إسلام ويب

تفسير سورة القلم[1]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة القلم من جملة السور والآيات التي دافع الله سبحانه وتعالى فيها عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وأوضح فيها عظيم جنابه عليه الصلاة والسلام، فأقسم سبحانه في صدر هذه السورة بالقلم على نفي دعوى المشركين بأن النبي مجنون، وفيها بيان أجره العظيم، وخلقه العظيم، وأن الأيام ستكشف له ولهم من هو المفتون المجنون، ثم حذر نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم من مداهنتهم أو مجاملتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون ، ما أنت بنعمة ربك بمجنون)

    باسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    يقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1] (ن) للعلماء في تفسيرها أقوال:

    أحد هذه الأقوال: أن (ن) حرف من الأحرف التي بُدئت بها السور كـ(ص) و(طه) و(ألم) و(ق) و(يس) إلى غير ذلك.

    القول الثاني: أن (ن) المراد به الحوت، وكما في السورة نفسها، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48] ، وصاحب الحوت ذكره الله في سورة الأنبياء، فقال: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87] ، فالقول الثاني من الأقوال: أن (ن) المراد به الحوت، ومما أيد ذلك ذكر صاحب الحوت في هذه السورة، وصاحب الحوت هو ذو النون كما في السورة الأخرى.

    والقول الثالث: أن المراد بـ(ن) الدواة، فأقسم الله بالقلم، وبالدواة التي يغمس فيها القلم، لتمده بالحبر والمداد.

    القول الرابع: أن المراد بـ(ن) اللوح الذي يكتب فيه بالقلم.

    فهذه أشهر الأقوال في تفسير قوله: (ن).

    أيضاً للعلماء في الحوت أقوال لا ينبني أي شيء منها على حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قال: هو حوت يحمل الأرض، ومنهم من قال: هو الحوت الذي التقم يونس، إلى غير ذلك من الأقوال.

    ن وَالْقَلَمِ الواو في قوله سبحانه: (وَالْقَلَمِ) واو القسم، وكما أسلفنا مراراً أن أحرف القسم ثلاثة: الواو والباء والتاء، فالواو هنا واو القسم على رأي كثير من العلماء، فأقسم الله بالقلم. وما المراد بالقلم؟

    من أهل العلم من قال: المراد بالقلم قلم مخصوص وهو أول قلم خلقه الله، وهو أول الخلق على الإطلاق، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يصح بمجموع طرقه: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) ، فمن العلماء من قال: إن المراد بالقلم: القلم الذي خلقه الله أول ما خلق، وكتب به مقادير كل شيء، والحامل لهم على هذا الاختيار أنه درج في كتاب الله على أن الله سبحانه وتعالى يقسم بعظيم المخلوقات، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:5-7] ، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [الصافات:1] ، وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا [المرسلات:1] ، فيقسم الله بعظيم المخلوقات، ولا يقسم بأشياء يسيرة من خلقه، مع أن كل خلقه عظيم، لكن ما تجد ربنا أقسم بالنملة مثلاً، ولا بالبعوضة، ولا بالخنافس، ولا بالصراصير، مع أنها كلها مخلوقات لله، لكن ربنا يقسم بعظيم المخلوقات، فهذا حمل بعض العلماء على أن يقول: إن القلم هنا قلم مخصوص، وهو أول قلم خلق، وهو الذي كتبت به مقادير الخلائق.

    ومن العلماء من قال: هو عموم الأقلام، وليس المقسم به قطعة خشب، وإنما المراد أهمية هذا القلم، وما ينبني عليه، فالقلم النوع الثاني من أنواع البيان، فرب العزة سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:3-4] ، فالبيان بيانان: بيان بالقلم، وبيان باللسان، وقال الله سبحانه وتعالى في أول سورة نزلت على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4] ، فالقلم نعمة امتن الله بها على العباد.

    فقد يطرح سؤال: لماذا وهو نعمة امتن الله بها على العباد لم يعلمها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومع أن العلم محمود، والجهل مذموم، فلماذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم هذه النعمة؟ أليس تعلمها داخلاً في قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114] ، ويتوصل بالقراءة والكتابة إلى الاطلاع على العلوم الشرعية؟!

    فالإجابة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع هذه النعمة لعلة أعظم، ذكرها الله في كتابه: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] ، فلدفع الارتياب والشكوك عن الناس جعل الله الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً.

    ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1] أي: وما يسطِّرون أي: وما يكتبون، فأقسم الله بالآلة، أي: بالقلم وبما كتبته الآلة: القلم وبما كتبه القلم، وعلامَ كان القسم؟!

    مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2] فالله يقسم على أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون، كما وصفه الواصفون، فقد وصفه القرشيون المشركون بالجنون ورموه به، كما قال تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6] فأنت عندما ترى الناس كلهم يقذفونك ويصفونك بالجنون، قد يتسرب إلى نفسك شك أن بك شيئاً من كثرة ما تسمع؛ لأن كل هؤلاء يصفونك بالجنون وتتساءل: هل أنا على خطأ أو على صواب؟! فرسولنا وصفه الكفار بهذا الوصف، كما وصف إخوانه من المرسلين، فقد وصف بذلك نوح صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: كَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9].

    وهكذا عموم الأنبياء، فربنا سبحانه وتعالى هو الذي دافع عن نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بنفسه: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] ما أنت بمجنون من فضل الله عليك، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [القلم:2] أي: من نعمة الله عليك، أنك لست بمجنون، أي: بحمد الله لست بمجنون مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2] أي: ما أنت بمجنون، وجاءت كلمة بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [القلم:2] اعتراضية، فيكون المعنى: ما أنت بمجنون، لكن عززت بقوله مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ، ويصبح المعنى: ما أنت بفضل الله عليك بمجنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن لك لأجراً غير ممنون ، وإنك لعلى خلق عظيم)

    وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم:3] فالآية فيها دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها تصديق لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم:2-3] أي: غير مقطوع، يعني: أجرك ثابت، ومتواصل لا ينقطع، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، عليه الصلاة والسلام، إذاً: القسم على ثلاثة أشياء:

    الشيء الأول: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2] نفي الجنون.

    والشيء الثاني: أن للنبي أجراً لا ينقطع.

    والشيء الثالث: أنه عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم، صلى الله عليه وسلم.

    وما معنى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ؟

    من العلماء من فسر الخلق هنا: بالدين، قال: وإنك على دين عظيم، إذ الإسلام خير الأديان

    ومنهم من فسرها بعموم الأخلاق، وعلى كلٍ فما زالت الآية مجملة، فما هو هذا الخلق العظيم، إذا قيل: إن المراد به عموم الأخلاق؟

    تفسيرها في آيات أخر، كما قال الله تعالى في شأنه عليه الصلاة والسلام: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159] فخلقه مع أصحابه لين، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] فهذا من خلقه عليه الصلاة والسلام، فهذه الآية وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] مجملة فسرتها آيات، وفسرتها أحاديث، أوضحت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوامره كلها تحمل أخلاقاً حميدة، لما سأل هرقل أبا سفيان ، بم يأمركم محمد: قال: يأمرنا بالعفاف، والصلة والصلاة والزكاة وهجر الأوثان، إلى غير ذلك.

    ومن خلقه أنه حريص على أمته وليس حسوداً لها، بل هو حريص على المؤمنين لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] هذه أخلاقه على وجه الإجمال، وقد سئلت أم المؤمنين عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت للسائل: (ألست تقرأ القرآن؟ قال: نعم، يا أماه! قالت: كان خلقه القرآن، ثم تلت: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]) وأبو ذر لما أرسل أخاه يتفقد أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء أخوه وقال: إني وجدت رجلاً يأمر بمكارم الأخلاق، فكانت أخلاقه حسنة في كل شيء، إذ خلقه القرآن في العبادات، وفي المعاملات، وفي سائر شئونه عليه الصلاة والسلام.

    في العبادات إذا أنفق لا يتبع الإنفاق بالمن والأذى، لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264] .. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263] .

    إذا أعطى يعطي لوجه الله، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا [الإنسان:9] .

    إذا علم يعلم لله.. إذا صبر يصبر لله.. إذا تصدق كان رءوفاً بالمتصدق عليه، هذا في أبواب الإنفاق.

    وفي أبواب الصلاة إذا قام يصلي قام خاشعاً لله حتى تورمت قدماه صلى الله عليه وسلم.

    في أبوب الصيام يقول: (من لم يدع قول الزور، والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)

    في أبوب الحج، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] إذا حج لا يُطرد الناس عنه طرداً ويضربون ضرباً كما يحدث الآن، إنما كما قال الصحابي الكريم: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك) صلى الله عليه وسلم.

    في الاجتماع يأتي كذلك يعلم المؤمنين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] .

    ينزل الناس منازلهم فيعرف للكبير حقه، جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حويصة ومحيصة ، فذهب أحدهما يتكلم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كبر، كبر) وقال عليه الصلاة والسلام: (أراني أتسوك، فأتاني رجلان فدفعت السواك للأصغر منهما، فقيل لي: كبر كبر) قال عليه الصلاة والسلام في حالة التساوي في حفظ القرآن والسنة: (وليؤمكم أكبركم) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعطى للكبير حقه، وأنزل الناس منازلهم، وعرف لصاحب المنصب منصبه، ولصاحب الجاه جاهه، وعرف للفقير حاله؛ فرفق به ورحمه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح: (من دخل المسجد فهو آمن) قال ذلك للمشركين الخائفين من القتل لما فتح مكة: (من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن) ثم الشاهد (ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فأنزل أبا سفيان منزلته باعتباره شيخاً لقريش، وأنزل أبا بكر منزلته، لما جاء أبو قحافة مع أبي بكر الصديق ورأسه مشتعلة بياضاً كالثغامة -أي: القطن- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو جلس في بيته يا - أبا بكر - لأتيناه؛ تكرمة لـأبي بكر) ولما ذهب سعد بن معاذ رضي الله عنه يحكم في بني قريظة فرآه الرسول وهو مقبل -وكان سيد الأوس، والأوس من الأنصار- فقال عليه الصلاة والسلام للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) ولما استأذن عليه عثمان والرسول حاسر عن بعض فخذه عليه الصلاة والسلام، فلما سمعه يستأذن غطى فخذيه، في رواية أنه قال: (ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة) وفي الرواية الأخرى أنه قال: (إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إذا رآني على هذه الحال ألا يبلغ إليّ في حاجته) يعني: يستحيي أن يتكلم معي ويشكو إليّ حاجته، ويسألني مسألته إذا رآني على هذه الحال.

    ومن باب رده صلى الله عليه وسلم للجميل وحفظه للمعروف -إذ ليس بجاحد للمعروف ولا منكر للجميل- كان عليه الصلاة والسلام إبَّان مرجعه إلى الطائف وقد طرد وأخرج من مكة إلى الطائف، فلما رجع إلى مكة نزل في جوار المطعم بن عدي ، والمطعم كان كافراً، فلما نزل الرسول في جواره، حمل المطعم بن عدي سلاحه هو وقبيلته، وقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت محمداً فمن مسه بسوء كانت الفيصل بيني وبينه، فحفظ الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم لما مات المطعم ، وجاءت غزوة بدرٍ الكبرى، وأسر من المشركين سبعون؛ جاء النبي صلى الله عليه وسلم ونظر إليهم وقال: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له) فكان يحفظ الجميل صلى الله عليه وسلم، ولا يضيع عنده المعروف عليه الصلاة والسلام.

    وكان حسن العهد بمن مات، فيخلفه في ذراريه وفي أقاربه بخير، قال عليه الصلاة والسلام: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد موته) فإذا كان أبوك يزور شخصاً، أو يزور امرأة من أقاربك، أو من الفقيرات، فلا تقطع الود، ولا تقطع الصلة بموت الأب، ولا تُشعر من كان أبوك يحسن إليهم بالانقطاع، فزرهم وصلهم كما كان أبوك يفعل؛ قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد موته) هكذا قال رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام.

    وأيضاً كانت هالة بنت خويلد كلما جاءت واستأذنت على رسول الله -وهي أخت خديجة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم- عرف من نبرات صوتها نبرات صوت أختها خديجة ، تلكم المرأة الصالحة التي كانت تعينه على نوائب الحق، وتؤازره بحنانها وعطفها وما رزقها الله من مال، فلما ماتت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت هالة ، لما فيه من مشابهة لصوت خديجة ارتاع لذلك، وقال: (اللهم! هالة) حتى غارت عائشة رضي الله عنها لكثرة ما كان النبي يكثر من ذكر خديجة رضي الله عنها، فكان حافظاً للعهد عليه الصلاة والسلام، ولا ينكر المعروف أبداً.

    كان قوي الملاحظة عليه الصلاة والسلام فليس كل الناس يستطيعون التعبير عما في أنفسهم باللسان، بل منهم من يظهر ما في قلبه على وجه، ومنهم من يعبر عما في نفسه إشارة، ومنهم من فاض الذي في قلبه حتى خرج على لسانه فيلزمك أن تكون كرسولك محمد صلى الله عليه وسلم قوي الملاحظة فهّامة تفهم من حولك، وتفهم مدلولات الألفاظ.

    من الناس من امتلأ قلبه لك حباً، فإذا رآك لا تسمع منه إلا كل خير، وكل كلم طيب معبرٍ عما في النفس، ولا ترى منه إلا البشاشات، ولا ترى منه إلا الترحيبات، ومن الناس من ملئ قلبه حنقاً، وغيظاً عليك، فكما قال الله في أضرابه من أهل النفاق: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] إن كنتم تفهمون، وقال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30] فكان الرسول قوي الملاحظة كما كان أصحابه، وكما علم أصحابه رضي الله عنهم، يقول لأم المؤمنين عائشة : (يا عائشة ! إني أعرف يا عائشة! إذا كنتِ عليّ ساخطة، وإذا كنت عليّ غضبة. قالت: يا رسول الله! كيف تعرف ذلك، قال: يا عائشة ! إذا كنت عليّ ساخطة، قلت: لا، ورب إبراهيم ، وإذا كنت عني راضية قلت: لا، ورب محمد) فانظر إلى ملاحظة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رب إبراهيم هو رب محمد صلى الله عليه وسلم لكن لما غيرت أسلوبها، وعدلت عن ذكر محمد إلى ذكر إبراهيم لاحظ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك منها وعرف أنها غضبة، وأن هناك ما يغضبها.

    أما أن تكون بليداً فظاً لا تفهم الأمور، وتحتاج دائماً إلى التصريح وإحراج العباد، فهذا لا يليق بك، كان الناس على عهد الرسول يفهمونه، فقد جاءت امرأة إلى الرسول تهب له نفسها، فصعّد النظر إليها وصوبه، وسكت، وحياؤه يمنعه من أن يصرح بالرفض، فلما سكت عرف ذلك أصحابه، فقال أحدهم: يا رسول الله! إن لم يكن بك حاجة فزوجنيها تعلم الأصحاب من رسول الله.

    وها هو سلمان يزور أبا الدرداء ويرى أم الدرداء متبذلة -أي: غير مهتمة بثيابها وزينتها، وليست مكتحلة، وكان هذا قبل نزول الحجاب، إذ هو في بداية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة- وكان عليه الصلاة والسلام: قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء غير مهتمة بثيابها.. غير مهتمة بمنظرها.. غير مهتمة بأحوالها، فسألها عن سبب عدم اهتمامها بزينتها، وسبب عدم اهتمامها بنفسها، فقالت: أخوك أبو الدرداء ليست له في الدنيا حاجة، فنام سلمان وتعمد المبيت عند أبي الدرداء ، فقام أبو الدرداء يصلي من الليل، فقال له: نم، لا تصل الآن، فنام شيئاً، ثم قام يصلي فقال: نم لا تصل الآن، ثم قام يصلي فقال: نم لا تصل الآن، ثم لما كان الثلث الأخير قام سلمان فأيقظ أبا الدرداء وقال: قم الآن نصلي، ثم قال له: يا أبا الدرداء !: إن لأهلك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقا،ً وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، وإن لزورك -أي: لضيفك- عليك حقاً، فأعط كل ذي حقه حقه، فظن أبو الدرداء أن سلمان منعه من قيام الليل، فلما أصبح ذهب إلى الرسول يحكي له الذي حدث، فما كان من الرسول ذي الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له: (صدق أخوك سلمان في الذي أخبرك به)

    فيا عبد الله! هذه أخلاق نبيك عليه الصلاة والسلام، وهي توضح أنه كان: قوي الملاحظة.

    كما أنك تؤجر في الصلاة فكذلك تؤجر في جماع زوجتك، قال الرسول (وفي بضع أحدكم صدقة) وكما أنك تؤجر في جماع الزوجة، تؤجر في راحة البدن، قال ابن مسعود : إني لاحتسب نومتي كما احتسب قومتي، أي: إني أحتسب الأجر في نومي كما أحتسب الأجر في قيامي للصلاة؛ لأني في هذا أؤدي حق ربي، وفي هذا أؤدي حق جسدي، هكذا كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن أصحابه.

    وفي الشعور بأحاسيس الناس، والتماس المعاذير لهم وعدم تحميل الناس فوق الطاقات تأتي القصة المشهورة، وهي قصة عمر وتفقده لأحوال الرعية، وسماعه صوت المرأة التي غاب عنها زوجها، وهي تقول:

    تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه

    إلى أن قالت بعد أبيات:

    فوالله لولا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه

    فذهب إلى حفصة وقال: يا حفصة ! كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: أربعة أشهر أو ستة أشهر، قال: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك، يعني: حتى لا تقع النساء في العنت، بل حتى لا يقع الرجال أنفسهم في العنت.

    وتقدمت قصة مالك بن الحويرث لما أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مالك -كما في البخاري ومسلم-: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن شببة متقاربون، فمكثنا عنده عشرين ليلة، وكان عليه الصلاة والسلام حليماً رحيماً رفيقاً، فسألنا عمن تركنا من أهالينا؟؟ لما أحس باشتياقنا إلى أهلينا، فأخبرناه، فلما أخبرناه قال: (ارجعوا إلى أهاليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي) فانظر إلى حال الرسول ونظر الرسول الثاقب إلى أحوال الشباب، شباب حدثاء عهد بعرس، يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عمن تركوا وراءهم ويردهم رسول الله إلى أهليهم، فعلى العبد أن يكون رحيماً بالعباد، متلطفاً متخلقاً بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نريد الإطالة في هذا فالباب واسع.

    وهناك قصة مشهورة -وإن لم أقف على سند صحيح لها، وهي محل بحث- وهي قصة أمير المؤمنين عمر مع المرأة التي جاءته، وقالت: يا أمير المؤمنين! زوجي رجل صالح، ليله قائم، ونهاره صائم، صائم بالنهار وقائم بالليل، قال: جزاك الله خيراً، أثنيت على زوجك، فعادت مرة ومرتين، فقال قائل: يا أمير المؤمنين! لقد شكت، فأوجزت وأبلغت، شكت زوجها يا أمير المؤمنين! فهو بالنهار صائم لا يقربها، وفي الليل قائم أيضاً لا يقربها، فقال له: كما فهمت حالها؛ فاقضِ بينهما، فقضى أنَّ لها من كل أربع ليال ليلة على اعتبار أنه متزوج بأربع.

    إلى غير ذلك من القصص ومنها وصايا الرسول لـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فلابد من ملاحظة مشاعر الناس، وعدم تكليف الناس بما هو فوق طاقتهم، وعدم عون الشيطان على إخوانك المؤمنين.

    وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] فكان خلقه في كل الاتجاهات عظيماً صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه كان يداري من في خلقه شيء، كرجل من الصحابة يقال له: مخرمة ، وكان منسوباً إلى الجفاء والغلظة، جاء إلى ابنه المسور بن مخرمة ، فقال له: يا بني! قم بنا ننطلق إلى محمد، أو قم بنا ننطلق إلى رسول الله، فابنه يتعجب من مقالته كيف يقول: ننطلق إلى رسول الله، أو ننطلق إلى محمد بهذا الأسلوب، قال: يا بني! إنه ليس بجبار، والرسول صلى الله عليه وسلم يعرف أخلاق هذا الرجل معرفة جيدة، وكان يقسّم ثياباً، فانتهت الثياب وأبقى الرسول ثوباً في البيت لـمخرمة ؛ لما يعرفه من خلق مخرمة ، فجاء مخرمة ، فدخل الرسول سريعاً قبل أن يسأل مخرمة عن شيء وأتى بثوب مزرر بالذهب، وقال: يا مخرمة ! هذا خبأته لك، وناوله إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فكان صلى الله عليه وسلم يداري أيضاً ذوي الخلق البذيء، وكان إذا استقبل الوفود، يستقبلهم بالبشاشة والترحاب، ويلبس لهم أحسن الثياب، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين عمر -لما أتت رسول الله حلة من الحلل-: (يا رسول الله! خذها فتجمل بها للوفود، وللأعياد). فالسنة كلها خير.

    وكان صلى الله عليه وسلم يوصي بحفظ اللسان، ويوصي بحفظ الفرج، فقال: (من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة) ويقول عليه الصلاة والسلام: (من صمت نجا) ويقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وكان يحث على الصدقات، وعلى الرحمة بالفقير، فهل هناك دين خير من دين الإسلام؟! وهل هناك أخلاق خير من أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟! صدقت أم المؤمنين عائشة لما وصفته وقالت: (كان خلقه القرآن) ، وكان رفيقاً يوصي بالرفق، ليس فظاً ولا غليظاً، بل قال عليه الصلاة والسلام: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) وقال عليه الصلاة والسلام: (من حرم الرفق فقد حرم الخير كله) وقال: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) هذه أخلاقه عليه الصلاة والسلام.

    ومع الأهل والأزواج والبنين والبنات -كذلك- ضرب به المثل عليه الصلاة والسلام، يقول (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) ويقول: (من عال جاريتين حتى تبلغا كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، ويضم بين أصبعيه ويفرق بينهما) وكان عليه الصلاة والسلام يوصي بالأيتام خيراً، فيقول: (أنا وكافل اليتيم في الجنة ويفرج بين إصبعيه) هذه أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه، وكان حيياً؛ إذا ذكر شخصاً أساء إليه عرض باسمه ولم يصرح، وإنما يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا) ، أو يقول: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت من أهلي إلا خيراً) ليس كإخواننا الذين يعتلون المنابر، ويذكرون الأشخاص في كثير من الأحيان بأسمائهم ويلعنونهم ويسبونهم، نسألهم: من أشد ضرراً عبد الله بن أبي الذي قذف زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاحشة، أو رجل من معاصرينا؟ مهما كان ظلمه فلن يصل أبداً إلى ظلم عبد الله بن أبي ابن سلول لرسول الله لما قذف عائشة بالزنا، وهي زوجة نبيٍ وهو كذاب أشر، ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يقف على المنبر ويقول -بكل أدب، وبكل أسف-: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله! ما علمت على أهلي إلا خيراً) إن بعض الصحابة لم يعرف هذا الرجل، حتى قام سعد بن معاذ فقال: من هو يا رسول الله! إن كان منا من الأوس قتلناه، ولو كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فقتلناه...

    فهذا شأن رسولنا، أما أن تصعد على المنابر وتأتي بأسماء الأشخاص، وتلعن وتقبح؛ فلا، لأن اللعن ليس من شأن نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس من شأن أهل الصلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان، ولا بالفاحش ولا بالبذيء) هكذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام.

    فكانت هذه طائفة من الأحاديث في أخلاق رسولنا صلى الله عليه وسلم، والتي لا يأتي عليها الحصر، وينبغي أن تفرد لها محاضرات يبسط فيها القول، فنكتفي بهذا الجزء، ونعود لتفسير كتاب الله عز وجل. ولأخلاق الرسول مجال آخر ووقت آخر إن شاء الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فستبصر ويبصرون ، بأيكم المفتون)

    قال تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ [القلم:5] أي: فستعلم ويعلمون، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم:6] أي: أيّكم هو المفتون، من العلماء من قال: إن الباء زائدة كما في قوله تعالى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ [المؤمنون:20] والباء؛ قال فريق من العلماء: الباء زائدة، فقوله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ [القلم:5] فستعلم يا محمد! وسيعلم هؤلاء الكفار المفترون -الذين يدعون أنك مجنون، وأنك مفتون- من المفتون! بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم:6] و(المفتون) من العلماء من قال: معناه: المجنون، لأنها جاءت في عقب الآية التي هي مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2] فلما نفى الجنون عنه قال: ستعلمون من المجنون، ومن هو المفتون والمصروف عن الحق، فالفتنة تطلق على الصرف أحياناً، ومنه قول الشاعر:

    لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم

    وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم

    فقوله: (لإن فتنتني) أي: لئن صرفتني عما أنا عليه من الخير، فهي بالأمس أفتنت سعيداً، (فأصبح قد قلى كل مسلم)، (وألقى مصابيح القراءة واشترى) أي: أنصرف عن الخير، (وألقى مصابيح القراءة واشترى) (وصال الغواني بالكتاب المتيم).

    فمفتون: إما أنه المصروف عن الحق إلى الباطل، وإما أنه المجنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ...)

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون)

    فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا [القلم:8-9] أي: طمعوا , وأحبّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] ، أي: تميل إلى دينهم وإلى آلهتهم فيمالئونك على ما أنت عليه شيئاً ما، (تدهن): تميل، وقالوا: إن الدهن إذا وضع على شيء يلينه، أي: تلين فيلينون، أي: تلين فيسكتون عنك، (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) أي: تميل إليهم في معتقدك، ولم يلن لهم رسول الله في شيء من معتقده أبداً، إنما إذا كان هناك شيء من إظهار الموافقة بالأعمال ليس في العقائد، فقد يقر الشرع لك أن تتلفظ بكلمة الكفر والقلب مطمئن بالإيمان، أما الإيمان القلبي فلا مساومة فيه أبداً، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] ولو ركنت إليهم شيئاً قليلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:75] .

    الممالآت باللسان إن احتيج إليها فتقدر بقدرها، يعني: إن احتجت في المعاملات العامة إلى أن تستعمل شيئاً من التقية أو المداراة، فلك أن تصرح فيها بالقدر الذي يحتاج إليه وتنصرف، لكن المعتقد القلبي لابد أن يكون مطمئناً بالإيمان.

    أما المعاملات بالجوارح فلك إن أكرهت على شيء أن تتلفظ حتى بكلمة الكفر، وقد أباح الرسول صلى الله عليه وسلم الكذب في بعض المواطن، لكن يحب أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف:28] الأصل أن الطاعة على أنواع: فلا يطاع أحد في العقائد، إلا إذا أكرهت على التلفظ بكلمة الكفر، فيجوز لك أن تمضيها بقدرها، وإذا أكرهت على عمل من الأعمال فأيضاً بحسب نوع هذا العمل، وهذه المسألة فقهية واسعة تحتاج إلى محاضرة أو محاضرتين لبيان الجائز منها من المحظور.

    وفقنا الله إلى كل ما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم لمس الخاطب لمخطوبته والخروج معها

    السؤال: شخص قرأ الفاتحة على امرأة -أي: خطوبة- وخرج معها وهو متوضئ، ولمس يدها، هل يجوز أن يخرج معها؟! وما حكم مصافحة النساء؟

    الجواب: قراءة الفاتحة هذه التي فعلها لا تُحل له أي شيء، فلا يجوز له أن يمس يدها؛ لأن النبي قال: (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).

    أما هل هذا المس ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟! فقولان لأهل العلم، والأصح منهما -كما يظهر والله أعلم- اختيار عبد الله بن عباس أن المس الذي هو دون الجماع لا يوجب وضوءاً؛ لأن عائشة مست رجل الرسول وهو ساجد، ولم يخرج الرسول عليه الصلاة والسلام من صلاته، وحمل قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] على أن المراد هو الجماع، أما إذا شعر بأنه أمذى وخاصة إذا كان في مثل هذه الحالة من الفتوة -وهي كذلك- فإذا تأكد أنه أمذى وجب عليه الوضوء.

    التعارض في التصحيح والتضعيف في الأحاديث

    السؤال: ماذا نفعل إذا وجدنا تعارضاً في التصحيح والتضعيف لبعض الأحاديث؛ وخاصة أنه اشتهر في هذه الأيام؟!!

    الجواب: هذا ليس مشهوراً هذه الأيام، وإنما من عهد الأئمة الكبار كالإمام الشافعي رحمة الله عليه، كان في كثير من المسائل الفقهية يعلق الحكم فيها على صحة حديث ما، إذا توقف في الحكم عليه صحة أو ضعفاً، ويقول: إن صح الحديث فأنا أقول به، ويكون قولي هو كذا وكذا، ويتوقف على الحكم، فهذا الذي ذكرته يحملك على أن توسع أفقك شيئاً ما لاستقبال المسائل التي فيها وجهان للعلماء.