إسلام ويب

تفسير سورة الحاقة [2]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أنها تدور على ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، وقصص وأخبار، والقصص والأخبار فيها العظة والعبرة، والترغيب والترهيب، وفي سورة الحاقة يقص الله سبحانه وتعالى علينا قصة فرعون ومن قبله من المؤتفكات، وقصة قوم نوح عليه السلام وغيرهم من الأمم الغابرة؛ لنعتبر ونرتدع عما كانوا يعملون، حتى لا يكون مصيرنا كمصيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة)

    باسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً [الحاقة:9-10].

    قوله تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ) أي: وجاء (فرعون) وجاء من قبله، وفرعون علم لكل من حكم مصر من الجبابرة، فكل من حكم مصر من الجبابرة يقال له: فرعون، كما أن كل من حكم الروم يسمى: (قيصر)، وكل من حكم الفرس يسمى: (كسرى)، وكل من حكم الهند يسمى: (بطليموس)، وكل من حكم اليمن يسمى: (تبع)، وكل من حكم الحبشة يسمى: (النجاشي)، والنجاشي الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه: أصحمة .

    فقوله تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ)، المراد به هنا: (فرعون موسى، أي: فرعون الذي أرسل إليه نبي الله موسى) صلى الله عليه وسلم.

    جاء فرعون وجاء أيضاً من قبله، وجاء فرعون وجاءت أيضاً المؤتفكات. والمؤتفكات: هي مدائن قوم لوط، وقد قال الله في شأنها: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53]، فجاء فرعون وجاء جبابرة آخرون قبله، وجاءت أيضاً المؤتفكات بالخاطئة.

    ما هي الخاطئة؟

    هي الفعلة الخاطئة.

    وما هي الفعلة الخاطئة؟

    قال فريق من أهل العلم: إنها الشرك.

    وفريق منهم: أرجعها إلى قوم لوط وهي الكبيرة التي كانوا يأتونها ، وهي: إتيان الرجال، كما قال تعالى في كتابه الكريم: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165].

    والخاطئة أعم من أن يقال: إنها الشرك، فتشمل الصغيرة والكبيرة، وتشمل كل ذنب، لكن المراد بالخاطئة هنا: الشرك، أو الكبيرة المذكورة بالنسبة لقوم لوط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فعصوا رسول ربهم...)

    فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ [الحاقة:10] إن من عصى رسولاً فقد عصى الرسل جميعاً، ففرعون لما عصى موسى عليه الصلاة والسلام فيما يدعوه إليه من توحيد الله سبحانه، كان قد عصى المرسلين جميعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى) (ديننا واحد) وهو التوحيد، (وأمهاتنا) أي: شرئعنا، (شتى) أي: شرائعنا متعددة ومتنوعة، كما قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146]، وكما قال تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران:93]، وكما قال تعالى في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أمته: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، فالشرائع متعددة، لكن أصل الدين واحد وهو التوحيد، فمن كذب رسولاً في أصل الدين فقد كذب المرسلين جميعاً.

    ومن هنا قال الله سبحانه: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:123]، كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:141]، كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176] .. وهكذا.

    فقوله تعالى: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ)، تنزل على كل فئة من الفئات المذكورة التي عصت رسول ربها، فيكون للإفراد وجهٌ حينئذٍ، أو يقال: إن من عصى رسولاً فقد عصى الرسل جميعاً، ولا إشكال حينئذٍ من الأفراد.

    فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ، أي: عالية شديدة.

    والرابي: هو العالي، قال تعالى: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا [الرعد:17]، وقال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ [الروم:39]، أي: ليزداد فِي أَمْوَالِ النَّاسِ [الروم:39]، (إذا أنفق أحدكم صدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه فيربيها)، أي: يزيدها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)

    إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ [الحاقة:11]، أي: ازداد الماء، وهذا الطغيان من الماء في زمن نوح صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى في كتابه الكريم في شأن قوم نوح: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ [الأعراف:133] ، والطوفان ذُكر في سورة هود وفي غيرها من السور.

    قال الله سبحانه وتعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:11-12].

    فقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ ، أي: حملنا آباءكم، فحمل الآباء، والإنعام على الآباء يعد إنعاماً على الأبناء، ومنها قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف:11]، (خلقناكم) أي: خلقنا آدم، (ثم صورناكم) صورنا آدم أيضاً (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، وقال تعالى لبني إسرائيل من سكان مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الأعراف:141]، وهم من وراء فرعون، والله إنما أنجى أجدادهم، فإنجاء الآباء وإنجاء الأجداد يعتبر إنجاء للأبناء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية)

    لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [الحاقة:12-13]، وهي المذكورة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وانتظر متى يؤمر) وفي رواية (متى يؤذن له).

    فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ)، قد ورد أولاً: قول الجمهور أن المراد بالصور: قرنٌ ينفخ فيه، وقد ورد هذا المعنى في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو أن الصور: قرنٌ ينفخ فيه.

    ومن العلماء من قال (الصور): هم بنو آدم، وهذا القول مأثور عن قتادة ، يعني: نفخت أرواح بني آدم في بني آدم فأحيا الله الخلق.

    قال قتادة رحمه الله: (الصور) الخلق، هذا قول، لكن القول الذي عليه الأكثرون، أن المراد بالصور: قرنٌ ينفخ فيه.

    قال الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ، فأمر الله يتم كما قال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [القمر:50]، ليس هناك تكرار: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69]، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي [هود:44]، كلمات واحدة تتم بها أقدار الله سبحانه وتعالى، وقضاء الله يتم بالكلمة الواحدة، وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:50].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا...)

    قال تعالى: وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [الحاقة:14]، من الذي حملها؟ قال كثيرٌ من أهل العلم، الذين حملوها: هم الملائكة.

    وقال البعض: نجري الآية على ظاهرها، وهو البناء للمجهول، (حُملت) فالله أعلم من الذي يحملها، هل ربنا سبحانه هو الذي يحملها، أو هل الملائكة هم الذين يحملونها؟ الله سبحانه أعلم.

    وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة:14-15]، وكما قال في الآية الأخرى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، وقد ورد في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أن حبراً من أحبار اليهود أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد! -أو يا أبا القاسم!-: أما بلغك أن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم -قال ابن مسعود : تصديقاً لخبر الحبر-) .

    فقوله تعالى: (وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ)، أي: كأنها ارتفعت عن أماكنه:، (فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية)

    وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:16]، أي ضعيفة، فهي الآن محكمة محبوكة قوية، كما قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات:7]، والشيء المحبوك: هو المشدود بعضه إلى بعض بقوة، كما تقول مثلاً في أمور الدنيا، لمن يخيط النعل: احبك الخياطة، أو احبك الثوب، فالحبك: الشدة، ومنه قول القائل للآخر: أنت (محبّكها) يعني: متشدد فيها، لا تريد أن تترك متنفساً ما.

    أما يوم القيامة فالله سبحانه وتعالى يقول في شأن السماء: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ، ضعيفة متفتتة.

    قال تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:17]، السماء تشققت وتساقطت، والملائكة الذين كانوا فوقها، أصبحوا على أرجائها، والأرجاء: هي القطع والنواحي، فالملائكة الذين كانوا فوقها، لما تشققت نزلوا ووقفوا على قطع السماء المتشققة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صححه بعض أهل العلم: (أطتّ السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع شبر إلا وعليه ملكٌ قائم أو راكع أو ساجد)، أين يذهب هؤلاء الملائكة بعد أن تشقق السماء؟ يقفون على قطع السماء المتفرقة، (والملك) المراد بهم الملائكة، كما قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ [الفجر:22]، أي: الملائكة، صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]، دليل قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة:210]، فهي تفسير لقوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]، أي: صفوفاً صفوفاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)

    قال تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، ثمانية ماذا؟

    هل هم ثمانية من الملائكة أو ثمانية صفوف من الملائكة؟

    قولان للعلماء:

    كثير من العلماء يقول في قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ أن المراد بالثمانية: ثمانية من الملائكة، وليس ثمانية صفوف، قال: وهم في الحياة الدنيا أربعة، وهذا قول الجمهور، وأيدوا قولهم هذا بشعر عزوه إلى أمية بن أبي الصلت وقد جاء في بعض الأسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره بقوله: (صدق)، لكن نحتاج إلى مزيد من النظر فيه، ألا وهو:

    رَجُلٌ وثورٌ تحت رِجْلِ يَمِينه والنَّسْرُ للأُخرى وليثٌ مُرْصَدُ

    فقول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الأبيات: (صدق أمية) ، قالوا: إن أربعة من الملائكة هم حملة العرش، أحدهم وجهه وجه أسد، والآخر وجهه وجه ثور، والثالث وجهه وجه رجل، والرابع وجهه وجه نسر، والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وهذا متوقف على صحة هذا الخبر، فلم يسعنا الوقت للتحقيق ألا وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق)، لـأمية بن أبي الصلت لما قال هذا البيت أمام النبي صلى الله عليه وسلم ضمن أبيات أخر.

    فقال فريقٌ من العلماء: إن حملة العرش الآن أربعة ويتضاعف عددهم يوم القيامة إلى ثمانية، هذا أحد أشهر الأقوال في تفسير هذه الآيات، قال الله سبحانه وتعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش قد ضربت رجلاه في الأرض... أو ما بين منكبيه -كما في معنى الحديث- مسيرة خمسمائة عام) ، وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، والله تعالى أعلم.

    قال الله سبحانه وتعالى أعلم: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ، وما المراد بالعرش؟

    من العلماء من قال: إن المراد بالعرش سرير الملك، وهذا وارد في تفسير قوله تعالى: قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ [النمل:41].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية)

    يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18]، تعرضون أيها الخلق أجمعون، أنتم ومن سبق ومن سيأتي، فكلكم ستعرضون.

    هل المراد بقوله: لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ، أي: لا تخفى منكم نفسٌ فكل الأنفس تحضر ولا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه؟

    أم أن المراد: (لا تخفى منكم خافية) أي: لا يخفى من أعمالكم عمل؟

    قال بعض أهل العلم: والقول بالجمع ممكن، فيقال: إن كل الخلق يحضرون في هذا الموقف، هم وأعمالهم، ولا يخفى من ذلك كله شيءٌ على الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه...)

    قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:19]، ينادي في الناس فرحاً مسروراً، بقوله: (هاؤم) أي: تعالوا اقرءوا كتابي، فهي لحظة فوز ونجاح، ولا نجاح أكبر منه، فينادي على الناس قائلاً: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ .

    وفي الآية الأخرى: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:9]، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20]، (ظننت) أي: أيقنت، فالظن هنا بمعنى اليقين، والظن يأتي بمعنى اليقين في جملة مواطن، قال تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [البقرة:249]، فـ(يظنون) هنا: أي يتيقنون أنهم ملاقو الله.

    فلو كان الظن على الشك لكفروا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال عن قوم: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66].

    إذاً: الظن يأتي بمعنى اليقين، ويأتي بمعنى الشك، ويأتي بمعنى الكذب، والله تعالى أعلم.

    لكن يستفاد ويؤخذ المعنى من القرائن المحيطة بالآية أو بالحديث، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ، فيه فضل اليد اليمنى، وهل لليد اليمنى فضل؟

    ومن ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يمس ذكره بيمينه، ونهاه أن يستنجي بيمينه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ باليمين ويعطي باليمين ويقول: (لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها)، فمن شعائر المسلمين: الأخذ باليمين، والإعطاء باليمين، والأكل باليمين، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في تنعله، وترجله، وفي طهوره، وفي شأنه كله، فلليمين فضل، ومن ثم جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لما خلق الخلق قبض قبضتين، وقال: يا آدم! اختر أيتهما شئت، فقال: قد اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة)، فاليمين فيها فضل، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أصحاب اليمين المتلقفين كتبهم بأيمانهم.

    قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ ، أي: يناديهم.

    (هاؤم) تعالوا (اقرءوا كتابيه) وهذا هو الفرح، وليس كفرح الدنيا، تعال انظر إلى شهادتي كم درجتي في مادة الإنجليزي والكيمياء، فهذا يوم القيامة لا قيمة له على الإطلاق، فقد تجد رجلاً كادحاً فلاحاً تقياً يرتفع إلى أعلى عليين، وملكاً من الملوك ينزل في أسفل سافلين، وهذه أمورٌ يدبرها الله، وكما وصف القيامة بأنها (خافضة رافعة).

    فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ [الحاقة:19-20]، أي: تأكدت وأيقنت، لم أكن أعمل الأعمال هكذا فقط، بل كنت أعمل العمل وأنا موقن أن الله سبحانه وتعالى سيجازيني به: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20]، علمت وأيقنت أن هناك بعثاً، وأن هناك جزاء وثواباً، وأن هناك عقاباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية)

    فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [الحاقة:21]، من العلماء من قال: راضية بمعنى: مرضية، أي: قد رضيها صاحبها، كما قال تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:6]، فدافق بمعنى: مدفوق، وراضية: بمعنى مرضية، كما قال بعض المفسرين.

    فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، رضي عن عيشته التي رزقه الله إياها، ولم يتسخطها، ولم يملها ولم يتضجرها، ثم جاء تفسير هذه العيشة الراضية بقوله: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الحاقة:22]، (عالية المنازل)، فهي عالية في نفسها، ثم بين أهلها تفاوتات في الدرجات، فمنها درجات علا، ومنها دون ذلك.

    أما كونها عالية فهي حتى في الحياة الدنيا في السماء السابعة وبعد السماء السابعة، كما في حديث المعراج: (أنه بعد منتهاه إلى السماء السابعة وجد سدرة المنتهى)، والله يقول: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:14-15]، فالجنان في السماء السابعة، والنيران في أسفل سافلين: (بينما رجلٌ يمشي قد أعجبته نفسه إذ خسف به إلى سبع أراضين).

    وفي الحديث: (يتجلجل في نار جهنم) ، أما الدليل على وجود تفاوتات بين درجاتها، فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء لتفاضل ما بينهم، قيل: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحدٌ غيرهم؟ قال: كلا والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).

    قال الله تعالى: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ، عالية المكان، وعالية المقام.

    فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:22-23]، أي: متدلية قريبة من المحتاج إليها، تدنو القطوف والثمار ممن يريد تناولها، كما قال كثيرٌ من أهل التفسير: إذا رأيت شيئاً أو إذا اشتهيت شيئاً تدلى لك هذا الشيء، وتدلى ثمره أمامك، فلا تتكلف في قطفه، بل تجده أمامك.

    قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ، أي: قريبة متدلية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلوا واشربوا...)

    كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ [الحاقة:24]، أي: عملتم، فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24]، أي: الأيام الماضية، فالخالية: هي الماضية أي: في الحياة الدنيا، ومن تفسير (الخالية) بالماضية: قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران:137]، ومنه قول الرجل المكذب العاق لوالديه: أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الأحقاف:17]، فالخالية: الماضية والسالفة والسابقة، والمراد بها: الحياة الدنيا: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله...)

    قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [الحاقة:25]، وفي الآية الأخرى: وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:10]، والجمع ممكن بأن يقال: يؤتاه بالشمال من وراء الظهر، يعني: يأخذ الكتاب باليد اليسرى من وراء الظهر -عياذاً بالله- فهو منظرٌ مخز مزر حينما يتناول الكتاب بالشمال من وراء الظهر، وفي الحقيقة أن هذا موقف من المواقف الحرجة أيما حرج في الآخرة، ومن مواقف الآخرة؛ الوقوف على الصراط وقت المرور عليه، وعند وزن الأعمال، وعند أخذ الكتاب، فكلها مواقف يحل بالعبد فيها من البلاء والكرب ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

    قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ ، متحسراً متأسفاً متندماً ولات مندم، فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27]، يا ليت الموتة الأولى التي متها كانت هي النهاية: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، هكذا يقول، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42]، وتخيل في الحياة الدنيا شاباً في الثانوية، يظن أنه ذاكر جيداً وأجاب صواباً، وذهب ليأخذ النتيجة فوجد نفسه قد رسب رسوباً مخزياً، فيأتي وعلى وجهه الخزي والعار، فما بالك بالخسران المبين الذي لا يستدرك والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:25-28]، لا مال، ولا ولد، ولا منصب، ولا جاه، ولا رئاسة، ولا وزارة، ولا غير ذلك: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29]، ذهب منصبي وجاهي، ذهبت عني الرياسات واضمحلت.

    ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالسلطان هنا: (الحجة) أي: ذهبت حجتي، فلا أستطيع أن أدلي بأي حجة، ولا أن أدلي بأي اعتذار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خذوه فغلوه...)

    قال تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30]، أي: اجعلوه في الغل، والغل كما قال الله سبحانه وتعالى: إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [غافر:71] والأغلال تكون في الأعناق.. حلق في الرقاب، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [غافر:71]، منظرٌ مخز، في رقبته أطواق الحديد وسلسلة يسحب بها، وهو مطرح على وجهه ويسحب بسلسلة الحديد، وليست مربوطة في يديه بل مربوطة في رقبته، فهو مقمح أيضاً كما وصفه الله سبحانه وتعالى في سورة يس، فالأيدي في الأعناق، وارتفعت الأعناق عن الأيدي، وضمت إلى الرقاب بحلق، فلما ضمت إلى الرقاب، وصل الغل الذي في العنق إلى الذقن، قال تعالى: إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8]، فالطوق الذي في الرقبة طوقٌ كبير، بحيث أنه بلغ إلى الذقن، فإذا جاء ينزل ذقنه إلى أسفل يجد الحديد يمنعه، فيشخص ببصره دائماً إلى أعلى، وقد قيدت اليدان إلى الرقبة، ومع ذلك هناك سلاسل يسحب بها الشخص وهو على هذا الوضع المزري المخزي: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ .

    كيف يساق وإلى أين يساق؟ ويا ليته في هذا الحال فحسب، بل يساق إلى السجن، إلى جهنم -والعياذ بالله- على هذا الوضع المخزي المزري.

    قال تعالى: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة:31] أي: اشووه على النار، واجعلوه يصلى حر الجحيم، يقلب على النار، وأذيقوه من عذاب الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (في سلسلة ذرعها...)

    قال تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:32]، قال كثير من أهل العلم: السلسلة طولها سبعون ذراعاً.

    فهل هو بذراع الدنيا أم هو مقياس آخر في الآخرة، قال كثير من العلماء: إنها ثلاثة أذرع أخرى غير أذرعة الدنيا وأطول؛ لأن ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وضرسه كجبل أحد.

    قال كثيرٌ من أهل التفسير: تدخل هذه السلسة من أنفه وتخرج من دبره. جنازير حديدة من نار، تدخل من الأنف وتخرج من الدبر، فضلاً عن الذي وقع في الأعناق -على ما قد تقدم- فتخيل كيف يكون هذا السجن، سلسلة تدخل من الأنف فتتخلل الأمعاء وتخرج من الدبر، ويسحب منها، ويسحب أيضاً من تلكم السلاسل التي في الأعناق: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32].

    لم هذا الجزاء القاسي؟ قال تعالى: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33]، كان يستهزئ بالله وبآياته، ويشرك معه غيره: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة:33-34]، كان قاسياً على العباد، فهو كافر وفي قلبه قسوة، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ .

    قال ابن يحيى : إنه ينبغي لك يا مؤمن أن تطعم المساكين، وأن تحض الناس وتحثهم على إطعام المساكين.

    فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ [الحاقة:35]، أي: صاحب، كما قال في الآيات الأخرى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101]، فليس له صديق يغضب من أجله، ولا يزأر من أجله ولا يحتر من أجله، ويطلق لفظ (الحميم) على الصديق شديد الصداقة، فهو صديق حميم لكثرة تأثره بما يحدث لك.

    وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة:36]، الغسلين: هو صديد أهل النار كما قال فريق من أهل التفسير.

    قال تعالى: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:37]، ما المراد بالخاطئين؟ (الخاطئون) لفظٌ عام، ولكنه أحياناً يأتي ويراد به بعض أفراد الخصوص كمثل (المسيئون)، فهو لفظ عام وأحياناً يأتي ويراد به شيء أخص، وكاصطلاح السيئة اصطلاحاً خاصاً، فالسيئة كما أسلفنا تطلق على الشرك: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، فالسيئة هنا أوجبت الخلود، فهي الشرك، والسيئة بمعنى الكبيرة في شأن قوم لوط: وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود:78] أي: من الكبائر، والسيئة تأتي بمعنى: الصغيرة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، أي: إذا اجتنبتم الكبائر كفرنا عنكم الصغائر، وكذلك الخاطئة أو الخطيئة تأتي أحياناً بمعنى الصغيرة، وتأتي أحياناً بمعنى الكبيرة، وتأتي أحياناً بمعنى الشرك، قال تعالى: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ، أي: بالكفر وبالكبائر.

    قوله تعالى: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ، (الخاطئون): هل يراد بهم الكفار، أو يراد بهم المسرفون على أنفسهم من أمة محمد الذين لم يغفر لهم؟

    في المسألة وجهان:

    فمن العلماء من قال: (الخاطئون): المشركون.

    ومنهم من قال: (الخاطئون): المذنبون. أي: المذنبون الذين لم يغفر لهم أو الذين قد غلبت سيئاتهم حسناتهم، كما في حديث المفلس وغيره من الأحاديث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون...)

    فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39].

    (فلا) من أهل العلم من قال: إن (لا) هنا صلة، والمعنى: (أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون)، ومن العلماء من قال: إنها زائدة، كقوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف:12] أي: (ما منعك أن لا تسجد)، فالمعنى: ما منعك أن تسجد، وكقوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ [الحديد:29]، لئلا يعلم، أي: ليعلم، وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95]، أي: أنهم يرجعون. فالرجوع إلى الحياة الدنيا محرم عليهم.

    ومن العلماء من قال: (إن): (لا) هنا زائدة، وبعدها: أقسم على ذلك بما ترونه وما لا ترونه، يعني: أقسم بأشياء تعلمونها وأشياء لا تعلمونها.

    ومن العلماء من قال: إن (لا) نفي لشيء قد تقدم. أي: فلا تظنوا أنكم تتركون سدى، وأقسم على ذلك بما تبصرون وما لا تبصرون.

    قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40] يقسم الله سبحانه أن هذا القرآن الذي بين أيدينا، قول رسولٍ كريم، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة:40-41] أي: كما تفترون وتدعون وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة:42]، أي: تتعظون وتعتبرون، تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43].

    وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ [الحاقة:44]، لو فرض أن محمداً عليه الصلاة والسلام على فرض افترى علينا كلمة واحدة أو قولاً من الأقوال، ونحن لم نقله له، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة:45].

    ومن العلماء من قال: (باليمين) أي: الجارحة، ومنهم من قال: اليمين: القوة، وقوله اليمين؛ لكون اليمين عند العرب أقوى من اليسار، وإن كانت كلتا يدي ربي يمين مباركة، لكن لتقريب المعنى للناس، إذا قلت -ولله المثل الأعلى-: فلان يضربك باليمين، فالضرب باليمين غير الضرب باليسار، فالضرب باليسار ضربٌ ضعيف، بينما الضرب باليمين ضربٌ قوي، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، فهذه الآية فيها التحذير الشديد من الزيادة أو النقصان في كتابه العزيز، وفيها بيان حفظ الله لهذا الكتاب.

    والآية الأخرى نحوها: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ [الإسراء:73-75]، ضعف العذاب في الحياة، وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:75]، فالآيات في غاية القوة والتهديد، وبيان حفظ هذا الكتاب العزيز، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ، لن نتركه أبداً يتقول ويفتري علينا، من الذي تقول على الله وافترى على الله وكانت عاقبته إلى خير؟ أبداً، ما تقول أحدٌ على الله إلا وكانت عاقبته سيئة، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46] أي: أهلكناه.

    قال كثيرٌ من أهل العلم: (الوتين): هو عرق متصل بالقلب بقطعه يموت الإنسان.

    فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:47]، لن يستطيع أحدٌ منكم أن يحجز ذلك ولا يدفعه، ولكن حاشاه صلى الله عليه وسلم، والكلام على الافتراض، وليس معنى الفرض أنه سيحدث، وهي كقوله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81]، أي: أول العابدين لهذا الولد إن كان هناك ولدٌ للرحمن، ولكن هذا فرض لا يقع، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، وهو لن يشرك عليه الصلاة والسلام، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، على سبيل الافتراض.

    على فرض أنه (تقول علينا بعض الأقاويل) وإلا قد وعدنا بحفظ كتابنا، وتوعدنا بإنزال العقوبة بمن افترى علينا: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، بقوة من غير رفق، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:46-47].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لتذكرة للمتقين)

    قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة:48]، أي: لا ينتفع بهذه التذكرة إلا المتقون، الذين يخشون ربهم ويتقون عذابه.

    قال تعالى: وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ [الحاقة:49] أي: لا يخفى علينا أمركم ولا حالكم.

    وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [الحاقة:50]، حسرةٌ من مَن؟

    جاء في الآية الكريمة في سورة (يس): يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ [يس:30]، من الذي يتحسر على العباد؟

    وهنا يقول تعالى: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ، من الذي يتحسر على الكفار؟

    من العلماء من قدّر أشياء في الآية وقال: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ [يس:30]، أي: يا حسرة المتحسرين! تعالي وحلي على هؤلاء الكفار، ويا من تتحسرون! تعالوا وتحسروا على هؤلاء، فليست ثم حسرة أكبر من الحسرة على الكافرين.

    يا أيها النادمون! تعالوا إن كان هناك مجالٌ للندم، فلا تندموا على شيء فاتكم في حياتكم، بل اندموا على أمر أخراكم، تحسروا على الكافرين، ألا ها هنا يصب الندم وهاهنا تتنزل الحسرات، وهاهنا تقتطع الأنامل من الغيظ.

    وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ [الحاقة:51]، قد سبق بيان: إن العلم على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، ومثلنا ذلك: بأنك إذا سمعت عن الكعبة، فعندك علم يقين بأن هناك بمكة كعبة، لكن إذا جئت ورأيت الكعبة بعينيك أصبح هذا العلم عين اليقين.

    فإذا جئت ودخلت الكعبة ولمست أحجارها أصبح العلم بها حق اليقين، كما قال تعالى في شأن الجحيم: ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7]، فكلنا -أهل الإيمان- نعلم أن هناك ناراً، فهذا علم يقين بالنسبة للمؤمنين.

    فإذا جاء شخص ورآها: ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7]، رؤيا حقيقة، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:71-72] وعند المرور على الصراط يراها الناس.

    والجنان أيضاً إذا أردت أن تراها، كما قال تعالى: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:55-56]، لكن إذا دخلها الشخص الكافر أصبح الدخول حق اليقين، قال تعالى: (وَإِنَّهُ)، أي: القرآن. ليس علماً يقيناً فحسب، وليس عين اليقين فحسب، بل هو حق اليقين، باشرته ولمسته قلوب المؤمنين، فحل في قلوب أهل الإيمان، فلم يصبح عند أهل الإيمان علم يقين ولا عين يقين، بل أصبح حق اليقين: وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:51-52].

    صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما نزلت: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال: (اجعلوها في ركوعكم) ، وهل وجودها في الركوع على السنية أم على الاستحباب أم على الإيجاب؟

    الأكثرون أنها مستحبة، ومن العلماء من يرى الوجوب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    اشتراط الإسلام في الشاهد على الزواج

    السؤال: هل يجوز في الشهادة على الزواج أن يكون الشاهد غير مسلم؟

    الجواب: لا يجوز في شهادة الزواج أن يكون الشاهد غير مسلم، وذلك لشيئين:

    أولهما: القياس على الطلاق؛ فإن الله قال في الطلاق وهو قسيم النكاح: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2].

    والثاني: لزيادة في حديث فيه ضعف ألا وهو: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، والزيادة فيها ضعف.

    وقت أذكار الصباح

    السؤال: متى يبدأ وقت أذكار الصباح ومتى ينتهي؟

    الجواب: يبدأ من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت أذكار المساء، من العلماء من قال: تبدأ من بعد صلاة العصر، ومنهم من قال: إنها تبدأ من بعد صلاة الظهر، وكأن الأول أقرب، والله أعلم.

    حكم كف الثياب في الصلاة

    السؤال: ما حكم كف الثياب في الصلاة؟

    الجواب: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فمن العلماء من يحمل هذا النهي على الاستحباب، ومنهم من يحمله على التحريم، وكأني بالأكثرين من أهل العلم على أن النهي محمول على الكراهة وليس على التحريم، والله أعلم.

    الإسبال في الأكمام

    السؤال: هل الإسبال في الأكمام أيضاً؟

    الجواب: نعم الإسبال في الأكمام أيضاً، وذلك لحديث في سنن أبي داود: (الإسبال في ثلاثة: الكم والقميص والعمامة) .

    الكفر دركات

    صحة حديث: (لن تسعني أرض...)

    السؤال: الحديث القدسي: (لن تسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن

    الجواب: الحديث لا يثبت.

    صحة حديث: (من آمن بي بعد مماتي...)

    السؤال (من آمن بي بعد مماتي فكأنه معي في حياتي

    الجواب: الحديث لا يثبت.

    صحة حديث: (اخرج يا عدو الله)

    السؤال: ما صحة حديث عثمان بن أبي العاص لما اشتكى إلى الرسول فقال الرسول: (اخرج يا عدو الله) ؟

    الجواب: الحديث ثابت.

    أسماء أبواب النار

    السؤال: من المعروف أن النار سبع دركات لها سبعة أبواب، فما اسم هذه الأبواب أو الدركات؟

    الجواب: الله أعلم، ونقول تنبيهاً من العلماء من قال: إنها الحطمة، ولظى، والسعير، والجحيم، إلى غير ذلك، فالله أعلم هل هذه مسمى لشيء واحد أو هي دركات، والله أعلم.

    العزل

    السؤال: هل العزل مقيد بسنتين للرضاع؟

    الجواب: العزل غير مقيد، وإذا وجدت العلة منه وجد، وإذا احتيج إليه فعل، فقد ورد العزل على عهد الرسول من الصحابة، حين أصابوا سبياً وكرهوا أن تحمل هذه السبايا، فاستأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في العزل. فإذا احتيج فله ضوابطه الشرعية.

    قول ابن حجر في فتح الباري: (لا يسأل عن الله بـأين)

    السؤال: ورد في الجزء الأول من فتح الباري، قول الحافظ ابن حجر : لا يسأل عن الله بأين، كيف يوجه هذا الكلام مع حديث الجارية؟

    الجواب: هذه من المسائل التي زلت فيها قدم الحافظ ابن حجر رحمه الله في طائفة من مسائل الصفات، فإن ثبت عنه النقل وأنا لا يحضرني الآن هل النقل ثابت عنه أو غير ثابت، لكن على فرض أنه ثابت وليس بمستبعد على الحافظ أن يقول مثل هذا المقال فمنهجه ومنهج الإمام النووي رحمهما الله وعفا الله عنهما في الصفات فيه شيء من التأويل، والثابت عن رسول الله أنه سأل الجارية: (أين الله؟ ..) ، كما في صحيح مسلم، فلا معنى إذاً لقول من قال: لا يسأل هذا السؤال.

    الأخذ برأي الجمهور عند التنازع والاختلاف

    السؤال: إذا كانت هناك مسألةٌ فيها نزاع، والجمهور له رأي فهل هناك ترجيح لرأي الجمهور؟

    الجواب: في الغالب أن الجمهور أصحاب دليل، وينبغي أن تسأل أنت عن الدليل، فكم من مسألة للجمهور فيها رأي، ولغير الجمهور فيها رأي أسد وأقرب، وثم مسائل لا تكاد تجد فيها أدلة صحيحة صريحة، كمسألة رفع اليدين مع تكبيرات الجنازة، هل ترفع اليدين أم لا أرفع؟ إذا جئت تبحث عن الأدلة الخاصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة رفع اليدين في الجنازة، لا تجد أي حديث ثابت في هذا الباب، ولكن الجمهور قالوا: لما لم نجد حديثاً عن رسول الله، أخذنا بالقياس على الصلوات المعتادة، فمع كل تكبيرة ترفع يديك، وأخذنا بأثر ابن عمر : أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات الجنازة، أما حديث: (كان يرفع يديه مع التكبيرة الأولى ثم لا يعود) ، فهو حديث ضعيف.

    صحة أثر زواج عمر من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما

    السؤال: ورد أن عمر طلب أن يتزوج ابنة علي ، فقال له علي: هي زوجتك إن رضيت، فذهب إليها وكشف عن ساقها -الأثر- نريد الشرح؟

    الجواب: الأثر على ما يحضرني بأن في إسناده ضعف؛ لأنه من طريق محمد بن الحنفية ، والحنفية هذه امرأة من بني حنيفة أخذها علي من سبايا بني حنيفة في حروب الردة في زمن أبي بكر ، فكون أبي بكر كانت خلافته عامين رضي الله تعالى عنه، وتكون مثلاً -على فرض أنها- حملت منذ أن دخل بها علي ، تكون وضعت ابنها في بداية خلافة عمر، فكونه يحكي قصة لم يشهدها فهذا عند أهل العلم مرسل أو منقطع، لكن بعض العلماء يقول: كونه أخاً لهذه البنت يقوي هذا الحديث، فلعله سمعه فيها، ومن أهل الحديث من يقول: لا يعتبر مثل هذا الكلام، والله تعالى أعلم.

    الشاهد: أن بعض العلماء يقول في حال ثبوت الخبر أو عدم ثبوته بالتفريق أو بالتفصيل في مسألة النظر إلى من تريد خطبتها، فهل لك أن تفعل مثل هذا الفعل وتكشف عن ساقيها؟! أو هل لك أن ترى الوجه والكفين فقط؟ والله تعالى أعلم.

    حكم إتيان المرأة في الدبر

    السؤال: ما حكم إتيان المرأة في الدبر؟

    الجواب: إتيان المرأة في الدبر لا يجوز؛ لأن الأحاديث قد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعن من أتى امرأة في دبرها، وإن كان في الأحاديث مقال؛ إلا أنها بمجموع الطرق تصلح للاحتجاج بها مع ضمينة أخرى، وهي قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]: (وهل الحرث إلا موضع الزرع) والدبر لا يكون موضعاً للزرع، فالفرج: هو موضع الحرث ، أي: الإيلاج، وهذا هو الراجح.

    أما الآثار الواردة عن بعض الصحابة بالإباحة، فالعبرة بالمرفوع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا قلنا مثلاً: إنه قد ورد عن صحابي من الصحابة شيء من إباحة إتيان المرأة في دبرها فلا نتعلق بهذا الأثر ونترك المرفوع عن رسول الله من ناحية، ونترك رأي جمهور الصحابة من ناحية أخرى، فمن تتبع مثل هذه التتبعات أوشك أن يتزندق، وقد قدمنا مراراً أن أبا طلحة رضي الله عنه كان يرى أن البرد -أي: الثلج- الذي ينزل من السماء لا يفطر الصائم، يقول: إنه ليس بطعام ولا بشراب! ويقول: إذا وجد هذا البرد وهو صائم: حي على الطعام المبارك، وعمر كان يمنع عن التمتع في الحج، وابن مسعود كان يرى التطبيق، يعني: يضم يديه بين ركبتيه وهو راكع، وأبو هريرة كان يرى أن الوضوء إلى الآباط مستحب، وابن عباس في بعض الروايات كان يرى نكاح المتعة وجوازه، فإذا أخذت كل هذه الأشياء خرجت بمذهب تكون فيه زنديقاً من الزنادقة؛ لأنك ستنقض عرى الدين عروة عروة، أما هؤلاء فعلماء أفاضل اجتهدوا فغفرت لهم زلاتهم في بحر فضائلهم.

    فمثلاً: ابن عمر أفتى في ألف مسألة، وأخطأ في مسألة أو مسألتين فلا تذكر، وكذلك غيره، كما قال القائل:

    وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع

    فلا تتتبع سقطات أهل العلم التي نوزعوا فيها وخالفوا الدليل، ونحن عندما نحكي الخلاف في المسألة نحكيه من باب الأمانة العلمية، أما إذا كنت تفتي القوم، فقل لهم مباشرة: غير جائز لك أن تأتي المرأة في الدبر، وتعطيهم الحاصل، لكن لو أنك تفتي طالباً يريد أن يتعلم ويعلم الناس، وحتى إذا وردت عليه شبهة يستطيع أن يدفعها.

    وهناك مسألة أحرجتنا غاية الحرج، لكن ما دام أن الإخوة كلهم طلبة علم فنقصها:

    اتصل بي رجل فلاح طاعن في السن هاتفياً، وقال لي: يا شيخ! السلام عليكم.

    فقلت: وعليكم والسلام ورحمة الله، ما تريد؟

    فقال: واحد عمل الفاحشة مع البهيمة -والعياذ بالله- فذهبت وسألت في الجامع، فقال: تذبح الجاموسة وترميها، وأنا خائف من ربنا.

    يعني: ماذا يصنع في اللحم؟ هل يرمي اللحم أو لا؟ لأن الجاموسة عزيزة عنده.

    وإذا فصلت له، فهو لا يفهم الكلام، لكن بالنسبة لكم -طلبة العلم- في الباب حديث: (من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول، ومن رأيتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) ، هذا حديث عن رسول الله في إسناده راو يقال له: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، وفيه نزاع بين تحسين حديثه وتضعيفه، ولكن إذا قررنا أن حديثه حسن بصفة عامة، فجل العلماء الذين ترجموا له ذكروا هذا الحديث في ترجمته، يعني: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب مشهور بحديث البهيمة، مع أنه روى أحاديث أخرى كثيرة جداً، لكنه اشتهر بهذا الحديث؛ لأنه حديث أحكام.

    فالراوي إذا كان مكثراً وأتى المترجمون بحديث في ترجمته فيحمل إتيانهم بهذا الحديث على أنه من المستنكر عليه، كمثل: علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ، فـالعلاء أخرج له مسلم عدة أحاديث، لكن إذا جئت تقرأ ترجمته تجد العلماء أتوا في ترجمته بحديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ، والإمام أحمد يحكم على هذا الحديث بالنكارة.

    الشاهد: أن من العلماء من حسن الحديث تبعاً للقاعدة الكلية أو للرأي الكلي أن عمرو بن أبي عمرو حسن الحديث، ومنهم من ضعف الحديث وقال: هو مستنكر على عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وإذا كان الراوي مقل جداً وجاءوا في ترجمته بحديث، فقد يكون أتي بالحديث لأنه هو صاحب هذا الحديث فقط.

    إذاً: في المسألة رأيان؛ لأن الرأي مبني على صحة الحديث أو تضعيفه، وأنا الآن مقتنع أن الحديث ضعيف، وإن كان لي رأي قبل ذلك فأنا مقتنع بعد مراجعة الحديث أن حديث (فاقتلوه واقتلوا البهيمة) لا يثبت عن رسول الله بلفظ لهذا الرجل بهذا التفصيل فلن يفهم، وسيقول لي: يا شيخ! ماذا أعمل؟ فقلت له: اتركها، ولا تذبحها أبداً. فقال السائل: يعني الشيخ الذي سألته في الجامع كذاب؟ سأذهب وأقول له كذا وكذا، وأسبه وأعمل فيه! فكيف أصنع؟ قلت له: الشيخ ليس كذاباً، لكن هناك مذاهب، شافعي وحنبلي ومالكي، فهو أخذ معك بالمذهب الشديد، لكن نتساهل ولا تذبحها.

    فهناك فرق بين أنك تخاطب واحداً من العوام أو تخاطب طالباً من طلاب العلم، فيفهم المسألة بطريقة أخرى، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.