إسلام ويب

تفسير سورة الواقعة [2]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين الله في سورة الواقعة ما أعده من عذاب شديد لأصحاب الشمال، فذكر طعامهم وشرابهم ومأواهم، وأنه حميم في حميم؛ وذلك لأنهم كفروا بالله تعالى ولم يلتزموا بشرعه ولا بأمره ونهيه. ثم ذكر الله تعالى جملة آيات دالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته.

    1.   

    مصير أصحاب الشمال، وصفاتهم

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    يذكر الله سبحانه وتعالى الصنف الثالث من أهل الآخرة، فيقول سبحانه: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:41-45].

    قوله تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ [الواقعة:41] أطلق عليهم أصحاب الشمال كما قال فريق من أهل العلم: لأنهم يتلقون كتبهم بشمالهم. وكيف يجمع بين تلقيهم الكتب بالشمال كما في قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة:25] وبين قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:10]؟

    فمن العلماء من قال: يؤتاه بالشمال من وراء ظهره كذلك، فتمتد اليد الشمال خلف الظهر ويتلقى الكتاب على هذه الحال والعياذ بالله!

    وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [الواقعة:41]، تكريرها لبيان هول وعظم ما أعد لهم، أي: وأصحاب الشمال وما أدراك ما حال أصحاب الشمال؟! إنه حال سيئ ومذل ومخز، والعياذ بالله! حالهم فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [الواقعة:42] (السموم): الريح الحارة الشديدة، و(الحميم): الماء الحار الشديد الذي قد انتهى إلى أعلى درجات حرارته.

    وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة:43] الدخان الأسود الشديد، وهذا هو الذي يظللهم، فريح حارة شديدة، والظل الذي يستظل به دخان أسود كثيف مؤذٍ، والماء الذي ظن أنه يتبرد به من الحميم.

    وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة:43-44] هذا مصيرهم في الآخرة.

    ترف أهل الشمال

    ثم قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ أي: في دنياهم مُتْرَفِينَ ، وهل كل مترف في الدنيا يعذب في الآخرة؟

    قطعاً ليس كل منعم في الدنيا يعذب في الآخرة، ولكن كما قال فريق من أهل العلم: إن عموم أهل الترف على الشر والفساد، فأهل الترف مفسدون وأهل شر، ولا يستثنى منهم إلا القليل، فدل على هذا الأصل قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [الإسراء:83]، أي: الإنسان إذا أنعمنا عليه بنعمة أعرض ونأى بجانبه، وكما قال سبحانه: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] أي: من رأى نفسه مستغنياً عن الله بدأ في التمرد والطغيان؛ ولذلك يقول الله جل ذكره: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] من العلماء من يقول: أمرنا مترفيها بأوامرنا ونواهينا فعصوا تلك الأوامر وأقبلوا على تلك المناهي فخالفوا أمرنا بذلك، فحق على هذه القرية القول فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16].

    ومنهم من يقرأها بالتشديد (أمّرنا مترفيها) أي: جعلنا المترفين أمراء فسعوا في الأرض بالفساد، فليس مجرد الترف -الذي هو النعمة في الدنيا- سبباً للعذاب، لكن سياقات الكتاب العزيز تبنى على العموم، كما قال الله جل ذكره: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، مع أنه أثبت لبعض الأعراب إيماناً في قوله تعالى: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ [التوبة:99]، فليس الترف والنعيم والتنعم والاستمتاع بالدنيا وحده جالب للعذاب، فإذا أدى هذا المنعَّم في الدنيا حق الله عليه في ماله وفي صحته فهو على خير، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، وجاءه الفقراء يشكون ما لإخوانهم الأثرياء من الأجر بقولهم: (ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى والنعيم المقيم)، وفي آخر الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق... ).

    فليس كل منعم في هذه الحياة الدنيا من أهل النار، وليس كل شقي في هذه الحياة الدنيا من أهل الجنة، فكم من رجل -والعياذ بالله- جمع بين شقاوة الدنيا وشقاوة الآخرة، وكم من شخص في هذه الحياة الدنيا جمع بين النعيمين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.

    فها هو نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام آتاه الله ملكاً لم يعطَ لأحد من بعده، ولم يحزه أحد من قبله فيما علمنا، ومع ذلك هو نبي صالح يقول: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19] وها هو ذو القرنين كذلك كما قال الله: وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف:84]، ومكنه الله غاية التمكين في الأرض، وهو رجل صالح أثني عليه خيراً في كتاب الله سبحانه.

    وهذا يجرنا إلى شيء ألا وهو: إن هناك أحاديث فيها الوعيد لأصحاب جرائم ورد في ذكرهم جملة من الخصال خصلتان أو أكثر، فهل يعذبون بسبب الخصلة الواحدة أم لابد من اقتران الخصلتين معاً؟

    مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يكون في آخر الزمان أقوام لهم حواصل كحواصل الطير، يصبغون بالسواد، لا يريحون راحة الجنة) هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح.

    فهل مجرد الصبغ بالسواد هو الذي يجعلهم لا يريحون رائحة الجنة أم يضم إليها أيضاً أنهم يحلقون لحاهم ويتركون في نهايتها شيئاً مستديراً كالذي يفعله بعض السعوديين الآن، ويصبغ الشعيرات التي في آخر اللحية بالسواد؟ هل هذا الصبغ بالسواد فقط هو الذي حذا بهم إلى أنهم لا يريحون رائحة الجنة أو نضم إليه أيضاً أنهم يحلقون لحاهم، ولا يبقون إلا مثل حواصل الطير؟ أو أن فيهم أشياء أخرى لم تذكر في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام إنما ذكرت العلامات فقط؟ أي: أن هناك خصالاً لهؤلاء الناس الذين ذكروا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لم تذكر في الحديث، ومن سيماهم: أنهم يصبغون بالسواد، وأن لهم حواصل كحواصل الطير؟

    في الحقيقة أن هذا ينبني عليه فقه واسع، ليس في هذه المسألة فحسب بل في عدة مسائل، هل الصفات التي ذكرت هي وحدها الكفيلة بمنعهم من الجنة، ومنعهم أن يشموا رائحتها أم هناك صفات أخر استترت في الحديث ولم تبين، ولكن ظاهرهم أنهم يصبغون بالسواد؟

    مثال آخر: وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:38-46]،فهل الصفة الواحدة من هذه الأشياء المذكورة كفيلة بالحكم عليهم بالإجرام وبالحكم عليهم بالخلود في النيران؟

    قطعاً هذا محل نظر، فإن بعض الأشياء التي ذكرت في قوله تعالى: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43] إلى آخر الآيات منها صفات مكفرة بالاتفاق، موجبة للوصف بالإجرام وللخلود في النيران، كقولهم: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:46]، وصفات أخر مكفرة على خلاف بين العلماء وهي قولهم: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43]، وصفات أخر وهي قولهم: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:44] ليست مكفرة على رأي الجماهير.

    فهل اشتباك هذه الصفات معاً هو الذي يحكم عليهم بالإجرام وبالخلود في النيران أو أن بعض الصفات هي التي تحكم عليهم بذلك؟ لكل مسألة من هذه المسائل ملابساتها الخاصة، فينبغي إمعان النظر في مثل هذه الأحوال حتى يخرج الشخص بفقه صحيح متفق مع النصوص العامة والقواعد الكلية لأهل السنة والجماعة، والله أعلم.

    الشاهد: أن قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:45]، إذا فسرنا الترف بأنه مجرد التنعم فلا شك أن التنعم وحده ليس بكافٍ ولا بكفيل للحكم عليهم أن يكونوا من أصحاب الشمال، فكم من منعم في هذه الحياة الدنيا كان مصيره إلى الجنان! فهذا أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه من أصحاب الأموال الطائلة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أصحاب الأموال الطائلة، قيل: كان لـعثمان ألف جارية! وثم صحابة آخرون آتاهم الله مالاً غزيراً، ومع ذلك أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الثناء.

    فقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:45]، ضموا مع هذا الترف وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:46]، من العلماء من قال: إن الحنث العظيم هنا المراد به: الشرك، ومن العلماء من قال: إن أصل الحنث هو الذنب، يقول الشخص: حنثت، أي: وقعت في الذنب لكوني أقسمت وخالفت يميني، فالحنث أصلاً هو الذنب، لكن لاقترانه بالعظيم فسر بعض أهل العلم الحنث العظيم بالشرك، ومنهم من قال: هو الذنب العظيم، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:46].

    الإصرار على الذنوب

    هذا بحث عاجل وسريع حول مسألة الإصرار على الحنث العظيم على تأويل من فسر الحنث العظيم بأنه الذنب وليس الشرك، أما تفسير الحنث العظيم بأنه الشرك فلا إشكال فيه؛ لأن نصوص الشريعة تشهد بأن من أصر على الشرك ومات عليه فإنه من أصحاب الشمال، لكن التوجيه على رأي من قال: إن الحنث العظيم هو الذنب العظيم ما دون الشرك، فهل الإصرار على الذنب العظيم الذي هو دون الشرك يجلب لصاحبه الخلود في النار؟

    الجواب: القواعد الكلية لأهل السنة والجماعة تفيد أن الإصرار على الذنب العظيم الذي هو دون الشرك كالإصرار على الزنا مثلاً أو الإصرار على القتل، فالإصرار على ذلك ليس بموجب للخلود في النار؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116] ولقول الله سبحانه وتعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:284] ولقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53]؛ ولحديث البطاقة الذي فيه: (أن الله سينادي رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيقول الله سبحانه وتعالى: انشروا له صغار ذنوبه، وأخفوا عنه كبارها، فيخرجون سجلات طويلة سجلت فيها معاصيه وذنوبه، طول هذه السجلات مثل مد البصر! فيقول الله سبحانه وتعالى له: أظلمناك شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! يقول الله: أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فتوضع في كفة، ثم يقول الله له: إن لك عندنا حسنة، وإنك اليوم لم تظلم، فتخرج له بطاقة فيها: لا إله إلا الله فتوضع في الكفـة الأخرى، فتطيش بتلك السجلات، ولا يثقل مع اسم الله شيء) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذا الحديث قد يفهم على غير وجهه، كما فهمه بعض أهل الإرجاء، ولكن فهمه عند أهل السنة أنه مثال لرجل أراد الله أن يغفر له، وليس بلازم أن يغفر الله لكل مجرم، وليس بلازم أن يغفر الله لكل مسرف على نفسه، بل كما سمعتم يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت:21]، فالمصر على المعصية حتى يموت عليها، ولم يتب منها؛ ليس بلازم عند أهل السنة والجماعة أن يعذب.

    والمقام مقام تحرير المسائل العلمية، ليس مقام تخويف ولا ترهيب، فنحن في وسط إخواننا طلبة العلم، فالمقام مقام تحرير مسائل علمية، فمن أصول أهل السنة والجماعة ما سمعتموه، ويشهد لهذا المعنى حديث البغي التي كانت تتكسب من الزنا والعياذ بالله! فمرت ذات يوم بكلب يلهث من العطش، فنزعت موقها وملأته ماءً من بئر وسقته، فشكر الله لها، فغفر لها، وأدخلها الجنة، ولم يذكر في الحديث أنها تابت من هذا الذنب، فأمر ذلك إلى الله سبحانه، لكن إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116].

    إنكار المشركين للبعث

    قال تعالى: وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة:47]، ينكرون البعث أيضاً، فكانوا يشركون بالله وينكرون البعث، وإنكار البعث بمفرده كفر، والشرك بالله بمفرده موجب للخلود في النار.

    وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة:47] استبعاداً للبعث، وهذا يفترق به المسلمون عن غيرهم من أهل الديانات، وإن كان بعض أهل الممل كاليهود يقرون بالبعث، لكن تصورهم للبعث تصور خاطئ، فقد زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وزعموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، أحسنوا العمل أم لم يحسنوه، قالوا بزعمهم: إن النار تمسهم سبعة أيام، وهي تلكم الأيام التي عبدوا فيها العجل، ثم يخلفهم فيها المسلمون بزعمهم!

    وقول الله سبحانه وتعالى: وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة:47] كقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:79-83]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال رجل ممن قبلكم لبنيه: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: كنت خير أب، قال: فإن الأبعد لم يفعل خيراً قط، والله! لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فإذا أنا مت فحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم في يوم عاصف، فلما مات وصنعوا به ذلك أحرقوه، ثم طحنوه، ثم أخذوا ترابه في يوم عاصف، وأتوا إلى البحر فذروه في البحر فلما فعلوا به ذلك قال الله له بكلمة واحدة: كن رجلاً، فإذا هو رجل قائم بين يدي الله سبحانه، فقال الله له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب! فغفر الله له).

    قال الله سبحانه وتعالى: وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة:47-50]، كل الأوائل والأواخر سيجتمعون في صعيد واحد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي) داعٍ واحد يدعوهم والكل يستمعون إلى قوله، بجمع كل من كان من عهد آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال سبحانه: قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة:49-50]، وهذا دائماً يذكر به الله في ثنايا الآيات؛ لأن التذكير بالبعث واليوم الآخر يحمل على إحسان العمل.

    طعام أهل الشمال في الآخرة وشرابهم

    قال سبحانه وتعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة:51-52]، والضالون هنا ليس المراد بهم النصارى الضالون فحسب ، بل المراد عموم من ابتعد عن كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكفر بالله، فدخل في ذلك أهل الشرك وأهل الإلحاد واليهود والنصارى ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ [الواقعة:51] أي: المكذبون بالبعث لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة:52]، والزقوم وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46] وقال تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60] فسرها بعض العلماء بشجرة الزقوم، وهي شجر وليست شجرة، كما قال الله: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة:52]، وقال تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الصافات:66]، وقال الله في صفة هذه الشجرة: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64]، وقد جعلها الله فتنة للظالمين، حيث قال أهل الظلم: كيف تنبت الأشجار في وسط النيران؟! وخفي عليهم أن الله على كل شيء قدير، وقوله تعالى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:65] هذا تصوير لها وإن لم نرَ نحن رءوس الشياطين لكننا جميعاً نتصور أن رءوس الشياطين شيء مزعج ومخيف ومرهب، فوصفت برءوس الشياطين مع كوننا لا نعرف كيف رءوسهم، ولكنـه تصوير لما انقدح في الذهن واستقر في القلب من أن الشيـاطين ورءوسها أشياء مخيفة.

    قال الله سبحانه وتعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة:52-55] والحميم هو الماء الذي يغلي. وقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الواقعة:51-53] كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية:6]؟ فآية الغاشية لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية:6] وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة:52] فكيف الجمع؟

    بعض أهل العلم يقول: فريق من أهل النار طعامهم الضريع وليس لهم إلا هذا الضريع، وفريق آخر من أهل النار طعامهم شجر الزقوم، فهم أصناف، وكل صنف اختص بأكلة معينة على حسب جرائمه التي اقترفها، أو يحمل على أنهم في سنين ما يأكلون إلا الطعام من ضريع، وليس لهم إلا هو، وفي سنين أخر يأكلون من شجر الزقوم وليس لهم طعام إلا هو، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وقوله تعالى: فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة:54-55]، الهيم من الإبل: شديدة العطش التي تشرب ولا تكاد تروى.

    هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:56] أي: هذه مكرمتهم التي يكرموا بها!

    1.   

    آيات تقر بربوبية الله سبحانه

    قال تعالى: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ [الواقعة:57-58] تمنون أي: تقذفون المني وتسيلونه، ومنه قوله: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة:37] أي: يهراق ويسال ويندفع.

    أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [الواقعة:58-60]، أي: وما نحن بعاجزين كما قول بعض أهل العلم عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ [الواقعة:61] أي: نحولكم إلى صور أخرى لا تتخيلونها ولا تتوقعونها كما قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ [يس:66-67]، فقوله تعالى: وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ [الواقعة:61] أي: ننشئكم في صور أخرى من الخلق لا تعلمونها، قد تطمس وجوهكم فترد كالقفا كما صنع بأقوام من قبل، وليست الآية الكريمة دليلاً على المبدأ الهندوسي الكافر الذي يتبناه الكفرة من أهل الهند بقولهم بتناسخ الأرواح، أي: أن الشخص عندهم إذا مات وكان صالحاً فإن روحه تحل في شيء طيب، وإن كان فاسداً ومات، فإن روحه تذهب إلى كلب أو قط أو حية أو ضفدعة، والأرواح الطيبة بعد أن يموت صاحبها لا تموت هي، بل تتحول إلى أشياء بحسب صلاح الشخص أو فساده. والآية لا تدل على هذا المبدأ الكافر، فالله سبحانه وتعالى يحذر من مسح الأجساد في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ [الواقعة:61] كما مسخ بني إسرائيل إلى قردة وخنازير، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ [الواقعة:62] أي: علمتم كيف خلقناكم أول مرة فلولا تتعظون وتعتبرون. وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ [الواقعة:63] ذكرت الآية الكريمة الحرث، ولم تنتقص من يحرث ويزرع، وقد أورد بعض الألمان الكفرة شبهة على أحد المسلمين قليلي العلم بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال هذا الألماني الكافر لرجل من المسلمين: ما هو أصح كتبكم المعتمدة بعد القرآن الكريم؟ قال: صحيح البخاري . قال: إن في صحيح البخاري حديثاً فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على قوم، فوجد عندهم في البيت سكة من حديد -وهي بمعنى: آلة الحرث- فقال: (لا يدخل هذه الآلة قوم في بيوتهم إلا أصابهم الذل )، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هاهو دينكم يدعو إلى التخلف، كيف لا يدخل القوم آلة الحرث إلا أدخلوا على أنفسهم الذل؟ فالرجل علمه بالسنة ضعيف، فحاول أن ينكر هذا الحديث، فلما أثبت له أن هذا الحديث في صحيح البخاري حاول أن يؤول أو يدعي أن الحديث مدسوس، والحديث ثابت صحيح، ولكن آفة عدم الفهم هي التي تسربت إلى هذا الرجل، فهذا الحديث بعينه يدعو إلى التقدم وإلى التسلح، فمعناه: أنكم -يا معشر المسلمين- إذا رضيتم بالزرع، وتركتم آلات القتال وآلات الحروب، إذا عمدتم إلى المزارع وإلى الفئوس وإلى آلة الحرث فقط، وتركتم صنـاعات الحروب كالسيوف والدروع وملحقات ذلك الآن كالطائرات والصواريخ، ونحو هذه الأسلحة التي تكف شر عدوكم بإذن الله، وانعكفتم على الحرث؛ فإن عدوكم سيتسلح ويتسلط عليكم، فيسلب ما بأيديكم وينزل بأسه بكم، ولكن إذا تسلحتم وتقويتم مع هذه الآلة فإنكم ستأمنون شر أعدائكم، فهذا هو الفهم الصحيح، أما ديننا فإنه يدعو إلى الزرع والحرث، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -وهي: النخلة الصغيرة التي لا تنبت إلا بعد سنوات طويلة- فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت له أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها)، فلا يتركها، فإما أن يزرعهـا هو وإما أن يمنحهـا أخاه... إلى غير ذلك من النصـوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، وهي نصوص في غاية الكثرة.

    قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ [الواقعة:63-64] أي: تنبتونه وتخرجونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة:64-65] محطماً مدمراً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:65-67] أي: لظلتم تتعجبون مما حدث وتضربوا بيد على الأخرى قائلين (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ).

    وقوله تعالى: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة:66] فيه قولان:

    قيل: إننا كنا ننتظر الناتج للثمرة حتى نسدد بها الديون، والآن قد دمر هذا الزرع، فوقعنا في الغرم وهي الاستدانة، فطائفة منهم يقولون: إنا لمغرمون، وطائفة أخرى تقول: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:67]، وقيل: هي طائفة واحدة تقول هذا ثم تقول: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:67].

    قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [الواقعة:68] استدل بذلك بعض أهل العلم على أن الشرب يكون بعد الأكل، وقد خالف بعض أهل الطب في ذلك فقالوا: إن الشرب بعد الأكل مضر، ولكن من العلماء من استأنس بهذه الآية، وبقوله تعالى -مع الفارق-: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [الواقعة:51-52] إلى قوله: فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ [الواقعة:54]، وهنا قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ [الواقعة:63]، ثم عقب بقوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [الواقعة:68].

    أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ [الواقعة:69] فالله هو الذي سخر السحاب، وهو الذي أنزل منها ماءً ثجاجاً.

    1.   

    الأسئلة

    مسألة جلسة الاستراحة

    السؤال: ما حكم جلسة الاستراحة؟

    الجواب: هذه الجلسة لخدمة القيام وليست ركناً ولا واجباً، وهناك قولان في هذه المسألة، فهناك مرجحات لمن قالوا بجلسة الاستراحة، قالوا: إن الرسول قال لـمالك بن الحويرث : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقد رآه مالك مالك وهو جالس جلسة الاستراحة، ولو كانت هناك صورة مستثناة لبينها الرسول عليه الصلاة والسلام، فأجاب الأولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) بالجملة، ولا يلزم من هذا التقييد؛ فمثلاً: إذا رأينا الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ سورة لا يكون لزاماً علينا أن نقرأ بها، فهذان القولان للعلماء في جلسة الاستراحة، ومما يؤيد وجهة من قال بجلسة الاستراحة أن في بعض طرق حديث أبي حميد الساعدي ذكر جلسة الاستراحة، فالمسألة فيها الوجهان لأهل العلم، فإن اخترت أي القولين فلا بأس عليك ولا جناح عليك، وإن كان الذي يستقر في نفسي أنني أجلس، لحديث البخاري الصريح في ذلك، لكن لا أستنكر الوجهة الأخرى.

    واسمحوا لي بالحديث عن وضع اليد اليمنى على اليسرى، فوضع اليد اليمنى على اليسرى الأمر فيها محسوم إلى حد كبير؛ لحديث سهل بن سعد : (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) وحديث وائل بن حجر : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليمنى على اليسرى)، لكن هنالك من الفقهاء من قال: إن اليد اليمنى وضعها الرسول على اليسرى من أجل الدم، أي: من أجل أنه كان يقف ويطيل الوقوف فإذا وقف وأطال الوقوف، نزل الدم من يديه إلى أطراف الأصابع، فكان حينئذٍ يرفع اليد حتى يرجع الدم مرة ثانية إلى سائر اليد، كما يقول -مثلاً- أطباء العظام في اليد المكسورة أنها ترفع لأعلى حتى لا يتسرب الدم إليها فتثخن أو تمتلئ دماً، فهذا قول من الأقوال، لكنه قول مرجوح لحديث : (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة).

    وهنا أحد الإخوة يسأل عن العمرة وأركانها من أول النية وحتى العودة، فأرجو من الإخوة القائمين على المسجد حفظهم الله تعالى كالشيخ محمد غريب والشيخ فتحي أن ينظموا محاضرة في كيفية عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحتاج إلى محاضرة أخرى في قيام الليل كتوطئة لدخول شهر رمضان.

    الحث على حفظ كتاب الله مع مواصلة دراسة الجامعة

    السؤال: أخونا يقول: إنه يدرس الدراسة الجامعية، ويريد أن يؤهل نفسه أثناء الدراسة لحفظ القرآن، فبماذا تنصحونه؟

    الجواب: احفظ القرآن مع مواصلة دراستك في الجامعة.

    حكم لبس (الكرفتة)

    السؤال: ما حكم لبس (الكرفتة)؟

    الجواب: الكرفتة تخنقك فقط كما قال بعض المشايخ حفظه الله، وقد سئل شخص عن رجل يلبس (البنطلون) فقال: انظروا إلى هذا الغبي؛ فإنه يوسع حيث يحتاج الأمر إلى تضييق، ويضيق حيث يحتاج الأمر إلى توسيع! فالكرفتة ما هي إلا خنقة تخنق بها نفسك.

    النصح أولاً

    السؤال: لي زميل في العمل يسرق، فقمنا بإبلاغ المدير عنه فنهره المدير بشدة في أول الأمر، ثم اعتذر لهم مع علمه بالسرقة، واعتدل الزميل فترة من الزمن ثم عاد من جديد إلى السرقة، والآن المدير يعلم، ولكن شخصيته ضعيفة أمامه ولا يستطيع عمل شيء، فهل نقوم بإبلاغ صاحب الشركة؟

    الجواب: أولاً تنصح، فإذا ما قبل نصحك بلغ صاحب الشركة: (فمن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

    حكم إعانة شخص على شراء تلفاز

    السؤال: شخص يريد مني المساعدة في شراء التلفاز لمشاهدة كرة القدم، فهل أساعده؟

    الجواب: لا تساعده؛ لأنه ليس لك ثواب في مساعدته، بل عليك عقاب.

    عدم اشتراط الصلاة على النبي بعد الانتهاء من الدعاء

    السؤال: هناك حديث أن الدعاء لا يقبل إلا إذا انتهى بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: ليس هذا الكلام بصحيح، فإن النبي قد دعا بعدة دعوات ولم يصلِّ فيها على نفسه، والصحابة دعوا بعدة دعوات ولم يصلوا فيها على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الأفضل والأولى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم رفع اليدين عند الدعاء في خطبة الجمعة

    السؤال: مسألة الإشارة بالأصبع في الدعاء؟

    الجواب: روى أبو داود ومسلم أنه:(رأى عمارة بن رؤيبة بشر بن مروان رافعاً يديه يدعو بها في خطبة الجمعة، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو وما يزيد على أن يشير بأصبعه)، وهذا الحديث في الحقيقة فهمه مشكل شيئاً ما، فـعمارة في الحقيقة صحابي مقل، رأى بشر بن مروان -وهو أمير- يدعو في خطبة الجمعة رافعاً يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، ( لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر لا يزيد على أن يشير بإصبعه) هذا الحديث كيف سيفهم؟

    حمل هذا الحديث بعض العلماء على ظاهره، لكن أولاً عمارة بن رؤيبة ما أورد أن الرسول نهى أن ترفع يديك، ما أورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: لا ترفع اليدين معاً أثناء الدعاء لكن عمارة رأى أن هذا إحداث لكون بشر بن مروان خالف مكان رفع الإصبع ورفع اليدين، لكن هل الرسول صلوات الله وسلامه عليه نهى عن رفع اليدين معاً أثناء الدعاء؟ أم أن عمارة رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في منظر فبنى عليه أنه لا يجوز خلاف هذا المنظر أو هذا المشهد؟

    وعلى كل، ذكر العظيم أبادي في شرحه لسنن أبي داود في عون المعبود معنيين للحديث، وهناك اختلاف في رواية هذا الحديث، فبعض الروايات أنه قال: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه في الخطبة)، ورواية أخرى تقول: (يشير بأصبعه في الدعاء في الخطبة)، فالرواة الأكثر والأثبت رووا بلفظ: (يشير بأصبعه في الخطبة)، وبعض الرواة -ولا تعارض- قيدها بالدعاء، أي: بعض الرواة أطلق، وبعض الرواة قيد، فمن العلماء من قال: إن الأصبع يشار بها أثناء الدعاء، ويكره أن تمد يديك، هذا قول بعض العلماء، واعترض عليه بوجوه:

    قالوا: لم يكن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشير بأصبعه عند الدعاء، فما ورد في أي حديث أنه كان يشير بأصبعه عند الدعاء إلا في هذا الحديث.

    ثم إن عموم المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الدعاء أنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه.

    ثم شيء ثالث، قالوا: من الأوجه لتوجيه هذا الحديث هو: أن هذا من شأن الخطباء الذين يقبلون ويدبرون بأيديهم في خطبهم كي يلفتوا أنظار السامعين، فاختار شمس الحق العظيم أبادي في تعليقه هذا الوجه وحاصل قوله: إن بشر بن مروان ، كان يفعل هذا، ويشير باليدين معاً كإيضاحات لمن يستمعون خطبة الجمعة، فيشير يميناً ويساراً ومقبلاً ومدبراً، ويفتح يديه ويغلقهما كما يفعله سائر الوعاظ في خطبهم، فنهاه عمارة بن رؤيبة عن هذا النوع من الإحداث وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه فقط، فالمعنى الأول: أنه يشير بأصبعه على ظاهره، أي: أنك إذا دعوت فإنك تشير بإصبعك أثناء الدعاء، ولا تفتح اليدين، واعترض على هذا المعنى من وجوه:

    أولاً: الرسول لم ينه عن رفع اليدين معاً، وإنما هذا فهم فهمه عمارة بن رؤيبة.

    ثانياً : أن أكثر الرواة رووا الحديث مطلقاً بالخطبة، وليس مخصوصاً بالدعاء.

    ثالثاً: أن هناك وجهاً آخر وهو أن بشر أحدث شيئاً لم يكن من هدي عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الإيضاحات باليد إقبالاً وإدباراً وتأخراً وتقدماً ورفعاً وخفضاً، فهذا الذي استنكره عمارة على بشر بن مروان.

    وعلى كلِّ: فالمسألة من أصلها استنكار من عمارة بن رؤبية لـبشر ، فـعمارة هو الذي رأى أن هذا مستنكر، ويعاقب بالتقبيح، أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك، فلو جاء شخص وأقبل بيديه وأدبر بهما في الخطبة، فهل نقول له: لعن الله هاتين اليدين، بناءً على أن بعض الصحابة رضي الله عنهم فهم هذا الفهم؟ هذا لو نقله صحابة مجالسون للرسول صلى الله عليه وسلم عن الرسول في عموم خطبه لقبلنا منه هذا القول، لكن هذا صحابي رضي الله عنه مقل، صحيح أن قوله ثقة لا شك؛ لكنه مقل، وقد جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه ما عاشره كبير معاشرة، ومثل هذا حديث الرجل الذي جاء والرسول عليه الصلاة والسلام فاتح الأزرار، فذهب هذا الرجل -وهو معاوية بن قرة - وما أغلق أزراره في صيف ولا شتاء، فهو مأجور على كل حال، لكن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ما نقلوا هذا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فلنفهم الأحاديث على وجهها ليست الصحيح خير لنا من أن نلعن ونقبح، والصحابي له اجتهاده في اللعن أو التقبيح، ولعله رأى صورة من الصور ليست مرئية لدينا، إذ الأمويون كانوا مشهورين بالإحداث في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

    حكم زواج المرأة بدون ولي

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تزوج نفسها؟

    الجواب: قال الرسول: (لا نكاح إلا بولي)، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.

    حكم الصلاة بالنعال

    السؤال: هل أصلي في النعل، وخاصة أن الظروف تتاح لذلك؛ لأن معظم صلاتنا على الأرض، ولكن ذلك أثار فتنة شديدة حولي، فهل أستمر على ذلك؟

    الجواب: بالنسبة للصلاة في النعال، الأدلة عليها تقارب خمسة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا كان فيها أذى تزيل الأذى وتصلي فيها، وإذا كان المسجد سيتسخ بالتراب الذي على النعلين فقد أمرنا على الجملة بتطهير المساجد وتنظيفها وتوقيرها، وإذا لم يكن هناك اتساخ وكانت النعل نظيفة لا تؤثر على فراش المسجد فلا بأس أن تصلي في النعلين بشرط: ألا تحدث فتنة في المسجد، فالناس قد لا يفهمون وجهة نظرك، أما إذا كان الشخص غبياً فيحاربك إذا بينت السنة، فعليك أن تتلطف في إظهار سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً ثم تقدم على فعل السنة، بمعنى: لا بأس أن تقيم محاضرة في مسألة شرعية الصلاة في النعال وتبين المسألة من جميع الوجوه، وبعد ذلك تقدم على الصلاة في النعال.

    ومن الأدلة على جواز الصلاة بالنعلين: ما ورد في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنه: (سئل: أكان النبي يصلي في النعلين؟ قال: نعم).

    الحكم بعد زواج المرأة بدون ولي والبناء عليها

    السؤال: إذا تم الزواج بدون ولي، وقد دخل بها الزوج وانتهى الأمر، فهل يستمر الزواج أم لا ؟

    الجواب: في الحقيقة أن هذه قرائن تحملنا على شيء معين، صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا نكاح إلا بولي)، وصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل.. فنكاحها باطل.. فنكاحها باطل)، فقد ورد في النهي عدة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قد تم الزواج، وبنى بها الزوج، وأنجبت منه، ثم بعد ذلك هدى الله الزوج والزوجة للبحث في الدين فوجد أنه لم يتزوج بولي، وفي الحقيقة أن مثل هذه المسألة يرجى أن تدخل تحت نكاح الشبهة، ويستمر العقد صحيحاً ما دام أنه قال به بعض أهل العلم، لكن كإبعاد لأي شبهة وأي شك؛ يقول الولي لهذا الزوج: زوجتك ابنتي، ويقول الزوج: قبلت، وينتهي الإشكال.

    ذات مرة اتصل أحد الإخوة يسأل سؤالاً ويقول: كان في أمريكا هو وزوجته، وبعدها طلق هذه الزوجة، ورجعت إلى مصر، وبعد أن رجعت إلى مصر أقنعه أصحابه أن يرجع لزوجته، فوكل أخاه بإتمام موضوعات الزواج، فتمت الموضوعات، وأرسلت الزوجة بعقد رسمي موثق من المأذون الشرعي إلى أمريكا مرة ثانية، فعاشرها ثلاث سنوات جديدة، ثم علم بعد ذلك أنها هي التي زوجت نفسها، فاتصل بأحد الإخوة المشايخ -الله يغفر له- وحكى له الموضوع.

    فأجاب هذا الشيخ وقال له: ترجعها حالاً، فالعقد باطل! فرجع الرجل مع زوجته من أمريكا يسأل: ماذا يصنع؟ سبحان الله (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فكان المفروض أن يقول هذا الشيخ لهذا الرجل: اتصل بوليها من عندك وأخبره الخبر، ثم يقول: اطلب منه أن يقول: زوجتك ابنتي أو أختي على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلى المجيء من أمريكا، لكن كلفه هذا الشيخ عفر الله له سفراً من أمريكا هو وزوجته إلى مصر، صحيح أنه قد تم النكاح، ونحن نرى أن هذا رأياً مرجوحاً، لكن من العلماء من يجيزه، كـأبي حنيفة أما نحن فلا نجيزه ابتداءً، لكن في مثل هذه الأحوال يؤخذ بالقول الذي يعمل به في البلاد كالمحاكم وإن كان مرجوحاً؛ لأنه لا بد من قواعد تضبط الناس.

    فالشاهد: أن المسألة فيها تفصيل واسع، والأحناف يستدلون بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (الثيب أحق بنفسها)، وإن كان الجمهور من أهل العلم فسروا قوله عليه الصلاة والسلام: (الثيب أحق بنفسها) بقولهم: لها الحق أن تنتقي الزوج الذي تريد، لكن ليس لها حق في العقد، أما الأحناف فقد استدلوا بعمومه على جواز الزواج بلا ولي للثيب خاصة، وهذا رأي مرجوح لكن قد تم الزواج عند المأذون الشرعي، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له) فعقد المأذون يقوم مقام الولي في غياب الولي، وليس في حضور الولي، فكان الأيسر أن يفتى في مثل هذه المسألة بقوله: اجعل وليها يزوجك في الهاتف؛ فالتزويج غيابياً جائز، والطلاق غيابياً جائز، فإن كانت المرأة في دولة كأمريكا -مثلاً- وأولياؤها في مصر، ولم تستطع أن تتصل بهم، ولم يستطع أهلها أن يأتوا إليها، ولكن لا تعلم رفضاً منهم، فيجوز في مثل هذه الأثناء أن توكل شخصاً بتزويج نفسها.

    وقد عرضت هذه المسألة مرة في امرأة عضلها أولياؤها بلا سبب شرعي، ولا يريدون منها أن تتزوج، وقالوا لها: أنتِ تزوجتِ وأخذتِ نصيبكِ، فلا تتزوجي مرة ثانية! وهناك أولياء جهلة يمنع البنت من الزواج مع أنها ستقع في فتنة، فبحثنا بحثاً شديداً عن مخرج لهذه المسألة، إلى أن وفق الله إلى قول طيب للإمام مالك رحمه الله! فقد قال مالك: إنها تنصب لنفسها ولياً آخر ويكون رجلاً صالحاً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أرسل جعفر وابن رواحة وزيد بن حارثة قال: على القوم زيد بن حارثة ، فإن أصيب زيد فـجعفر ، فإن أصيب جعفر فـعبد الله بن رواحة، فشاء الله أن يقتل الثلاثة، قتل زيد ثم قتل جعفر ثم قتل ابن رواحة، فوقف المسلمون بلا أمير، وليس هناك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاصطلح المسلمون على خالد، فأخذ منها مالك أن المسلمين يصطلحون على تنصيب ولي لهذه المرأة أو تنصب ولياً شرعياً إذا كان الرفض ليس له مبرر شرعي، مثلاً: قالوا لها: لا نريدك أن تتزوجي، ففي مثل هذه الحالة نقول: إن الله لا يحب الفساد، والله أباح لها أن تتزوج، لكن إذا قالوا لها: لا نريد منك أن تتزوجي بفلان بعينه، ففي هذه الحالة نقول: معكم حق إذا كانت الكفاءة غير موجودة في هذا الشخص بعينه، والله أعلم.

    وكذلك البكر؛ إذا كان أبوها لا يريد منها أن تتزوج أبداً دون أي سبب شرعي! قلنا لها: وكلي أي شخص، فتنتقل الولاية إلى الأخ، فإذا كان الأخ غير موجود فتنتقل إلى العم، فتنتقل الولاية للعصبات واحداً تلو الآخر، فإن فقد الأولياء تماماً، أو أن كلهم لا يريدون لها أن تتزوج أبداً، وهي تريد أن تعف نفسها بالزواج وقالت: اختاروا لي أي شخص أتزوجه، فأبوا جميعهم، فعند ذلك: (السلطان ولي من لا ولي له).

    حكم تجديد عقد الزواج بعد الإسلام

    السؤال: النصراني إذا أسلم هل يعقد مع زوجته عقداً جديداً؟

    الجواب: إذا أسلم النصراني فإنه لا يعيد العقد؛ وذلك لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كفاراً كلهم قبل البعثة، ولما أسلموا لم يؤمر أحد منهم بعقد جديد، والأثر الذي ورد أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدت عقداً جديد على زوجها أبي العاص بن الربيع بين عبد شمس لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.