اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القمر [1] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة القمر [1] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
معجزة انشقاق القمر من المعجزات العظيمة التي أيد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وما كان من قريش أمام هذه الآية الباهرة إلا أن استمروا على كفرهم وعنادهم، وزعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم سحرهم، ولكن سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم عند خروجهم من قبورهم وجلة قلوبهم ذليلة أبصارهم، ثم يكون مصيرهم إلى جهنم وبئس القرار.
معجزة انشقاق القمر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأعياد بسورة ق وسورة القمر.يقول الله سبحانه وتعالى فيها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، قوله سبحانه: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) كقوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1]، وكقوله سبحانه وتعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين) وقرن بين السبابة والوسطى.أما قوله تعالى: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فهذه من كبرى المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ألا وهي معجزة انشقاق القمر، فقد سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فانشق القمر لرسول الله، فقال المشركون: سحرنا محمد صلى الله عليه وسلم! فقالت طائفة منهم: إن يكن محمد سحرنا فإنه لم يسحر السفار، فلما أتى السفار -أي المسافرون- إلى مكة سألهم أهل الشرك: هل رأيتم القمر منشقاً؟ قالوا: نعم رأيناه منشقاً، فلقة على هذا الجبل، وفلقة على هذا الجبل، فلقة في هذه الناحية، وفلقة في تلك الناحية، وحديث انشقاق القمر من الأحاديث المتواترة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي انشقاق القمر من عدة طرق عن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.وقد أيد الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بطائفة من المعجزات كحنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، ومجيء الأشجار إليه صلى الله عليه وسلم، وبكاء الجمل عنده صلى الله عليه وسلم، وبالإسراء وبالمعراج، وبغير ذلك، وكانت المعجزة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي هذا القرآن الذي بين أيدينا، يدعو إلى كل خير، وينهى عن كل شر، ويخبر بأنباء ما قد مضى، وبأنباء ما هو آتٍ، فهو المعجزة الباقية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حفظ الله به العقول والدماء والأبدان والأموال والأعراض، فكله خير، فلله الحمد والشكر على ذلك.
 موقف الداعية ممن أصر على عناده رغم تكرر تذكيره
قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4]، لقد جاءهم من الأنباء ما فيه زاجر وواعظ لهم عن شركهم وعن غيهم، ولكنهم لم يستجيبوا لتلك المواعظ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5]، كما قال تعالى: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، يعني: أعرض عنهم يا محمد! والآية أفادت فقهاً في الدعوة إلى الله وهو: أن الشخص إذا وضح للقوم الآيات، وذكر القوم بالله وبحدود الله وبشرعه برفق ولين، وكرر عليهم ذلك، فأبوا إلا الرفض وأبوا إلا العناد وأبوا إلا النيل منه والطعن فيه، بل والطعن في الشرع ومن جاء به، فله حينئذٍ أن يعرض عنهم ولا يستمر في النصح والتذكير، ولا لوم عليه؛ لأن الله قال هاهنا: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، بعد قوله: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:4-5]، فبعدها قال سبحانه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وفي الآية الأخرى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، وفي الآية الثالثة يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، فمحل ذلك التولي والإعراض عنهم كما في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء:81]، وهنا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وكما في قوله تعالى الذي سمعتموه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، تفيد هذه الآيات فقهاً في الدعوة إلى الله، ألا وهو: إذا كان من أمامك متمرداً وعاتياً على شرع الله، ومتبرماً من التذكير بالله، وقد بذلت معه الجهد في هذا الباب؛ فحينئذٍ أعرض عنه ولا لوم عليك كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات:54]، أي: فأعرض عنهم فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، أي: لا لوم عليك، فحينئذٍ هناك وقت على الداعية إلى الله فيه ألا يهين نفسه، وألا يهين أيضاً دعوته التي يحملها إذا كان من أمامه يستعملون البذاءات، ويستعملون الألفاظ السخيفة للطعن فيه وفي الدين، فحينئذٍ أمر الله وتوجيه الله لنا: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)
ثم الله سبحانه وتعالى هددهم تهديداً ضمنياً يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) عندها وقف لازم كما قال كثير من العلماء، ثم قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) أي: وانتظر بهم وتأنّ بهم إلى يومٍ يدعو فيه الداعي إلى شيءٍ نكر، وهو يوم القيامة، ومن هو الداعي المذكور في قوله سبحانه: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ)؟ الداعي هنا لم يُفسر من هو، فمن العلماء من قال: الداعي هو الله سبحانه وتعالى، ومنهم من قال: الداعي ملك من الملائكة موكل بدعوة الناس للخروج من القبور، ومنهم من قال: الداعي هو إسرافيل الذي ينفخ في الصور فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51]، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال مشهورة، أحدها: أن الداعي هو الله سبحانه، الثاني: أن الداعي هو ملك من الملائكة مختص بذلك، الثالث: أن الداعي هو إسرافيل عليه السلام، فالله سبحانه وتعالى أعلم.فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) للعلماء فيه قولان: أحدها: إلى شيء فظيع عظيم، لا يعلم حجمه وعظمه إلا الله سبحانه وتعالى، شيء مخيف عظيم لا يعلم مدى بشاعته ومدى فظاعته إلا الله سبحانه وتعالى، فنُكِّر لبيان عظمته، القول الثاني: يوم يدعو الداعي إلى شيء لا يفهمه هؤلاء، لماذا يناديهم هذا المنادي؟ يقول: هلموا تعالوا، فيخرجون من القبور، لماذا يخرجون؟ لا يدرون إلى أين يتجهون، إلى الداعي فقط، لا يعرفون لماذا هم ذاهبون إلى هذا الداعي، هل يدعوهم هذا الداعي للمكافئة والإثابة أو يدعوهم هذا الداعي للعقاب والجزاء؟ أمر مستنكر عندهم.
 موقف الداعية ممن أصر على عناده رغم تكرر تذكيره
قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4]، لقد جاءهم من الأنباء ما فيه زاجر وواعظ لهم عن شركهم وعن غيهم، ولكنهم لم يستجيبوا لتلك المواعظ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5]، كما قال تعالى: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، يعني: أعرض عنهم يا محمد! والآية أفادت فقهاً في الدعوة إلى الله وهو: أن الشخص إذا وضح للقوم الآيات، وذكر القوم بالله وبحدود الله وبشرعه برفق ولين، وكرر عليهم ذلك، فأبوا إلا الرفض وأبوا إلا العناد وأبوا إلا النيل منه والطعن فيه، بل والطعن في الشرع ومن جاء به، فله حينئذٍ أن يعرض عنهم ولا يستمر في النصح والتذكير، ولا لوم عليه؛ لأن الله قال هاهنا: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، بعد قوله: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:4-5]، فبعدها قال سبحانه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وفي الآية الأخرى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، وفي الآية الثالثة يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، فمحل ذلك التولي والإعراض عنهم كما في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء:81]، وهنا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وكما في قوله تعالى الذي سمعتموه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، تفيد هذه الآيات فقهاً في الدعوة إلى الله، ألا وهو: إذا كان من أمامك متمرداً وعاتياً على شرع الله، ومتبرماً من التذكير بالله، وقد بذلت معه الجهد في هذا الباب؛ فحينئذٍ أعرض عنه ولا لوم عليك كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات:54]، أي: فأعرض عنهم فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، أي: لا لوم عليك، فحينئذٍ هناك وقت على الداعية إلى الله فيه ألا يهين نفسه، وألا يهين أيضاً دعوته التي يحملها إذا كان من أمامه يستعملون البذاءات، ويستعملون الألفاظ السخيفة للطعن فيه وفي الدين، فحينئذٍ أمر الله وتوجيه الله لنا: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).
حال الكافرين عند خروجهم من قبورهم
وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7]، قال سبحانه: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ.. [القمر:7]، أي ذليلة أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ أي: القبور كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7]، الخشوع محبوب في الدنيا، فلماذا هو مذموم في الآخرة، الله سبحانه وتعالى حمِد الخاشعين له في الدنيا، وقال في آية أخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية:2-4]، فكيف هي خاشعة ومع ذلك تصلى ناراً حامية؟! العلماء قالوا: إن الخشوع في الدنيا يجلب الأمن في الآخرة، وعدم الخشوع في الدنيا لله سبحانه يجعل الشخص ذليلاً خاشعاً في الآخرة، فلا إشكال، فهذا خشوع الدنيا وذاك خشوع الآخرة.قال سبحانه: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) أي: ذليلة أبصارهم، (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ) أي من القبور، (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) يعني: مسرعين كأنهم جراد منتشر، وتقدم الجمع بين هذا الوصف في هذه الآية: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) وبين الوصف في الآية الأخرى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:4]، فالفراش المبثوث له طريقة في انتشاره، والجراد المنتشر له طريقة في انتشاره، فالفراش دائماً يطير بشكل غير منظم، يتجه فريق منه إلى اليمين، وفريق منه إلى الشمال، وفريق إلى أعلى وفريق إلى أسفل، أما الجراد في مسيره وانتشاره فانتشاره منظم، تجد أسراب الجراد تمشي كلها إلى وجهة محددة، فكيف الجمع بين قوله: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ)، أي: متجهون وجهة محددة، وبين قوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، أي: الفراش المنتشر أيضاً؟ العلماء يقولون: إذا دعاهم الداعي خرجوا كلهم من القبور متجهين في خط واحد إلى الداعي الذي دعاهم، لا ينحرفون عنه يمنة ولا يسرة، إذا دعاهم الداعي لا ينحرفون عنه يميناً ولا يساراً بل كلهم يتجهون أسراباً وأفواجاً إلى هذا الداعي، لكن في مواقف أخر، مثلاً: حين تتطاير الصحف، أو حين يُدعى للمرور على الصراط، أو حين يدعى للميزان، فحينئذٍ الأفئدة تطير وتذهب، وكل يجري في وجهة لا يدري إلى أين يذهب، ولا يدري إلى أين يفر.مُهْطِعِينَ أي: مسرعين إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8]، أي: شديد، وهذه كلمة موجزة من الكفار تدل على مدى الهم الذي هم فيه، ومدى النكد الذي يعيشونه، ويلامسونه، كلمة موجزة: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي: يوم شديد وشاق والعياذ بالله!وقوله سبحانه عن الكافرين: يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8]، هل هو عسِر على الكافرين فقط كما قال تعالى: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:9-10] أم هو عسِر أيضاً على أهل الإيمان؟ للعلماء في هذا الإشكال أقوال: أقواها: أنه عسِر على الجميع، لكن وصِف بأنه على الكافرين غير يسير، وأن الكافرين يقولون: هذا يوم عسر؛ لأن عسره لن يزول عن الكافرين، أما العسر الذي لحق بأهل الإيمان فإنه عسر زائل، والعسر الزائل لا يُطلق عليه عسرٌ إذ مآله إلى الزوال، أما العسر الملازم فهو الذي يطلق عليه العسر، كما روي عن رسول الله أنه كان يستعيذ بالله من جار السوء في دار المقامة، فإن جار السفر يوشك أن يزول، الجار في السفر والصاحب في السفر وإن كان مؤذياً فبانتهاء السفر يزول، أما الجار الذي يساكنك ويجاورك طيلة حياتك، الجار المؤذي هو هذا الذي يستعاذ منه، فمن أهل العلم من قال: إن اليوم عسير على الجميع لكن عسره على أهل الكفر أشد، أما عسره على الجميع فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)، فهذا عام لـعائشة ولغيرها، وقال الله سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36]، وقول آدم صلى الله عليه وسلم وكذا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام جميعاً: نفسي نفسي، كلهم يقول: نفسي نفسي، من هول المطلع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
 موقف الداعية ممن أصر على عناده رغم تكرر تذكيره
قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4]، لقد جاءهم من الأنباء ما فيه زاجر وواعظ لهم عن شركهم وعن غيهم، ولكنهم لم يستجيبوا لتلك المواعظ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5]، كما قال تعالى: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، يعني: أعرض عنهم يا محمد! والآية أفادت فقهاً في الدعوة إلى الله وهو: أن الشخص إذا وضح للقوم الآيات، وذكر القوم بالله وبحدود الله وبشرعه برفق ولين، وكرر عليهم ذلك، فأبوا إلا الرفض وأبوا إلا العناد وأبوا إلا النيل منه والطعن فيه، بل والطعن في الشرع ومن جاء به، فله حينئذٍ أن يعرض عنهم ولا يستمر في النصح والتذكير، ولا لوم عليه؛ لأن الله قال هاهنا: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، بعد قوله: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:4-5]، فبعدها قال سبحانه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وفي الآية الأخرى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، وفي الآية الثالثة يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، فمحل ذلك التولي والإعراض عنهم كما في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء:81]، وهنا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وكما في قوله تعالى الذي سمعتموه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، تفيد هذه الآيات فقهاً في الدعوة إلى الله، ألا وهو: إذا كان من أمامك متمرداً وعاتياً على شرع الله، ومتبرماً من التذكير بالله، وقد بذلت معه الجهد في هذا الباب؛ فحينئذٍ أعرض عنه ولا لوم عليك كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات:54]، أي: فأعرض عنهم فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، أي: لا لوم عليك، فحينئذٍ هناك وقت على الداعية إلى الله فيه ألا يهين نفسه، وألا يهين أيضاً دعوته التي يحملها إذا كان من أمامه يستعملون البذاءات، ويستعملون الألفاظ السخيفة للطعن فيه وفي الدين، فحينئذٍ أمر الله وتوجيه الله لنا: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).
تعرض نوح لأذى قومه
قال سبحانه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9]، أي: زجروه وأهانوه وآذوه صلوات الله وسلامه عليه، ووصفوه بالجنون يعني: أن الأذى باللسان كان وارداً، والزجر كذلك بكل أنواعه، وقوله: (وَازْدُجِرَ) هو: أبلغ الزجر، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، دعا ربه دعوة مظلوم بقوله: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ).
 موقف الداعية ممن أصر على عناده رغم تكرر تذكيره
قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4]، لقد جاءهم من الأنباء ما فيه زاجر وواعظ لهم عن شركهم وعن غيهم، ولكنهم لم يستجيبوا لتلك المواعظ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5]، كما قال تعالى: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]، يعني: أعرض عنهم يا محمد! والآية أفادت فقهاً في الدعوة إلى الله وهو: أن الشخص إذا وضح للقوم الآيات، وذكر القوم بالله وبحدود الله وبشرعه برفق ولين، وكرر عليهم ذلك، فأبوا إلا الرفض وأبوا إلا العناد وأبوا إلا النيل منه والطعن فيه، بل والطعن في الشرع ومن جاء به، فله حينئذٍ أن يعرض عنهم ولا يستمر في النصح والتذكير، ولا لوم عليه؛ لأن الله قال هاهنا: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، بعد قوله: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:4-5]، فبعدها قال سبحانه: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وفي الآية الأخرى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، وفي الآية الثالثة يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، فمحل ذلك التولي والإعراض عنهم كما في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء:81]، وهنا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6]، وكما في قوله تعالى الذي سمعتموه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، تفيد هذه الآيات فقهاً في الدعوة إلى الله، ألا وهو: إذا كان من أمامك متمرداً وعاتياً على شرع الله، ومتبرماً من التذكير بالله، وقد بذلت معه الجهد في هذا الباب؛ فحينئذٍ أعرض عنه ولا لوم عليك كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات:54]، أي: فأعرض عنهم فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات:54]، أي: لا لوم عليك، فحينئذٍ هناك وقت على الداعية إلى الله فيه ألا يهين نفسه، وألا يهين أيضاً دعوته التي يحملها إذا كان من أمامه يستعملون البذاءات، ويستعملون الألفاظ السخيفة للطعن فيه وفي الدين، فحينئذٍ أمر الله وتوجيه الله لنا: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).
الأسئلة

 حكم حديث من أخذ على تعليم القرآن قوساً
السؤال: بالنسبة لموضوع من أخذ على تعليم القرآن قوساً من العلماء من حسنه؟الجواب: أعلم أن من العلماء من حسّنه، لكن تحسيننا لحديث لا ينبني على تحسين عالم واحد فقط، فليس معنى أنه موجود في كتاب، وصاحب الكتاب صححه أنه يقيناً صحيح، هناك عدد كبير جداً من أهل العلم ضعفوا هذا الحديث.إلى هنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القمر [1] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net