إسلام ويب

تفسير سورة القمر [1]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • معجزة انشقاق القمر من المعجزات العظيمة التي أيد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وما كان من قريش أمام هذه الآية الباهرة إلا أن استمروا على كفرهم وعنادهم، وزعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم سحرهم، ولكن سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم عند خروجهم من قبورهم وجلة قلوبهم ذليلة أبصارهم، ثم يكون مصيرهم إلى جهنم وبئس القرار.

    1.   

    معجزة انشقاق القمر

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأعياد بسورة ق وسورة القمر.

    يقول الله سبحانه وتعالى فيها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، قوله سبحانه: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) كقوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1]، وكقوله سبحانه وتعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين) وقرن بين السبابة والوسطى.

    أما قوله تعالى: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فهذه من كبرى المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ألا وهي معجزة انشقاق القمر، فقد سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فانشق القمر لرسول الله، فقال المشركون: سحرنا محمد صلى الله عليه وسلم! فقالت طائفة منهم: إن يكن محمد سحرنا فإنه لم يسحر السفار، فلما أتى السفار -أي المسافرون- إلى مكة سألهم أهل الشرك: هل رأيتم القمر منشقاً؟ قالوا: نعم رأيناه منشقاً، فلقة على هذا الجبل، وفلقة على هذا الجبل، فلقة في هذه الناحية، وفلقة في تلك الناحية، وحديث انشقاق القمر من الأحاديث المتواترة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي انشقاق القمر من عدة طرق عن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وقد أيد الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بطائفة من المعجزات كحنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، ومجيء الأشجار إليه صلى الله عليه وسلم، وبكاء الجمل عنده صلى الله عليه وسلم، وبالإسراء وبالمعراج، وبغير ذلك، وكانت المعجزة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي هذا القرآن الذي بين أيدينا، يدعو إلى كل خير، وينهى عن كل شر، ويخبر بأنباء ما قد مضى، وبأنباء ما هو آتٍ، فهو المعجزة الباقية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حفظ الله به العقول والدماء والأبدان والأموال والأعراض، فكله خير، فلله الحمد والشكر على ذلك.

    موقف المشركين من معجزة انشقاق القمر

    قال الله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:2]وهذا في الكفار، (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) أي: معجزة، يُعْرِضُوا أي: يعرضوا عنها (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)، المعجزات لا تنفع من ختم الله على قلبه، ولذلك قال سبحانه: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14]، أي يصعدون لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:15]، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، فقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:2] يبين أن الآيات لا تنفع من أراد الله له الغواية والعياذ بالله!

    وقوله تعالى: يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي: سحر ذاهب، أي سحر مستمر فيه صاحبه، ويعنون به: محمداً صلى الله عليه وسلم، و(مُسْتَمِرٌّ) فيها أكثر من قول، أحدها: سحر ذاهب، والثاني: سحر مستمر فيه صاحبه ألا وهو عندهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:3]، أي: كل أمرٍ من الأمور له نهاية وله استقرار كما قال سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام:67] كل خبر له نهاية وله مستقر، سواء من أخبار هذه الحياة الدنيا أو أخبار الآخرة أو الأنباء التي ذُكِرت في كتاب الله فلها وقت تتحقق فيه، فهذا يتنزل على أمور الدنيا وعلى أمور الآخرة، كل مشكلة من المشاكل في نهاية المطاف لها منتهى ولها استقرار، حتى بالنسبة لمسائلنا الشخصية، ترى الفتاة حسناء وجميلة ويتخاطفها الخطاب، وهذا ينظر، وهذا ينظر، والمشاكل حولها كثير، وما هي إلا أيام أو سنوات أو شهور، وينتهي أمرها بزواجها أو بموتها أو بذبولها أو بأي شيء من الأشياء، تنتهي قصتها ويُطوى الذكر عنها، وكذلك الشاب تراه متمرداً وذاهباً إلى هنا، وها هنا، ويعصي بهذا، ويؤذي بهذا، وفي النهاية لكل ظالم نهاية، ولكل عابث نهاية.

    وكذلك أمور الآخرة التي حكاها ربنا في كتابه، ووعد بها لا بد أن يأتي وقت تتأتى فيه هذه الأمور، وتستقر فيه هذه الأنباء، قال الله سبحانه: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ، كل أمر له نهاية وله استقرار.

    موقف الداعية ممن أصر على عناده رغم تكرر تذكيره

    قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4]، لقد جاءهم من الأنباء ما فيه زاجر وواعظ لهم عن شركهم وعن غيهم، ولكنهم لم يستجيبوا لتلك المواعظ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5]، كما قال تعالى: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].

    فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، يعني: أعرض عنهم يا محمد! والآية أفادت فقهاً في الدعوة إلى الله وهو: أن الشخص إذا وضح للقوم الآيات، وذكر القوم بالله وبحدود الله وبشرعه برفق ولين، وكرر عليهم ذلك، فأبوا إلا الرفض وأبوا إلا العناد وأبوا إلا النيل منه والطعن فيه، بل والطعن في الشرع ومن جاء به، فله حينئذٍ أن يعرض عنهم ولا يستمر في النصح والتذكير، ولا لوم عليه؛ لأن الله قال هاهنا: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، بعد قوله: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:4-5]، فبعدها قال سبحانه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وفي الآية الأخرى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، وفي الآية الثالثة يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، فمحل ذلك التولي والإعراض عنهم كما في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء:81]، وهنا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وكما في قوله تعالى الذي سمعتموه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، تفيد هذه الآيات فقهاً في الدعوة إلى الله، ألا وهو: إذا كان من أمامك متمرداً وعاتياً على شرع الله، ومتبرماً من التذكير بالله، وقد بذلت معه الجهد في هذا الباب؛ فحينئذٍ أعرض عنه ولا لوم عليك كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات:54]، أي: فأعرض عنهم فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، أي: لا لوم عليك، فحينئذٍ هناك وقت على الداعية إلى الله فيه ألا يهين نفسه، وألا يهين أيضاً دعوته التي يحملها إذا كان من أمامه يستعملون البذاءات، ويستعملون الألفاظ السخيفة للطعن فيه وفي الدين، فحينئذٍ أمر الله وتوجيه الله لنا: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)

    ثم الله سبحانه وتعالى هددهم تهديداً ضمنياً يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) عندها وقف لازم كما قال كثير من العلماء، ثم قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) أي: وانتظر بهم وتأنّ بهم إلى يومٍ يدعو فيه الداعي إلى شيءٍ نكر، وهو يوم القيامة، ومن هو الداعي المذكور في قوله سبحانه: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ)؟ الداعي هنا لم يُفسر من هو، فمن العلماء من قال: الداعي هو الله سبحانه وتعالى، ومنهم من قال: الداعي ملك من الملائكة موكل بدعوة الناس للخروج من القبور، ومنهم من قال: الداعي هو إسرافيل الذي ينفخ في الصور فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51]، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال مشهورة، أحدها: أن الداعي هو الله سبحانه، الثاني: أن الداعي هو ملك من الملائكة مختص بذلك، الثالث: أن الداعي هو إسرافيل عليه السلام، فالله سبحانه وتعالى أعلم.

    فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) للعلماء فيه قولان: أحدها: إلى شيء فظيع عظيم، لا يعلم حجمه وعظمه إلا الله سبحانه وتعالى، شيء مخيف عظيم لا يعلم مدى بشاعته ومدى فظاعته إلا الله سبحانه وتعالى، فنُكِّر لبيان عظمته، القول الثاني: يوم يدعو الداعي إلى شيء لا يفهمه هؤلاء، لماذا يناديهم هذا المنادي؟ يقول: هلموا تعالوا، فيخرجون من القبور، لماذا يخرجون؟ لا يدرون إلى أين يتجهون، إلى الداعي فقط، لا يعرفون لماذا هم ذاهبون إلى هذا الداعي، هل يدعوهم هذا الداعي للمكافئة والإثابة أو يدعوهم هذا الداعي للعقاب والجزاء؟ أمر مستنكر عندهم.

    1.   

    حال الكافرين عند خروجهم من قبورهم

    وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7]، قال سبحانه: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ.. [القمر:7]، أي ذليلة أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ أي: القبور كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7]، الخشوع محبوب في الدنيا، فلماذا هو مذموم في الآخرة، الله سبحانه وتعالى حمِد الخاشعين له في الدنيا، وقال في آية أخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية:2-4]، فكيف هي خاشعة ومع ذلك تصلى ناراً حامية؟! العلماء قالوا: إن الخشوع في الدنيا يجلب الأمن في الآخرة، وعدم الخشوع في الدنيا لله سبحانه يجعل الشخص ذليلاً خاشعاً في الآخرة، فلا إشكال، فهذا خشوع الدنيا وذاك خشوع الآخرة.

    قال سبحانه: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) أي: ذليلة أبصارهم، (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ) أي من القبور، (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) يعني: مسرعين كأنهم جراد منتشر، وتقدم الجمع بين هذا الوصف في هذه الآية: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) وبين الوصف في الآية الأخرى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:4]، فالفراش المبثوث له طريقة في انتشاره، والجراد المنتشر له طريقة في انتشاره، فالفراش دائماً يطير بشكل غير منظم، يتجه فريق منه إلى اليمين، وفريق منه إلى الشمال، وفريق إلى أعلى وفريق إلى أسفل، أما الجراد في مسيره وانتشاره فانتشاره منظم، تجد أسراب الجراد تمشي كلها إلى وجهة محددة، فكيف الجمع بين قوله: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ)، أي: متجهون وجهة محددة، وبين قوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، أي: الفراش المنتشر أيضاً؟ العلماء يقولون: إذا دعاهم الداعي خرجوا كلهم من القبور متجهين في خط واحد إلى الداعي الذي دعاهم، لا ينحرفون عنه يمنة ولا يسرة، إذا دعاهم الداعي لا ينحرفون عنه يميناً ولا يساراً بل كلهم يتجهون أسراباً وأفواجاً إلى هذا الداعي، لكن في مواقف أخر، مثلاً: حين تتطاير الصحف، أو حين يُدعى للمرور على الصراط، أو حين يدعى للميزان، فحينئذٍ الأفئدة تطير وتذهب، وكل يجري في وجهة لا يدري إلى أين يذهب، ولا يدري إلى أين يفر.

    مُهْطِعِينَ أي: مسرعين إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8]، أي: شديد، وهذه كلمة موجزة من الكفار تدل على مدى الهم الذي هم فيه، ومدى النكد الذي يعيشونه، ويلامسونه، كلمة موجزة: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي: يوم شديد وشاق والعياذ بالله!

    وقوله سبحانه عن الكافرين: يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8]، هل هو عسِر على الكافرين فقط كما قال تعالى: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:9-10] أم هو عسِر أيضاً على أهل الإيمان؟ للعلماء في هذا الإشكال أقوال: أقواها: أنه عسِر على الجميع، لكن وصِف بأنه على الكافرين غير يسير، وأن الكافرين يقولون: هذا يوم عسر؛ لأن عسره لن يزول عن الكافرين، أما العسر الذي لحق بأهل الإيمان فإنه عسر زائل، والعسر الزائل لا يُطلق عليه عسرٌ إذ مآله إلى الزوال، أما العسر الملازم فهو الذي يطلق عليه العسر، كما روي عن رسول الله أنه كان يستعيذ بالله من جار السوء في دار المقامة، فإن جار السفر يوشك أن يزول، الجار في السفر والصاحب في السفر وإن كان مؤذياً فبانتهاء السفر يزول، أما الجار الذي يساكنك ويجاورك طيلة حياتك، الجار المؤذي هو هذا الذي يستعاذ منه، فمن أهل العلم من قال: إن اليوم عسير على الجميع لكن عسره على أهل الكفر أشد، أما عسره على الجميع فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)، فهذا عام لـعائشة ولغيرها، وقال الله سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36]، وقول آدم صلى الله عليه وسلم وكذا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام جميعاً: نفسي نفسي، كلهم يقول: نفسي نفسي، من هول المطلع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    تعرض نوح لأذى قومه

    قال سبحانه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9]، أي: زجروه وأهانوه وآذوه صلوات الله وسلامه عليه، ووصفوه بالجنون يعني: أن الأذى باللسان كان وارداً، والزجر كذلك بكل أنواعه، وقوله: (وَازْدُجِرَ) هو: أبلغ الزجر، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، دعا ربه دعوة مظلوم بقوله: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ).

    1.   

    الأسئلة

    حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن

    السؤال: هل يجوز أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن؟

    الجواب: نعم يجوز أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن، وذلك لعموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وذلك في قصة اللديغ الذي رقاه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أما المانعون فحججهم دائرة بين الضعف وعدم الصراحة، فمن حجج المانعين حديث: (علمت رجلاً القرآن فأهدى إلي قوساً، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخذتها أخذت قوساً من نار فرددتها)، وهذا الحديث الراجح أنه ضعيف، وأكثر العلماء على تضعيفه.

    الحديث الثاني للمانعين: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به)، وهذا الحديث وإن كان حسن الإسناد إلا أنه ليس بصريح، فالأكل بالقرآن له وجوه مشروعة، ووجوه غير مشروعة، ولو كان على عمومه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقسموا واضربوا لي معكم بسهم)، فتبين بحديث (اقسموا واضربوا لي معكم بسهم)، أن قوله: (ولا تأكلوا به)، محمول على شيءٍ خاص، وهو أن تبدل حرامه حلالاً رغبة في الأكل به كما قال الله سبحانه عن اليهود: وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:174]، أو الابتداع في هذا القرآن كالذي يُفعل في بعض المناسبات التي لم يُشرع فيها أن يذكر الله سبحانه بهذا النحو الذي يفعلونه، فهذه أقوى حجج القائلين بالمنع والجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

    وطائفة توسطت في الباب وقالت: إن اشترط المعلم فاشتراطه غير جائز، وإن لم يشترط فلا بأس بذلك، وطائفة أخرى قالت بالتفصيل: إن كان التعليم فرض عين -أي أنه يعلم الناس الفاتحة من أجل أن يصلوا بها ويتعبدوا ربهم- فليس له أن يطالب بأجرٍ على تعليمهم، أما إذا كان متفرغاً للتعليم فلا بأس، لكن جمهور أهل العلم على مشروعية أخذ الأجرة على تعليم القرآن مستدلين بحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).

    حكم شهادات الاستثمار لمجموعة (ج) عديمة الفوائد

    السؤال: ما الحكم في شهادات الاستثمار المجموعة (ج) عديمة الفوائد، علماً بأن هناك حكماً أجاز حلها على اعتبار أنها بمنزلة القرعة التي ارتضاها الجميع؟

    الجواب: ليست بمنزلة القرعة التي ارتضاها الجميع، بل الأرباح التي توزع على الفائزين منشؤها من الربا.

    حكم الصلاة على جنازة موضوعة خلف الإمام وأمام المأمومين

    السؤال: هل تصح صلاة الجنازة والجنازة وراء الإمام وأمام المأمومين؟

    الجواب: هذا أمر محدث ومبتدع، فالسنة أن تكون الجنازة أمام الإمام هو يصلي إليها، والمأمومون يصلون خلفه، كيف يصلي هو والجنازة خلفه؟ كيف تتأتى هذه الصورة؟ فهذه صورة لم ترد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويخشى إن كانوا قد تعمدوا ذلك أن تبطل صلاة الجميع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    كيفية الصلاة على أكثر من جنازة متعددة الأجناس

    السؤال: كيف تكون الجنازة مما يلي الإمام إذا تعددت الأجناس رجالاً ونساءً أو صبياناً؟

    الجواب: الرجال أولاً ثم النساء ثم الصبيان.

    جد الزوج لأمه محرم لزوجته

    السؤال: هل يعتبر جد الزوج لأمه محرماً لزوجته؟

    الجواب: نعم، جد الرجل لأمه محرم للزوجة.

    حكم الزواج بابنة العم وقد رضع من جدته لأبيه

    السؤال: ابن رضع من جدته لأبيه، فهل يجوز له الزواج من ابنة عمه؟

    الجواب: لا يجوز؛ لأنه أصبح أخاً لعمه من الرضاعة، فهو عم لبنت عمه من الرضاعة.

    حكم إقامة الزاني حد الجلد على نفسه

    السؤال: شخص -والعياذ بالله- ابتلي بفاحشة الزنا من امرأة متزوجة، ويريد أن يقام عليه الحد، ويقول: أعلم أنك ستقول عليك بالتوبة والاستغفار، ولكن بالله عليك أرجوك أن تصف لي كيف يقام الحد؟ هل أجلد نفسي مائة جلدة أو مائتين؟ وبم أجلد (أبكرباج) أم بأي شيء؟

    الجواب: قلت ستجلد نفسك، ولكن الخطاب في قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] لإمام المسلمين، ليس الخطاب هنا للأفراد، لكن إن كنت لا تقنع بكلام رسول الله، فماذا نفعل لك؟ إذا كان الرسول أمر من هو مثلك أن يستر على نفسه، وأنت تأبى إلا أن تفتضح؛ لأن عند جلدك لا بد كما قال سبحانه: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، فعظِّم رغبتك فيما عند الله سبحانه وتعالى، وسله المعافاة والعافية في الدنيا والآخرة، وأكثر من عمل الصالحات، إن كان الله قد وسع عليك فاذهب واعتمر أو اذهب وحج، واعمل أي عمل صالح يدمر هذه الكبيرة، والله سبحانه وتعالى يتجاوز عن سيئاتك، أما الفضيحة أن أقول لك: اجلد نفسك بكرباج، وهل يليق بي أن أقول لك: اجمع عدداً من الحارة، وقل لهم: يا أيها الناس! أنا زنيت وتعالوا اجلدوني، وهم ليسوا بحكام، وليسوا أولياء أمور، افعل ما أمرك به رسولك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    حكم نكاح امرأة متزوجة نكاح متعة

    السؤال: رجل يعمل في السوق، وتعمل معه امرأة متزوجة وهو غير متزوج، فابتلي بالزنا معها، وهذه من مفاسد الاختلاط في الأعمال، وهو يتعاشر معها ويبكي، ولكن تراوده فكرة أنه ينكحها نكاح متعة، حيث أنه يعطيها هدايا وأموال، فما الحكم؟

    الجواب: ليس هذا نكاح متعة بحال من الأحوال؛ لأن نكاح المتعة لم يكن مع مثل هذه المتزوجة، ونكاح المتعة من أصله منسوخ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حرم الله نكاح المتعة يوم خيبر إلى الأبد، فحُرِّم نكاح المتعة تحريماً أبدياً.

    فالذي تفعله إنما هو زنا -والعياذ بالله- ولا يسول لك الشيطان ويزين لك سوء عملك، فاستغفر الله، وأكثر من عمل الصالحات.

    المادة الأولى في صناعة أحمر الشفاه

    السؤال: لقد قرأت في إحدى الجرائد على لسان طبيب أن المادة الأولى في أحمر الشفاه هي براز الإنسان بعد المعالجة الكيميائية؟

    الجواب: فليُبحث عند الأطباء عن صحة هذا الكلام، إذا كان أحد من إخواننا يعرف شيئاً عن ذلك فليفدنا.

    حديث: (لحومها داء، وألبانها دواء، وسمنها شفاء)

    السؤال: حديث (ألبانها شفاء، وسمنها دواء، ولحومها داء) لا يصح منه إلا الجملة الأولى، ولكن قرأنا في بعض الكتب أنه صحيح، فما رأيكم؟

    الجواب: لا نعرف أن من العلماء من صحح حديث (لحومها داء، وألبانها دواء، وسمنها شفاء) في البقر، لكن بعد مراجعة هذا الحديث، والبحث في الطرق التي وردت، وجدنا أن اللفظ الأول أقرب إلى الوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الثابت (ألبانها دواء، وسمنها شفاء)، أما (لحومها داء) فحديثياً ليست بثابتة، من ناحية العلل والرجال ليست بثابتة بحال من الأحوال، ومن ناحية النظر أيضاً وعموم الشريعة لا تثبت، فإن الله قال: وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6] فُسِّرت بقوله: وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [الأنعام:144]، والنبي ضحى عن نسائه بالبقر، وإبراهيم راغ إلى أهله فجاء بعجل حنيذ، على رأي من قال: إن العجل الحنيذ من البقر، وهو رأي أكثر العلماء، والله أعلم.

    حكم الزغاريد

    السؤال: قلتم أن الزغاريد يمكن أن تكون وسط الأخوات، وقد أخذ بعض الناس من ذلك الحجة، ولكن أخبرتم أن الزغاريد مهما كانت ذات صوت منخفض يُسمع صوتها لمن في الشارع، فأرجو التوضيح لبعض الأخوات؟

    الجواب: بالنسبة للزغاريد، غاية ما ورد فيها: (صوتان ملعونان: صوت رنة عند نعمة، ورنة عند مصيبة)، أولاً ليس صريحاً أنه في الزغاريد، ثانياً: الحديث ليس بثابت، فبقي شيء في مسألة الزغاريد الذي يبنى عليه الحكم الشرعي، وهو مسألة الافتتان بها من عدمه، هل سيفتن الرجال بهذه الزغاريد أو لا؟ فكانت الإجابة: إذا كانت الزغاريد في وسط النساء بعيداً عن الرجال، لا يفتن بهن الرجال، فما المانع إذاً؟ إذ ليس في الباب الآن خبر، وهو ليس من أنواع اللهو، وقد قال الرسول لـعائشة في يوم العرس: (يا عائشة ! ما كان معكم لهو؟! فإن الأنصار يعجبهم اللهو)، فما بقي معنا شيءٌ صريح يمنع، لكن السائل يقول: إن الزغاريد يسمعها من في الشارع، إذا كان يسمعها من في الشارع خرجنا عن إجابتنا السابقة، الإجابة كانت مشروطة بألا يُفتن بهن الرجال، لكن إذا كان سيفتن بهن الرجال فلسنا مسئولين عن ذلك، فما نستطيع أن نحرم من أجل الأخت التي قالت: إنه قد يسمعها رجل؛ لأن هذه من مسائل الأخوات التي فيها إفراط وتفريط.

    حكم الاقتراض من البنك لمساعدة من مر بضائقة مالية

    السؤال: طلب مني شخص يمر بضائقة مالية أن أقوم بعمل قرض من البنك له على أن يقوم بسداده لي؟

    الجواب: لا تفعل.

    حكم قراءة الإمام من المصحف لعدم حفظه

    السؤال: هل تجوز القراءة من المصحف لإمام يخطئ؟

    الجواب: أجاز الجمهور ذلك استدلالاً بأن النبي كان يصلي وهو يحمل أمامة ، وبأن ذكوان كان يؤم عائشة من المصحف، وأبطل الصلاة ابن حزم ، وقال: إنه نوع من العبث في الصلاة، لكن رأي الجمهور أقرب إلى الصواب، والله أعلم، ولكن الأقرب أن ينحى الإمام ويؤتى بإمام حافظ ليصلي بالناس إذ قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).

    حكم الوضوء لسجدة الشكر

    السؤال: ذكرتم أنه لا يجب الوضوء في سجدة التلاوة، ماذا عن سجدة الشكر وتلاوة القرآن؟

    الجواب: سجدة قراءة القرآن نفس سجدة التلاوة، ونفس الحكم في سجدة الشكر.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بُشِّر بأمر خر ساجداً، ويشق أن يقال أيضاً: إنه في كل مرة كان يبشر كان على وضوء عليه الصلاة والسلام.

    وبالنسبة لسجدة التلاوة لم يصح فيها ذكر معين، وسجدة الشكر كذلك لم يصح فيها ذكر معين، إنما هي كسائر السجدات.

    حكم تلاوة القرآن بغير وضوء

    السؤال: هل تجوز تلاوة القرآن بلا وضوء؟

    الجواب: نعم تجوز تلاوة القرآن بلا وضوء، والأفضل الوضوء، أما الجواز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث عائشة كان يذكر الله على كل أحيانه، ولأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس : (بت عند خالتي ميمونة

    فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطرحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها، ثم قام فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات العشر الأواخر من آل عمران حتى ختم، ثم أتى شناً معلقاً..) فدل ذلك على أنه قرأ العشر آيات قبل أن يتوضأ، والله أعلم.

    حكم مس المصحف بغير وضوء

    السؤال: هل يجوز مس المصحف بلا وضوء؟

    الجواب: التلاوة فصلنا فيها الآن بقي المس.

    مس المصحف بدون وضوء من منعه استدل بشيئين: الشيء الأول: قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، والشيء الثاني: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، كما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    أما قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] فجمهور المفسرين على أنه في الكتاب المكنون الذي عند الله والمطهرون هم الملائكة، فلا يستدل بالآية على المنع، أما حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، فأكثر أهل العلم على تضعيفه، فأصبح الباب الآن فارغاً من الأدلة المانعة، إذاً: فلا بأس بمسه.

    حكم إزالة شعر الوجه

    السؤال: أعلم جيداً أن نتف الحواجب من النمص، فهل يجوز لي يوم عرسي فقط أن أزيل شعر وجهي إلا حواجبي؟

    الجواب: إذا كانت تعلم أن عمل الحواجب هو المحرم فقط، والسؤال ليس فيه أنها ستزيل شعر الوجه فلا إشكال إذاً، لكن كتفصيل للسؤال: شعر الوجه على أقسام، شعرٌ تحرم إزالته، وشعر على نزاع بين العلماء في إزالته، وشعر تستحب إزالته عند الأكثرين، أما الشعر الذي تحرم إزالته بالإجماع شعر الحواجب لحديث: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات...)، أما الشعر الذي فيه الخلاف، وفيه قولان للعلماء، فهو شعر الجبهة باستثناء الحواجب، فمن العلماء من قال: إن معنى النمص اللغوي يتطرق إلى الإزالة، ومنها إزالة شعر الوجه بصفة عامة، ومنهم من قال: إن النمص مختص بالحاجب، والشعر الذي استحب كثير من العلماء إزالته إذا نبت للمرأة شارب أو نبتت لها لحية، قالوا: حتى لا تقع في التشبه بالرجال، وقد لعن النبي المتشبهات من النساء بالرجال.

    قد يقول قائل: إن معنى النمص اللغوي يقتضي أن إزالة أي شعر من الوجه محرم إذ النمص الإزالة، لكن على هذا القائل تعقُّب، فيقال له: إذا قلت: إن النمص إزالة فبناءً على هذا عليك أن تحرم على المرأة أن تزيل شعر رجليها، والمسطر في كتب العلماء أن النساء كن يزلن شعور الأرجل أحياناً للتزين، ويزلن شعر الذراعين للتزين، ولم يُستنكر ذلك، فالذي يظهر -والله سبحانه أعلم- أن المحرم يقيناً شعر الحواجب، وأن شعر الشارب أو اللحية تستحب إزالته، وأن شعر الوجه في الخد ونحوه إن تركته فمن باب الورع، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وإلا فالقطع بتحريمه فيه نظر.

    حكم التجارة في اللحوم المجمدة

    السؤال: ما هو حكم اللحوم المجمدة والتجارة فيها؟

    الجواب: التجارة في اللحوم المجمدة في النفس منها شيء، ونفس الحكم السابق، من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، إذا كانت اللحوم المجمدة تذبح في مصر، فالأصل في مصر أنها بلاد مسلمة، وأن ذبحها حلال، لكن إذا كانت مستوردة ففي الدولة التي استوردت منها تفصيل، إن كانت مستوردة من دول الملاحدة، فلا تؤكل أصلاً، ولا يُتاجر فيها، وإن كانت مستوردة من دولة كتابية، فيبقى النظر في طريقة التذكية التي ذكيت بها الذبيحة هناك، فإن قطع أهل اختصاص بأن التذكية ليست على الشريعة، لا أعني التسمية عند الذبح من عدمها فقط، بل أعني التذكية الشرعية، أو هل هي لم تذك بمعنى: أنها قُتِلت بطريقة الصعق أو غير ذلك، فتكون بمنزلة الوقيذ، ففيها تفصيل، ولا أعلم طريقة الذبح التي تُذبح بها هذه البهائم في دول أهل الكتاب، فليُسأل عنها أهل الاختصاص.

    لكن دائماً معنا حديثان لرسول الله نتحرك بهما: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).

    حكم من فاته بعض التكبيرات في صلاة الجنازة

    السؤال: رجل دخل ليصلي الجنازة وقد سُبق ببعض التكبيرات فإذا كبر معهم ماذا يصنع؟

    الجواب: هذه المسألة كنا نفتي فيها أولاً بأحد شيئين: قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فنقول: إما أن تكبر: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر إلى أن تتحد مع الإمام في التكبيرة التي هو فيها، إذ القراءة بين التكبيرات ليست بواجبة؛ لأن هذا قول، فتكبر عدة مرات وبعدها تتفق مع الإمام وتفعل ما يفعل الإمام، أو الرأي الآخر: كبِّر واصنع كما يصنع الإمام، وما فاتك فأَتِم بعد الإمام، لكن بعد مراجعة صفة صلاة الجنازة باتساع، ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كبَّر على الجنازة أربع تكبيرات، وورد أنه صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن أرقم عند مسلم صلى على الجنازة فكبر خمس تكبيرات، ومن العلماء من يدعي أن الخمس منسوخة، لكن رد ذلك بأن: حديثها ثابت في مسلم ، والقول بالتنويع أولى من القول بالنسخ.

    لكن الآثار عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين أفادت أشياء تريح الصدر جداً، منها أن من السلف من كان يكبر على الجنازة تسعاً، ومنهم من كان يكبر عليها سبعاً، ومنهم من كان يرى التكبير ثلاثاً، ومنهم من كبر على الجنازة مرتين، ومنهم من يرى قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة، ومنهم من لا يرى قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة، يعني: ورد أن بعضهم كان يدخل التكبير ومباشرة يدعو للميت، وورد أن بعضهم كان يكبِّر ويصلي على رسول الله ويدعو للميت، فالمسألة أصبح فيها اتساع، حتى روى ابن عباس -كما في البخاري- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أُتِي إليه بجنازة فصلى عليها، وجهر بفاتحة الكتاب، وقال: إنما جهرت بفاتحة الكتاب لتعلموا أنها سنة، فلم أجد أحداً من العلماء قال ببطلان الصلاة على الجنازة إذا لم تقرأ فيها بالفاتحة، فليست الفاتحة ركناً من أركان الصلاة على الجنازة كما أنها ركن من أركان الصلوات المعتادة، بينهما خلاف، فجهر ابن عباس وقوله: لتعلموا أنها سنة، ليس صريحاً في الإيجاب، ثم يدل على أن منهم من كان لا يصنعها أصلاً، فالأمر في ذلك واسع، والله أعلم.

    حكم وصل شعر الشارب بشعر اللحية

    السؤال: ما حكم وصل شعر الشارب بشعر اللحية؟

    الجواب: الذي يصل شعر الشارب بشعر اللحية، سيكون قد أطلق الشارب، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (قصوا الشارب)، والله أعلم.

    حكم الاستمناء لمن هو محاط ببيئة فيها نساء

    السؤال: لقد سمعنا في أمر العادة السرية آراءً مختلفة، فبالنسبة لشاب أعزب محاط بالفتن من النساء هل هي مباحة له أم محرمة؟

    الجواب: هذه التسميات المحدثة، كالعادة السرية، ونداء إنساني، والإخوة على الساحة، -حتى الدعاة يستعملونها- هذه الألفاظ لابد أن نجل أنفسنا عنها، الألفاظ نأخذها من كتاب ربنا ومن سنة نبينا ومن سيرة سلفنا الصالح، بعض الإخوة يقول لك: الإخوة الدعاة العاملين على الساحة، ساحة ماذا؟! عبِّر بألفاظ منتقاة من كتاب الله ومن سنة رسول الله لا منتقاة من الملاعب!

    فالشاهد: أن العادة السرية اسمها في الشرع الاستمناء.

    وبالنسبة لمسألة الاستمناء، الوارد فيها من كتاب الله ما احتج به الإمام الشافعي قوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7]، استدل بها الإمام الشافعي على المنع؛ لأن الله قال: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) ترجع إلى الأزواج أو ما ملكت الأيمان (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).

    وأيضاً قال النبي: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم)ما أرشد إلى هذه المسألة.

    تبقى مسائل أُخَر وهي النظر في السؤال الذي ذكره الأخ خاصة، وفي الحقيقة أننا نخشى من الحديث فيه، ومن الاسترسال في الحديث فيه كما قال القرطبي رحمه الله: قد أصبحت قيلاً ويا ليتها لم تُقل، ولكن فقط من باب أن شخصاً تورط في مخالطة النساء، فالأولى له ثم الأولى أن ينقذ نفسه من التواجد في وسط النساء، وهذا من أنجح الحلول، ويعتصم بالله سبحانه وتعالى، ويكثر من الصيام، ويدعو بدعاء يوسف صلى الله عليه وسلم: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف:33]، ويتزوج ويبادر بالزواج، ولو من ثيب إلى أن يوسع الله سبحانه وتعالى عليه، ثم إن شاء أن يتزوج أخرى بعد ذلك تزوج، لكن نقول: إذا كانت هذه العملية حراماً لاستدلال الشافعي رحمه الله، وهناك حرام أعظم سيقع فيه الشخص وهو الزنا، فلا نريد أن نقول له: افعلها؛ لأنه سيفهم خطأً، وسيعيش دائماً يفعلها، ودائماً هو مع النساء، فسيعيش دائماً في معصية.

    لكن القواعد الكلية للشرعية تقول باختيار أخف الضررين عند توارد الأضرار، اختر أخفها، لكن نصيحتي أن تترك المكان، وقد سُئل ابن عباس فأجاب بإجابة نحو التي ذُكِرت، قال: (هي خير من الزنا، ونكاح الإماء خير منه)، يعني: إن لم يكن معك مال تتزوج فاشتر أمة رخيصة خير من الاستمناء، مع أن الله سبحانه أمر بالصبر عن نكاح ملك اليمين: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25] يعني: من الإماء وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ [النساء:25] إلى أن قال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النساء:25]، يعني صبركم عن نكاح الإماء خير من إقدامكم على نكاح الإماء، لكن نقول: الثيبات الحرائر موجودات، واحدة زوجها مات، اكسب أجراً في الأيتام وفي المرأة، وعندها بيتها، وعندها أثاثها، أما إذا قالت لك أمك: يا ابني! أنت ستفضحنا.. تتزوج ثيب!! فقل لها: الرسول صلى الله عليه وسلم ما فضح أهله أبداً لما تزوج خديجة بنت خويلد .

    وتعفَّف خير لك من أن تقع في المحرم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    حكم الحج بمال مختلس

    السؤال: شخص اختلس مالاً كي يحج، هل حجه صحيح؟

    الجواب: نعم حجه صحيح، لكن عليه الدين.

    طالب جامعي طلب منه نحت تمثال

    السؤال: طالب في كلية التربية مقرر عليه مادة النحت، وطلب منه وضع تمثال أو ما شابه ذلك فما الحكم؟

    الجواب: يظهر أنها ضرورة تقدر بقدرها، وحاول ألا تتقِن صنعته، حتى لا يُبعث إلى مكان وتتحمل إثمه، والله أعلم.

    حكم صبغ بعض الشعر ببعض الألوان

    السؤال: هل صبغ بعض الشعر ببعض الألوان يجوز أم لا؟

    الجواب: يجوز إذا لم يكن فيه تدليس وغش للخطاب، وأما مسألة السواد ففيه قولان للعلماء، فاتق السواد وما سوى ذلك فلا بأس به.

    حكم من أرغم زوجته على إسقاط جنينها

    السؤال: عندي طفل صغير يبلغ عاماً وثلاثة أشهر، وزوجي يأبى أن أحمل مرة أخرى، ويعزم على إنزال أي جنين يأتي، فما حكم طاعته، وإذا رفضت الإجهاض ممكن أن يصل الأمر إلى مشاكل كثيرة جداً؟

    الجواب: الذي يظهر -والله سبحانه أعلم- أن الولد من حق الزوجة كما أنه من حق الزوج أيضاً، فلها أن تحتال وأن تخفي عليه الأمر؛ لأن الولد من حقها كما أنه من حقه، يعني من حقها أن تحمل وترزق بالولد كما أن من حقه أن يُرزق بالولد.

    وإذا خشيت من الطلاق هذه مسألة أخرى تقدر هي مصلحتها ومفسدتها.

    حكم حديث من أخذ على تعليم القرآن قوساً

    السؤال: بالنسبة لموضوع من أخذ على تعليم القرآن قوساً من العلماء من حسنه؟

    الجواب: أعلم أن من العلماء من حسّنه، لكن تحسيننا لحديث لا ينبني على تحسين عالم واحد فقط، فليس معنى أنه موجود في كتاب، وصاحب الكتاب صححه أنه يقيناً صحيح، هناك عدد كبير جداً من أهل العلم ضعفوا هذا الحديث.

    إلى هنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.