إسلام ويب

تفسير سورة القلم[2]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله نبيه عن المداهنة والطاعة لمن حاد عن نهج الحق وكفر بالله، واتسم بصفات الذم والمهانة، وضرب الله لهم مثلاً بأصحاب الجنة الذين تواطئوا على منع الفقراء وذوي الحاجة حقهم، وتقاسموا بالله على ذلك، فأهلك الله جنتهم، وصاروا عبرة وآية لمن بعدهم. ثم خاطب الجبار جل وعلا كفرة قريش فقال: ((أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)) فلا يستوي الطائعون والعصاة أبداً، فكل له طريقه وسبيله ومصيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:10-15].

    قوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ [القلم:10] الحلاف: هو كثير الحلف، فهل يستفاد من الآية أن كثرة الحلف مذموم، أو لا يستفاد ذلك منها؟

    من العلماء من قال: إن كثرة الحلف مذموم لهذه الآية الكريمة: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ [القلم:10] ولقوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكثر من الأيمان، ولأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، فإذا أكثر الشخص من الحلف أوشك أن يقع في الحلف على الحرام، أو الحلف المحرم، أو الحلف كاذباً، أو الوقوع فيما حلف عليه وينسى -لكثرة أيمانه- فلا يكفِّر..

    وأيضاً: لأن الله سبحانه وتعالى وصف أهل النفاق أنهم يكثرون من الأيمان كي يصرفوا الناس عنهم، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16] أي: وقاية يتقون بها أقوال الناس فيهم وأحكام الناس فيهم، فهذه حجج من قالوا بكراهة ذلك بأن كثرة الحلف مذموم.

    ومن أهل العلم من قال: إن كثرة الحلف لا بأس به إذا كان الشخص يحلف بحق، ويحلف على حق؛ وذلك لأن الحلف بالله فيه ذكر لله سبحانه، فالذي يقسم بالله يذكر الله أثناء القسم، قالوا: وقد قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] .

    قالوا: وأيضاً قد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم جملة أيمان دون أن يطلب منه القسم، ففي قصة العسيف -أي: الأجير- الذي كان مستأجراً عند رجل فزنى بامرأته: أتى أبوه وأتى زوج المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يقضي بينهم، قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لأقضينّ بينكما بكتاب الله عز وجل) ، دون أن يطلب منه هذا القسم.

    وأيضاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) ، دون أن يطلب منه أيضاً القسم.

    فهذه حجج من قالوا بعدم الكراهية إذا كان الشخص محقاً في قسمه، وحجج الذين قالوا بكراهية الإكثار من القسم لغير حاجة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    لكن الاستدلال بقوله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم:10] على ذم الإكثار من الحلف لا يتم؛ لأنها لم تنفرد بالحكم، وإنما أردفت بصفات أخرى.

    (مَهِين) المهين: هو الحقير، والكذَّاب أيضاً، فالحلاف المذموم في هذه الآية هو الحلاف المهين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هماز مشاء بنميم)

    قوله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] ، أما الهماز فهو الذي يهمز الناس، أي: هو الذي يعيب الناس بأقواله كما يعيب الناس بأفعاله.

    والعيب بالقول فمعلوم، أما العيب بالفعل فهو أن يتهكم بفعله كأن يمشي شخص وهو يعرج، فيأتي ساخر يمشي ويعرج خلفه ويحاكي مشيته كي يضحك الناس منه، أو شخص في لسانه شيء، فيتعمد ليَّ لسانه سخرية من أخيه.

    فالهمز قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يأتي بمعنىً أوسع، فإذا جاء مقترناً باللمز، كما في قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1] ، فالهمز بالقول واللمز بالفعل، ومن العلماء من عكس، لكن إذا جاء مستقلاً غير مصحوب باللمز فقد دخل فيه أيضاً معنى اللمز.

    (مَشَّاءٍ) من المشي، (بِنَمِيمٍ)، يمشي بين الناس بالنميمة للإفساد بينهم، وينقل الحديث من شخص إلى شخص آخر على سبيل الوشاية والإفساد بينهما، والمشي بالنميمة من الكبائر على رأي جمهور العلماء؛ وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالقبرين (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) ثم قال: (بلى -أي: لا يعذبان في كبيرٍ في أنظاركم، ولكنه كبير عند الله- أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة)

    ومن الأدلة على كون النميمة من الكبائر أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم إضافة إلى هذه الآية الكريمة هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] حدت هذه الأدلة ببعض أهل العلم إلى أن يحكموا على النمام بأنه مرتكب لكبيرة.

    ومن العلماء من فصل في الذي ينُمُّ كمسألة الاغتياب، فهل الاغتياب كبيرة أو أن الاغتياب صغيرة من الصغائر؟

    من العلماء من قال: إن الغيبة من الكبائر، ومنهم من قال: إنها من الصغائر، ومنهم من فصل.

    فمنهم من فصل بناء على حجم المغتاب، وقدر المغتاب، ومنهم من فصل بناء على الشيء المنقول، فمثلاً: إذا كنت تغتاب رجلاً من أهل الصلاح، ليس كما لو كنت تغتاب الفسّاق، فإذا اغتبت رجلاً صالحا الحكم يختلف عما إذا اغتبت رجلا فاجراً، والأدلة تشهد لذلك كحديث: (بئس أخو العشيرة) الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام.

    إذا كنت تغتاب شخصاً كريماً لا كمن يغتاب شخصاً بخيلاً.

    إذا كنت تغتاب على سبيل الشكوى ليس كمن يغتاب على سبيل الحاجة، فإن هنداً قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، ولم ينكر عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    إذا كنت تغتاب الجاهل، فلست كمن يغتاب العالم، فإن النبي قال كما في البخاري: (ما أظن أن فلاناً وفلاناً يعرفان عن ديننا شيئاً).

    فكذلك الحكم في النميمة؛ يختلف من منقول إلى منقول آخر، ومن شخص إلى شخص آخر، ومن ثَم يقرر الحكم هل هي من الكبائر أو هي من الصغائر؟ هذا تفصيل جنح إليه عدد كبير من أهل العلم.. والله أعلم.

    هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] (مشاء): أي: ماشٍ (بنميم) أي بالنميمة، فـ(لا يدخل الجنة نمام) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا في النميمة التي تفسد بين الأحبة، وتقطع المودة بين الأرحام، وأيضاً تسبب ضرراً للمسلمين، وتسبب عذاباً على مسلم وأذى لبعض أهل الإيمان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مناع للخير معتد أثيم)

    مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [القلم:12] كما أسلفنا أن كثيراً من العلماء قال -وأطلق بعضهم ذلك-: إذا ذكر الخير في كتاب الله، فالمراد به دوماً المال، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] أي: لحب المال لشديد، فمن العلماء من أطلق وقال: كل خير في كتاب الله يراد به المال، لكن وإن سلم لهم هذا القول كما في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ [البقرة:180] أي: إن ترك مالاً، إن سلمنا بذلك في مواطن، فلا نسلم به في مواطن أخرى، كقوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114] (خير) هنا لها معنىً أخر تماماً.

    فالحاصل أن الأولى أن يقال: إن أكثر ورود الخير في كتاب الله بمعنى المال، لكن لا يتمنع أن يأتي الخير بمعنىً آخر.

    قال الله سبحانه وتعالى مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [القلم:12] هل المراد بها مناع للمال، أو المراد بها نوع مخصوص من المال؟

    فمن العلماء من قال: إن المراد بالخير هنا: الزكوات المفروضة.

    ومنهم من قال: إن المناع للخير هنا مناع لأوجه الخير بعمومها.

    وقيل: نزلت هذه الآيات -وليس لدينا شيء عن رسول الله ثابت الإسناد- في الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد رضي الله عن خالد، فكان أبوه ينفق المال الكثير، وينحر مئات من الإبل في الحج، ويرسل مناديه ينادي: من كان يريد اللحم فليأت إلى الوليد بن المغيرة فيأمر الناس بإطفاء النيران أيام منى، وإذا طلب منه شيء لله منع؛ لأنه كان لا يفعل ذلك إلا على سبيل الرياء والمباهاة، وإذا طلب منه شيء للفقراء وذوي الحاجة والمسكنة لله منع، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ [القلم:12] أي: على غيره أَثِيمٍ [القلم:12] أي: أثيم في نفسه، يعني: بينه وبين الله آثم ومرتكب للذنوب في حق نفسه وفي حق ربه، وعلى الخلق معتدٍ أيضاً، فمعتدٍ أثيم جمعت المعنيين؛ فهو في نفسه آثم، ولخلق الله ظالم، كما في قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فجمع بين الإثم في النفس، والظلم للغير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم)

    عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم:13] (بَعْدَ) بمعنى: مع، وهذه لغة عدة بلاد، يقولون عن شخص: هو كذا وكذا وبعد هو كذا، ومعنى ذلك: ومع هذه الصفات هو كذا، فقوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أي: مع هذه الصفات المذكورة كلها هو معها عتل، ومع ذلك كله هو زنيم، والعتل: هو الجلف الجافي الغليظ واسع البطن كما قال فريق من العلماء أي: كأنه في مطعمه ومشربه رحيب الجوف، أكول شروب ومع ذلك فهو جلف جافٍ غليظ، فتخيل شخصاً بهذه الصورة أكولاً شروباً منوعاً جموعاً للمال، ومع ذلك هو جلف في طباعه غليظ في أقواله وأفعاله، هذا تأويل العتل عند كثير من أهل العلم، (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: مع ذلك كله هو (زَنِيمٍ) وفيها أقوال:

    أحد الأقوال في تفسير الزنيم أنه الدعي أي: ولد الزنا الذي نسب إلى غير آبائه، وقد قيل هذا في الوليد بن المغيرة، والله أعلم فأحد الأقوال بمعنى أن (زَنِيمٍ) بمعنى: دعي إلى غير أبيه.

    والقول الآخر: أن الزنيم من له زنمة وهو الشيء البارز في الرقبة كزنمة الشاة، فجمع بين الوصف السيئ في الخلق وأيضاً في الخلق فهو ذميم، فوصف بما يقتضي الذم سواء في خلقه أو في أن الله سبحانه وتعالى جعل فيه هذه الصفات الذميمة من الخلق لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن كان ذا مال وبنين...)

    عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:13-15] هل (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) مرتبطة بما بعدها، أو مرتبطة بما قبلها؟ إن قلت: إنها مرتبطة بما قبلها، فالمعنى: فلا تطع كل حلاف مهين وإن كان ذا مال وبنين يعني: وإن كان ثرياً، وإن كان له أولاد، وإن كان من أهل الجاه فلا تطعه أيضاً، فلا تطع كل حلاف مهين وإن كان هذا الحلاف من أهل الثراء ومن أصحاب المناصب والجاهات، وممن رزقهم الله الأولاد، فلا تطعه أيضاً، وإذا كان مرتبطاً بما بعده فالمعنى: أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:14-15] أي: أن ماله وبنيه الذين رزقه الله إياهم حملوه على أن يكفر بالله ويكذب بآياته فقال: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:15] فالذي حمله على الكفر والتكذيب هو الرزق بالمال والرزق بالبنين، كما قال تعالى: أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ [القلم:14] أي: أئن كان ذا مال وبنين إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:15] هل هكذا تشكر النعم؟ والآية معناها ثابت في جملة آيات وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [الإسراء:83] ، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشورى:27] والآيات على هذا المنوال كثيرة، فالمعنى: أئن كان ذا مال وبنين يقابل هذه النعم إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [القلم:15].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم)

    سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] الوسم: هو العلامة، ومنه قوله تعالى: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] أي: علامات الصلاة وآثار الخشوع في وجوههم من أثر السجود، ومنه قوله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [محمد:30] فالسيما هي العلامة، (سَنَسِمُهُ) أي سنعلمه بعلامة (عَلَى الْخُرْطُومِ) أي: على الأنف، الذي هو رمز للأنفة والكبر، فالمتكبر يرفع أنفه متعالياً، فهذا الأنف المرتفع سيعلَّم بعلامة سوداء، وهذا يوم القيامة، إذ في ذلك اليوم يأتي الناس بعلامات تميزهم، والمستكبر علامته أنه يأتي يوم القيامة وعلى أنفه سواد والعياذ بالله.

    وأهل الغدر -كما أسلفنا- يأتون ولهم ألوية عند أستاههم كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه يقال: هذه غدرة فلان بن فلان)

    والمتكبرون يحشرون أمثال الذر، ومانعوا الزكاة يأتون والحيات تطوّق رقابهم، هذه أوصاف ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضها في كتاب الله سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:180] فهذا المتكبر علامته يوم القيامة أنه يأتي موسوماً أي معلماً على أنفه بعلامة.

    ومن العلماء من قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] وإن حملت معنى العلامة على الأنف؛ لكن المراد بها تسويد الوجه كله، وتسويد الوجه كله مأخوذ من آيات أخر يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106] لكن مع كون وجهه يكون أسود فمع هذا السواد يعلم بعلامة أيضاً على الأنف سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة...)

    إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [القلم:17] هذه القصة والآيات التي تحملها تبين شيئاً، بينته كثير من آيات الكتاب العزيز، حاصله أن الشخص كما يثاب على عمله الصالح، فإنه يثاب أيضاً على نيته الصالحة، وكما يعاقب على عمله السيئ يعاقب أيضاً على نيته السيئة.

    وبهذا تكون قد تفتحت أمام العبد أبواب من أبواب الخير، فمن لم يجد مالاً ينفقه في سبيل الله، ومن لم تسعفه صحته للصيام وللقيام فليصلح النية فإن النبي قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من الأجر ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شركوكم في الأجر حبسهم العذر) ولما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نزلت هكذا، وابن أم مكتوم بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشكا ضرره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزل والرسول جالس غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95] فدعا الرسول زيد فأملى عليه غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والأدلة في هذا الباب لا تكاد تحصى، فإذا خرج العبد يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا كتب له أجر الجماعة، فباب الخير مفتوح لمن لم يسعفه ماله للصدقة، ولمن لم يسعفه جهده للصدقة، ولمن لم يسعفه جهده للصيام ولا للقيام، فيكفيه أن يصلح نيته وينوي نية حسنة، وكذلك النيات الخبيثة.

    قال تعالى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ [القلم:17] أي: اختبرناهم، اختبرنا من؟

    اختبرنا القرشيين، (كَمَا بَلَوْنَا)، أي: كما اختبرنا (أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)، فهذا الابتلاء كان بالسراء أو بالضراء؟ فيه الوجهان، فإن قيل: إنه اختبار بالسراء، فالله قد ابتلى أصحاب الجنة بجنة -بحديقة أو بستان- وهذه نعمة وابتلى القرشيين بنعمة مثلها، وهي بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فهذه نعمة.

    وإن كان بالعقوبة، فكما أن أصحاب الجنة كفروا النعمة فحلت بهم العقوبة، فكذلك أهل مكة كفروا بالنعمة، وهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلت أيضاً بهم النقمة، كما قال سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل:112] وهي مكة بالإجماع، يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] .

    فسواء قلنا: إن الابتلاء كان بالسراء أو بالضراء فلكل وجه.

    فإن قال قائل: هل في كتاب الله ما يشهد للقول بأن الابتلاء قد يكون بالسراء؟

    فالإجابة: نعم؛ قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ولما رأى سليمان عليه السلام عرش ملكة سبأ مستقراً عنده قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40] .

    فالابتلاء قد يكون بالسراء وقد يكون بالضراء.

    قد يكون الابتلاء بالصحة والعافية وقد يكون الابتلاء بالمرض وبالسقم.

    قد يكون الابتلاء بالجمال الزائد، وقد يكون الابتلاء بالدمامة الزائدة.

    قد يكون الابتلاء بارتفاعك في المنصب وقد يكون الابتلاء بانخفاضك في المنصب، كل هذه ابتلاءات، إذ الحياة الدنيا كلها ابتلاءات، والله هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] .

    إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [القلم:17] لم يرد شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت صحيح في تحديد من هم أصحاب الجنة، ولا ما هي بلادهم، ولكن الجنة بصفة عامة هي الحديقة والبستان الذي تكاثرت فيه الأشجار وتشابكت حتى جَنَّت من بداخلها، أي: حتى غطت على من بداخلها، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا [الأنعام:76] ومنه إطلاق الجِنّة على الجن لاستتارهم، ومنه إطلاق الجنون على المجنون لأنه جُنّ، أي: غطي على عقله.

    إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [القلم:17] أسلفنا أنه لم يأت نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح من هم هؤلاء القوم، ولكن العبرة حاصلةً على أية حال، ولو كان في تحديدهم وذكر أسمائهم وبلادهم نفع لذكروا في كتاب الله وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] ، ولما أكثر المفسرون في تحديد هؤلاء الأشخاص، لم يكن إكثارهم من التوفيق بمكان إلا محبتهم للأثر الوارد عن السلف فقط، وإلا فالأولى أن تستبعد لكن محبة الآثار الواردة عن السلف حدت ببعض المفسرين أن يورد أقوالاً في هذه التحديدات هل هم بمصر؟ أو باليمن؟ أو بنجران؟ أو أماكن أخر؟ أقوال عدة، والأكثرون على أنها باليمن، والله أعلم.

    فالتفاسير التي حشيت بمثل هذه الأقوال كتحديد اسم أصحاب الكهف وقبائلهم، واسم كلبهم، وتحديد مكان العزير وتسمية حمار العزير، وتحديد البلاد التي نزل بها ذو القرنين إلى غير ذلك من هذه التحديدات التي أطال فيها المفسرون، الأولى عدم ذكرها، لكنها فقط من باب محبة الأثر، وهي التي حدت ببعض المفسرين وحملتهم على ذلك.

    قال جمهور المفسرين: هم قوم باليمن، كان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان يعمل في أمواله في حياته بما يرضي الله، فيعطي المساكين حقوقهم، بل ويتصدق فوق الواجب أيضاً، فلما مات هذا الرجل الصالح، اجتمع بنوه وقالوا: قد كان أبونا يفعل ذلك والمال كثير، أما الآن فقد تقسم المال على الورثة، فقلت الأنصبة وأبناؤنا أحق من هؤلاء الفقراء، وبعضهم طعن في أبيه وفي تصرفاته الشعواء في ظنه، واتفقوا وبيتوا النية الخبيثة على عدم إعطاء الفقراء شيئاً من الحقوق، وأقسموا بالله، وتعاقدوا في فيما بينهم، وتعاهدوا على أن يجنوا ثمارهم في الصباح قبل أن يراهم الفقراء وقالوا فيما بينهم: قد مضى هذا العهد الذي كان الفقراء يتوافدون فيه علينا من كل مكان، وقد مات أبونا ولا حاجة لنا في هؤلاء الفقراء وأقسموا فيما بينهم وتعاقدوا على هذا.

    إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ [القلم:17] أي: ليقطعن ثمارها في الصباح الباكر، وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:18] في تفسير قوله تعالى: وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:18] قولان:

    أحدهما -وهو الذي عليه الجمهور-: (لا يَسْتَثْنُونَ) أي: لا يقولون إن شاء الله، فقالوا: نقسم بالله أن نجز الثمار صباحاً ولا نعطي الفقراء أي شيء، ولم يقولوا: إن شاء الله، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن سليمان: (أما إنه لو قال: (إن شاء الله) لم يحنث) وذلك لما قال سليمان: لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن ولداً يجاهد في سبيل الله، قيل له: قل: (إن شاء الله) فلم يقل، فما ولدت منهن إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما إنه إن قال: (إن شاء الله) لم يحنث، وكان أرجى لحاجته) ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن من قال: أقسم بالله ألا أذهب إلى القاهرة، وأتبعها بكلمة (إن شاء الله) على التوالي ليس على التراخي؛ فذهب لم يحنث، ولا يكون عليه كفارة، فلذلك يكون مخرجاً للأم التي تهدد ولدها الذي لا يفهم، وتقول له -إن اضطرت إلى القسم-: أقسم بالله لأضربنك إن شاء الله، فإن قالت: (إن شاء الله) ارتفع عنها التكفير، ولأي شخص أن يتبع اليمين بقوله: (إن شاء الله).

    فالقول الأول قول الجمهور في تفسير: وَلا يَسْتَثْنُونَ أي: لا يقولون: (إن شاء الله).

    والقول الثاني: أن المراد بقوله: وَلا يَسْتَثْنُونَ أي: لا يقتطعون حق الفقراء ويجنبونه على جانب كما كان أبوهم يفعل.

    فَطَافَ عَلَيْهَا [القلم:19] تآمروا هذه المؤامرة، واتفقوا هذا الاتفاق، وهذا درس يؤخذ منه عبرة لكل شخص ينوي شراً، فالموسع عليه إذا أراد عمل الخير فليحذر من تثبيط الشيطان، فهم فكروا هذا التفكير السيئ، وتعاقدوا هذا العقد الخبيث، ولا يدرون ما الذي يدبره الله لهم، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19] ما هو هذا الطائف؟

    من العلماء من قال: هي آفة تسلطت على الأرض فأبادتها، ومنهم من قال: ريح صرصر شديدة أحرقت الأشجار جميعها.

    والشاهد أن الأرض أبيدت ودمرت واحترقت فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ [القلم:19] العقوبة من الله، هو الذي يسخر السحب، وهو الذي يأتي بالبرد، وهو الذي يأتي بالحر، وهو الذي يسلط الآفات، الشاهد:أنه طائف ليس من أحد من البشر بل هو طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19] .

    فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:20] والصريم: هو الشيء الذي صرم، أي أصبحت كأنها قطعت وحصدت، ومنهم من قال: إن الصريم الأسود البهيم شديد السواد أي: أصبحت كالليل المظلم، فأصبحت كالصريم، هذا الذي فعله الله بهم وهم نائمون.

    فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ [القلم:21] تأمل في الآية، وتخيل منظرهم أمام عينيك، كلٌ ذهب ينادي الآخر من بيته، (فتنادوا مصبحين)، قم يا فلان! قم يا فلان! قبل أن يستيقظ الفقراء، الفقير الفلاني بجوارنا قم وامش رويداً رويداً حتى لا يسمع، فتنادوا مصبحين، أَنِ اغْدُوا [القلم:22] أي: انطلقوا في الغداة عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ [القلم:22] إن كنتم ستصرمونها بسرعة فقوموا، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ [القلم:23] أيضاً: تصور منظرهم وهم يتخافتون بالكلمات المنخفضة، كلٌ لا يريد أن يسمع إلا نفسه أو الآخر، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم:23-24] ولكن وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] ، تدبير الله فوق كل تدبير، والله من ورائهم محيط، وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50] .

    قال الله سبحانه وتعالى: فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم:23-24] فكم من شخص بيت الشر، وقبل أن يمضيه بيّت الله له أضعافه، وأخذه أخذة واحدة، وقبل أن ينزل مكره وبأسه بالعباد أنزل الله بأسه ومكره به، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] .

    وَغَدَوْا انطلقوا صباحاً عَلَى حَرْدٍ أي: على حرص وطمع وجد واجتهاد قَادِرِينَ [القلم:25] في ظنهم أنهم متمكنون من حديقتهم، وسيصرموها تماماً في الصباح، ولن ينازعهم أحد، (غدوا على حرد) حرص وطمع (قادرين) بظنهم وبزعمهم أنهم قادرون على جذ الأرض، وعدم إعطاء الفقراء.

    تنزل الآية فَلَمَّا رَأَوْهَا رأوا البلية الكبرى، قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:26] قد تهنا عن أرضنا، لعلنا أخطأنا الطريق، واتجهنا إلى أرض أخرى فالأرض هذه سوداء كالليل البهيم، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:26] لكنهم يعرفون الذنب الذي ارتكبوه، والنية الخبيثة التي نووها، فاستدركوا، وقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [القلم:27] فتشوا فما وجدوا إلا أن الأرض هي أرضهم بعينها، فالجيران هم الجيران لم يتغيروا، وأرضهم هي التي نزل عليها البلاء من دون الأراضي، قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:66-67] فأضربوا عن قولهم إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:26] واستدركوا وقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم:27-28] أي: أعقلهم وأحكمهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:28] ألم أقل لكم: قولوا (إن شاء الله)، ولكن إذا غلب الشر ذهب بما معه من خير، والواحد الصالح في وسط الجمهور المفسدين لا يكاد يجدي، والقاعدة: أن العبرة بالأغلب، فصلاح مثل هذا الصالح في الوسط لم ينفع بشيء، إذا كثر الخبث حل البلاء -والعياذ بالله- كما جاء في الحديث: (أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث) أما إذا زاد الخير فالخبث القليل في وسطه لا يؤثر، كالماء (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) كما حسنه بعض العلماء.

    قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [القلم:29] أي ننزه ربنا سبحانه وتعالى عن الظلم، فما حل بنا إنما هو عقوبة لنا على نياتنا، قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ [القلم:29-30] وتصور منظرهم كلٌ يقْبل على الآخر قائلاً: أنت السبب، الله ينتقم منك، أنت الذي تسببت لنا في البلاء، أنت وأنت، أقبل بعضهم على بعض كلٌ يلقي اللوم على الآخر، أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ [القلم:30] والتلاوم في الآخرة أشد كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] والعياذ بالله.

    قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [القلم:31] تجاوزنا الحد في الظلم، ولم نقف عند حد، فبعد أن كانت أيديهم هي العليا -لأنهم يعطون الناس- أصبحت أيديهم السفلى، وأصبحوا أهل احتياج وأهل مسكنة، فيحتاجون إلى من يجمع لهم القوت بعد أن كان أبوهم يذهب إلى بيوت الفقراء يعطيهم مما أعطاه الله، إذا ببيوتهم هي التي تحتاج إلى العطاء، أصبح أولادهم جياعاً بعد أن كانوا أهل ثراء، تبدلت الأحوال، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، يعز من يشاء، ويذل من يشاء.

    قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ [القلم:31] تجاوزنا الحد في الظلم والطغيان، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا [القلم:32] هل تابوا في الدنيا أو لم يتوبوا، وهل أبدلوا خيراً منها، أم لم يبدلوا خيراً منها؟

    سئل قتادة عن هذا، فقال للسائل: لقد كلفتني عنتاً وتعباً.. الله أعلم، وليس لذلك كبير تأثير في العبرة المأخوذة من وراء قصتهم، لكن أصول الشرع تفيد أن من تاب في الدنيا قبل الممات تاب الله عليه، فإن الله يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين...)

    أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ [القلم:35-36]! ما هذه العقول التي فكرت هذا التفكير السيئ؟! وهذا الظن السيئ بالله؟!

    هل ربك سبحانه ظالم حتى يجعل المسلم كالمجرم؟!

    هل المصلي الصائم الطائع لله كالفاجر الفاسق المفتري الكذاب؟!

    هل الذي يأكل أموال اليتامى ظلماً كالذي يمسح على رءوس الأيتام ويقتطع لهم من ماله ويعطيهم؟! هل يستوي هذا وذاك؟!

    هل يستوي المجاهد في سبيل الله مع المحارب لدين الله ولسنة رسول الله؟! أبداً لا يستويان مثلاً.

    هل يستوي من قام من الليل يتهجد وتذرف عيناه دمعاً خوفاً من لقاء الله وخوفاً من ظلمات القبر كرجل سهر طول الليل أمام الراقصات والفاسدات والأغاني؟!

    أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35] ؟! أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18] ؟! أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28] ،؟! أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] ؟! أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر:8] هل يستوي هو ورجل قائم خائف وجل من الله سبحانه وتعالى؟!.

    أصول الشرع كلها تنفي هذه المساواة، فلا تظن بالله ظناً سيئاً، فمن ظن أن الله يسوي بين المسلم والفاجر، ظن بالله ظن السوء، وظن أن الله حكم غير عدل، فالحكم في هذه الأمور -يا إخوان- ليست بالارتجال، فرجل قام آناء الليل حتى تورمت قدماه ليس كرجل جرى في ملعب طول النهار حتى تكسرت قدماه، هذا له شأن وهذا له شأن آخر.

    من كظم غيظه وعفا عن الناس ليس كمن سبَّ الناس وآذاهم، وأطلق لنفسه العنان، أبداً لا يستويان، من كظم الغيظ وعفا عن المسلمين، ليس كمن انهال على المسلمين بالسباب والشتائم والضرب واللعن.

    وهذه أصول لابد أن تفهم حتى لا تظن بالله ظن السوء وأنت لا تشعر.

    قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35] أيعقل؟! (مَا لَكُمْ) ما الذي حدث للعقول، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:36] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لكم كتاب فيه تدرسون ...)

    أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [القلم:37] هل لكم كتاب نزل من عند الله درستم فيه أن الله يقول: المسلم كالكافر، والظالم كالعادل المنصف، هل نزل عليكم كتاب من الله فيه هذا الكلام، أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ [القلم:37-38] من العلماء من قال: (إنَّ) هنا بمعنى أنَّ وأرجعها إلى الآية التي قبلها فقال: أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [القلم:38] أن لكم فيه لما تخيرون أي: هل نزل عليكم كتاب من الله درستم فيه يفيدكم أن لكم الشيء الذي تريدونه.. تريدون الدنيا متعتم بها.. تريدون الأمن في الآخرة تمتعون به، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ [القلم:38].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة)

    أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ [القلم:39] هل أقسمنا لكم أيماناً وعقدّناها وهذا فيه جواز تعقيد اليمين وتكرير اليمين، وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:91] قال التوكيد تكرير اليمين، أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا يعني: هل أقسمنا لكم أيماناً بالغة إلى يوم القيامة أنكم ستعيشون آمنين مطمئنين إلى يوم القيامة، أو ستأتون آمنين مطمئنين يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سلهم أيهم بذلك زعيم)

    (سَلْهُم) أي: يا محمد! سل هؤلاء القرشيين المشركين، (أَيُّهُمْ)، من منهم (بِذَلِكَ زَعِيمٌ)، أي: من منهم الكفيل أو الضامن الذي يضمن لهم أنهم يعيشون آمنين في حياتهم، فكما سلبنا النعمة عن أصحاب الجنة الذين قصدنا لك ذكرهم، فنحن قادرون على سلب النعمة من هؤلاء الذين أمددناهم بأموال وبنين فاستغلوا الأموال والبنين فكذبوا بآياتنا وقالوا عنها أساطير الأولين.

    كيف فعلنا بأصحاب الجنة، الذين تعاقدوا على منع المساكين، وحرمان المساكين، وسقنا لك قصتهم مثالاً، فأخبرهم به، وسلهم أيهم ضامن وزعيم أنهم يعيشون ممتعين إلى الممات، ويأتون آمنين يوم القيامة بعد البعث والنشور، سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ [القلم:40] أي: ضامن وكفيل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، ولو كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن حسن خلقه..) الحديث إلى آخره، فزعيم معناه: ضامن وكفيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم...)

    أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:41-42] من أهل العلم من قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ متعلقة بما قبلها، فليأتوا بشركائهم في هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق.

    ما المراد بقوله تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ؟ من أهل العلم من قال: إن المراد بقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ أي: يوم يشتدّ الأمر، كما يقال: كشفت الحرب عن ساقيها، أي اشتدت واشتعلت، وأبى هذا كثير من أهل السنة والجماعة بل جمهورهم، وقالوا: إن هذا يفسر بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أخرجه البخاري وغيره، وإذا جاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلت معه سائر الأقوال، فلا قول فوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    دعوا كل قول غير قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر

    فجاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في تفسير هذه الآية، فيما أخرجه البخاري وغيره، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً طويلاً وفيه: (ينادي منادٍ: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، فتبقى هذه الأمة فيها مؤمنوها ومنافقوها، فيأتيهم ربهم سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: لست بربنا، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فيقول: وبم تعرفونه؟ فيقولون: بالساق، فيكشف رب العزة عن ساقه، فيخر من كان يسجد له في الدنيا ساجداً، ويأتي من كان يسجد رياء وسمعة كي يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً فيخر لظهره) فهذا هو الراجح في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ [القلم:42-43] أي: ذليلة، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:43] أي: في الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث...)

    فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، آية تحمل كل معاني التهديد، فالذي يقول: ذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، هو الله، والمعنى: اتركني مع هذا المكذب، كما في قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر:11] هنا يقول سبحانه: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44] قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي -أي: يؤخر- للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم تلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:102-103] وفي الحديث الذي نوزع في تصحيحه: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه؛ فإنما ذلك منه استدراج) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ، أي: سنرفعهم درجة درجة إلى الخير في ظنهم وفي زعمهم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ [القلم:44-45] أي: أؤخر لهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:45]

    وفقنا الله لما يحب ويرضى، والسلام عليكم

    1.   

    الأسئلة

    حكم من سلم بعد التشهد الأوسط في الصلاة ذات التشهدين

    السؤال: صليت صلاة رباعية فسلمت بعد الركعة الثانية، وبعد ذلك قمت لإكمال الصلاة فهل أكبر جالساً أم أقف ثم أكبر للصلاة؟

    الجواب: إذا انتهيتَ من التشهد وسلمت قم مباشرة مكبراً وائت بالركعتين الباقيتين ثم اسجد للسهو.

    مسألة: متى يكون على الرجل عدة

    السؤال: هل على الرجل عدة ينبغي أن يلزمها كما أن للمرأة عدة؟

    الجواب: السؤال من الأسئلة التي تنقل بمثابة (الفوازير) لكن في الحقيقة أنها لا تسمى عدة، لكن إن شئت أن تسميها عدة من باب المجاز فذاك، للرجل أن يتربص ولا يتزوج، حتى تنقضي العدة إذا كان متزوجاً بأربع ثم طلق الرابعة، ولم تنته عدتها؛ فلا يتزوج الخامسة إلا إذا بت طلاق الرابعة، أو انتهت عدتها.

    أو كان متزوجاً بامرأة وطلقها ويريد الزواج بأختها؛ فلا يتزوج بالأخرى إلا إذا انتهت عدة الأولى، أو بت طلاق الأولى، وكذلك في عمتها وخالتها.

    تحديد المدة بين القسم والتعليق بالمشيئة

    السؤال: نريد تحديد التراخي الذي يكون بين المشيئة والقسم؟

    الجواب: ليس هناك حد للتراخي إلا الإتباع المباشر، فمثلاً إذا قال الشخص: اقسم بالله العظيم ألا آكل، وسكت هنيئة ثم قال: إن شاء الله، فالوقت بين القسم وبين مقولة (إن شاء الله) ليس هناك دليل على تحديده، وإنما مرده إلى العرف السائد، ولا نستطيع أن نقول: خمس دقائق، أو خمس ثوان، وإنما مرده عرفي.

    حكم الزواج بغير إذن الولي

    السؤال: ما حكم زواج شاب بفتاة وهي لم تبلغ إلا ثمانية عشر سنة دون إذن وليها، وذلك عندما رفض أبوها تزويجه إياها، ولكن بعد ذلك وافق استسلاماً للأمر؟

    الجواب: الزواج الأول باطل لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي) ولحديثه عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) فالعقد يفسخ.