إسلام ويب

تفسير سورة النور [1-4]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المعلوم لدى كل من له أدنى معرفة بأحكام الدين أن الإسلام ما جاء إلا ليحفظ الكليات الخمس التي منها العرض، ولذا شرع حد الزنا صيانة من الوقوع في هذه الجريمة، وسورة النور من تلك السور التي تعالج مثل هذه القضايا، حيث جاء في أولها بيان حد جريمة الزنا، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغيرها من الأحكام.

    1.   

    سورة النور سورة مدنية

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    سورة النور:

    سورة النور سورة مدنية، وقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على كونها مدنية، وقد تقدم ضبط المدني والمكي بما حاصله: أن الأرجح من أقوال العلماء في تحديد المدني هو: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، سواءً نزل عليه بالمدنية أو نزل عليه بتبوك أو نزل عليه بالحديبية، أو غير ذلك.

    وأن ضابط المكي هو ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، سواءً نزل عليه بمكة أو بالطائف، أو بغير ذلك.

    ومن العلماء من أطلق القول فقال: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة.

    على كل فسورة النور سورة مدنية بالإجماع، وقد نقل الإجماع في ذلك غير واحد من العلماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا)

    يقول الله سبحانه وتعالى فيها: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا [النور:1] من العلماء من قدر محذوفاً وقال: المعنى: هذه سورة أنزلناها. ومن العلماء من جعل السورة مبتدأ.

    معنى السورة

    أصل السورة مأخوذ من أحد أمرين:

    الأمر الأول: أن السورة مأخوذة من السور، لعلوها وارتفاع مكانتها، ومنه قول الشاعر:

    ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب

    فقوله: (ألم تر أن الله أعطاك سورة) أي: أنزلك منزلة، وأعطاك وجاهة ومنزلة.

    ومن أهل العلم من قال: إن السورة مأخوذة من السور لعلوها وارتفاع مكانتها.

    الأمر الثاني: أن السورة مأخوذة من السؤر لانفصالها وبينونتها عن الذي قبلها.

    فقولك مثلاً: سؤر المؤمن، أي: اللعاب الذي انفصل من فم المؤمن وخرج عنه. وقولك: سؤر الهرة: أي: اللعاب الذي خرج من فم الهرة وانفصل عنها، فيقال: سميت سورة: من السؤر؛ لأنها انفصلت عن السورة التي قبلها وتميزت عنها.

    لكن أكثر العلماء على أن السورة مشتقة من السور؛ لعلوها وارتفاع مكانتها.

    وجه تخصيص ذكر الله عز وجل لإنزال هذه السورة

    قال الله: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا [النور:1].

    إن قال قائل: كل السور أنزلها الله فلماذا خصت هذه السورة بالإنزال؟

    فالجواب: لبعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى، ولبعض سور كتاب الله مناقب تستأثر بأن توصف بها مع اشتراك غيرها معها في ذلك الوصف، فمثلاً: من مخلوقات الله: ناقة الله التي أخرجها الله سبحانه وتعالى لقوم صالح، قال صالح لقومه: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ [الأعراف:73] مع أن كل النوق نوق لله سبحانه وتعالى، ولكن لماذا قال عن هذه الناقة خاصة إنها ناقة الله؟

    قال فريق من العلماء: إن الإضافة إضافة تشريف، فمثلاً: المساجد كلها لله، لكن لماذا أطلق على البيت الحرام خاصة إنه بيت الله؟ لمزيد التشريف، وإلا فالأرض كلها لله، مساجدها، وأسواقها، وبيوتها، وكل ما فيها لله، لكن لماذا قيل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن:18]؟ الإضافة هنا للتشريف، مع أن كل شيء لله.

    كذلك قوله تعالى في عيسى بن مريم روح الله، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171] مع أن كل البشر روح من الله، لكن إضافة روح الله إلى عيسى للتشريف.

    فمن العلماء من قال: إن اختصاص هذه السورة بالإنزال لبيان تشريفها ومكانتها بين السور، ولعدد من سور القرآن فضل تستأثر به على سائر السور، فقد تجد سورة لها فضل لا تجده في غيرها من السور، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لما سمع نقيضاً من السماء وكان جالساً هو وأصحابه قال: (هذا باب من السماء فتح لم يفتح قبل اليوم، نزل منه ملك فقال: يا محمد! أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: سورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة)، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فقرأ عليهم: قل هو الله أحد) ، فلبعض سور القرآن مناقب وفضائل لا تشاركها فيها سور أخرى.

    قال تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا [النور:1].

    في قوله تعالى: ( وفرضناها ) قراءتان:

    القراءة الأولى: (وفرّضناها) بالتشديد.

    وقراءة: (وفرضناها) بالتخفيف.

    (وفرّضناها): أي: قطعناها وبيناها ما فيها حكماً حكماً.

    (وفرضناها) (بالتخفيف) بمعنى: فرضنا ما فيها من أحكام، فكثير من أحكامها فرض، ففيها حدود: كحد الزنا، وحد القذف، وفيها أيضاً آداب: كأحكام النظر، وأحكام الاستئذان، وفيها جملة مسائل تأتي في ثناياها إن شاء الله تعالى، ومما ورد فيها: وجوب رد أي أمر مختلف فيه إلى حكم الله سبحانه وتعالى، وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر باتباعها التحذير من مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك مما سيأتي.

    سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ [النور:1] آيات: أي: دلالات.

    آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور:1] أي: واضحات ظاهرات، فالبينات: الواضحات، والمبين: هو الواضح الظاهر.

    وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:1].

    أي: لعلكم بهذه الآيات تعتبرون وتتعظون وتنزجرون وتكفون عن المعاصي.

    وابتداءً فسورة النور لم يثبت في فضلها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الوارد من قولهم: (لا تعلموا نساءكم الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف، وعلموهن الغزل وسورة النور) فحديث ضعيف جداً لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن متنه أيضاً في كثير من فقراته غير مقبول، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة: (ارقيها وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة) ففي قوله عليه الصلاة والسلام: (كما علمتيها الكتابة) دليل على أن النساء كان منهن من يتعلم الكتابة، وتعلم النساء الكتابة علم من العلوم، والذي عَلم علماً واستغله في طاعة الله يُحمد على ذلك، أما ما جاء من الشعر الماجن:

    ما للنساء وللخطابة والكتابة هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابة

    فهذا بيت شعر ساقط لا وجه ولا مستند له لا من كتاب ولا من سنة، والأمر فيه كما قال الله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .. [الشعراء:224-227] الآيات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي...)

    قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].

    الحكمة من تصدير الآية بالزانية قبل الزاني

    بُدئ بالزانية؛ لأنها هي التي تدعو إلى هذه الفاحشة بالدرجة الأولى بما تظهره من تبرج وخضوع بالقول وتمايل وتغنج، فتطمع الرجال فيها، كما قاله جمهور المفسرين، وفي المقابل صدرت آية السرقة بالسارق؛ لأن السرقة تحتاج إلى جسارة وقوة وشجاعة، وهذه الأمور في الرجل أكثر منها في المرأة، فالمرأة تخاف في مثل مسائل السرقة، لكنها في الزنا هي الداعية إليه بالدرجة الأولى في الغالب.

    تعريف الزنا

    (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) الزنا: هو ولوج فرج في فرج لا يحل له، ونعني بالولوج: غياب ما يسمى بالمدورة من الرجل في فرج المرأة، سواء حدث إنزال أو لم يحدث، فبمجرد الولوج يجب الحد، وتترتب عليه سائر الأحكام المتعلقة به، أما المماسة الخارجية فلا توجب حداً، وللإمام أن يعزر فيها إذا بلغه الأمر.

    وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) نص عام.

    ما يستثنى من قوله تعالى: (الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما)

    المحصن وحكمه الرجم

    ويستثنى من هذا النص: الرجال المحصنون والنساء المحصنات -أي: الذين سبق لهم الزواج- وأدلة ذلك كثيرة:

    الدليل الأول: آية الزنا التي نسخت لفظاً وبقيت حكماً وهي: (والشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما البتة جزاءً بما كسبا نكالاً من الله) كانت هذه آية تتلى فنسخت تلاوتها وبقي حكمها.

    الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني.. قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام).

    الدليل الثالث: قول أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: (إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل: آية الرجم، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا معه، وإني خشيت أن يطول بالناس الأمد فيتركوا الرجم فيضلوا بترك سنة لنبيهم -أو بترك فرض من فروض الله سبحانه وتعالى- ولقد هممت أن أثبت آية الرجم في المصحف)، لكنه رضي الله عنه لم يكن ليفعل شيئاً تركه النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع الناس على تركه، فحذر أمير المؤمنين عمر من التفريط في الرجم، وبين أن النبي عليه الصلاة والسلام رجم.

    الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً .

    الدليل الخامس: (أن النبي عليه الصلاة والسلام رجم الغامدية التي جاءت وأصرت على أن ترجم، فقالت: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض صلى الله عليه وسلم عنها: قالت: يا رسول الله! لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزاً ، والله يا رسول الله! إني زنيت، وإن هذا الحبل الذي في بطني من الزنا، فشهدت على نفسها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اذهبي حتى تضعني، فذهبت حتى وضعت، وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: ها أنا قد وضعت يا رسول الله. قال: اذهبي حتى تفطميه، فذهبت، وبعد أن فطمته جاءت به ومعه كسرة من الخبز، قالت: ها هو يا رسول الله قد فطم، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت، فطعن فيها بعض الصحابة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد تابت توبة لو تابها أهل السماوات لوسعتهم) وفي رواية : (لو تابها صاحب مكس لوسعته) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    فكل هذه أدلة على أن المحصن لا تعلق له بهذه الآية، إنما له حكم خاص.

    المجنون ويسقط عنه الحكم

    واستثني من الآية أيضاً: المجانين، فإن عمر رضي الله عنه أتي إليه بامرأة مجنونة قد زنت، فأمر بها كي ترجم, ورآها علي فقال: من هذه؟ قالوا: هذه مجنونة بني فلان أمر بها عمر أن ترجم، فقال علي : على رسلكم، ثم ذهب إلى أمير المؤمنين عمر ، فقال: يا أمير المؤمنين: أما بلغك: (أن الحد رفع عن ثلاثة: منهم المجنون حتى يفيق..) الحديث، فأقر له عمر بذلك، ولم ترجم المرأة المجنونة.

    الأمة وحكمها الجلد بكراً أو ثيباً

    ويستثنى أيضاً: الأمة بالنص، والعبد بالإلحاق، فقد جاء في كتاب الله عن الإماء قوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، فالأمة إذا زنت تجلد خمسين جلدة؛ لأن الرجم لا يتجزأ، ورأي الجمهور أن الأمة ثيباً كانت أو بكراً إن زنت تجلد خمسين جلدة، وخالف في ذلك فريق مخالفة مضحكة، كـ:ابن حزم الظاهري رحمه الله وعفى عنه فإنه قال: إن الأمة إذا لم تكن متزوجة وزنت تجلد مائة جلدة على ظاهر الآية الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [النور:2] وإن تزوجت وزنت جلدت خمسين جلدة لقوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25] وهذا من عجيب القول وعجيب البرود الظاهري.

    الطفل والمكره

    ويستثنى أيضاً: الأطفال؛ لأن الحد مرفوع عن الطفل حتى يبلغ.

    ويستثنى أيضاً: المكره، وقد ورد أن أمير المؤمنين عمر بلغه أن امرأة من العابدات زنت فقال: (أراها قامت تصلي من الليل، فسجدت فهجم عليها فاسق من الفساق فزنا بها لما تنومت، فأتي بهذه المرأة فقالت كالذي قاله أمير المؤمنين عمر ، فخلى عمر رضي الله عنه سبيلها).

    فهذه الصور ممن يستثنى من حد الزنا الذي هو مائة جلدة، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه الآية (الزانية والزاني) ناسخة لقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:15-16] فكان في أول الأمر حد الزنا بالنسبة للمرأة أن تحبس في البيت، ولا تخرج حتى تموت (أو يجعل الله لهن سبيلاً) فهذا هو السبيل كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني خذوا عني.. قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم.) الحديث. فالسبيل هو نزول وتشريع حد الزنا.

    ومن العلماء من قال: إن آية النساء كانت مؤقتة بمعنى: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا والسبيل فسر في الحديث، فعمل بها لوقت وأمد محدد، وجاء نهاية الوقت بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام.

    الزنا كبيرة من الكبائر

    قال الله سبحانه وتعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] الزنا: كبيرة بالإجماع، وتقدم ضبط وتحديد العلماء للكبيرة: فمن العلماء من قال: إن الكبيرة هي التي نص الرسول صلى الله عليه وسلم على أنها كبيرة، كما قال: (اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، وقتل النفس...) الحديث، وكل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم نص بأنه كبيرة فيعتبر كبيرة، وهذا القول ظاهره السلامة، ولكن إذا أمعنت النظر تجد أن هناك أموراً متعددة لا تستطيع أنت ولا غيرك أن يصفها بكونها كبيرة أو صغيرة.

    مثاله: رجل تزوج بأمه فليس هناك نص صريح يفيد أن من تزوج بأمه ارتكب كبيرة، ولكن الإجماع على أنها كبيرة، ولا شك في ذلك عند العامي قبل العالم، وكذلك الزنا لم يأت فيه نص بعينه أنه من الكبائر، اللهم إلا الزنا بحليلة الجار وهو قسم خاص من أقسام الزنا، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قيل ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قيل ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك)، لكن عموم الزنا لم يرد نص خاص على أنه كبيرة، لكن الإجماع منعقد على أنه كبيرة، فلذلك حدد بعض أهل العلم الكبيرة بقولهم: هي ما ورد فيها نص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو ما ترتب على فاعلها حد في الدنيا، أو ما توعد على فعلها بلعن أو طرد من رحمة الله سبحانه، أو بعذاب النار أو بغضب الله ونحو ذلك.

    ولذلك ورد عن ابن عباس أنه قال: ( إنها -أي الكبائر- إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ) هذا وقد جاءت في الزنا جملة نصوص تحذر منه وتبين العقوبة الشديدة لمن فعله، قال سبحانه: وَلا يَزْنُونَ والذي يفعل ما ذكر في الآية ومنه الزنا: يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69] وعلى ذلك يحمل حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق) على أنه يدخل الجنة آخراً وإن زنى وإن سرق إذا أخذ قسطه من العذاب في النار إذا لم يغفر الله له.

    وقال الله سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولكني رأيت البارحة رؤيا: أتاني رجلان فأخذاني ...- الحديث وفيه- فمرا بي على مثل التنور -التنور الذي يخبز فيه وفيه نار- وإذا في أعلى التنور رجال ونساء عراة يأتيهم لهب من أسفل منهم فيحرق فروجهم فيسمع له صياح وضوضاء، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء: الزناة والزواني يا محمد...) والحديث في صحيح البخاري وحاصله: أن من عقوبات الزناة أنهم كما استمتعوا بالفروج تأتي النار تحرق هذه الفروج التي استمتعوا بها في الحرام والعياذ بالله.

    وجاء في الحديث : (أي الذنب أعظم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ..... وأن تزاني بحليلة جارك).

    المقاصد الشرعية من تحريم الزنا

    للزنا مضار اجتماعية منها: اختلاط الأنساب، والحاق الولد بغير أبيه فيطلع على المحارم التي لا يحل له أن يطلع عليها، ويرث المال الذي ليس له ولا يحق له تملكه، وتنشأ من جراء الزنا مشاحنات وقتال بين الرجال الذين يغارون على أعراضهم، ولذلك سدت الشريعة جميع الطرق الموصلة إلى الزنا، وكما لا يخفى عليكم أن كل كبيرة من الكبائر لها حمى يحيط بها، فهذا الحمى يحذر من الاقتراب منه حتى لا تقع في المحرم الفعلي.

    الأساليب الوقائية التي اتخذتها الشريعة لمنع جريمة الزنا

    لقد جعلت الشريعة الإسلامية بين العباد والذنوب حمى ومنعت من الاقتراب من هذا الحمى، ففالزنا له حمى والاقتراب من حماه حرام، فمثلاً: حرم السفر بدون محرم للنساء؛ لأن السفر بدون محرم يطمع الرجال في المرأة ويشجع المرأة ويوسوس لها بفعل المحرم، وحُرمت الخلوة بالأجنبية بدون محرم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والدخول على النساء، قال رجل: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال: الحمو الموت)، وحرم النظر إلى الأجنبية فقال سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]، وقال تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31]، وحرم التبرج فقال صلى الله علهي وسلم: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها).

    فكل المقدمات المؤدية إلى الزنا حرمت، حتى الوصف فقد يصف رجل امرأته لغيره، أو تصف امرأة رجلاً وتتغزل في صورته، ويتغزل في صورتها، فيؤدي ذلك بهما إلى الوقوع في المحرم والفاحشة، والخضوع بالقول من المرأة، الذي يطمع الذي في قلبه مرض حُرم، قال تعالى: َلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32].

    والمواجهة المباشرة والحديث المباشر بين الرجال والنساء وجهاً لوجه منعه أولى، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53].

    والغناء الذي يثير الفواحش ويهيج الرجال والنساء، ويصف الخدود والخمور حرام، فكل السبل التي تؤدي إلى الزنا سُدت، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يقتحم هذه الأشياء كلها إلا رجل هالك، فلذلك قال سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] وهو أبلغ من قوله: ولا تزنوا، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة) أي: يضمن لي لسانه وفرجه، أضمن له الجنة.

    ومن الدواعي إلى الزنا في هذه الأزمان: النظر إلى التلفزيون، والفيديو والأفلام، والمجلات التي عليها صور النساء العاريات، فهذه يجب أن تحرق؛ لأنها تهيج الكامن، وتساعد على نشر الرذيلة، والاتجار في مثل هذه المجلات التي عليها صور العرايا حرام؛ لأنه نشر للفساد والرذيلة في الأرض.

    قال الله سبحانه وتعالى: ( الزانية والزاني) أي: بهذه الصفة المخصوصة: الزاني الحر البكر العاقل.

    من المقصود بالخطاب في قوله: (فاجلدوا)

    قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) صفة الجلد تداولتها كتب الفقه وتناولتها، والخطاب في قوله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) لمن؟ كثير من أهل العلم يقولون: إن الخطاب لإمام المسلمين، وقد ورد في الباب حديث: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني منها فقد وجب) فاستدل بهذا على أن الذي يقيم الحد هو الإمام.

    الحث على الستر لمن ابتلي بارتكاب الحدود

    من ابتلي بشيء من هذه القاذورات: فهل يبحث عن شخص يقيم عليه الحد، أو يذهب للإمام يقيم عليه الحد، أم الأولى له أن يستتر؟ الظاهر والعلم عند الله: أن الأولى له أن يستتر ولا يحدث أحداً من الناس؛ وذلك لأن ماعزاً لما أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إنه قد زنى، أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فاتجه إلى الشق الآخر من وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناحية الأخرى مراراً، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك قبّلت، لعلك لمست أو لعلك كذا... ولعلك، ومع ذلك يصر ماعز على أن يقام عليه الحد.

    وفي بعض الروايات -التي ينظر في إسنادها- أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لبعض من أبلغه خبر ماعز : (هلا سترته بثوبك)، ويدل على الستر أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون، قيل: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: الرجل يذنب الذنب في الليل فيصبح وقد ستره الله عليه يتحدث في الناس عملت كذا وكذا البارحة) فهذا غير معافى، ويدل على الستر أيضاً: (إن الله حيي ستير -أو- إن الله يحب الستر).

    ويدل على أفضلية الستر أيضاً: عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) فعلى من ابتلي بشيء من ذلك أن يستتر ويستغفر الله عز وجل، خاصة في زماننا الذي عطلت فيه الحدود فإلى من ستذهب، ولن ينالك من الناس إلا الفضحية، والستر مأمور به، فعلى ذلك: إن ابتليت امرأة -والعياذ بالله- بالزنا، وكانت بكراً، وتقدم شخص للزواج بها فاختار بعض العلماء -وهم الأقل- أنها تستر على نفسها فالله حيي ويحب الستر سبحانه وتعالى، ولا يأتيها مفسد، ولا يأتيها رجل قليل الفقه بزعمه ويقول له: اذهبي فقولي للزوج إنك زنيت! فهل رب العزة يحب منك هذه الفضائح؟! كلا.. فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، وقد سمعتم قول النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ماعز: (هلا سترته بثوبك).

    قرائن يعرف بها زنا المرأة

    والزنا يعرف في المرأة بقرائن ثلاث:

    إما الحبل، وإما الاعتراف، وإما الشهود.

    وهذا قول أمير المؤمنين عمر ، بيد أن كثيراً من العلماء قالوا: إن الحبل ليس قرينة لإقامة الحد على المرأة، فقد تكون المرأة أكرهت على الزنا، أو يكون فعل بها وهي نائمة، أو أعطيت مخدراً من المخدرات فأسكرها ففعل بها المحرم، فرأى فريق كبير من العلماء أن الحبل لا بد أن يصحبه الاعتراف، بينما اعتبر أمير المؤمنين أن الحبل قرينة. والله أعلم.

    وعلى كلٍ فهذا هو الرأي الآخر في الباب.

    ( الزانية والزانية فاجلدوا) قلنا: للجلد صفات مبسوطة في كتب الفقه.

    (كل واحد منهما مائة جلدة) ولم يُقل: فاجلدوهما مائة جلدة؛ لأن قوله: فاجلدوهما قد يحتمل أنهما معاً يجلدان مائة جلدة فكل واحد منهما يتحمل خمسين، ففي مسائل الحدود يزال الغبش عن الأحكام وتتضح الأمور جلية.

    قال تعالى: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2] أي: لا تأخذكم بهما رقة وشفقة فتتركون الحد، وليس المعنى أنكم تضربوهم ضرب الموت، فكما تقدم أن للضرب صفة، ولكن المعنى: ألا تأخذكم الشفقة بهما فتتركون الحد.

    (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ): أي: في حكم الله، فالمراد بالدين هنا: الحكم، وتقدم معنا أن من معاني: الجزاء ما ورد في قوله تعالى : أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53] أي: لمجزيون. لكن (الدين) هنا: الحكم، كما قال تعالى كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76] أي: في حكم الملك، أي: لا تأخذكم بهما رأفة في حكم الله وتسقطوا حكم الله عنهما لهذه الرأفة.

    إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2].

    في قوله (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) تهييج وإثارة للمؤمنين على إقامة الحدود. كما يقول لك قائل: إن كنت مسلماً فتصدق، فتثبت أنك مسلم فتقوم إلى الصدقة، فكأن الذي لا يقوم بتنفيذ هذه الحدود مطعون في إيمانه بالله واليوم الآخر.

    وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2] قال بعض العلماء: الطائفة: ثلاثة فما فوقها، وقال فريق آخر الطائفة: المجموعة. والله أعلم.

    لكن لا بد من الشهود، (وليشهد) معناها هنا: وليحضر، فالشهادة لها معان: ( شاهد ومشهود) مثلاً، الشاهد بمعنى: الحاضر المشاهد، والشاهد بمعنى: الشاهد الذي تثبت به الدعوى كالشاهد على المال، والشاهد على الدين، والشاهد على الحكم، فالشهادة لها معان، ومن معانيها: الحضور، قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام:73] أي: عالم الذي غاب والذي حضر، ومن معاني الشهادة: الشهادة على البيوع والشراء ونحو ذلك.

    فقوله (وَلْيَشْهَدْ) أي: يحضر، (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني: إقامة الحد لا تكون سراً إنما تكون على رؤية وعلى عين طائفة من المؤمنين.

    أقوال العلماء في الجمع بين الجلد والرجم لمن زنى وكان ثيباً

    وهنا مسألة: إذا زنى الثيب فهل يرجم فقط أم بجمع له بين الجلد والرجم؟ قد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا عني خذوا عني: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)، فالثيب بالثيب: جلد مائة والرجم، لكن حديث: أن الثيب إذا زنا -والثيب هو من سبق له الزواج- يجلد على ما في الحديث مائة جلدة ويرجم، وهذا الحكم على غير المعهود من أن الثيب يرجم فقط، وللعلماء في هذه المسألة قولان:

    القول الأول: أن الثيب إذا زنا يرجم فقط ولا يجلد، وهذا قول جمهور العلماء، ودليله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يقل فاجلدها ثم ارجمها.

    ودليل آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية لما زنت، ولم يرد أنه جلدها.

    ورجم ماعزاً لما زنى ولم يرد أنه جلده، فهذه أدلة الجمهور القائلين بأن الثيب إذا زنى يرجم فقط.

    القول الثاني: وذهب آخرون منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أن الثيب إذا زنى يجلد مائة جلدة ثم يرجم -أي: توقع عليه العقوبتان- واستدل بقوله: جلدتها بكتاب الله -أي: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويستدل له أيضاً بالحديث الذي هو: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، ولكن رأي الجمهور أقوى. والله أعلم.

    أقوال العلماء في التغريب

    أما قوله: (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) أي: نفي سنة، فعليه بعض الملاحظات:

    أحدها: هل تغرب المرأة، أو لا تغرب المرأة؟ يعني: هل تنفى المرأة إذا زنت مع جلدها إذا لم تكن قد تزوجت، أو لا تنفى؟ أما الرجل فينفى لقوله عليه الصلاة والسلام: (جلد مائة وتغريب عام) أما المرأة: هل تنفى مع الجلد، أو لا تنفى؟

    فجمهور أهل العلم: يرون أن المرأة تنفى أيضاً؛ لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (جلد مائة وتغريب عام) .

    ومن أهل العلم من قال: لا تنفى المرأة؛ لأن نفيها يحتاج إلى محرم، والمحرم ليس له ذنب في التغريب.

    فأجيب على ذلك: بأن لإمام المسلمين أن يعد لها من الاحتياطات ما تُحفظ به بإذن الله. والله سبحانه وتعالى أعلم.

    مشروعية البعد عن أصحاب السوء

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) يفيد: مشروعية نفي أصحاب المعاصي، ومشروعية الابتعاد عن مجالسة أصحاب المعاصي، وعلى ذلك جملة أدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام منها:

    أن البكر ينفى حتى لا يتذكر موقع المعصية؛ لأنه كلما مر بموقع المعصية تذكرها، ومن ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم مزهداً في جلساء السوء: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة -أو- نتنة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث قاتل التسعة والتسعين نفساً: إن هذا القاتل لما أتم المائة قال له العالم: (اترك أرضك فإنها أرض سوء، واذهب إلى أرض كذا وكذا فإن بها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم).

    الشاهد: أنه حثه على ترك أرض السوء والذهاب إلى أرض أهلها أهل صلاح.

    وأيضاً قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140].. وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]، والآيات في هذا الباب.. منها أيضاً: قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] ففي الآية حث على عدم مجالسة أصحاب المعاصي؛ لأنه مشركة أو إذا تزوج زانية تأثر بأخلاقها، ففي قوله: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3] دليل وإن لم يكن صريح فإنه ضمني في البعد عن أصحاب المعاصي وترك مجالستهم.

    والخلاصة: أن كل ما سبق: فيه دليل على مشروعية البعد عن أصحاب المعاصي وترك مجالستهم إلا على وجه التذكير والنصح كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود فجلس يذكرهم ويعظهم عليه الصلاة والسلام، والأدلة في هذا الباب متواترة وكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويلتحق بما تقدم من الآية: إيراد اعتراض بعض الملاحدة على آية الرجم، فيقول قائل الملاحدة: إن الإسلام فيه شدة وغلظة لما يأمر برجم الزناة.

    فالإجابة على ذلك من واقعهم هم أنفسهم، فهم أنفسهم أطباء وهؤلاء الملاحدة أحياناً يستأصلون لمريض من مرضاهم كليته، وأحياناً يبترون لمريض من مرضاهم رجله أو يده، ولماذا يبترون الرجل أو اليد؟ ولماذا يستأصلون الكلية؟ يفعلون ذلك عندهم إبقاء على حياة المريض، فإذا كان هذا هو فعلهم ببعضهم، فبرجم الزاني يحصل إبقاء لعموم البشر، لأنه استئصال لعضو فاسد.

    وما دام أن الآمر بالرجم هو الله -وهو الحكيم الحميد هو الخالق للعباد، وهو الذي يعلم ما يضرهم وما ينفعهم- فلا يسعنا إلا الامتثال لأمره.

    هل يكفي في ثبوت حد الزنا وجود رجل مع امرأة في فراش؟

    تلتحق بالآية المتقدمة مسائل: منها أيضاً إذا وجد رجل مع امرأة في فراش تحت لحاف وهو أجنبي عنها، هل يُشهد بمجرد رؤيته على هذا الوضع أنه زنى بها؟ الصحيح: أنه لا يشهد بمجرد هذه الرؤية على الزنا، ولكن إن أقرت المرأة أو اعترفت أنها زنت فيقام الحد على من اعترف، أما مجرد النوم في فراش مع امرأة، أو خلوة مع امرأة، فهذا وذاك لا يثبت حد الزنا، والحدود تدرء بالشبهات، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن للإمام أن يعزر التعزير الذي يراه مناسباً لزجرهما وأمثالهما عن الوقوع في هذه المعصية -الخلوة بالأجنبية-، وللإمام أن يتخذ من التعزير ما يراه موائماً لردع أمثال هؤلاء من أهل الفسق، والله تعالى أعلم.

    حكم اللوطية

    يلتحق بذلك أيضاً: من عمل عمل قوم لوط، ما حكمه؟ ورد في الباب حديث من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول)، وهذا الحديث إسناده ظاهره الحسن، لكن انتقده عدد من أهل العلم وعدوه من مناكير عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، ومن ثم اختلف العلماء في مسألة من عمل عمل قوم لوط ما هي عقوبته؟ فمن قائل من العلماء: إنه يرجم إذا كان محصناً، ويجلد إذا كان بكراً إلحاقاً بالزنا.

    ومنهم من قال: يلقى من أعلى شاهق بالمدينة، ويتبع بالأحجار كما فعل بقوم لوط، إذ قال الله سبحانه: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74].

    والرأي الثالث: هو القتل بكراً كان أم ثيباً عملاً بحديث ابن عباس عند من صححه من العلماء. والله تعالى أعلم.

    من زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها

    من المسائل التي تلتحق أيضاً بالمسائل التي نحن بصددها: رجل زنا بامرأة هل يتزوجها؟

    القول الأول: قال كثير من أهل العلم لا بأس بذلك ويصدق عليهما قول من قال: أوله نفاح حرام وآخره نكاح حلال. هذا رأي فريق من العلماء، والله أعلم.

    وقد جاء في سبب نزول قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] ما أخرجه أبو داود بإسناد حسن: أن رجلاً من المسلمين كان يقال له مرثد بن أبي مرثد كان يحمل أسارى المسلمين من مكة إلى المدينة يهربهم، وكانت له صديقة في الجاهلية قبل أن يسلم يقال له عناق فذهب يوماً لنقل بعض أسارى المسلمين من مكة إلى المدينة فقابلته عناق في الليل فعرفته فقالت له: مرثد ! قال: مرثد ، قالت: هلم فبت عندنا الليلة يا مرثد ، قال لها: يا عناق إن الله قد حرم الزنا، فهيجت عليه الناس، فقالت: يا معشر قريش! هذا رجل يحمل أسراكم إلى المدنية، فجرى فاختبأ في كهف فجاءوه فوقفوا عليه ولم يرونه، فانطلق بعد أن انصرفوا وحل أسيرية وحملهما وانصرف، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله! أأنكح عناقاً -يعني: أتزوج عناقاً - فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) ونزلت الآية الكريمة، فعلى هذا اختلف العلماء في تفسير النكاح في الآية على قولين:

    قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) وعلى ذلك فلا يجوز لرجل عفيف أن يتزوج بامرأة قد زنت، ولا يجوز لامرأة عفيفة أن تتزوج برجل قد زنى، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، واستدل له البعض بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله).

    القول الثاني: وهو قول أكثر:

    ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالنكاح في قوله تعالى: (الزاني لا ينكح).

    الجماع، ويكون المعنى: على أن الزاني لا يطاوعه على زناه إلا زانية مثله أو مشركة، والزانية لا يطاوعها على زناها إلا زان أو مشرك، فحملوا الزنا ضمناً على الجماع، فالزاني لا تطاوعه على الزنا إلا زانية مثله أو مشركة لا تعتقد حرمة الزنا، ويؤيد هذا القول: النظر في الآية الكريمة، فلو فسرنا النكاح بالزواج في هذا الموطن لكان المعنى: الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، ولكان في الآية الكريمة إباحة تزوج الزاني بالمشركة وهذا حرام؛ لأن الله يقول: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة:221]، ويقول: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، وأيضاً لو قلنا بذلك: لأبحنا للزانية أن يتزوجها المشرك لقوله: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3] وهذا حرام، فإن الله تعالى قال: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]، وقال: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221].

    فهذا الذي حذى بنا إلى ترجيح رأي العلماء القائلين: إن المراد بالنكاح هنا الجماع، وليس المراد بالنكاح العقد، وكان من حجج القائلين بأن المراد من النكاح العقد هو: أن أغلب آيات الكتاب العزيز التي ذكر فيها النكاح محمولة على عقد التزويج، وهذا وإن كان يصح لهم في كثير من المواطن، لكن ثم مواطن لا يصح لهم ذلك، كقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6] ليس معنى قوله ( بلغوا النكاح) إلا بلغوا الحلم، والله أعلم.

    وكذلك في قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] المراد: العقد والجماع نفسه، بدليل حديث النبي صلى عليه الصلاة والسلام: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) والله أعلم.

    قال سبحانه: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3] والزاني لا يساوي المشرك أبداً، فالزاني مسلم ولا يكفر بهذا الزنا إنما يكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: وإن زنى وإن سرق.. ثلاثاً، وفي الثالثة قال: وإن رغم أنف أبي ذر ) -أي: وإن ألصق أنف أبي ذر- في التراب، أما المشرك فإن الله لا يغفر أن يشرك به، وتقدم شرح فقه هذا الحديث.

    قال تعالى: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] وقد تقدم أن الرجل إذا زنا بامرأة، فالتحرير في هذه المسألة يقتضي: أن له أن يتزوجها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4].

    ما المراد بالمحصنات؟

    هل المراد بالمحصنات: النساء المحصنات، أو المراد بالمحصنات: الأنفس المحصنات؟

    على التأويل الثاني: يدخل في الأنفس المحصنات: الرجال الذين أحصنوا، فإذا رمى رجل رجلاً قد أحصن يقام عليه الحد كذلك، وهذا رأي الجماهير من العلماء.

    قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ المراد بالرمي هنا: الرمي بالزنا، فيقال: فلانة قد زنت، أو فلان قد زنى، ويراد بالرمي أيضاً: ما هو في معنى الزنا، كأن يقال: فلانة قد ليط بها، أو فلان قد ليط به، فالحكم واحد عند كثير من أهل العلم.

    وهذه الآية -آية القذف- ترك العمل بها في بلاد المسلمين، وضيع العمل بها كما ضيع العمل بغيرها من آيات الحدود -عياذاً بالله- واستبدل العمل بها بقوانين وضعية أتت من دول الكفر ما نزلت على نبي من النبيين، ولا نزلت في دين من الأديان، أحكام يُعمل بها في المحاكم لم تأت بها ديانة من عند الله، لا مسلمة ولا ديانة يهودية ولا ديانة نصرانية ولا أي دين نزل من عند الله، إنما هي بقايا مخلفات العقل اليوناني والعقل الروماني يُعمل بها في المحاكم المصرية، قوانين قذرة قبيحة من أوساخ الرومانيين وزبالات الرومانيين يعمل بها في المحاكم ويقضى بها على عباد الله.

    فآية القذف تُرك العمل بها مع أنها آية محكمة، وأصبحت ترى في الطريق شخصاً يقول للآخر يابن فلانة، ويصف أمه بالزنا، والثاني يضحك ولا تهتز له شعرة، مع أن عقوبة من يقول هذه الكلمة الجلد كما سيأتي.

    قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: الأنفس المحصنات، ويدخل فيها النساء المحصنات.

    معاني الإحصان

    الإحصان يطلق على معان: فالمحصنة هي: العفيفة قال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم:12] أي: عفت فرجها عن الحرام.

    والمحصنة هي: الحرة، فالإحصان يطلق على الحرية، ومنه قوله تعالى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، والإحصان يطلق على الإسلام، والإحصان يطلق على التبيين، وأصل الإحصان: من المنع، وهو مأخوذ من الحصن، فالزواج فيحصن المرأة عن الزنا، أي: كأنها دخلت في حصن إذا تزوجت، وهذا الحصن يفترض أنه يمنعها من الزنا ويمنع الزاني من الوصول إليها كالتي تحصنت بحصن، والتي أسلمت تحصنت بحصن أيضاً فيفترض أن الإسلام يمنعها من الزنا وتتحصن به، فخوفها من الله ومن لقائه ومن البعث يمنعها من الزنا، وكذلك الحرية تمنع النساء من الزنا، وكذلك العفة: فالمرأة العفيفة عفافها كالحصن لها يمنعها من الزنا كذلك.

    قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) المراد بهن هنا: المسلمات العفائف.

    (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) أي: يقذفون، (الْمُحْصَنَاتِ) أي: المسلمات العفائف الحرائر وإن كان في الحرائر بعض النزاع. ما حكم الذين يرمون المحصنات؟ وهل كل من رمى امرأة يقام عليه حد القذف؟ الجواب: ليس كل من رمى امرأة يقام عليه حد القذف، فهناك شروط في القاذف وشروط في المقذوف، وشروط في صيغة القذف.

    شروط القاذف

    فمن شروط القاذف: أن يكون بالغاً، فإذا جاء طفل ورمى امرأة بالزنا فلا نقول: إن الطفل يجلد؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رفع القلم رفع عن ثلاث... -وذكر منهم- وعن الطفل حتى يحتلم).

    الشرط الثاني: أن يكون الرامي عاقلاً، فلو أتى رجل مجنون ويقول لفلان: يا زاني، أو لفلانة: يا زانية، فلا يقام عليه حد القذف.

    شروط المقذوف

    أما شروط المقذوف أو المقذوفة: أولاً الإسلام، أن تكون المقذوفة أو المقذوف مسلماً، فمن رمى كافرة لا يقام عليه الحد.

    وإذا رمى نصرانية هل يقام عليه الحد، أو لا يقام؟ هذا راجع إلى تفسير المحصنات، فمن فسر المحصنات هنا بالمسلمات قال: لا حد على من رمى النصرانية، ومن فسر المحصنات بالعفائف. قال: يحد من رمى النصرانية، وإذا قيل له: هل من دليل في كتاب الله يدل على أن النصرانيات منهن محصنات؟ قال: نعم؛ ثم دليل ألا وهو قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5] فهنا قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فدل على أن من الذين أوتوا الكتاب محصنات، فمن شروط المقذوف: أن يكون مسلماً عند فريق من العلماء عفيفاً، فإذا قذفت امرأة زانية ثبت عليها الزنا وحدت، وقال لها شخص: يا زانية فما كذب، فلا يحد، لكن هل يعاقب عقوبة أخرى دون الحد؟ للإمام أن يتخذ معه ما يردعه إذا كانت قد تابت وأعلنت توبتها.

    ومن شروط المقذوف عند بعض العلماء: أن يكون بالغاً، فلو رمى رجل طفلة صغيرة لا توطأ بالزنا: فهل يحد، أو لا يحد؟ من أهل العلم من قال: لا يحد؛ لأنها طفلة، ومنهم من قال: إذا كانت هذه الطفلة تشتهى أو يشتهى مثلها حُد من رماها.

    ومنها: ألا تكون قد جلدت من قبل.

    شروط صيغة القذف

    وأما شروط صيغة القذف: فهو أن يقال لها: إن فلانة زنت، أو إن فلانة فُعل بها كذا وكذا مما ذكر من فعل قوم لوط، فهذه شروط القاذف والمقذوف والمقذوف به.

    حكم التعريض بالقذف

    من عرض بالقذف كما تقدم بيانه مراراً الصحيح: أنه لا يحد؛ لأن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود -كأنه يعرض بنفي الولد عن نفسه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: وما الذي حذى به أن يكون أورقاً -أو كما قال- قال: لعله نزعه عرق، قال: ولعل ابنك هذا نزعه عرق).

    فأخذ بعض العلماء من هذا الحديث: أن التعريض بالقذف لا يعد قذفاً، ومنهم من قال: يعد قذفاً؛ لأن قوم مريم قالوا لمريم: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: أبوك ما كان رجل سوء وما كان أمك زانية، فعرضوا بأنها زنت، ولذلك حكى الله ذلك الافتراء في قوله: حكاية عنهم وقال في الآية الأخرى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء:156] قالوا: بالنظر في الآيتين معاً الآية الأولى: (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، والآية الثانية: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) نجد: أن قولهم (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) وصف بأنه بهتان عظيم، كذا قالوا وفي قولهم نظر، فإن الذين قالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) لا يستلزم أن يكونوا هم الذين قالوا على مريم بهتاناً عظيماً..

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.