اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النور [1-4] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النور [1-4] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
من المعلوم لدى كل من له أدنى معرفة بأحكام الدين أن الإسلام ما جاء إلا ليحفظ الكليات الخمس التي منها العرض، ولذا شرع حد الزنا صيانة من الوقوع في هذه الجريمة، وسورة النور من تلك السور التي تعالج مثل هذه القضايا، حيث جاء في أولها بيان حد جريمة الزنا، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغيرها من الأحكام.
سورة النور سورة مدنية
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: سورة النور:سورة النور سورة مدنية، وقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على كونها مدنية، وقد تقدم ضبط المدني والمكي بما حاصله: أن الأرجح من أقوال العلماء في تحديد المدني هو: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، سواءً نزل عليه بالمدنية أو نزل عليه بتبوك أو نزل عليه بالحديبية، أو غير ذلك. وأن ضابط المكي هو ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، سواءً نزل عليه بمكة أو بالطائف، أو بغير ذلك.ومن العلماء من أطلق القول فقال: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة.على كل فسورة النور سورة مدنية بالإجماع، وقد نقل الإجماع في ذلك غير واحد من العلماء.
 

تفسير قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا)
يقول الله سبحانه وتعالى فيها: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا [النور:1] من العلماء من قدر محذوفاً وقال: المعنى: هذه سورة أنزلناها. ومن العلماء من جعل السورة مبتدأ.
 وجه تخصيص ذكر الله عز وجل لإنزال هذه السورة
قال الله: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا [النور:1].إن قال قائل: كل السور أنزلها الله فلماذا خصت هذه السورة بالإنزال؟ فالجواب: لبعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى، ولبعض سور كتاب الله مناقب تستأثر بأن توصف بها مع اشتراك غيرها معها في ذلك الوصف، فمثلاً: من مخلوقات الله: ناقة الله التي أخرجها الله سبحانه وتعالى لقوم صالح، قال صالح لقومه: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ [الأعراف:73] مع أن كل النوق نوق لله سبحانه وتعالى، ولكن لماذا قال عن هذه الناقة خاصة إنها ناقة الله؟ قال فريق من العلماء: إن الإضافة إضافة تشريف، فمثلاً: المساجد كلها لله، لكن لماذا أطلق على البيت الحرام خاصة إنه بيت الله؟ لمزيد التشريف، وإلا فالأرض كلها لله، مساجدها، وأسواقها، وبيوتها، وكل ما فيها لله، لكن لماذا قيل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن:18]؟ الإضافة هنا للتشريف، مع أن كل شيء لله. كذلك قوله تعالى في عيسى بن مريم روح الله، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171] مع أن كل البشر روح من الله، لكن إضافة روح الله إلى عيسى للتشريف. فمن العلماء من قال: إن اختصاص هذه السورة بالإنزال لبيان تشريفها ومكانتها بين السور، ولعدد من سور القرآن فضل تستأثر به على سائر السور، فقد تجد سورة لها فضل لا تجده في غيرها من السور، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لما سمع نقيضاً من السماء وكان جالساً هو وأصحابه قال: (هذا باب من السماء فتح لم يفتح قبل اليوم، نزل منه ملك فقال: يا محمد! أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: سورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة)، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فقرأ عليهم: قل هو الله أحد) ، فلبعض سور القرآن مناقب وفضائل لا تشاركها فيها سور أخرى. قال تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا [النور:1].في قوله تعالى: ( وفرضناها ) قراءتان: القراءة الأولى: (وفرّضناها) بالتشديد.وقراءة: (وفرضناها) بالتخفيف. (وفرّضناها): أي: قطعناها وبيناها ما فيها حكماً حكماً.(وفرضناها) (بالتخفيف) بمعنى: فرضنا ما فيها من أحكام، فكثير من أحكامها فرض، ففيها حدود: كحد الزنا، وحد القذف، وفيها أيضاً آداب: كأحكام النظر، وأحكام الاستئذان، وفيها جملة مسائل تأتي في ثناياها إن شاء الله تعالى، ومما ورد فيها: وجوب رد أي أمر مختلف فيه إلى حكم الله سبحانه وتعالى، وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر باتباعها التحذير من مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك مما سيأتي.سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ [النور:1] آيات: أي: دلالات.آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور:1] أي: واضحات ظاهرات، فالبينات: الواضحات، والمبين: هو الواضح الظاهر.وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:1].أي: لعلكم بهذه الآيات تعتبرون وتتعظون وتنزجرون وتكفون عن المعاصي.وابتداءً فسورة النور لم يثبت في فضلها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الوارد من قولهم: (لا تعلموا نساءكم الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف، وعلموهن الغزل وسورة النور) فحديث ضعيف جداً لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن متنه أيضاً في كثير من فقراته غير مقبول، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة: (ارقيها وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة) ففي قوله عليه الصلاة والسلام: (كما علمتيها الكتابة) دليل على أن النساء كان منهن من يتعلم الكتابة، وتعلم النساء الكتابة علم من العلوم، والذي عَلم علماً واستغله في طاعة الله يُحمد على ذلك، أما ما جاء من الشعر الماجن:ما للنساء وللخطابة والكتابةهذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابةفهذا بيت شعر ساقط لا وجه ولا مستند له لا من كتاب ولا من سنة، والأمر فيه كما قال الله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .. [الشعراء:224-227] الآيات.
تفسير قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي...)
قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].
 من زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها
من المسائل التي تلتحق أيضاً بالمسائل التي نحن بصددها: رجل زنا بامرأة هل يتزوجها؟ القول الأول: قال كثير من أهل العلم لا بأس بذلك ويصدق عليهما قول من قال: أوله نفاح حرام وآخره نكاح حلال. هذا رأي فريق من العلماء، والله أعلم.وقد جاء في سبب نزول قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] ما أخرجه أبو داود بإسناد حسن: أن رجلاً من المسلمين كان يقال له مرثد بن أبي مرثد كان يحمل أسارى المسلمين من مكة إلى المدينة يهربهم، وكانت له صديقة في الجاهلية قبل أن يسلم يقال له عناق فذهب يوماً لنقل بعض أسارى المسلمين من مكة إلى المدينة فقابلته عناق في الليل فعرفته فقالت له: مرثد ! قال: مرثد ، قالت: هلم فبت عندنا الليلة يا مرثد ، قال لها: يا عناق إن الله قد حرم الزنا، فهيجت عليه الناس، فقالت: يا معشر قريش! هذا رجل يحمل أسراكم إلى المدنية، فجرى فاختبأ في كهف فجاءوه فوقفوا عليه ولم يرونه، فانطلق بعد أن انصرفوا وحل أسيرية وحملهما وانصرف، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله! أأنكح عناقاً -يعني: أتزوج عناقاً - فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) ونزلت الآية الكريمة، فعلى هذا اختلف العلماء في تفسير النكاح في الآية على قولين: قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) وعلى ذلك فلا يجوز لرجل عفيف أن يتزوج بامرأة قد زنت، ولا يجوز لامرأة عفيفة أن تتزوج برجل قد زنى، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، واستدل له البعض بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله).القول الثاني: وهو قول أكثر:ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالنكاح في قوله تعالى: (الزاني لا ينكح).الجماع، ويكون المعنى: على أن الزاني لا يطاوعه على زناه إلا زانية مثله أو مشركة، والزانية لا يطاوعها على زناها إلا زان أو مشرك، فحملوا الزنا ضمناً على الجماع، فالزاني لا تطاوعه على الزنا إلا زانية مثله أو مشركة لا تعتقد حرمة الزنا، ويؤيد هذا القول: النظر في الآية الكريمة، فلو فسرنا النكاح بالزواج في هذا الموطن لكان المعنى: الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، ولكان في الآية الكريمة إباحة تزوج الزاني بالمشركة وهذا حرام؛ لأن الله يقول: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة:221]، ويقول: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، وأيضاً لو قلنا بذلك: لأبحنا للزانية أن يتزوجها المشرك لقوله: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3] وهذا حرام، فإن الله تعالى قال: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]، وقال: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221].فهذا الذي حذى بنا إلى ترجيح رأي العلماء القائلين: إن المراد بالنكاح هنا الجماع، وليس المراد بالنكاح العقد، وكان من حجج القائلين بأن المراد من النكاح العقد هو: أن أغلب آيات الكتاب العزيز التي ذكر فيها النكاح محمولة على عقد التزويج، وهذا وإن كان يصح لهم في كثير من المواطن، لكن ثم مواطن لا يصح لهم ذلك، كقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6] ليس معنى قوله ( بلغوا النكاح) إلا بلغوا الحلم، والله أعلم. وكذلك في قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] المراد: العقد والجماع نفسه، بدليل حديث النبي صلى عليه الصلاة والسلام: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) والله أعلم. قال سبحانه: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3] والزاني لا يساوي المشرك أبداً، فالزاني مسلم ولا يكفر بهذا الزنا إنما يكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: وإن زنى وإن سرق.. ثلاثاً، وفي الثالثة قال: وإن رغم أنف أبي ذر ) -أي: وإن ألصق أنف أبي ذر- في التراب، أما المشرك فإن الله لا يغفر أن يشرك به، وتقدم شرح فقه هذا الحديث.قال تعالى: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] وقد تقدم أن الرجل إذا زنا بامرأة، فالتحرير في هذه المسألة يقتضي: أن له أن يتزوجها.
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ...)
قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4].
 حكم التعريض بالقذف
من عرض بالقذف كما تقدم بيانه مراراً الصحيح: أنه لا يحد؛ لأن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود -كأنه يعرض بنفي الولد عن نفسه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: وما الذي حذى به أن يكون أورقاً -أو كما قال- قال: لعله نزعه عرق، قال: ولعل ابنك هذا نزعه عرق). فأخذ بعض العلماء من هذا الحديث: أن التعريض بالقذف لا يعد قذفاً، ومنهم من قال: يعد قذفاً؛ لأن قوم مريم قالوا لمريم: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: أبوك ما كان رجل سوء وما كان أمك زانية، فعرضوا بأنها زنت، ولذلك حكى الله ذلك الافتراء في قوله: حكاية عنهم وقال في الآية الأخرى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء:156] قالوا: بالنظر في الآيتين معاً الآية الأولى: (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، والآية الثانية: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) نجد: أن قولهم (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) وصف بأنه بهتان عظيم، كذا قالوا وفي قولهم نظر، فإن الذين قالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) لا يستلزم أن يكونوا هم الذين قالوا على مريم بهتاناً عظيماً..وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النور [1-4] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net