إسلام ويب

تفسير سورة النور [30-35]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله سبحانه وتعالى في هذا المقطع من الآيات بغض البصر للرجل والمرأة، ثم بين الله المحارم الذين يجوز للمرأة أن تنظر إليهم وتختلي به وتسافر معهم، وأن ما عدا ذلك فلا يجوز لها أن تظهر زينتها أمامهم، فإنهم ليسوا بمحارم لها، وقد حث الله عز وجل على سد ذرائع فساد النظر إلى الحرام والزنا بالنكاح المشروع في الكتاب والسنة المطهرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ...)

    باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فقال: (اصرف بصرك) وقد ورد في الباب حديث علي وفي إسناده كلام: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) وهو حديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال عليه الصلاة والسلام في معرض بيان غض البصر : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)، ومن الجهل والقبح والعار أن ترى رجالاً ونساء عراة، أو رجالاً يسبحون في البحر عراة كما ولدتهم أمهاتهم، وفي الأنهار والترع كالبهائم والعياذ بالله.

    قال الله سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] قد يقول قائل: إن حفظ الفرج آكد من غض البصر؛ لأن عدم حفظ الفرج كبيرة، أما إطلاق البصر ليس من الكبائر عند كثير من العلماء، لأن ابن عباس فسر اللمم بحديث أبي هريرة : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعين تزني وزناها النظر ..) فقال: ما رأيت أشبه باللمم المذكور في قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] مما قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة...) الحديث، فلماذا قدم الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، مع أن حفظ الفرج أهم من غض البصر؟!

    صحيح أن حفظ الفرج أهم من غض البصر، لكن النظر هو الوسيلة إلى المحرم. فالفرج لا يتحرك إلا بعد نظر، وكما قال الشاعر:

    ومعظم النار من مستصغر الشرر

    فالأمر بغض البصر أمر بسد الذريعة إلى الوصول إلى المحرم، فالزنا جعل له حمى حتى لا يقع شخص فيه، فلا تدخل بيت شخص إلا إذا استأذنت، ولا تنظر إلا إلى الذي أبيح لك، وقد قدمنا أن من الحمى الذي وضع للزنا: مصافحة المرأة الأجنبية، فإنها لا يجوز، والخلوة بالمرأة الأجنبية لا تجوز، سفر المرأة بدون محرم لا يجوز، والغناء الذي يثير الكامن ويهيج على الفاحشة لا يجوز، فللزنا حمى فليبتعد عنه الشخص، ومنه غض البصر.

    قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] فيه أن ذكر الرجل يطلق عليه الفرج خلافاً لمن كره ذلك من العلماء، فمن أهل العلم من كره أن يقال عن عورة الرجل فرج، وقال: الفرج هو ما انفرج، أي: ما فتح، كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] فقال: إن الفرج مختص بالمرأة، لكن هذه الآية ترد عليه، لأن الله جل ذكره قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30].

    والمقصود أن يحفظوها عن الزنا، وعن اللواط، وعن الاستمناء، وعن نظر الأجانب إليها، وعن نظر من لا يحل له النظر إليها، وبالجملة عن كل ما حرمه الله سبحانه وتعالى عليهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما تقدم: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل).

    وقد ورد في الباب حديث محمول على الاستحباب، ألا وهو حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: (يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق .. -وذكر الحديث وفيه:- عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟) يعني: ما هو الشيء الذي يرى، وما الشيء الذي يترك؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: الرجل يغتسل عارياً يا رسول الله؟! قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس) فمن العلماء من قال: وإن كنت وحدك استحب لك أن تستتر ولا تباشر السماء بفرجك، ولا تكن مكشوفاً، وحمل هذا على الاستحباب لا على الإيجاب؛ لأن نبي الله موسى اغتسل عرياناً، ولأن نبي الله أيوب اغتسل عرياناً، وهذا حيث لا يراهما الناس، لكن الكلام على الاستحباب في شريعتنا، والله تعالى أعلم.

    قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، هذا التعقيب بقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] لأن للأعين خائنة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فقد تكون ماشياً مع شخص في طريق ولعينه خائنة وأنت لا تشعر بها، ولا تستطيع أن تضبطه بحال، يسارق النظر وأنت لا تشعر، كما قال سبحانه: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] فختمت الآية بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] فمهما أخطأت على الناس فإن الله يعلم حالك ويطلع عليك.

    حكم من اطلع إلى بيت قوم بغير إذنهم

    ففي أبواب الاستئذان مسألة فقهية حاصلها: إذا اطلع شخص في بيت قوم بغير إذنهم فما حكم ذلك؟

    معلوم أنه حرام، ومن العلماء من قال: إذا فقأ القوم عينه فلا جناح عليهم ولا إثم، ولا قصاص، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيما رجل اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه، لم يكن عليهم جناح) وقال بهذا طائفة من أهل العلم.

    بينما ذهب آخرون إلى أن هذا الحكم على سبيل التغليظ وليس القصد منه فقأ العين على الحقيقة، وذلك لقول الله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126] ولقوله تعالى أيضاً: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة:45] قالوا: وهذا كقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي روي عنه بإسناد ينظر فيه: (أن رجلاً أتى إلى النبي وكان حاد اللسان متكلماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـبلال : قم فاقطع لسانه) قالوا: ومعنى قول النبي: (قم فاقطع لسانه) أي: أعطه شيئاً حتى يسكت، قالوا: فليس المراد فقأ العين حقيقة، إنما المراد التغليظ في بيان العقوبة، هذا وجه قولي العلماء في هذا الباب.

    مسألة استئذان الصغير المميز

    كذلك في أبواب الاستئذان أيضاً مسألة، وهي: هل يستأذن الصغير المميز أو لا يستأذن؟ قال كثير من العلماء: إذا كان الصغير مميزاً فيستأذن؛ لأن أنساً كان خادم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ الحلم، ولما نزلت آية الحجاب قال أنس : (فجئت أدخل عند النبي صلى الله عليه وسلم عليه مع زوجه زينب بنت جحش ، فضرب الحجاب بيني وبينها)، قالوا: فالصبي إذا كان مراهقاً مناهزاً للاحتلام يستأذن أيضاً.

    وفي الباب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [النور:58] الآية.

    رسول الرجل إلى الرجل هل يعد إذناً له؟

    في الباب أيضاً رسول الرجل إلى الرجل هل يعد إذناً له؟ مثاله: أنت في بيت قلت لفلان: اذهب فادع لي فلاناً من الناس، فجاء الرجل الذي أرسل إليه، هل يلزمه أن يستأذن أو يدخل مباشرة عليه؟

    من العلماء من قال: يدخل مباشرة؛ لحديث: (رسول الرجل إذنه) وقد حسنه البعض من مجموع طرقه.

    والرأي الآخر أنهم يستأذنون، لما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي هريرة : (ادع لي أهل الصفة يا أبا هريرة ، فذهب أبو هريرة يدعوهم، فأتوا واستأذنوا عند دخولهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، هذه وجهة القائلين بالاستئذان، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27].

    ومن العلماء من فصل بين طول زمن الفترة التي أرسل إليها الرسول وقصرها، قالوا: إذا كان قومٌ بالباب فقلت: ادعهم فدعاهم، لم يحتاجوا إلى الإذن، لكن إذا إرسلت إليهم فأتوا بعد خمس ساعات، فهذا يحتاج إلى استئذان، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)

    يقول الله سبحانه: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    نظر المرأة إلى الرجل

    قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] الأمر قد توجه للمؤمنين بغض البصر، وكان بالإمكان القول بأن النساء يدخلن في خطاب الرجال فيكفي ذكر المؤمنين إذ يدخل فيه المؤمنات، ولكن الله تعالى نص ثانياً على النساء لانسحاب الحكم عليهن حتى لا يظن ظان أن النساء خارجات من الحكم.

    فللتأكيد على أن الحكم ينسحب أيضاً على النساء قال تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] ونحو هذا مع بعض فارق في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات:11] فالنساء يدخلن في القوم، ولكن نص عليهن للتأكيد، ولبيان أن السخرية منهن بعضهن من بعض أكثر.

    قال سبحانه: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] والغض الخفض كما تقدم و(من) هنا: للتبعيض، فلم يقل: ( يغضضن أبصارهن ) لأن للمرأة أن تنظر إلى زوجها، فلذلك من العلماء من قال: إن (من) هنا للتبعيض. يعني: لا يغضضن أبصارهن كلية، بل يغضضن أبصارهن عما حرم عليهن فقط، أما الذي لم يحرم عليهن فلهن أن ينظرن إليه، وهم الأزواج.

    وبهذه الآية: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] استدل فريق من العلماء على أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال أصلاً، لا بشهوة ولا بغير شهوة، إلا ما دعت إليه الضرورة، وأيد أصحاب هذا القول قولهم بحديث فيه ضعف ألا وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه ورأى عندهما ابن أم مكتوم فأنكر ذلك عليهما، فقالتا: إنه رجل أعمى يا رسول الله! قال: أفعمياوان أنتما).

    ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم منعهما من النظر إلى الأعمى، إلا أن هذا الحديث ضعيف الإسناد، وهو من طريق نبهان مولى أم سلمة ، وهو ضعيف، هذا مجمل أدلة القائلين بمنع المرأة من النظر إلى الرجال أصلاً.

    وضموا إلى هذين الاستدلالين أصلاً عاماً وهو: أن النظر طريق إلى الفساد وإلى الفاحشة، فمنعه من الأصل سداً للذريعة أي: ذريعة الوصول إلى المحرم، فأصبح هناك نصان وأصل عام، ألا وهو قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205] ومنه قاعدة سد الذرائع.

    بينما رأى فريق من أهل العلم جواز نظر المرأة إلى الرجال إذا أمنت الفتنة، ولم يكن ذلك بشهوة، واستدلوا (بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حمل عائشة ووضع خدها على خده وجعلها تنظر من شق الباب إلى الأحباش وهم يلعبون في المسجد).

    واستدلوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـفاطمة بنت قيس : (اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) فرأى هذا الفريق جواز نظر المرأة إلى الرجال إذا لم يكن مع ذلك شهوة، أما إن وجدت الشهوة فيمنع، أو إن كان النظر سيولد الشهوة فيمنع كذلك.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    حفظ المرأة فرجها من المحرمات حتى ملك اليمين

    وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31] وحفظ الفرج عن المحرمات، وتختلف المرأة في حفظ فرجها عن الرجل من ناحية ملك اليمين، فالرجل لا يحفظ فرجه عن ما ملكت يمينه، قال سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6] أما المرأة فيجب عليها إجماعاً أن تحفظ فرجها من عبدها، وقد أتي في زمن عمر بن عبد العزيز بامرأة مكنت عبدها من نفسها، فسألها عن سبب ذلك، فاحتجت بالآية فعذرها بالجهل، وأظن أنه أقام عليها حد الجلد أما الرجم فلم يقمه عليها، وأقام حد الزنا على العبد.

    وقوله سبحانه: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31] أي: حتى من نظر النساء إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) فالمرأة لا تنظر إلى عورة المرأة إلا عند الضرورة التي لابد منها، مثال ذلك: أن تكون المرأة تلد ولا بد لها ممن يولدها، فحينئذٍ تلجأ إلى امرأة تولدها، إذ القوابل كن معروفات على عهد السلف، أما أن تبادر بالذهاب إلى رجل كالرجال الذين وجدوا هذه الأيام وتخصصوا دناءة في التوليد، ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا قوابل؛ فأن تبادر المرأة سريعاً بعرض فرجها على الرجال يعبثون بها، فهذا من المستقبح المستهجن.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المراد بالزينة المذكورة في الآية

    وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31] ما المراد بهذه الزينة المذكورة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]؟

    لأهل العلم في ذلك أقوال:

    أقوى هذه الأقوال من ناحية السند وصحته قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن هذه الزينة هي الرداء والثياب) فمن شأن العرب أن نساءهم كن يلبسن العباءة السوداء وتحتها ثوب ملون، فأحياناً يظهر ذيل الثوب الملون من أسفل العباءة، ويشق على المرأة ستره، فهذا الذي فسر به ابن مسعود الآية، فمن النساء الآن من تلبس العباءة السوداء وتأتي عند الرجال وتفتحها، فيرى الرجل الثوب الذي بداخلها فيفتن، فإذا كان شيء من ذلك يشق على المرأة ستره ولا تتعمد التبرج به جاز لها إظهاره، هذا قول عبد الله بن مسعود روي عنه بإسناد على شرط مسلم .

    أما ابن عباس رضي الله عنهما فقد روي عنه بأسانيد في كل إسناد منها مقال وضعف، فذهب إلى أن ما ظهر منها هو الوجه والكفان.

    وانتصر للقول الأول بأن الزينة التي على الشيء تكون خارجة عن أصله، فالله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف:7] فالذي على الأرض ليس من أصل الأرض، إنما هو شيء منفصل عنها، فليكن كذلك في تفسير الثياب للزينة فهو شيء منفصل عن المرأة، فالثوب والكحل والخلخال مثلاً، كل هذه الأشياء من الزينة لأنها خارجة عن المرأة، أما وجه المرأة في حد ذاته فلا يقال: إنه زينة؛ لأنه من أصل خلقتها.

    هذا الذي انتصر به بعض المفسرين بالقول الأول كـالشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب أضواء البيان وغيره من العلماء، واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:6] والكواكب ليست هي السماء الدنيا بل منفصلة عنها.

    أما حديث: (يا أسماء ! إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى وجهه وكفيه فهو إسناد تالف مسلسل بالعلل، فهو من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة، والوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وسعيد بن بشير ضعيف، وقتادة مدلس وقد عنعن ، وخالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها، ثم هو بعد ذلك كله هل هو قبل الحجاب أو بعده؟ في ذلك أيضاً بحث، فالإسناد لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وجوب تغطية الرأس والوجه للمرأة

    قال تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ [النور:31] الخمر: جمع خمار وهو ما تتغطى به المرأة، فقد تخمر المرأة رأسها فيكون الخمار هو ما خمر الرأس أي: غطاه، فالخمار الشيء الذي يغطي، قالت أم المؤمنين عائشة : (فلما رأيت صفوان بن المعطل خمرت وجهي بجلبابي) أي: غطيت وجهي بجلبابي.

    وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ [النور:31] الضرب: من معانيه التغطية، ومنه قوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف:5] أي: أفنهمل ذكركم؟ ومنه قول الرجل لولده: اضرب على هذا الحديث يعني: امحه، وقوله تعالى: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [الكهف:11] فقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ [النور:31] أي: وليغطين.

    وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31] والجيب: فتحة الصدر التي يدخل منها الشخص رأسه وهو يلبس الثوب، ومنه قول الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [النمل:12] فهو فتحة الصدر، فقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31] أي: يغطين بخمرهن على فتحات صدورهن.

    أما الدليل على تغطية الوجه فهو المقطع الأول للآية: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31] قال الإمام أحمد رحمه الله كما نقل عنه القاضي أبو يعلى : المرأة كلها عورة حتى ظفرها، لا يحل لها أن يظهر منها شيء حتى الظفر. هذا رأي الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31].

    من العلماء من فصل في مسألة الزينة وقسمها تقسيماً حاصله: أن الزينة منها ما هو خلقي -يعني من أصل الخلقة- ومنها ما هو مكتسب، فالمكتسب: كالكحل وأنواع المكياج الذي تتزين به المرأة ونحو ذلك، والخلقي: ما كان من أصل خلقتها، فمن العلماء من قال: إن الزينة هنا الزينة الخلقية، ومنهم من عمم، وسيأتي.

    وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] البعل: هو الزوج، كما قال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا [النساء:128] فالبعل: الزوج.

    وقوله تعالى: إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31].

    من العلماء من سلك هنا مسلك النظر وقال: إن الزينة التي تظهر من المرأة تختلف من محرم إلى محرم آخر، ولم يكن هناك نص يحدد ذلك، لكن الزينة التي يراها البعل من امرأته أوسع من الزينة التي يراها أبوها منها إجماعاً، فللزوج أن يرى من امرأته كل شيء، أما أبوها فلا يحل له أن يرى مثلاً عورتها المغلظة، وكذلك أشياء من الأجزاء في جسدها لا يراها الأب.

    كذلك قال العلماء: إذا كانت هناك امرأة متزوجة برجل له أولاد من امرأة أخرى فهم محارم لامرأة أبيهم، لكن لا يرون منها القدر الذي يراه أبواها منها، فأبو المرأة محرم وابن زوجها محرم، لكن أبوها يرى منها أكثر مما يرى منها ابن زوجها، وليس على هذا نص صريح من الكتاب والسنة، ولكنه مبني على مسألة المفاسد، والله أعلم، فالمفسدة من ابن الزوج أعظم، وهي من الأب أخف، لأن الأب لا يفكر في الاعتداء على ابنته، لأنها عرضه، أما ابن الزوج فقد يتجرأ على امرأة أبيه، وكلاهما محرم، لكن الشر المتوقع من ابن الزوج أعظم من الشر المتوقع من الأب في الغالب، فهذا وجه تفصيل من فصل، ومبناه على النظر الصحيح عنده، والله تعالى أعلم.

    المحارم الذين يجوز للمرأة أن تظهر زينتها أمامهم

    وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] البعل يرى كل شيء من المرأة، فقد تقدم بيان بطلان حديث (نظر الرجل إلى فرج امرأته يورث العمى) فهو حديث ضعيف جداً بل حكم البعض بوضعه.

    قوله: أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31] يرى الأب من ابنته كما قال كثير من أهل العلم، ما يظهر منها غالباً، كمواضع الوضوء وشعرها، ورجليها، وذراعيها ونحو ذلك، فهذا هو الذي يظهر غالباً منها، واستدل لهذا القول بحديث ابن عمر رضي الله عنهما في البخاري : (كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً) فهذا الحديث إما أن يحمل على ما قبل الحجاب، وإما أن يحمل على المحارم، وفي الحالين يتم الاستدلال به، ولما جاء بعض محارم عائشة يسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت بينها وبينهم ستراً، فاغتسلت وأظهرت لهم رأسها، وصبت على رأسها الماء، هذا مستند القائلين بأن المحرم يرى ما يظهر من المرأة غالباً كما ذكر.

    ثم إن هناك بعض المواطن التي تمتنع المرأة فيها عن إظهار بعض أجزائها أو جسمها لمحرمها، وهذا إذا كان المحرم فاسقاً يخشى منه أن يعتدي على محرمه، فحينئذٍ تتستر المرأة منه دفعاً لشره ولفساده، والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال لـسودة بنت زمعة : (واحتجبي منه يا سودة ) أي: من ابن وليدة زمعة والله أعلم.

    قوله: أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] وهو أبو الزوج، أما أن يذهب أبو الخاطب كما يفعل بعض الجهلة يريد أن يرى مخطوبة ابنه قبل العقد، ويطمئن على شكلها وجمالها فليس هذا من حقه، فليس له أن يراها إلا إذا عقد ولده عليها، أما أن يراها وليست هناك صلة محرمية بينهما فلا يجوز له ذلك.

    قوله: أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] أي: المرأة مع ابنها، ويرى ابنها منها زينتها، هذا الأمر مرده إلى الأعراف السائدة وإلى الملابسات التي تحيط بكل أسرة، فليس معنى أن الابن يرى زينة أمه أنها تتبرج له تبرجاً زائداً مزرياً، فيتحرك الشيطان في نفسه بسبب هذا التبرج، فهنا تتدخل نصوص عامة لتحسم هذه المواقف كقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205] (لا ضرر ولا ضرار).

    أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] أي: ابن الزوج من امرأة أخرى.

    أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] أخوها.

    أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ [النور:31] ابن أخيها أو ابن أختها.

    قال بعض أهل العلم: لم يذكر العم والخال لأنه قد ينعت المرأة لأبنائه، وهذا التعليل واه، والله أعلم، والصواب أن السنة قد بينت أن العم والخال له أن يرى أيضاً، وله أن يدخل أيضاً على بنت أخيه أو بنت أخته، من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن أفلح أخي أبي العقيس لما كان عماً لـعائشة من الرضاعة، وعائشة منعته من الدخول عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه عمك ليلج عليك) فإذا كان العم من الرضاعة يدخل فالعم من النسب من باب أولى.

    المحارم المذكورون في الآية من النسب، وإذا كانوا من الرضاعة، فيجري عليهم نفس الحكم، يعني: إذا كان الرجل ابنها من الرضاعة وابن أخيها من الرضاعة وابن أختها من الرضاعة، فكل هؤلاء يدخلون عليها أيضاً وتبدي لهم الزينة.

    المراد بقوله: (أونسائهن أو ما ملكت أيمانهن)

    أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31]:

    من أهل العلم من قال: إن المراد بهن نساء المؤمنين، يعني: النساء المؤمنات بصفة عامة، فللمرأة أن تبدي الزينة للمؤمنات، وعلى هذا القول لا يجوز للمرأة أن تبدي زينتها لامرأة كافرة، فما بالنا المرأة تبدي زينتها لرجل كافر، تذهب ليلة الزفاف لمصور نصراني يصورها، عياذاً بالله من ذلك! .

    ومن العلماء من قال: إن المراد بنسائهن جنس النساء، وأيد هذا القول بأن يهودية كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.

    أهل القول الأول قالوا: لا تدخل النساء الكافرات؛ لأن النساء الكافرات قد يصفن المرأة للكفار ويفشين أسرارها، فأجيب على ذلك بأن من النساء المسلمات أيضاً فاسقات قد يفشين سر المرأة للأجانب، وهذا محرم في حق الجميع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها).

    قال سبحانه: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31]:

    من العلماء من قال: إن المراد الإماء المسلمات، يعني: للمرأة أن تظهر زينتها للأمة المسلمة.

    ومنهم من قال: ملك اليمين هنا عامة، للمرأة أن تظهر زينتها لعبدها أيضاً، واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن فاطمة أنه كان لها خادم، وكان لها في البيت ثياب قصيرة إذا غطت رأسها بدت رجلاها، وإذا غطت رجليها بدا رأسها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو أبوك وغلامك) ولكن ينظر في صحة هذا الحديث، فأنا بعيد عهد به، والله أعلم.

    أولو الإربة المذكورون في الآية

    قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31] في تفسيرها أقوال:

    أحدها: الخدم الذين ليس لهم حاجة في النساء، أو المخنثون، والتخنيث على قسمين:

    تخنيث جبلي: يعني: رجل في خلقته مخنث.

    تخنيث مكتسب: رجل يتشبه بالنساء ويتمايل كما تتمايل النساء، ويتكسر كما تتكسر النساء.

    فالأول وهو المخنث تخنيثاً جبلياً لا حاجة له في النساء من أصل خلقته، فتظهر له المرأة زينتها، أما المخنث تخنيثاً مكتسباً فلا تظهر له المرأة زينتها، وإن اكتشف أن المخنث تخنيثاً جبلياً يصف المرأة منعت المرأة من إبداء زينتها له أيضاً، فكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مخنث يقال له: هيت (كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ذات يوم لـعبد الله بن أبي أمية : يا عبد الله ! إذا فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بـابنة غيلان ) يعني: إذا غنمتم فاحرص على أن تكون من نصيبك ابنة غيلان وهي بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي الذي كان متزوجاً بعشر نسوة، فهي إحدى بناته، (عليك بـابنة غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان) يصف تكسرات جسمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلن هذا عليكم) فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على أزواجه، وفي بعض الروايات: (لقد غلغلت إليها النظر يا عدو الله!) فإن اكتشف أن المخنث على هذا النحو فيمنع.

    من العلماء من قال أيضاً: إن التابعين غير أولي الإربة أي: غير ذوي الحاجة في النساء، يدخل فيهم الشيخ الكبير الفاني الذي انقطعت حاجته في النساء، أو الرجل الأهطل الأبله الذي لا يفكر في النساء ولا يخشى منه، فهناك كم من شخص أهطل أبله لا يلتفت إلى النساء، إنما حاجته لقمة يأخذها من البيت أو نحو ذلك، فهذا أدخله أيضاً بعض العلماء في التابعين غير أولي الإربة من الرجال.

    فعلى ذلك للمرأة أن تبدي زينتها لمثل هؤلاء المذكورين في كتاب الله عز وجل.

    أَوِ الطِّفْلِ [النور:31] الطفل هنا اسم يطلق للمفرد ويطلق للجمع، لكن المراد به هنا الجمع بمعنى الأطفال، بدليل قوله تعالى: الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] .

    والأطفال على نوعين:

    - طفل مميز يفهم أمور النكاح وقد تهيج به الشهوة أحياناً وإن لم يكن بالغاً.

    - وطفل لا يفهم شيئاً من ذلك، فالطفل الذي ظهر على عورات النساء، فيعرف عورة المرأة، ويعرف الجماع ونحو ذلك؛ فهذا لا تظهر له المرأة زينتها، كالمراهق ابن العشر السنين، أو ابن إحدى عشرة سنة، أو اثنتي عشرة سنة، أما الطفل الذي لا يميز شيئاً من هذا فتظهر له الزينة.

    وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ [النور:31]

    يعني: لا تضرب المرأة برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها، وكانت المرأة تلبس الخلخال، فإذا مرت برجال وضربت برجلها أحدث الخلخال صوتاً فيلتفت إليها الرجال ينظرون إلى عراقيبها وإلى ساقيها من أسفل، وهذا من حيل النساء، كان هذا في زمان رسول الله وقبل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرأة اليوم تكشف مباشرة إلى ما فوق الركبة، ولا تحتاج إلى أن تضرب بالخلخال، حتى ينظر شخص إلى موطن الخلخال.

    قال تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] فأي شيء يدعو إلى إظهار المخفي من الزينة تنهى عنه المرأة، مثلاً إذا جاءت المرأة ورفعت بعض ثوبها لتري الناس الثوب الأسفل أو قميص اليوم مثلاً أو أي شيء من ذلك دخلت في الذنب -والعياذ بالله-، وإن تطيبت حتى يلتفت إليها الناس دخلت في الذنب، وإن وضعت على شعرها ما يلفت النظر إليها ويظهر ما قصي من زينتها دخلت في الذنب.

    قال تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا [النور:31] أي: لا يزكي أحد منكم نفسه، فإن ابن آدم كتب عليه نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك قال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] فاللمم يقع فيه الجميع، ومن اللمم النظر، فجاء بعد الأمر بغض البصر أن هناك تجاوزات ستحدث، ولا يستطيع أحد أبداً أن يطبق الآية (100%)، بل لابد أن يظهر منه خلل، فإن النبي قال في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر...) الحديث، فلذلك جاء التذييل في الآية بالتوبة التي تجب ما قبلها، وذلك لما يعتري التطبيق من خلل، ولا أخال أحداً قد نجا، فلابد وأن يكون صدر شيء من ذلك من الشخص، فجاء التذييل بقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ويدخل في الخطاب المؤمنات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وأنكحوا الأيامى منكم ...)

    يقول الله سبحانه: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    قال الله تعالى: وَأَنكِحُوا [النور:32] أي: زوجوا. والمراد بالنكاح في أغلب آيات الكتاب العزيز عقد التزويج، وفي هذا عموم آيات الكتاب العزيز، إلا في مواطن ثلاثة:

    الموطن الأول: هو قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6] فالمراد بالنكاح الحلم.

    الموطن الثاني: قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] فالمراد بالنكاح على ما بينته السنة: الوطء الذي هو الجماع.

    الموطن الثالث: وفيه نزاع، وهو قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] المراد به الجماع، أي: لا يطاوعه إلى زناه وإلى الجماع معه إلا زانية أو مشركة، أما ما سوى هذه الآيات فالمراد بالنكاح عقد التزويج.

    قوله تعالى: وَأَنكِحُوا [النور:32] أي: زوجوا. فالخطاب للأولياء، وبه استدل كثير من أهل العلم على وجوب الولاية في النكاح، وهناك ما هو أصرح منه سواء من الآيات أو من الأحاديث، أما من الآيات: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221] أي: لا تزوجوا أيها الأولياء المشركين حتى يؤمنوا، فاستدل بها أبو جعفر الباقر على إثبات الولاية في النكاح، أما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيها (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا نكاح إلا بولي) فهذه النصوص بنى عليها جمهور العلماء وجوب الولاية في النكاح على الثيب وعلى البكر، وأما أبو حنيفة فخالف بعض المخالفة في ذلك.

    فعلى ذلك ما يطلق عليه اليوم بالزواج العرفي وهو: أن البنت تأتي إلى شاب في حضرة زميلين لهما كما يحدث في بعض الجامعات وتزوجه نفسه بحضرة شهود بدون ولي، فهذا النكاح باطل! باطل!

    قال تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى [النور:32] والأيم: هو من لا زوج له من الرجال أو من النساء، أما من النساء ففي الحديث: (لما تأيمت حفصة بنت عمر من زوجها عبد الله بن خنيس )، فالشاهد: قوله: (لما تأيمت) أي: مات عنها زوجها وأصبحت بلا زوج، فالأيم من لا زوج له من الرجال أو النساء.

    الحث على النكاح في نصوص القرآن والسنة

    وَأَنكِحُوا الأَيَامَى [النور:32] أي: زوجوا من لا زوج له، فيؤخذ منه إما الاستحباب وإما الوجوب، إذ الأمر في الغالب إما للإيجاب أو للندب، أو للإباحة في بعض الأحيان، فهل النكاح واجب أو مستحب أو مباح؟

    من العلماء من قال: تنسحب عليه الأحكام الخمسة، فيجب إذا كان الشخص سيفتن في دينه إذا لم يتزوج، فحينئذٍ يجب عليه الزواج، سداً للذريعة الموصلة للفساد، وأحياناً يستحب، والأصل في هذا الباب أن الأمر بالنكاح محمول على أنه مستحب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ولقول عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74] ولقول زكريا عليه الصلاة والسلام: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89].

    ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...، منها: ولد صالح يدعو له).

    ولقوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] ولقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف:189] ولقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1].

    ولأن النكاح سنة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظغون التبتل، ولو أذن له لاختصينا)، ولقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (تزوجوا فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءا)، ولقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لو لم يبق من حياتي إلا ليلة لأحببت أن يكون لي فيها زوجة).

    فكل هذه النصوص تدفع في نحر من قال إن ترك الزواج أولى، ويستدلون ببعض الأفعال مع السلف لهم فيها أحوال خاصة، ويجعلونها أصولاً، والأصل دائماً مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا معنى لبرود شخص يقول: إن ترك النكاح أولى ويتشبث بخيوط أوهى من خيوط العنكبوت، فخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    أما العلماء الذين قالوا: إنه مباح فقط، فقالوا: إن شأن النكاح شأن الأكل والشرب والتلذذ بهما، فكما أن للشخص أن يأكل ويشرب ويتلذذ بالأكل والشرب، فله هذا أيضاً مع النكاح إن شاء ترك وإن شاء فعل، لكن النصوص الواردة: (إني مكاثر بكم الأمم) وجمعه صلى الله عليه وسلم بين تسع نسوة عنده، كل هذا يؤيد الاستحباب.

    وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32] فيها نص على استحباب تزويج أهل الصلاح.

    : مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32] أي: من العبيد، وقد وردت قراءة فيها ذلك (من عبيدكم) لكن الأصح: مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32] والمراد بها العبيد.

    وَإِمَائِكُمْ [النور:32] الإماء: جمع أمة وهي المملوكة، أي: زوجوا العبيد والمماليك، وهل للثيب أن يزوج عبده ويجبره على الزواج؟

    قال جمهور العلماء بذلك، وخالف في هذا فريق من العلماء وقالوا: ليس للثيب من مملوكه إلا الخدمة على ما ورد في الأحاديث، وهل له أن يزوج أمته؟ فقال الجمهور: له أن يزوج أمته ويجبرها على الزواج؛ لأن له فيها حق الصداق.

    الزواج سبب من أسباب الغنى

    إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32] هذه الآية هي التي يلتمس منها أن الفضل والغنى من الزواج.

    أما الأحاديث الواردة في هذا الباب (تزوجوا فقراء يغنكم الله) فلا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك حديث: (اطلبوا الرزق في الزواج) لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما حديث: (ثلاثة حق على الله عونهم: وذكر منهم: الناكح يريد العفاف) فحديث ثابت بإسناد حسن عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من الفقراء من أصحابه، فزوج الصحابي الذي جاء وقال: (ما عندي إلا إزاري هذا يا رسول الله! أقسمه بيني وبينها نصفين) فوصل إلى هذه الدرجة من الفقر! ومع ذلك زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم على ما معه من القرآن.

    قال سبحانه: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] فواهب العطاء عليم بمن يصلحه المال ممن يفسده، فينـزل بقدر ما يشاء.

    إشارة الآية إلى منع الاستمناء

    ثم أرشد الله سبحانه وتعالى إلى التعفف والاستعفاف وطلب العفة لمن لم يجد النكاح: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] أي: مؤن النكاح وتكاليفه.

    وفي الآية من طرف خفي إشارة إلى منع الاستمناء؛ لأن الله عز وجل أرشد إلى التعفف ولم يرشد إلى الاستمناء، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج...، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولم يرشد إلى الاستمناء، وأصرح من ذلك في المنع قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7] والاستمناء من وراء ذلك.

    فعلى ذلك ما يفعله شرار الشباب والنساء من العبث بأنفسهم الأمر فيه كما قال الشافعي : أنه محرم. استدلالاً بالآية الكريمة: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] فجدير بمن تسول له نفسه فعل هذا أن يذكر أن الله رقيب عليه، وأن لله ملائكة تراقب ولا تفارق الشخص، فعليه أن يذكر ذلك ويستحي من الله ومن ملائكة الله سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] ومن يستعفف يعفه الله، يعني: من سلك طريق التعفف وابتغاه أعانه الله عليه ويسره له، أما من أتبع نفسه شهواتها فيوشك أن تزل قدمه والعياذ بالله!

    وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] أي: لا يجدون مؤن النكاح وتكاليفه حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33].

    وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ [النور:33] أي: يطلبون الكتاب، والمراد بالكتاب المكاتبة، وهي ما تكون بين العبد وسيده، يكاتب العبد سيده، أي: يتفقان على أن يشتري العبد نفسه من سيده بمبلغ من المال، ويكتبان ذلك، ويبدأ في السعي لسداد ما عليه من الدين، فإذا انتهى المال الذي تكاتبا عليه أعتق، هذا المراد بالكتاب، أي: المكاتبة التي تكون بين العبد وبين سيده حتى يتحرر به العبد.

    ورب العزة يقول: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ [النور:33] أي: يطلبون المكاتبة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33] أي: لا تتباطئوا في مكاتبتهم، فإنه قد يتباطأ السيد ويقول: لا أكاتب؛ متحكماً في رقبة عبده، فرب العزة يقول: فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33].

    وهل الأمر بقوله: فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33] أمر إيجاب؟

    رأى ذلك بعض أهل العلم واستدلوا بما صنعه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع أنس بن مالك وعبده سيرين ، أبي محمد بن سيرين فـسيرين كان عبداً عند أنس وكان لـسيرين مال كثير، وعلم أنه إذا مات وهو عبد عند أنس فسيأخذ أنس ماله، فأراد سيرين أن يكاتب عن نفسه، فأبى ذلك أنس ، فترافعا إلى أمير المؤمنين عمر فقال لـأنس : لتكاتبنه أو لأوجعتك ضرباً، فكـاتب أنس ابن سيرين ، ورب العزة يقـول: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33].

    قوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33] فيه للعلماء تأويلات: أحدها: أن المراد بالخير المال، واستدل له بأن عموم ذكر الخير في الكتاب العزيز يراد به المال، قال تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] أي: المال. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة:180] خيراً: مالاً. فمن العلماء من قال: إن معنى قوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33] أي: إن علمتم عندهم مالاً. ولا تكاتبوهم وتتركوهم يتسولون ويسرقون حتى يأتوا بالمال الذي كاتبوكم عليه، والحالة هذه فيها دفع الفساد من سرقتهم، ودفع الفساد من تسولهم، لكن إن كنتم ترون أنهم يعملون أعمالاً تدر لهم مالاً فكاتبوهم، هذا وجه في التأويل.

    والوجه الآخر: أن المراد بالخير الصلاح، أي: فإن كانوا أهل صلاح فكاتبوهم وأعتقوهم، فهذا هو المعنى الثاني.

    قوله: وَآتُوهُمْ [النور:33] أي: أعطوهم من مال الله الذي آتاكم، وما المراد بمال الله؟ هل المراد به الزكاة؟ أي: أن من كاتب عن نفسه قد أصبح من أهل الزكاة، فليعط منها، قال بذلك فريق من العلماء لقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60] هذا بند في الرقاب أي: لتحرير الرقاب، ومن العلماء من قال: يتصدق عليه صدقة عامة.

    وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] من العلماء من قال: تترك له الربع أو العشر فمثلاً: كاتبته على ألف جنيه فاترك له مائة أو مائتين أو ثلاثمائة إحساناً منك إليه.

    وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] والفتيات المراد بها: الإماء، فالفتاة أحياناً أو في الغالب تطلق على الشابة، والفتى يطلق على الشباب، وأحياناً يقال: فتاي أي: عبدي وفتاتي أي: أمتي، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي ولكن ليقل: فتاي وفتاتي) فالغالب أن الفتاة شابة، والفتى هو الشاب حراً كان أو عبداً لكن المراد هنا الإماء، وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ [النور:33] أي: إمائكم عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] أي: على الزنا. فالبغاء هو الزنا، ومنه قول قوم مريم لمريم: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: زانية.

    وهل كان هناك أحد يكره فتاته على البغاء؟ نعم. كان ذلك موجوداً. فكان السادة الذين لهم عبيد وعندهم إماء إذا أتاهم الضيف فمن الإكرام الذي يكرمونه به أن يقدموا له الإماء يزني بهن، ومنهم من كان يرسل فتياته الإماء ليزنين بالإكراه، إكراه منه لهن حتى يتقاضى الأجور من ورائهن، كـعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان عنده إماء، وكان يكرههن على الزنا تشرفاً بذلك عند أضيافه، وطلباً للمال من الذين يستأجرونهن.

    فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] المراد بالتحصن هنا: العفة، فهنا يطرح السؤال: إذا لم ترد المرأة تحصناً هل له أن أكرهها؟

    فالإجابة: أن قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] خرج مخرج الغالب، فإذا لم تكن هي مريدة للتحصن فلا وجه للإكراه، إذا كانت هي زانية فهي ستزني باختياره واختيارها فانتفى الإكراه، وهذا ليس مباحاً بل حرام، لكن هذا وجه قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] فإنها خرجت مخرج الغالب.

    قال سبحانه: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] أي: عفة وطهارة وامتناعاً من الزنا.

    لِتَبْتَغُوا [النور:33] أي: لتطلبوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: متاع الحياة الدنيا، وقيل له عرض لأنه كالجملة الاعتراضية بين الجمل من الممكن أن تقوم الجمل بدونها، وكذلك الدنيا عرض زائل، كما قال القائل: (الدنيا ظل زائل) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم قام وتركها) .

    لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33] غَفُورٌ رَحِيمٌ فيها وجهان:

    أحدهما: غفور رحيم للفتاة إذا أكرهت، فتكون الآية من آيات رفع الحرج عن العباد.

    والوجه الثاني: غفور رحيم لمن أكرههن ثم تاب من هذه الفعلة بعد نزول الآية، ففيها الوجهان.

    وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33]: هل هناك فرق بين الرجل إذا أكره على الزنا، وبين المرأة إذا أكرهت على الزنا؟ فرق بينهما، فالمرأة قد تكره على الزنا وتزني رغماً عنها، بأن يتسلط عليها شرار المفسدين وتزني رغماً عنها، أما الرجل فلا ينتشر ذكره إلا إذا أراد هو من داخله ذلك، أي: لا يستطيع أحد أن يكره الرجل على أن ينتشر ذكره للجماع، هذا وجه التفريق.

    فمن العلماء من قال: لا يلتمس للرجل عذر في أنه أكره على الزنا، ومنهم من قال: إذا كان العذر قد التمس له إذا نطق بكلمة الكفر فلأن يلتمس له عند الزنا من باب أولى، وهناك تفريقات محلها كتب الفقه.

    وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور:34] واضحات ظاهرات مزيلات للإشكال، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور:34] والموعظة هي الشيء الزاجر الذي يزجر الشخص ويخوفه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض..)

    اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] من العلماء من قال: أي منور السماوات والأرض، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وفي الحديث: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن...) الحديث.

    وفي الباب قوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر:69].

    اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] ثم ضرب لنوره مثلاً، والأمثال يتجوز فيها بعض التجوز عند المفسرين، فلا يلزم أن يتحد المفسرون على وجه واحد في تفسير المثل، بل في هذا الباب فسحة لأهل التفسير ما لم يخالفوا نصاً شرعياً أو أصلاً من الأصول في الكتاب والسنة، فلهم فسحة في تفسير الأمثال وتقريبها إلى الأذهان، والله أعلم.

    ورب العزة يقول: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وكان بعض السلف إذا مر به مثل من الكتاب العزيز ولم يفهمه يتأسف على نفسه ويقول: إن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] فعلى ذلك ليس هو من العالمين إذا لم يفهم المثل.

    مَثَلُ نُورِهِ [النور:35] قال بعض العلماء: هنا مضمر، والتقدير: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، والمشكاة باتفاق المفسرين على ما ذكره عدد منهم هي الطاقة التي في الغرفة: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [النور:35] فعندنا الآن غرفة فيها طاقة، والطاقة فيها زجاجة مصباح، عندنا ثلاثة أشياء أو أربعة، غرفة بداخلها طاقة أي: كوة كالتي كانت من قبل في بيوت أهل القرى، هذه الطاقة فيها زجاجة، الزجاجة زجاجة مصباح وبداخلها المصباح، وفتيلة مصباح موضوعة في الزجاجة.

    مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] المشكاة مثل لها بعض العلماء بصدر العبد، والزجاجة التي بداخل المشكاة هي قلب العبد، ونور المصباح هو نور الإيمان الذي في القلب، هذا تفسير بعض أهل العلم، وهو مضمون تفسير ابن القيم رحمه الله تعالى، في تفسيره القيم وفي غيره.

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.