاب بأنه (وَاقِعٍ) لا محالة، أي: والعذاب واقع، فكل آت فهو قريب.

    قال تعالى: لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ [المعارج:2] أي: أنه واقع للكافرين ليس له دافع.

    وهل يستفاد منه أنه في غير الكافرين له دافع؟ أي: لا يستطيع أحد أن يدفع هذا العذاب عن الكافرين، ولن يدفع أحد هذا العذاب عن الكافرين، لكن غير الكافرين هل هناك من يدفع هذا العذاب المسلمين؟

    نعم بإذن الله، فإن هناك شفاعات من رسول الله ومن سائر المرسلين، بل ومن المؤمنين والشهداء والعلماء والآباء والأبناء والأمهات والقرآن والصيام كلها شفاعات تدفع العذاب عن أهل الإيمان بإذن الله.

    أما الكافرون فكما قال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، إذاً الربط: لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ [المعارج:2] لكنه مع المسلمين قد يكون له دافع بإذن الله تعالى.

    فقوله: لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ [المعارج:2] أي: صارف.

    1.   

    خروج الملائكة يوم القيامة

    قال تعالى: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج:3] من العلماء من قال: المعارج هي الدرجات، والفواضل، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في تلبيته يقول: (لبيك ذي المعارج، لبيك ذي الفواضل) فالمعارج تطلق على الدرجات، وهي مستفادة من قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4] أي: تصعد، وقوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14] أي: يصعدون، وأيضاً عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، أي: صعد به إلى السماوات السبع.

    قال تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [المعارج:4] أي: تصعد، والملائكة معروفون، أما الروح فللعلماء فيها أقوال، أحدها قول جمهور من المفسرين: أن المراد بالروح هو جبريل عليه السلام، وشاهده: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:193]، فإن قال قائل: إن جبريل دخل ضمناً في الملائكة فما فائدة الإعادة: (تعرج الملائكة وجبريل)؟

    الجواب: أن هذا من باب عطف الخاص على العام، لبيان فضل هذا الخاص المعطوف، فذكر جبريل مرة ثانية لبيان فضله.

    فإن قال قائل: وهل من أمثلة في كتاب الله تظهر أن الخاص يعطف على العام، كهذا المثال؟

    فالإجابة: نعم، فإن الله يقول: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [النساء:163] فإبراهيم وإسماعيل من النبيين الذين جاءوا من بعد نوح، ونحوه قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب:7] فنوح من النبيين، ونحوه قوله تعالى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] النخل والرمان من الفاكهة.

    فذكر جبريل عليه السلام الذي هو الروح بعد ذكر الملائكة؛ لبيان فضل جبريل عليه السلام، فهو سيد الملائكة، وهذا قول الجمهور.

    القول الثاني في تفسير الروح: وهو أن الروح هي أرواح بني آدم التي تخرج منهم عند موتهم، كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل: (إن العبد إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة، فيأخذون روحه، فيأتي ملائكة آخرون يجلسون منه مد البصر فلا يدعونها في أيديهم طرفة عين، فيأخذونها ويعرجون بها إلى السماء، فلا يمرون بها على ملأ إلا قالوا: ما هذه الروح؟) الحديث.

    القول الثالث: أن المراد بالروح خلق لا يعلمهم إلا الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] هذه الآية من الآيات المشكلة في تفسيرها؛ لورود آية أخرى وهي قوله تعالى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] فكيف التوفيق بين الآيتين؟

    أولاً: بين يدي هذا التوفيق يقال: ما المراد باليوم في قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]؟

    المسلك الأول: من أهل العلم من أضرب عن التفسير وأضرب عن الجمع بين اليومين، وقال: هما يومان ذكرهما الله سبحانه وتعالى في كتابه هو أعلم بهما ونكل أمرهما إلى الله، فهو أعلم بقوله: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] وأعلم بقوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4].

    وقال: نسكت عن هذين اليومين مع إيماننا أن هذا وذاك، كل من عند الله سبحانه وتعالى.

    والمسلك الثاني: هو الجنوح إلى الجمع بين الآيات، وندفع الافتراض الذي قد يأتي إلى العوام، وأصحاب هذا المسلك التمسوا تفسيرات وتوجيهات، فمنهم من قال: إن اليوم المراد في قوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] هو عمر الحياة الدنيا، منذ خلق آدم إلى النفخ في الصور ومدته خمسون ألف سنة.

    ومنهم من قال: إنها المسافة ما بين السماء السابعة إلى الأرض السابعة، أنتم تقطعونها في خمسين ألف سنة، أما الملائكة فتصعد فيها وتنزل في يوم واحد من أيامكم، كما في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر والعصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون).

    فقال قائل هذا القول: إن الملائكة تعرج ما بين الفجر إلى العصر، وهذا العروج منها لو قطعتموه لكانت المدة الزمنية خمسين ألف سنة.

    ومنهم من قال: إن المراد بقوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]: إنه يوم القيامة، وهذا أظهر الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدل عليه أدلة السنة، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار يكوى بها وجهه وجبينه وجلده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ونحوه: (من آتاه الله إبلاً فلم يؤد زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر، تمر عليه أولاها تنطحه بقرونها وبأظفارها، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار).

    فإذا تقرر أن المراد باليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة هو يوم القيامة وهو الراجح لدلالة الآية عليه وهي قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7] فإذاً: كيف يجمع بين الآيتين؟

    من العلماء من قال: إن يوم القيامة يخفف على أهل الإيمان ويطول على أهل الكفر والعصيان كل بحسبه، فيكون عسيراً وطويلاً على أهل الكفر، أما على أهل الإيمان فيكون خفيفاً، فيختلف في الطول وفي القصر حسب حال العبد يوم القيامة، فأهل الجنة لا يأتي عليهم وقت القيلولة إلا وهم يقيلون في الجنة ما شاء الله، ولا يمر عليهم اليوم كله بطوله، فإن الله قال: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:24] أي: قيلولة.

    فيوم القيامة يخفف على أقوام، ويطول ويكون عسيراً على أقوام آخرين.

    والشاهد لذلك قوله تعالى: عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:10] وهذا قول له وجاهته، وتبناه كثير من أهل التفسير.

    وقد ورد في الباب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل فقراء المهاجرين قبل الأغنياء بنصف يوم بخمسمائة عام) والله تعالى أعلم.

    قال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7] لأن كل ما هو آت فهو قريب، وتقديراتنا ليست كتقديرات رب العالمين سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:8] أي: كالزيت المغلي، أو النحاس المنصهر.

    قال تعالى: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج:9] أي: كالصوف، وفي الآية الأخرى: كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5] أي: الصوف المتفتت الملون.

    قال تعالى: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:10] الحميم هو الصديق شديد الصداقة، الذي يغلى من أجلك، ومنه قيل له: حميم؛ لأنه يحتر حرارة شديدة إذا أصبت بأي مكروه، أو نيل منك بأي سوء تراه، فكأنه يصاب بالحميم ويُغلى إذا ذكرت بسوء.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج:10-11] أي: الحميم يرى حميمه، والصديق يرى صديقه، والقريب يرى قريبه، وهذا مضمن في قوله تعالى: يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج:11] أي: يرونهم.

    فكل يرى صاحبه لكن لا يستطيع الكلام ولا السؤال عنه ولا عن أحواله، فكل مشغول بالهم الذي هو فيه.

    كيف يجمع بين الآية الكريمة: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:10]، وبين قوله تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:50]؟

    فهذه آيات تكون ظواهرها متعارضة لكن ليس في كتاب الله تعارض، فهو من عند الله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].

    وعلى نمطها، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42]، وفي المقابل: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108].

    وعلى نمطها أيضاً: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42]، قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23] فقد كتموا الشرك وكذبوا، فكيف يجمع بين هذه الآيات؟

    نقول: كما هو معلوم أن يوم القيامة طويل تتعدد فيه المواقف، فأحياناً يسكت الكل، وأحياناً يؤذن للبعض بالكلام، وأحياناً يعتذر المعتذرون، وأحياناً لا تقبل منهم العتبى، وهي: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:24]، أحياناً يجادلون بالباطل، وأحياناً يرون أن الجدال لا ينبغي إلا أن يكون بالحق، فلطول اليوم تتعدد مواقفه وتندفع كل الإشكالات التي وردت في هذا المعنى.

    ومن مثل هذا يجاب على جل الآيات التي في ظواهرها إشكالات، يقال: إن يوم القيامة تتعدد فيه المواقف، فلا مانع أن يأتي وقت يسكت الكل فيه ويصمت وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:10]، ولا مانع أيضاً أن يأتي وقت يقال: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف:50] ويستشفع شخص بقريب له فيأبى الشفاعة، فهذا اليوم تتعدد مواقفه، والله أعلم.

    1.   

    حال المجرمين في عرصات القيامة

    قال تعالى: يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج:11] أي: مع رؤيتهم لهم، لكن كل واحد منشغل بنفسه، كما قالت عائشة لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104]، قالت: الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض يا رسول الله؟ قال: يا عائشة ! الأمر أشد من ذلك) فالرجل عارٍ والمرأة عارية، لكن ليس في ذهن الشخص أن ينظر إلى العورات.

    قال تعالى: يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ [المعارج:11] المجرم هنا كما قال كثير من المفسرين: إنه المشرك.

    ومن العلماء من قال: هو أعم من المشرك، فتارك الصلاة مجرم بنص كتاب الله: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:38-43]، أول شيء تكلموا به ترك الصلاة.

    فتارك الصلاة مجرم، وليس المجرم الذي تسميه الأمم المتحدة مجرم حرب بل هو مجرم حق، المجرم شرعاً الكافر، والمجرم شرعاً تارك الصلاة، فتارك الصلاة مجرم، كما قال تعالى: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ [المعارج:11] فيقول خذوا أبنائي واتركوني، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ [المعارج:12] يقول: خذوا زوجتي وأخي وأولادي كلهم واتركوني، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ [المعارج:13] أي: قبيلته وعشيرته التي تلتف حوله في الدنيا في وقت المصائب، أنت في الدنيا إذا أصبت بمصيبة تريد أن تجد أخاك يجري هاهنا، وأباك يجري هاهنا، وأمك تجري هاهنا، ويستشفع لك بهذا ولتشفع لك بذاك، يوم القيامة تود لو تفتدي من عذاب يومئذٍ بكل هؤلاء.

    قال تعالى: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [المعارج:13-14] ليس فقط الأم والأب والأخت والأخ والولد والزوجة، بل: وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ [المعارج:14] أي: ثم ينجيه الفداء من هذا العذاب، أو ثم ينجيه الله من هذا العذاب.

    وصف النار التي أعدها الله للمجرمين

    قال تعالى: (كَلَّا) أي: لن يقبل هذا الفداء، فـ(كلا) كلمة تحمل معنى الردع والزجر والنفي، أي: لن يقبل هذا العرض، ولن تقبل هذه الفدية التي تفتدي بها أيها المجرم، إِنَّهَا لَظَى [المعارج:15] وصف للنار، نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:16] من العلماء من قال: إن الشوى هنا مكارم الوجه ولحم الوجه، وأكرم شيء في العبد تنزعه هذه النار نزعاً، فجلد الوجه ينزع عياذاً بالله نزعاً، وجلد الأطراف كذلك، أطراف أصابع اليدين وأصابع الرجلين، وجلد الجبهة أيضاً كل ذلك تنزعه النار.

    قال تعالى: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [المعارج:17] تناديه باسمه في وسط المحشر، كما قال فريق من أهل العلم: إن النار تنادي أصحابها: تعال يا فلان! تعال فأنت صاحبي، أنا لك وأنت لي، فالنار تنادي على أصحابها؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاها ملكة في الكلام، كما في الآية الأخرى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30]، وكما في الحديث: (أن النار تقول: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين) فللنار ملكة كلام، وملكة تغيظ، وملكة زفير: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان:12].

    قال تعالى في هذه الآية الكريمة: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [المعارج:17] أدبر عن الإيمان وتولى عن الحق، أدبر عن الإسلام وتولى عن القرآن، تدعوه النار من المحشر: تعال أيها المجرم! فأنت من أصحابي وأنا من أصحابك، تعال فإنك من أصحاب النار.

    قال تعالى: وَجَمَعَ فَأَوْعَى [المعارج:18] أي: جمع المال وأحصاه وادخره، ولم ينفقه في طاعة الله، بل بخل بالزكوات المفروضة، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التعديد أثناء الإنفاق، قالت أسماء : (يا رسول الله! ليس لي مال إلا ما أدر عليّ الزبير ؟ قال: يا أسماء ! تصدقي ولا توعي فيوعى عليك).

    وفي الرواية الأخرى: (تصدقي ولا تحصي فيحصى عليك).

    طبيعة الإنسان في الدنيا

    قال تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19] وتفسير الهلوع هو قوله تعالى: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج:20]* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:21] أي: إذا أصيب بأي شر يظن أنه فرج بعد هذا الشر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (شر ما في الرجل شح هالع، أو جبن خالع) أي: أن الجبن والشح من أقبح العيوب التي توجد في الرجال.

    قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:19-21] من العلماء من فسر الخير هنا بالمال، أي: إذا رزقناه المال منع حقوق الله فيه.

    1.   

    صفات المتقين

    المحافظة على الصلاة

    قال تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:22] لكن المصلين أهل الإيمان ليسوا هكذا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في المؤمن: (إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

    قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] أي: محافظون، كما في الآيات الأخر، ومن العلماء من قال: دائمون عليها حتى الموت، ومن العلماء من قال: إنهم المطمئنون فيها.

    أداء الزكاة

    قال تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24] والحق المعلوم هو الزكوات المفروضة، ولا شيء عليك بعد الزكوات المفروضة على الصحيح، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله السائل عن الصلاة والزكاة، قال: (هل عليّ غيرها يا رسول الله؟ قال: لا، إلا أن تطوّع، قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق).

    فاستنبط كثير من أهل العلم من هذا الحديث أن المال المفروض على العبد إنما هو مال الزكاة فقط.

    قال تعالى: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:25] أما السائل فهو الذي يسأل الناس، فله حق من الزكوات.

    والمحروم لأهل العلم جملة أقوال في تفسيره:

    القول الأول: أنه الشخص الذي له دخل، لكن الدخل لا يكفيه.

    القول الثاني: الذي لا يجد شيئاً أصلاً.

    وكلا القولين له وجه، فالذي يعمل عملاً يأتيه منه دخل لا يكفيه يعد من المحرومين، والذي لا شيء عنده أيضاً يعد من المحرومين، فالمحروم له حق.

    الإيمان بيوم البعث والخوف منه

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المعارج:26] أي: يوقنون بأن البعث آت والساعة آتية لا ريب فيها.

    وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27] أي: خائفون وجلون، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:28] لا يأمنه أحد، فأهل الإيمان يخافون العذاب، وأهل الكفر يأمنون العذاب ولا يبالون به، أهل الإيمان يخافون: يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] أي: يصلون ويصومون ويزكون ويحجون وهم مع ذلك خائفون.

    أما أهل الكفر فلا يفعلون شيئاً من الخيرات، وهم في دنياهم أيضاً في مأمن، وأهل الإيمان يعملون الصالحات مع خشية لله ووجل منه سبحانه، قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64] ومع هذه البيتوتة لربهم سجداً وقياماً يقولون: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:65]، وقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9].

    قال سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27] هذا حال أهل الإيمان، وكلما عظم ذلك عندك فاعلم أنك على خير، أعني أن تعمل الصالحات ترجو الجنة وتخشى على نفسك العذاب أكثر وأكثر، فهذا دليل من أدلة الإيمان.

    فهذا عمر مع ما له من فضائل، لكنه يقول في مرض الموت: (يا ليتني خرجت منها لا لي ولا عليّ).

    كذلك تقول عائشة : (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً)، مع أن براءتها نزلت من السماء.

    وكذلك المقولات عن أبي بكر وغيره من أهل العلم وأهل الفضل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حفظ الفروج من الحرام

    قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29] أي: حافظون للفروج من كل ما منع الله منه، حافظون للفروج من الزنا، فإن الله قال: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68].

    والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الزناة تحرق فروجهم ويوضعون عراة في مثل التنور، كما رأى ذلك عليه الصلاة والسلام في الرؤيا، فهم حافظون للفروج من الزنا، وحافظون للفروج من الاستمناء، وبهذه الآية الكريمة استدل الإمام الشافعي على تحريم الاستمناء؛ لأن الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:29-31] قال: والاستمناء من ما وراء ذلك.

    وأيضاً: حافظون لفروجهم من أن يراها أحد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة).

    قال تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج:30] قوله: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) يفيد أنه ليس عليهم لوم إذا أتوا نساءهم أو أتوا إماءهم، لكن نفي اللوم يفيد أكثر من ذلك، وهو أن إتيان النساء مستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي بضع أحدكم صدقة) وفي الحديث المعروف: (يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر يا رسول الله؟ قال: نعم، أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم، قال: كذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر).

    فأحياناً الحكم لا يؤخذ من آية واحدة فقط، أو من حديث واحد فقط، فمثلاً: الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] فلو أخذت حكم الطواف بين الصفا والمروة من الآية فقط، لكان حاصل ما في الآية: أنه لا إثم عليك إذا طفت، لكن من النصوص الأخرى استفدت وجوب السعي بين الصفا والمروة، بل من العلماء من قال بفرضية السعي بين الصفا والمروة.

    فالحكم لا يؤخذ من آية واحدة فقط، كذلك في قصر الصلاة: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101] إن أخذت الحكم من الآية فغاية ما أفادته الآية أنه لا إثم عليك إذا قصرت، ومنهم من قال بوجوب القصر، والجمهور على الاستحباب، لحديث: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، فزيد في صلاة الحضر وأقرت في صلاة السفر) .

    فالأحكام لا تؤخذ من آية واحدة ولا من حديث واحد فقط.

    قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:31] فعلى ذلك ينصح الشاب الذي تعتريه الشهوة والفتوة بما نصح به الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) هذه نصيحة رسول الله.

    وقال الله سبحانه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33].

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ومن يستعف يعفه الله)، وفي الرواية الأخرى: (ومن يستعفف يعفه الله).

    فهذه إرشادات للشباب، ألا يتبعوا النفس وهواها ولا يسيروا وراءها، ولا أن يكون كل ما احتاجت النفس إلى شيء فعله، بل كن كما علمك الرسول عليه الصلاة والسلام، عليك بالصيام وعليك بالاستعفاف، وعليك بغض البصر، وعليك باتخاذ التدابير الواردة في شرعنا للوقاية من الجنس.

    حفظ الأمانة وأداؤها

    1.   

    إعراض الكافرين عن طاعة الرسول

    قال تعالى: فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ [المعارج:36] (مهطعين) للعلماء فيها أقوال:

    أحدها: مسرعين، ويؤيد هذا القول قوله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8] أي: مسرعين إلى الداعي.

    ثانيها: قال بعض أهل العلم: (مهطعين) أي: ناظرين إليك.

    ثالثها: أنها بمعنى عامدين.

    قال تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ [المعارج:37] أي: متفرقين، وفي صحيح مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج ووجد أصحابه يصلون متفرقين، فقال: (ما لي أراكم عزين؟) أي: متفرقين.

    قال تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ [المعارج:37] أي: متفرقين عنك يميناً ويساراً، كما قال تعالى: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر:49-50] أي: حمير مستنفرة، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:51] أي: من الأسد.

    قال الله: فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ [المعارج:36] أي: نحوك مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ [المعارج:36-38] مع كفره ومنعه وتكذيبه ليوم الدين (كَلَّا) أي: ليس الأمر كما يظنون إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ [المعارج:39] أي: من المني المعلوم كما قال تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:6-7]، وقال تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة:37].

    وقد تفل النبي صلى الله عليه وسلم على يده، وقال: (يقول الله تعالى: ابن آدم! أنى تعجزني، لقد خلقتك من مثل هذه).

    1.   

    إمهال الله للعصاة والكافرين

    قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ [المعارج:40]، (لا)، من العلماء من يقول: إنها نفي لشيء متقدم، ثم بدأ إنشاءً جديداً فأقسم على ما ذكره برب المشارق والمغارب.

    ومن أهل العلم من قال: إن (لا) هنا لنفي شيء متقدم وهو ظن الكفار أن يدخلوا جنة نعيم.

    ومنهم من يقول: إنها زائدة مثل: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ [الحديد:29] أي: ليعلم، وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95] أي: يرجعون، مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف:12] أي: ما منعك أن تسجد، من العلماء من يقول: إنها زائدة، ومنهم من يقول: إنها لتقوية الكلام.

    قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40] ورد في كتاب الله (رب المشارق والمغارب)، وورد (رب المشرقين ورب المغربين)، وورد (رب المشرق والمغرب)، فمن العلماء من يقول: كلها بمعنى واحد.

    ومنهم من يفصل، فيقول: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الشعراء:28] مشرق الشمس ومغربها، ورَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17] مشرق الشمس ومشرق القمر، ومغرب الشمس ومغرب القمر، و(رب المشارق ورب المغارب) رب مشارق النجوم ومغارب النجوم.

    وقول آخر: أن المشارق هي التي تشرق منها الشمس كل يوم، فكل يوم تشرق من مكان غير اليوم الذي قبله، وتغرب في مكان أيضاً، وثم أقوال أخرى في هذا الباب.

    قال تعالى: عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [المعارج:41] (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ) فيها للعلماء قولان: قيل: في الحياة الدنيا، كما قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]، وكما قال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] ومن أهل العلم من قال: إن ذلك يوم القيامة، يبدل الله أقواماً خيراً من هؤلاء الأقوام.

    قال تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا [المعارج:42] أمر مضمن بالتهديد. حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ [المعارج:42-43] أي: القبور سِرَاعًا [المعارج:43] أي: مسرعين كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43] النصب: الذي يعبد أو يستذبح عنده الذبائح (يوفضون): يسرعون.

    قال تعالى: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج:44] أي: ذلت أبصارهم، كما قال: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:108] أي: سكنت الأصوات للرحمن، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية:2] أي: ذليلة ساكنة.

    قال: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ [المعارج:44] أي: ذليلة أبصارهم، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج:44] تعلوها الذلة، ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:44] أجارنا الله وإياكم من عذابه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تكفير الديوث وتخليده في النار

    السؤال: من المعلوم أن عصاة الموحدين من أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وهو مذهب أهل السنة لما ورد من أحاديث عن رسول الله في ذلك، وقد اختلفت مع أحد الفضلاء الذين قالوا بتكفير الديوث الذي يرضى بالفاحشة في أهله، وتخليده في النار، وقد استند إلى حديث: (لا يدخل الجنة ديوث) علماً بأن هذا الديوث يشهد شهادة الحق؟

    الجواب: بالنسبة للديوث والزاني والقاتل والسارق والخمار كل هؤلاء داخلون في أهل الإسلام وفي عداد المسلمين، ومع اقترافهم الكبائر فأمرهم موكول إلى الله، إن شاء ربنا عذبهم وإن شاء غفر لهم.

    أما الأدلة على ذلك، فمنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    ومنها: قول عبادة بن الصامت الذي أخرجه البخاري ومسلم : (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نقتل ولا نزني ولا نسرق ولا نأتي ببهتان بين أيدينا وأرجلنا) الحديث، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) .

    وأيضاً عند أهل السنة أنه لا يلزم حتى يغفر لك أن تستغفر، فقد يغفر الله لك مع قولك: أستغفر الله، وقد يغفر الله لك أيضاً بدون قولك: أستغفر الله، ومن الأدلة على ذلك قصة المرأة الإسرائيلية التي كانت تبغي وتزني، فانطلقت ذات يوم خارجة لزناها، فوجدت كلباً يلهث من العطش، فنزعت موقها فسقته فغفر الله لها، ولم يرد أنها قالت: أستغفر الله.

    والديوث أو الزاني أو القاتل كل هؤلاء وغير هؤلاء من أصحاب الكبائر أمرهم موكول إلى الله، ولكن أيضاً فإن النصوص من الكتاب والسنة على أنهم وإن دخلوا النار وإن لم يستغفروا، فمآلهم إلى الخروج من النار، لحديث: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرة)، وفي حديث: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله فيخرج قوم لم يعملوا خيراً قط) .

    فالشواهد تدل على أن أصول أهل السنة والجماعة ثابتة لا تترنح ولا تتزحزح، وهي أن صاحب الكبيرة قد يغفر له ابتداءً حتى بدون كلمة: أستغفر الله، إن قدر ودخل النار فمآله إلى الخروج منها، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    عدد ركعات صلاة التراويح

    السؤال: هل صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة، والقول بالعشرين ضعيف جداً؟

    الجواب: لا، القول بالعشرين ليس بضعيف جداً لحديث عمر رضي الله عنه، وغايته أن هناك روايات ثابتة عن عمر أنه جمع الناس على أبي بن كعب على إحدى عشرة ركعة، وروايات أيضاً ثابتة عن عمر أنه جمع الناس على أبي على إحدى وعشرين ركعة، فأيهما ترجح؟

    فمن العلماء من قال بترجيح رواية الإحدى عشرة ركعة على الإحدى والعشرين ركعة، لكن الأخرى ليست ضعيفة بل هي صحيحة، لكن هناك شيء صحيح وشيء أصح.

    فلذلك ذهب بعض العلماء إلى القول بالجمع بين الروايتين، قال: يحمل على أن عمر أمرهم أن يجتمعوا على أبي بن كعب أحياناً بإحدى عشرة، وأحياناً بثلاث وعشرين أو بإحدى وعشرين، وأذكر أن من الذين جنحوا إلى هذا ابن عبد البر رحمه الله تعالى، فقد جنح إلى الجمع بين الروايتين، لكن القول بأن الإسناد ضعيف جداً قول غير صحيح.

    فالغاية أن يقال: إن رواية الإحدى عشرة أصح من رواية الإحدى والعشرين، ورواية الإحدى والعشرين صحيحة قولاً واحداً، والله تعالى أعلم.

    لكن ثمة استدلالات أخر، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) ، فهذا يشجع على الصلاة.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (أحب القيام إلى الله قيام نبي الله داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) أي: يقوم ثلث الليل، أربع ساعات أو ثلاث ساعات تقريباً.

    إذا جئت أنا وأنت نصلي بالناس أئمة ونريد أن نوافق قيام داود عليه السلام الذي هو أحب القيام إلى الله، إذا قلت: أصلي إحدى عشرة ركعة فقط وتستغرق الإحدى عشرة ركعة أربع ساعات فسوف أشق على المصلين غاية المشقة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم) وإن كان هذا في الفرد، لكن أيضاً من أراد ألا يحرم فضل حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) علي أن أعاونه لنيل هذا الفضل.

    فالشاهد: إذا قمت أصلي إحدى عشرة ركعة كما ورد في السنة أن عائشة قالت: (ما زاد على إحدى عشرة ركعة) جاز كما في حديث ابن عباس فصلى ثلاثة عشر ركعة، فإذا جئت أصلي الإحدى عشرة ركعة في أربع ساعات لم أطق ولن يطيق المصلون بعدي، فكما قال الحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من العلماء: إذا قللت في القراءة فزد في عدد الركعات، وإذا أطلت القراءة فخفف على الركعات.

    وليس هناك أي نهي عن الصلاة زيادة عن الإحدى عشرة ركعة، بل الأمر مفتوح؛ لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى) ولهذا كان عمل الأئمة والسلف، وإن شئت أن تقرأ تراجم العلماء كـالشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء؛ فانظر كيف كانوا يصلون؟ انظر كيف كان السلف يصلون؟ بعضهم يصلي في الليل ستاً وثلاثين، ويقول فريق من المالكية: إن هذا هو المستحب عندنا، فما كانوا يريدون أن يستحوذوا على فضيلة حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (أحب القيام إلى الله قيام داود) ولا يشقون أيضاً على الناس، فمن شاء أن ينصرف انصرف، ومن شاء أن يبقى بقي.

    يضاف إلى ذلك أن نصوص الكتاب والسنة التي وردت في قيام الليل وردت مقيدة بالزمن وليس بعدد الركعات، منها: (أحب القيام إلى الله قيام داود) ولم يقل: كان يقوم إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، أو عشرين ركعة، بل قدر بالزمن: (كان يقوم ثلث الليل) ونحوه في آية المزمل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [المزمل:2-3] فبني أيضاً على الزمن، ونحوه قوله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ [آل عمران:113] أي: ساعات الليل.

    فالوارد جاء بتقديرات زمنية وليس بعدد ركعات، صحيح أن عليكم هدياً قاصداً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أيضاً النظر في مصلحة المصلين من هدي رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

    حكم عمل المسلمين عند النصارى

    السؤال: هل يجوز عمل المسلمين عند النصارى؟

    الجواب: نعم يجوز عمل المسلم عند النصراني مادام العمل لا يؤثر على دينك، إذا كان النصراني لا يمنعك فرائضك ولا يهينك في دينك فلا بأس بالعمل عند النصراني أو عند اليهودي أو عند الكافر، وذلك لأن خباب بن الأرت قال: (كنت قيماً في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل ثم جئت أتقاضاه، قال: لن أعطيك حتى تكفر بمحمد) الشاهد: أن البخاري بوب هذا الباب: باب هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب، وأتى بالحديث تحت الترجمة؛ لأنه كان يصنع سلاحاً.

    وفي الشرح جنح الحافظ ابن حجر إلى هذا القول.

    إذا كان العمل لا يؤثر على دينك ولا على عادتك فلا بأس أن تستأجر يهوداً يعملون عندك أو تعمل أنت عند يهود، والرسول عليه الصلاة والسلام أعطى أراضي خيبر لليهود يزرعونها ولهم نصف ما يخرج منها، ويوسف قال: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] وكان الملك كافراً كما هو معلوم.

    السائل: هل هذا نوع موالاة؟

    الشيخ: لا. ليست موالاة، وتأخذ أجرك وإذا خشيت على قلبك أن يتغير فاترك.

    كفارة من جامع زوجته وهي حائض

    السؤال: ما كفارة من جامع زوجته وهي حائض؟

    الجواب: ورد في كفارة من يجامع الزوجة وهي حائض أحاديث، وأهل العلم يحكمون عليها بالاضطراب، منها: أنه يخرج ربع دينار، والثاني: نصف دينار، ومن العلماء من يقول: إذا جامعها وهي حائض في مستهل الحيضة يعطي ربع دينار، وإذا جامعها في وسط الحيضة يعطي نصف دينار.

    والأدلة في ذلك مضطربة، ولكنه على كل حال قد ارتكب ذنباً، وعليه أن يعمل من الصالحات ما يوازي هذا الذنب، فيخرج صدقات، أو يصلي لله ركعات، أو يحدث استغفاراً وإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

    زكاة عروض التجارة

    السؤال: هل تجب الزكاة في عروض التجارة؟

    الجواب: رأي جماهير العلماء أن زكاة عروض التجارة واجبة، وهو قول الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله وغيرهم من العلماء.

    وفريق من أهل الحديث يرى عدم الوجوب، لكن حجج القائلين بالإخراج قوية منها أن عروض التجارة هي أموال، وبالتالي فأموال التجارة تزكى كسائر الأموال، وأيضاً استدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: (إن خالداً

    والعباس

    وابن جميل

    قد منعوا الزكاة، قال: أما خالد

    فإنكم تظلمون خالداً

    ، إن خالداً

    احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله
    ) قال النووي : أي: أنه لولم يحتبس الأدرع والعتاد في سبيل الله لأخرج منها الزكاة، قال النووي : وهذا من أصرح ما ورد في زكاة عروض التجارة، وهناك أصرح منه لكنه ضعيف، وهو: (كنا نخرج الزكاة مما نعده للبيع) أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف.

    لكن في فهم حديث: (إن خالداً

    احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله) قالوا: إنه لم يعد عنده مال، وليس المقصود أن خالداً إذا لم يحتبسها أخرج منها، فهكذا قال الجمهور إن الزكاة في عروض التجارة واجبة.

    أما المانعون فغاية ما استدلوا به، قالوا: لم تكن تخرج زكوات على عروض التجارة على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    فنقول: إن عروض التجارة لم تكن متفشية هذا التفشي الذي عليه الآن.

    فمثلاً: رجل اشترى قطعة أرض للتجارة فيها، قطعة الأرض لم تبع هذا العام، ولم تبع العام القادم، والأرض مرتفعة ومنخفضة في الأسعار، فماذا يصنع؟

    فمن العلماء من سار على الوتيرة الأولى، وقال: تخرج عليها زكاة كل عام، ومنهم من قال: لا تخرج عليها زكاة إلا إذا بيعت، فتخرج عنها بعد البيع زكاة سنة واحدة والله أعلم.

    وهناك رسالة إن شاء الله تطبع الآن في هذا الباب.

    آيات وجوب النقاب

    السؤال: ما هي الآيات القرآنية التي تحث على وجوب النقاب؟

    الجواب: هناك آيتان، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59] والإدناء أصح ما ورد فيه على الإطلاق: أنه تغطية الجسم كله والوجه وإبراز العين اليسرى. أما أثر مجاهد الذي ورد في هذه الآية الكريمة فهو منقطع كما قاله كثير من أهل العلم.

    إثم مشاهدة التلفاز

    السؤال: أخي يضع في عيادته تلفازاً، فهل كل من يرتكب إثماً بسبب التلفاز يكتب على أخي مثله؟

    الجواب: إن كان يضع التلفاز على قنوات تبث الفساد وتبث الشر، فمن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ثم هو متعاون على الإثم والعدوان.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.