اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النور [30-35] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النور [30-35] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
لقد أمر الله سبحانه وتعالى في هذا المقطع من الآيات بغض البصر للرجل والمرأة، ثم بين الله المحارم الذين يجوز للمرأة أن تنظر إليهم وتختلي به وتسافر معهم، وأن ما عدا ذلك فلا يجوز لها أن تظهر زينتها أمامهم، فإنهم ليسوا بمحارم لها، وقد حث الله عز وجل على سد ذرائع فساد النظر إلى الحرام والزنا بالنكاح المشروع في الكتاب والسنة المطهرة.
تفسير قوله تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ...)
باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد:فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فقال: (اصرف بصرك) وقد ورد في الباب حديث علي وفي إسناده كلام: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) وهو حديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عليه الصلاة والسلام في معرض بيان غض البصر : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)، ومن الجهل والقبح والعار أن ترى رجالاً ونساء عراة، أو رجالاً يسبحون في البحر عراة كما ولدتهم أمهاتهم، وفي الأنهار والترع كالبهائم والعياذ بالله.قال الله سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] قد يقول قائل: إن حفظ الفرج آكد من غض البصر؛ لأن عدم حفظ الفرج كبيرة، أما إطلاق البصر ليس من الكبائر عند كثير من العلماء، لأن ابن عباس فسر اللمم بحديث أبي هريرة : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعين تزني وزناها النظر ..) فقال: ما رأيت أشبه باللمم المذكور في قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] مما قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة...) الحديث، فلماذا قدم الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، مع أن حفظ الفرج أهم من غض البصر؟! صحيح أن حفظ الفرج أهم من غض البصر، لكن النظر هو الوسيلة إلى المحرم. فالفرج لا يتحرك إلا بعد نظر، وكما قال الشاعر:ومعظم النار من مستصغر الشررفالأمر بغض البصر أمر بسد الذريعة إلى الوصول إلى المحرم، فالزنا جعل له حمى حتى لا يقع شخص فيه، فلا تدخل بيت شخص إلا إذا استأذنت، ولا تنظر إلا إلى الذي أبيح لك، وقد قدمنا أن من الحمى الذي وضع للزنا: مصافحة المرأة الأجنبية، فإنها لا يجوز، والخلوة بالمرأة الأجنبية لا تجوز، سفر المرأة بدون محرم لا يجوز، والغناء الذي يثير الكامن ويهيج على الفاحشة لا يجوز، فللزنا حمى فليبتعد عنه الشخص، ومنه غض البصر. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] فيه أن ذكر الرجل يطلق عليه الفرج خلافاً لمن كره ذلك من العلماء، فمن أهل العلم من كره أن يقال عن عورة الرجل فرج، وقال: الفرج هو ما انفرج، أي: ما فتح، كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] فقال: إن الفرج مختص بالمرأة، لكن هذه الآية ترد عليه، لأن الله جل ذكره قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30].والمقصود أن يحفظوها عن الزنا، وعن اللواط، وعن الاستمناء، وعن نظر الأجانب إليها، وعن نظر من لا يحل له النظر إليها، وبالجملة عن كل ما حرمه الله سبحانه وتعالى عليهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما تقدم: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل).وقد ورد في الباب حديث محمول على الاستحباب، ألا وهو حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: (يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق .. -وذكر الحديث وفيه:- عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟) يعني: ما هو الشيء الذي يرى، وما الشيء الذي يترك؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: الرجل يغتسل عارياً يا رسول الله؟! قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس) فمن العلماء من قال: وإن كنت وحدك استحب لك أن تستتر ولا تباشر السماء بفرجك، ولا تكن مكشوفاً، وحمل هذا على الاستحباب لا على الإيجاب؛ لأن نبي الله موسى اغتسل عرياناً، ولأن نبي الله أيوب اغتسل عرياناً، وهذا حيث لا يراهما الناس، لكن الكلام على الاستحباب في شريعتنا، والله تعالى أعلم.قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، هذا التعقيب بقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] لأن للأعين خائنة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فقد تكون ماشياً مع شخص في طريق ولعينه خائنة وأنت لا تشعر بها، ولا تستطيع أن تضبطه بحال، يسارق النظر وأنت لا تشعر، كما قال سبحانه: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] فختمت الآية بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] فمهما أخطأت على الناس فإن الله يعلم حالك ويطلع عليك.
 رسول الرجل إلى الرجل هل يعد إذناً له؟
في الباب أيضاً رسول الرجل إلى الرجل هل يعد إذناً له؟ مثاله: أنت في بيت قلت لفلان: اذهب فادع لي فلاناً من الناس، فجاء الرجل الذي أرسل إليه، هل يلزمه أن يستأذن أو يدخل مباشرة عليه؟ من العلماء من قال: يدخل مباشرة؛ لحديث: (رسول الرجل إذنه) وقد حسنه البعض من مجموع طرقه.والرأي الآخر أنهم يستأذنون، لما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي هريرة : (ادع لي أهل الصفة يا أبا هريرة ، فذهب أبو هريرة يدعوهم، فأتوا واستأذنوا عند دخولهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، هذه وجهة القائلين بالاستئذان، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27]. ومن العلماء من فصل بين طول زمن الفترة التي أرسل إليها الرسول وقصرها، قالوا: إذا كان قومٌ بالباب فقلت: ادعهم فدعاهم، لم يحتاجوا إلى الإذن، لكن إذا إرسلت إليهم فأتوا بعد خمس ساعات، فهذا يحتاج إلى استئذان، والله سبحانه وتعالى أعلم.
تفسير قوله تعالى: ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
يقول الله سبحانه: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
 أولو الإربة المذكورون في الآية
قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31] في تفسيرها أقوال:أحدها: الخدم الذين ليس لهم حاجة في النساء، أو المخنثون، والتخنيث على قسمين:تخنيث جبلي: يعني: رجل في خلقته مخنث.تخنيث مكتسب: رجل يتشبه بالنساء ويتمايل كما تتمايل النساء، ويتكسر كما تتكسر النساء.فالأول وهو المخنث تخنيثاً جبلياً لا حاجة له في النساء من أصل خلقته، فتظهر له المرأة زينتها، أما المخنث تخنيثاً مكتسباً فلا تظهر له المرأة زينتها، وإن اكتشف أن المخنث تخنيثاً جبلياً يصف المرأة منعت المرأة من إبداء زينتها له أيضاً، فكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مخنث يقال له: هيت (كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ذات يوم لـعبد الله بن أبي أمية : يا عبد الله ! إذا فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بـابنة غيلان ) يعني: إذا غنمتم فاحرص على أن تكون من نصيبك ابنة غيلان وهي بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي الذي كان متزوجاً بعشر نسوة، فهي إحدى بناته، (عليك بـابنة غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان) يصف تكسرات جسمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلن هذا عليكم) فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على أزواجه، وفي بعض الروايات: (لقد غلغلت إليها النظر يا عدو الله!) فإن اكتشف أن المخنث على هذا النحو فيمنع.من العلماء من قال أيضاً: إن التابعين غير أولي الإربة أي: غير ذوي الحاجة في النساء، يدخل فيهم الشيخ الكبير الفاني الذي انقطعت حاجته في النساء، أو الرجل الأهطل الأبله الذي لا يفكر في النساء ولا يخشى منه، فهناك كم من شخص أهطل أبله لا يلتفت إلى النساء، إنما حاجته لقمة يأخذها من البيت أو نحو ذلك، فهذا أدخله أيضاً بعض العلماء في التابعين غير أولي الإربة من الرجال.فعلى ذلك للمرأة أن تبدي زينتها لمثل هؤلاء المذكورين في كتاب الله عز وجل.أَوِ الطِّفْلِ [النور:31] الطفل هنا اسم يطلق للمفرد ويطلق للجمع، لكن المراد به هنا الجمع بمعنى الأطفال، بدليل قوله تعالى: الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] .والأطفال على نوعين:- طفل مميز يفهم أمور النكاح وقد تهيج به الشهوة أحياناً وإن لم يكن بالغاً.- وطفل لا يفهم شيئاً من ذلك، فالطفل الذي ظهر على عورات النساء، فيعرف عورة المرأة، ويعرف الجماع ونحو ذلك؛ فهذا لا تظهر له المرأة زينتها، كالمراهق ابن العشر السنين، أو ابن إحدى عشرة سنة، أو اثنتي عشرة سنة، أما الطفل الذي لا يميز شيئاً من هذا فتظهر له الزينة.وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ [النور:31] يعني: لا تضرب المرأة برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها، وكانت المرأة تلبس الخلخال، فإذا مرت برجال وضربت برجلها أحدث الخلخال صوتاً فيلتفت إليها الرجال ينظرون إلى عراقيبها وإلى ساقيها من أسفل، وهذا من حيل النساء، كان هذا في زمان رسول الله وقبل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرأة اليوم تكشف مباشرة إلى ما فوق الركبة، ولا تحتاج إلى أن تضرب بالخلخال، حتى ينظر شخص إلى موطن الخلخال. قال تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] فأي شيء يدعو إلى إظهار المخفي من الزينة تنهى عنه المرأة، مثلاً إذا جاءت المرأة ورفعت بعض ثوبها لتري الناس الثوب الأسفل أو قميص اليوم مثلاً أو أي شيء من ذلك دخلت في الذنب -والعياذ بالله-، وإن تطيبت حتى يلتفت إليها الناس دخلت في الذنب، وإن وضعت على شعرها ما يلفت النظر إليها ويظهر ما قصي من زينتها دخلت في الذنب.قال تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا [النور:31] أي: لا يزكي أحد منكم نفسه، فإن ابن آدم كتب عليه نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك قال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] فاللمم يقع فيه الجميع، ومن اللمم النظر، فجاء بعد الأمر بغض البصر أن هناك تجاوزات ستحدث، ولا يستطيع أحد أبداً أن يطبق الآية (100%)، بل لابد أن يظهر منه خلل، فإن النبي قال في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر...) الحديث، فلذلك جاء التذييل في الآية بالتوبة التي تجب ما قبلها، وذلك لما يعتري التطبيق من خلل، ولا أخال أحداً قد نجا، فلابد وأن يكون صدر شيء من ذلك من الشخص، فجاء التذييل بقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ويدخل في الخطاب المؤمنات.
تفسير قوله تعالى: ( وأنكحوا الأيامى منكم ...)
يقول الله سبحانه: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32]. قال الله تعالى: وَأَنكِحُوا [النور:32] أي: زوجوا. والمراد بالنكاح في أغلب آيات الكتاب العزيز عقد التزويج، وفي هذا عموم آيات الكتاب العزيز، إلا في مواطن ثلاثة:الموطن الأول: هو قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6] فالمراد بالنكاح الحلم.الموطن الثاني: قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] فالمراد بالنكاح على ما بينته السنة: الوطء الذي هو الجماع.الموطن الثالث: وفيه نزاع، وهو قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] المراد به الجماع، أي: لا يطاوعه إلى زناه وإلى الجماع معه إلا زانية أو مشركة، أما ما سوى هذه الآيات فالمراد بالنكاح عقد التزويج.قوله تعالى: وَأَنكِحُوا [النور:32] أي: زوجوا. فالخطاب للأولياء، وبه استدل كثير من أهل العلم على وجوب الولاية في النكاح، وهناك ما هو أصرح منه سواء من الآيات أو من الأحاديث، أما من الآيات: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221] أي: لا تزوجوا أيها الأولياء المشركين حتى يؤمنوا، فاستدل بها أبو جعفر الباقر على إثبات الولاية في النكاح، أما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيها (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا نكاح إلا بولي) فهذه النصوص بنى عليها جمهور العلماء وجوب الولاية في النكاح على الثيب وعلى البكر، وأما أبو حنيفة فخالف بعض المخالفة في ذلك.فعلى ذلك ما يطلق عليه اليوم بالزواج العرفي وهو: أن البنت تأتي إلى شاب في حضرة زميلين لهما كما يحدث في بعض الجامعات وتزوجه نفسه بحضرة شهود بدون ولي، فهذا النكاح باطل! باطل! قال تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى [النور:32] والأيم: هو من لا زوج له من الرجال أو من النساء، أما من النساء ففي الحديث: (لما تأيمت حفصة بنت عمر من زوجها عبد الله بن خنيس )، فالشاهد: قوله: (لما تأيمت) أي: مات عنها زوجها وأصبحت بلا زوج، فالأيم من لا زوج له من الرجال أو النساء.
 إشارة الآية إلى منع الاستمناء
ثم أرشد الله سبحانه وتعالى إلى التعفف والاستعفاف وطلب العفة لمن لم يجد النكاح: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] أي: مؤن النكاح وتكاليفه. وفي الآية من طرف خفي إشارة إلى منع الاستمناء؛ لأن الله عز وجل أرشد إلى التعفف ولم يرشد إلى الاستمناء، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج...، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولم يرشد إلى الاستمناء، وأصرح من ذلك في المنع قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7] والاستمناء من وراء ذلك.فعلى ذلك ما يفعله شرار الشباب والنساء من العبث بأنفسهم الأمر فيه كما قال الشافعي : أنه محرم. استدلالاً بالآية الكريمة: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] فجدير بمن تسول له نفسه فعل هذا أن يذكر أن الله رقيب عليه، وأن لله ملائكة تراقب ولا تفارق الشخص، فعليه أن يذكر ذلك ويستحي من الله ومن ملائكة الله سبحانه وتعالى.قال سبحانه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] ومن يستعفف يعفه الله، يعني: من سلك طريق التعفف وابتغاه أعانه الله عليه ويسره له، أما من أتبع نفسه شهواتها فيوشك أن تزل قدمه والعياذ بالله!وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] أي: لا يجدون مؤن النكاح وتكاليفه حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]. وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ [النور:33] أي: يطلبون الكتاب، والمراد بالكتاب المكاتبة، وهي ما تكون بين العبد وسيده، يكاتب العبد سيده، أي: يتفقان على أن يشتري العبد نفسه من سيده بمبلغ من المال، ويكتبان ذلك، ويبدأ في السعي لسداد ما عليه من الدين، فإذا انتهى المال الذي تكاتبا عليه أعتق، هذا المراد بالكتاب، أي: المكاتبة التي تكون بين العبد وبين سيده حتى يتحرر به العبد. ورب العزة يقول: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ [النور:33] أي: يطلبون المكاتبة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33] أي: لا تتباطئوا في مكاتبتهم، فإنه قد يتباطأ السيد ويقول: لا أكاتب؛ متحكماً في رقبة عبده، فرب العزة يقول: فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33]. وهل الأمر بقوله: فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33] أمر إيجاب؟رأى ذلك بعض أهل العلم واستدلوا بما صنعه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع أنس بن مالك وعبده سيرين ، أبي محمد بن سيرين فـسيرين كان عبداً عند أنس وكان لـسيرين مال كثير، وعلم أنه إذا مات وهو عبد عند أنس فسيأخذ أنس ماله، فأراد سيرين أن يكاتب عن نفسه، فأبى ذلك أنس ، فترافعا إلى أمير المؤمنين عمر فقال لـأنس : لتكاتبنه أو لأوجعتك ضرباً، فكـاتب أنس ابن سيرين ، ورب العزة يقـول: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33].قوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33] فيه للعلماء تأويلات: أحدها: أن المراد بالخير المال، واستدل له بأن عموم ذكر الخير في الكتاب العزيز يراد به المال، قال تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] أي: المال. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة:180] خيراً: مالاً. فمن العلماء من قال: إن معنى قوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33] أي: إن علمتم عندهم مالاً. ولا تكاتبوهم وتتركوهم يتسولون ويسرقون حتى يأتوا بالمال الذي كاتبوكم عليه، والحالة هذه فيها دفع الفساد من سرقتهم، ودفع الفساد من تسولهم، لكن إن كنتم ترون أنهم يعملون أعمالاً تدر لهم مالاً فكاتبوهم، هذا وجه في التأويل.والوجه الآخر: أن المراد بالخير الصلاح، أي: فإن كانوا أهل صلاح فكاتبوهم وأعتقوهم، فهذا هو المعنى الثاني.قوله: وَآتُوهُمْ [النور:33] أي: أعطوهم من مال الله الذي آتاكم، وما المراد بمال الله؟ هل المراد به الزكاة؟ أي: أن من كاتب عن نفسه قد أصبح من أهل الزكاة، فليعط منها، قال بذلك فريق من العلماء لقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60] هذا بند في الرقاب أي: لتحرير الرقاب، ومن العلماء من قال: يتصدق عليه صدقة عامة.وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] من العلماء من قال: تترك له الربع أو العشر فمثلاً: كاتبته على ألف جنيه فاترك له مائة أو مائتين أو ثلاثمائة إحساناً منك إليه.وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] والفتيات المراد بها: الإماء، فالفتاة أحياناً أو في الغالب تطلق على الشابة، والفتى يطلق على الشباب، وأحياناً يقال: فتاي أي: عبدي وفتاتي أي: أمتي، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي ولكن ليقل: فتاي وفتاتي) فالغالب أن الفتاة شابة، والفتى هو الشاب حراً كان أو عبداً لكن المراد هنا الإماء، وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ [النور:33] أي: إمائكم عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] أي: على الزنا. فالبغاء هو الزنا، ومنه قول قوم مريم لمريم: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: زانية. وهل كان هناك أحد يكره فتاته على البغاء؟ نعم. كان ذلك موجوداً. فكان السادة الذين لهم عبيد وعندهم إماء إذا أتاهم الضيف فمن الإكرام الذي يكرمونه به أن يقدموا له الإماء يزني بهن، ومنهم من كان يرسل فتياته الإماء ليزنين بالإكراه، إكراه منه لهن حتى يتقاضى الأجور من ورائهن، كـعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان عنده إماء، وكان يكرههن على الزنا تشرفاً بذلك عند أضيافه، وطلباً للمال من الذين يستأجرونهن.فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] المراد بالتحصن هنا: العفة، فهنا يطرح السؤال: إذا لم ترد المرأة تحصناً هل له أن أكرهها؟ فالإجابة: أن قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] خرج مخرج الغالب، فإذا لم تكن هي مريدة للتحصن فلا وجه للإكراه، إذا كانت هي زانية فهي ستزني باختياره واختيارها فانتفى الإكراه، وهذا ليس مباحاً بل حرام، لكن هذا وجه قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] فإنها خرجت مخرج الغالب.قال سبحانه: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] أي: عفة وطهارة وامتناعاً من الزنا.لِتَبْتَغُوا [النور:33] أي: لتطلبوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: متاع الحياة الدنيا، وقيل له عرض لأنه كالجملة الاعتراضية بين الجمل من الممكن أن تقوم الجمل بدونها، وكذلك الدنيا عرض زائل، كما قال القائل: (الدنيا ظل زائل) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم قام وتركها) .لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33] غَفُورٌ رَحِيمٌ فيها وجهان:أحدهما: غفور رحيم للفتاة إذا أكرهت، فتكون الآية من آيات رفع الحرج عن العباد.والوجه الثاني: غفور رحيم لمن أكرههن ثم تاب من هذه الفعلة بعد نزول الآية، ففيها الوجهان.وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33]: هل هناك فرق بين الرجل إذا أكره على الزنا، وبين المرأة إذا أكرهت على الزنا؟ فرق بينهما، فالمرأة قد تكره على الزنا وتزني رغماً عنها، بأن يتسلط عليها شرار المفسدين وتزني رغماً عنها، أما الرجل فلا ينتشر ذكره إلا إذا أراد هو من داخله ذلك، أي: لا يستطيع أحد أن يكره الرجل على أن ينتشر ذكره للجماع، هذا وجه التفريق. فمن العلماء من قال: لا يلتمس للرجل عذر في أنه أكره على الزنا، ومنهم من قال: إذا كان العذر قد التمس له إذا نطق بكلمة الكفر فلأن يلتمس له عند الزنا من باب أولى، وهناك تفريقات محلها كتب الفقه.وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور:34] واضحات ظاهرات مزيلات للإشكال، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور:34] والموعظة هي الشيء الزاجر الذي يزجر الشخص ويخوفه.
تفسير قوله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض..)
اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] من العلماء من قال: أي منور السماوات والأرض، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وفي الحديث: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن...) الحديث. وفي الباب قوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر:69].اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] ثم ضرب لنوره مثلاً، والأمثال يتجوز فيها بعض التجوز عند المفسرين، فلا يلزم أن يتحد المفسرون على وجه واحد في تفسير المثل، بل في هذا الباب فسحة لأهل التفسير ما لم يخالفوا نصاً شرعياً أو أصلاً من الأصول في الكتاب والسنة، فلهم فسحة في تفسير الأمثال وتقريبها إلى الأذهان، والله أعلم. ورب العزة يقول: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وكان بعض السلف إذا مر به مثل من الكتاب العزيز ولم يفهمه يتأسف على نفسه ويقول: إن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] فعلى ذلك ليس هو من العالمين إذا لم يفهم المثل.مَثَلُ نُورِهِ [النور:35] قال بعض العلماء: هنا مضمر، والتقدير: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، والمشكاة باتفاق المفسرين على ما ذكره عدد منهم هي الطاقة التي في الغرفة: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [النور:35] فعندنا الآن غرفة فيها طاقة، والطاقة فيها زجاجة مصباح، عندنا ثلاثة أشياء أو أربعة، غرفة بداخلها طاقة أي: كوة كالتي كانت من قبل في بيوت أهل القرى، هذه الطاقة فيها زجاجة، الزجاجة زجاجة مصباح وبداخلها المصباح، وفتيلة مصباح موضوعة في الزجاجة.مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] المشكاة مثل لها بعض العلماء بصدر العبد، والزجاجة التي بداخل المشكاة هي قلب العبد، ونور المصباح هو نور الإيمان الذي في القلب، هذا تفسير بعض أهل العلم، وهو مضمون تفسير ابن القيم رحمه الله تعالى، في تفسيره القيم وفي غيره.وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 إشارة الآية إلى منع الاستمناء
ثم أرشد الله سبحانه وتعالى إلى التعفف والاستعفاف وطلب العفة لمن لم يجد النكاح: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] أي: مؤن النكاح وتكاليفه. وفي الآية من طرف خفي إشارة إلى منع الاستمناء؛ لأن الله عز وجل أرشد إلى التعفف ولم يرشد إلى الاستمناء، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج...، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولم يرشد إلى الاستمناء، وأصرح من ذلك في المنع قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7] والاستمناء من وراء ذلك.فعلى ذلك ما يفعله شرار الشباب والنساء من العبث بأنفسهم الأمر فيه كما قال الشافعي : أنه محرم. استدلالاً بالآية الكريمة: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] فجدير بمن تسول له نفسه فعل هذا أن يذكر أن الله رقيب عليه، وأن لله ملائكة تراقب ولا تفارق الشخص، فعليه أن يذكر ذلك ويستحي من الله ومن ملائكة الله سبحانه وتعالى.قال سبحانه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] ومن يستعفف يعفه الله، يعني: من سلك طريق التعفف وابتغاه أعانه الله عليه ويسره له، أما من أتبع نفسه شهواتها فيوشك أن تزل قدمه والعياذ بالله!وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور:33] أي: لا يجدون مؤن النكاح وتكاليفه حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]. وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ [النور:33] أي: يطلبون الكتاب، والمراد بالكتاب المكاتبة، وهي ما تكون بين العبد وسيده، يكاتب العبد سيده، أي: يتفقان على أن يشتري العبد نفسه من سيده بمبلغ من المال، ويكتبان ذلك، ويبدأ في السعي لسداد ما عليه من الدين، فإذا انتهى المال الذي تكاتبا عليه أعتق، هذا المراد بالكتاب، أي: المكاتبة التي تكون بين العبد وبين سيده حتى يتحرر به العبد. ورب العزة يقول: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ [النور:33] أي: يطلبون المكاتبة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33] أي: لا تتباطئوا في مكاتبتهم، فإنه قد يتباطأ السيد ويقول: لا أكاتب؛ متحكماً في رقبة عبده، فرب العزة يقول: فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33]. وهل الأمر بقوله: فَكَاتِبُوهُمْ [النور:33] أمر إيجاب؟رأى ذلك بعض أهل العلم واستدلوا بما صنعه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع أنس بن مالك وعبده سيرين ، أبي محمد بن سيرين فـسيرين كان عبداً عند أنس وكان لـسيرين مال كثير، وعلم أنه إذا مات وهو عبد عند أنس فسيأخذ أنس ماله، فأراد سيرين أن يكاتب عن نفسه، فأبى ذلك أنس ، فترافعا إلى أمير المؤمنين عمر فقال لـأنس : لتكاتبنه أو لأوجعتك ضرباً، فكـاتب أنس ابن سيرين ، ورب العزة يقـول: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33].قوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33] فيه للعلماء تأويلات: أحدها: أن المراد بالخير المال، واستدل له بأن عموم ذكر الخير في الكتاب العزيز يراد به المال، قال تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] أي: المال. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة:180] خيراً: مالاً. فمن العلماء من قال: إن معنى قوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33] أي: إن علمتم عندهم مالاً. ولا تكاتبوهم وتتركوهم يتسولون ويسرقون حتى يأتوا بالمال الذي كاتبوكم عليه، والحالة هذه فيها دفع الفساد من سرقتهم، ودفع الفساد من تسولهم، لكن إن كنتم ترون أنهم يعملون أعمالاً تدر لهم مالاً فكاتبوهم، هذا وجه في التأويل.والوجه الآخر: أن المراد بالخير الصلاح، أي: فإن كانوا أهل صلاح فكاتبوهم وأعتقوهم، فهذا هو المعنى الثاني.قوله: وَآتُوهُمْ [النور:33] أي: أعطوهم من مال الله الذي آتاكم، وما المراد بمال الله؟ هل المراد به الزكاة؟ أي: أن من كاتب عن نفسه قد أصبح من أهل الزكاة، فليعط منها، قال بذلك فريق من العلماء لقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60] هذا بند في الرقاب أي: لتحرير الرقاب، ومن العلماء من قال: يتصدق عليه صدقة عامة.وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] من العلماء من قال: تترك له الربع أو العشر فمثلاً: كاتبته على ألف جنيه فاترك له مائة أو مائتين أو ثلاثمائة إحساناً منك إليه.وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] والفتيات المراد بها: الإماء، فالفتاة أحياناً أو في الغالب تطلق على الشابة، والفتى يطلق على الشباب، وأحياناً يقال: فتاي أي: عبدي وفتاتي أي: أمتي، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي ولكن ليقل: فتاي وفتاتي) فالغالب أن الفتاة شابة، والفتى هو الشاب حراً كان أو عبداً لكن المراد هنا الإماء، وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ [النور:33] أي: إمائكم عَلَى الْبِغَاءِ [النور:33] أي: على الزنا. فالبغاء هو الزنا، ومنه قول قوم مريم لمريم: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: زانية. وهل كان هناك أحد يكره فتاته على البغاء؟ نعم. كان ذلك موجوداً. فكان السادة الذين لهم عبيد وعندهم إماء إذا أتاهم الضيف فمن الإكرام الذي يكرمونه به أن يقدموا له الإماء يزني بهن، ومنهم من كان يرسل فتياته الإماء ليزنين بالإكراه، إكراه منه لهن حتى يتقاضى الأجور من ورائهن، كـعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان عنده إماء، وكان يكرههن على الزنا تشرفاً بذلك عند أضيافه، وطلباً للمال من الذين يستأجرونهن.فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] المراد بالتحصن هنا: العفة، فهنا يطرح السؤال: إذا لم ترد المرأة تحصناً هل له أن أكرهها؟ فالإجابة: أن قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] خرج مخرج الغالب، فإذا لم تكن هي مريدة للتحصن فلا وجه للإكراه، إذا كانت هي زانية فهي ستزني باختياره واختيارها فانتفى الإكراه، وهذا ليس مباحاً بل حرام، لكن هذا وجه قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] فإنها خرجت مخرج الغالب.قال سبحانه: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33] أي: عفة وطهارة وامتناعاً من الزنا.لِتَبْتَغُوا [النور:33] أي: لتطلبوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: متاع الحياة الدنيا، وقيل له عرض لأنه كالجملة الاعتراضية بين الجمل من الممكن أن تقوم الجمل بدونها، وكذلك الدنيا عرض زائل، كما قال القائل: (الدنيا ظل زائل) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم قام وتركها) .لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33] غَفُورٌ رَحِيمٌ فيها وجهان:أحدهما: غفور رحيم للفتاة إذا أكرهت، فتكون الآية من آيات رفع الحرج عن العباد.والوجه الثاني: غفور رحيم لمن أكرههن ثم تاب من هذه الفعلة بعد نزول الآية، ففيها الوجهان.وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33]: هل هناك فرق بين الرجل إذا أكره على الزنا، وبين المرأة إذا أكرهت على الزنا؟ فرق بينهما، فالمرأة قد تكره على الزنا وتزني رغماً عنها، بأن يتسلط عليها شرار المفسدين وتزني رغماً عنها، أما الرجل فلا ينتشر ذكره إلا إذا أراد هو من داخله ذلك، أي: لا يستطيع أحد أن يكره الرجل على أن ينتشر ذكره للجماع، هذا وجه التفريق. فمن العلماء من قال: لا يلتمس للرجل عذر في أنه أكره على الزنا، ومنهم من قال: إذا كان العذر قد التمس له إذا نطق بكلمة الكفر فلأن يلتمس له عند الزنا من باب أولى، وهناك تفريقات محلها كتب الفقه.وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور:34] واضحات ظاهرات مزيلات للإشكال، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور:34] والموعظة هي الشيء الزاجر الذي يزجر الشخص ويخوفه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النور [30-35] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net