إسلام ويب

تفسير سورة النساء [138-146]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الناس في بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم منقسمين الى قسمين: كفار أصليون، ومسلمون، ولم يعرف النفاق إلا في المدينة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، فظهر من هؤلاء من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ومن يرائي بصلاته وصيامه، وقد ذكرت هذه الآيات من سورة النساء أهم صفات المنافقين، والوعيد الذي ينتظرهم في يوم القيامة، إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:138-139].

    الأصل أن تستعمل البشارة في الخير

    قوله تعالى: (بشر): البشارة أكثر استعمالها في الخير، وإذا أطلق التبشير فهو محمول على التبشير بالخير، قال الله سبحانه وتعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64]، فالبشرى هنا أطلقت فهي محمولة على البشارة بالخير: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ فهي محمولة على البشارة بالخير، على اختلاف بين العلماء في معنى هذه البشارة:

    فمنهم من قال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المؤمن أو ترى له.

    ومنهم من يقول: هي الثناء الحسن يسمعه الشخص المؤمن من الناس يثنون عليه به إلى غير ذلك؛ لكن على كلٍّ هي في الخير.

    فالبشارة إذا أطلقت ولم تقيد فهي محمولة في الغالب على الخير، فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:17-18]، فهي بشارة أيضاً بالخير.

    تقييد البشارة بالخير وبالشر

    أما إذا قيدت البشارة فأحياناً تقيد بالخير وأحياناً تقيد بالشر، أما تقييدها بالخير فأكثر من أن يحصر، وأما تقييدها بالشر ففي هذه الآية الكريمة: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:138]، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وحيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار)، وهنا قيدت البشارة وأريد بها البشارة بالشر.

    أنواع النفاق

    بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:138]، والنفاق ينقسم إلى قسمين:

    نفاق عمل، ونفاق اعتقاد.

    فنفاق الاعتقاد: قال الله سبحانه وتعالى في أهله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145].

    ونفاق العمل: من صوره قول النبي صلى الله عليه وسلم: (علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدّث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان) أو قريباً من هذا اللفظ.

    فالشاهد: أن النفاق يكون على قسمين: نفاق عمل، ونفاق اعتقاد.

    نفاق الاعتقاد: أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام، وكانت هذه التسمية -تسيمة النفاق- على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أما بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق عليها الزندقة التي هي: إبطان الكفر وإظهار الإسلام.

    ونفاق العمل قد ذكرنا بعض صوره.

    موالاة الكفار وعلاقتها بالنفاق

    موالاة الكفار: هل هي من نفاق الاعتقاد، أم من نفاق العمل؟

    الله يقول في هذه الآية الكريمة: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:138]، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى خصالهم فقال: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:139] فهذا نفاق، لكن هل هو نفاق اعتقاد، أو نفاق عمل؟

    هذا مبني على القصد من وراء تلك الموالاة، فإذا كان الشخص يوالي الكافرين حباً لدينهم، وتفضيلاً لدينهم على دين الإسلام، فهو منافق نفاق اعتقاد قال الله سبحانه في أهله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]، أما إذا كان يوالي الكفار طلباً للدنيا وحباً لها، وطمعاً في مال أو في جاه أو في رئاسة، أو في أي غرض من أغراض الدنيا فهو نفاق عمل.

    وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بمكة خطاباً يخبرهم فيه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم يستعد لغزوهم، فلما أطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على الذي كان من حاطب بن أبي بلتعة قال عمر : (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حاطب! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! والله ما بي من كفر، ولا أعدل بالإسلام ديناً -أو كما قال- ولكني نظرت فإذا كل أصحابك يا رسول الله لهم بمكة من يدفع الله به عن أهلهم ومالهم، وكنت امرأً ملصقاً بالقرشيين، فأردت أن أتخذ عندهم يداً يدفع الله بها عن أهلي ومالي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صدقت، ولا تقولوا له إلا خيراً).

    وفي رواية أخرى: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم).

    فإن كانت الموالاة طلباً لجاه أو لدنيا، فلا تخرج صاحبها من عداد المسلمين إلى عداد الكفار، وإن كانت هي في نفسها نفاقاً وحراماً وكبيرة من الكبائر؛ لكن كونها تُكفّر صاحبها وتخرجه من عداد المسلمين إلى عداد الكفار فيه نظر.

    فالحاصل: أن العبرة بالقصد من وراء موالاة أهل النفاق، فإن كان الشخص يواليهم حباً لدينهم فهو مثلهم، وإن كان الشخص يواليهم لدنيا فهو آثم لكنه ليس بكافر، والله أعلم.

    قد يقول قائل: إن قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا يفيد: أنهم كفار؟

    فالإجابة على هذا الذي قد يرد: أنه إذا قلنا هنا إن المراد بالعذاب الأليم الخلود، فيراد بالمنافقين: منافقي الاعتقاد.

    أما إذا قلنا إن العذاب الأليم قد يلحق قوماً من أهل الإسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: يكثرن الشكاة ويكفرن العشير)، فكثرة الشكوى وكفران العشير أودى بالنساء إلى النيران، ومع ذلك لسن بكافرات، والمفلس كذلك يلقى في النار وليس بكافر، ثم بعد ذلك يخرج منها، بل وصاحب نبي الله صلى الله عليه وسلم وخادمه الذي كان يخدمه قتل ومات مع النبي في غزوة، فقال الصحابة: (هنيئاً له الجنة! قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشملة التي غلها يوم خيبر لم تصبها المغانم لتشتعل عليه ناراً).

    الشاهد: أن المنافقين هنا إذا قلنا إنهم منافقو الاعتقاد فلا إشكال (فلهم عذاب أليم) أي: عذاب الخلود، وإذا قلنا: إن النفاق نفاق عمل فكل عذاب النار مؤلم وموجع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى أهل النار منزلة: من له شراكان من نار يغلى منهما دماغه) أي: نعلان من نار يغلي منهما دماغه.

    العزة لا تطلب إلا من الله سبحانه

    قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ [النساء:139] الهمزة للاستفهام تحمل معنى التعجب والإنكار والتوبيخ ( أيبتغون عندهم العزة ) وهذا الحاصل: فإن كثيراً من الناس ومن الحكام يوالون أهل الكفر من اليهود والنصارى، ويتقربون إليهم طلباً للتعزز بهم وللتحصن بهم.

    قال الله تعالى: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] أي: من كان يطلب العزة فليطلبها من الله، وليطلبها بطاعة الله سبحانه وتعالى وامتثال أوامره، أما الكفار فليس عندهم إلا الذلة، قال سبحانه: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ [هود:113].

    فإذا ركنت إلى أهل الظلم والجور والكفر طلباً للعزة منهم فقد خاب ظنك وضل سعيك، فإن الله قال: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقال تعالى: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران:26]، وقال تعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18].

    فالآية محذرة لكل من سولت له نفسه أن يوالي الكفار ويطلب العزة من عندهم، فإنه إن فعل فقد عصى ربه، ومن عصى ربه استحق أن يذل، فتنعكس عليه الغاية وهو لا يشعر.

    أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] أي: إن كنت تريد العزة لنفسك فاعلم أن العزة لله جميعاً، وقد قال الله سبحانه في الحديث القدسي: (العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قذفته ناري) لكن إن كانت العزة بمعنى التقوي بالله، وكان طلبها طلباً للتعزز على أهل الكفر والتقوي عليهم؛ فهذا باب آخر يجوز للشخص أن يطلبه، فإن الله تعالى قال: تُُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران:26] وذكر أنه سبحانه يعز من يشاء.

    أما العزة التي بمعنى الاستعظام في النفس والتكبر والتجبر على عموم الخلق، فهي مذمومة ولا تكون إلا لله سبحانه وتعالى.

    فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] هي لله وهي من الله سبحانه وتعالى أيضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا...)

    قال سبحانه: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا [النساء:140].

    (نزل عليكم في الكتاب): فُسر ذلك بالذي ورد في سورة الأنعام، فسورة الأنعام وإن كانت في ترتيب المصحف بعد سورة النساء إلا أن سورة النساء نزلت بعد الأنعام، وسورة النساء وإن كانت الثالثة في المصحف إلا أنها نزلت بعد الأنعام التي وردت بعدها بسورة.

    فترتيب المصحف الذي هو بين أيدينا ليس ترتيباً زمنياً، فأول ما نزل سورة العلق، ولكن الفاتحة وضعت أول شيء وهي مكية، ثم ثنيت وأتبعت بالبقرة وهي مدنية، فترتيب المصحف على النحو الذي هو عليه الآن ليس ترتيباً زمنياً.

    فالشاهد أن الله قال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) وذلك في قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى [الأنعام:68] بعد أن تتذكر وبعد ما جاءك من هذه الموعظة مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].

    فهذا تأويل قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب) كما حرره كثير من أهل التفسير.

    التحذير من مجاورة ومجالسة أهل الظلم

    قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]:

    وهذا أصل في الكتاب العزيز وفي ديننا بصفة عامة، ألا وهو أن أهل الظلم ينبغي ألا يجاوروا ولا يساكنوا والأدلة على هذا متعددة، قال الله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)، وقد (أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج المخنثين من البيوت).

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر قاتل التسعة والتسعين نفساً، ثم أتمهم بشخص فكان المجموع مائة، فذكر أن العالم أفتاه أن يترك أرضه أرض السوء.

    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنفي البكر من الزناة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني! خذوا عني! قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) فالشاهد: أن السنة في الزناة الأبكار أن يغربوا وينفوا من البلاد سنة.

    وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، فإن عادت فليبعها وولو بضفير) أي: بضفير شعر، وذلك ليتخلص منها.

    فهذه النصوص كلها تضع لنا أصلاً؛ وهو البعد عن مجالسة أهل الظلم، والحرص على مجالسة أهل الصلاح، فإن أهل الصلاح لا يشقى بهم جليسهم، وأهل الفساد قال الله سبحانه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] أي: لا تنزل بالمصيبة على الظالمين فحسب بل تعم.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم، قالت عائشة : يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم يا رسول الله؟! قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ..) الحديث.

    فكل هذه النصوص تؤصل لنا أصلاً قوياً وهو: أن الشخص ينبغي أن يحترز أشد الاحتراز من مجالسة أهل الظلم والفسق ولا يجلس معهم إلا بقدر، ويؤيد هذا الباب أيضاً بقوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] ويتأيد هذا الأصل أيضاً بما ورد من أنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فقالت امرأة لناقتها: شأ لعنك الله -أي: امشي لعنك الله- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصحبنا ناقة ملعونة) ورد النبي صلى الله عليه وسلم الناقة، وأيضاً في هذا الباب من الطرف ما يكاد يكون خفياً كقول الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام موصياً ولده إسماعيل (غير عتبة بابك).

    فكل هذه النصوص تدل على أصل ثابت في شريعتنا، وهو أن الشخص لا ينبغي أن يوالي الكفار وأهل الظلم، فإنه يلحقه من موالاتهم ومجالستهم نار وعذاب، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113] إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك فهذه الضرورة تقدر بقدرها، وإذا انتهت فلا معنى للجلوس، قال الله جل ذكره: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]، وإذا لم تفعلوا وتتركوا المجلس: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140] عياذاً بالله.

    فالآية تصور الواقع الذي نعيشه: أقوام يلتمسون من الكفار العزة، ويطيرون إليهم، ويستبشرون بمقابلتهم، فرب العزة يقول: إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ...)

    قال تعالى:

    الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ [النساء:141] فأهل الكفر يتربصون بأهل الإيمان، وأهل النفاق يتربصون بأهل الإيمان، والتربص معناه هنا: انتظار الشر، أما التربص بمعنى الانتظار ففي قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] وهنا المراد بالتربص: انتظار الشر.

    قال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ [النساء:141] أي: ينتظرون نزول الشر وحلول البلايا والنقم بكم.

    الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [النساء:141] وهذا يشجع على القول بأن المراد بالتربص هنا أيضاً عام، (يتربصون) أي: ينتظرون مآل أمركم، (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وقضاء قضاه الله لكم كما في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:19].. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:89] أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق، وقوله تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ [سبأ:26] أي: يقضي بيننا بالحق.

    فالفتح هنا: إما أن يتنزل على معنى النصر، فيكون المعنى: (فإن كان لكم نصر من الله)، وإما أن يتنزل على معنى القضاء فيكون المعنى: (فإن كان لكم قضاء من الله بالنصر لكم قالوا ألم نكن معكم)، يأتي أهل النفاق مهرولين قائلين لكم إذا انتصرتم وإذا قضى الله لكم بالنصر: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) فنحن شهدنا بألسنتنا أن لا إله إلا الله معكم يا أهل الإيمان، وصلينا وصمنا معكم، وشهدنا جنائزكم، وعدنا مرضاكم، وخرجنا معكم.

    قال تعالى: وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تجدون من شر الناس ذا الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه) فهذا شأن المنافق: يذهب إلى أهل الإيمان بوجه، ويذهب إلى أهل الكفر بوجه.

    معنى السبيل في قوله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)

    فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء:141]: وسيخيب ظن أهل النفاق، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، قد يقول قائل: إن هناك الآن في الظاهر سبيلاً للكفار على المؤمنين، بل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الهزائم التي لحقت أهل الإيمان، وقد انتصر أهل الكفر على أهل الإيمان يوم أحد، ويوم حنين ولى المؤمنون الأدبار إلا القليل، وإنما كانت الغلبة لهم من بعد، فكيف يقال: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً؟ ولقائل أن يقول: إن الآية مقيدة بمعنى: إذا كان أهل الإيمان مستمسكين بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومهم، فلن يجعل الله للكافرين عليهم سبيلاً.

    وهنا يأتي القول بأن ما أصاب أصحاب النبي يوم أحد كان ببعض تفريطهم وكسبهم، قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران:166-167]، وقد قال تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152] وكان فريق قد خرج إنما يريد الدنيا فنزلت العقوبة لذلك.

    فإما أن يقال: إن السبيل المنفي عن عموم المؤمنين مقيد بما إذا استمسك عمومهم بكتاب الله وسنة رسول الله، فأما إذا تركوا ثغرة من جراء معصيتهم فإن أهل الكفر يدخلون من هذه الثغرة ومن هذه المعصية فيتسلطون عليهم بعض التسلط.

    أو يقال: إن السبيل المنح سبيل الحجة، فسبيل الحجة لا يقيمه كافر على مسلم مؤمن، فيكون السبيل المنفي هو: التسلط على قلوب أهل الإيمان لردها إلى الكفر، فقد قتل من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام قوم كثيرون، ومع ذلك لا يقال: إن الكفار وجدوا سبيلاً عليهم، فلما مات أهل الإيمان على إيمانهم لم يجد أهل الكفر لأنفسهم تسلطاً على قلوبهم ولا حجة لتشكيكهم فيه.

    وهناك جملة أوجه متعددة للإجابة على هذا السؤال مذكورة في مظانها وستأتي إن شاء الله قريباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ...) الآيات

    قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ [النساء:142] أي: يظنون أنهم يخادعون الله وأهل الإيمان، ولكن الله عز وجل خادعهم.

    وأصل المخدع: المكان الذي يختفى فيه أكثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في بيتها، وصلاتها في مخدعها خير من صلاتها في حجرتها) أي: كلما ضاق عليها المكان وابتعدت عن الأنظار كان أفضل.

    فالشاهد: أنهم يظنون أنهم يخفون أمرهم عن الله عز وجل.

    المراد بخدعة الله تعالى للمنافقين

    قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] خدعتهم لأولياء الله: أنهم يشهدون بألسنتهم أن لا إله إلا الله ويخفون الكفر في قلوبهم، فيظنون أنهم يخادعون أهل الإيمان، ويظنون أنهم يخادعون الله.

    وخدعة الله لهم كما ذكرها كثير من أهل التفسير: أن الخدعة هي التي ذكرت في سورة الحديد، قال الله سبحانه وتعالى فيها: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13] حيث يوزع النور على أهل الإيمان كل بحسبه، وعلى كل من شهد أن لا إله إلا الله على قول، فيمشي المؤمنون ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وأمامهم وخلفهم، فيأتي نور أهل النفاق فيُطفأ، ويقول أهل الإيمان: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] فيبقى نور أهل الإيمان، فيمشي أهل الإيمان وراء نورهم الذي يسعى من بين أيديهم ومن خلفهم.

    فأهل النفاق ينادون أهل الإيمان: يا أهل الإيمان! أمهلونا، وانظرونا نقتبس من نوركم، انظرونا أي: انتظرونا نمشي وراءكم نستضيء بنوركم في هذه الظلمات -يوم القيامة- قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13] وحتى تبرأ ساحة أهل الإيمان من الكذب لم يقل: قال أهل الإيمان ارجعوا وراءكم، بل قال: (قيل ارجعوا وراءكم) (قيل) والله أعلم من القائل!

    قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13] أي: ارجعوا إلى مكان النور الذي كان يقسم فيه فالتمسوا نوراً، فيهرول أهل النفاق إلى حيث كان النور يقسم، فلا يجدون نوراً، فيأتون كرة أخرى إلى أهل الإيمان كي يلحقوهم، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

    فهذه هي خدعة الله التي يخدعهم بها، فيضرب بينهم بسور له باب: بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد:13] أهل الإيمان بما هم فيه من نعيم وبما معهم من نور، وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] فينادونهم من خلف هذا السور أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14] كما في هذه الآية الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ [النساء:141]، وَارْتَبْتُمْ [الحديد:14] أي: شككتم في بعث الله وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد:14]الآيات..

    قال الله سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]فهذه هي الخدعة التي يُخدع بها أهل النفاق يوم القيامة كما أطلق ذلك كثير من أهل التفسير وتواردوا عليه.

    التكاسل في القيام إلى الصلاة من علامات النفاق

    وقوله تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] فيه رد قوي على المرجئة؛ لأن المرجئة يقولون: إن (لا إله إلا الله) تكفي بلا عمل، فهؤلاء أهل النفاق لم يكونوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فحسب، بل كانوا يصلون، لكنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.

    فإذا كان أهل النفاق يعذبون وهم يصلون فتارك الصلاة كذلك، قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، وقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:38-43] كل هذه النصوص تتنزل على تارك الصلاة.

    قال الله سبحانه: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]: من المقرر أن المسلم عليه أن يخالف أهل الشرك والنفاق في سمته وهديه ودله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على مخالفة أهل الشرك، وكان يجعل للإسلام سمتاً وهدياً ودلاً ومنطقاً خاصاً به، إذا كان ذلك كذلك فلا ينبغي لك إذا سمعت المؤذن أن تقوم كسلاً، فإن الكسل عند القيام للصلاة من صفات أهل النفاق.

    وفي صحيح مسلم أن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم -وفي رواية: في صلاة الفجر- إذا سمع المؤذن وثب إلى الصلاة) يقول الراوي: ولا والله ما قالت أم المؤمنين قام إلى الصلاة، ولكن قالت: (وثب إلى الصلاة)، فالقيام إلى الصلاة قيام الكسلان هو قيام المنافقين، ونحن مأمورون بترك التشبه بكل من هو بعيد عن طريق الله من الكفار واليهود والنصارى وأهل النفاق، بل منهيون عن التشبه بالأعراب كذلك.

    قلة ذكر الله من صفات المنافقين

    قال تعالى: يُرَاءُونَ النَّاسَ [النساء:142] بصلاتهم وقيامهم؛ أي: يظهرون للناس أنهم أهل صلاة وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142] فمن سمت المؤمن كثرة ذكره لله سبحانه وتعالى، لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل، أما أهل النفاق فلا يذكرون الله إلا قليلاً.

    وقد استدل الإمام علي رضي الله عنه على أن الخوارج ليسوا منافقين فيما روي عنه بإسناد يُنظر فيه أنه لما سئل عن الخوارج: (أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله صباح مساء، قيل: من هم إذن؟ قال: هم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدهم في نصله فلا يوجد فيه شيء، وفي نضيه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم).

    يعني: السهم السريع، أو الرصاصة على مثال أدق، فإنها إذا أطلقت تخرق الجسم أحياناً وتخرج من الناحية الأخرى، تنظر فيها من سرعتها هل أصابها دم! فتجد أن الدم لم يلتصق بها، تنظر هل أصابها فرث من جوف المضروب أو أي شيء! فلا تجد فيها أي أثر من سرعتها. فهؤلاء الخوارج يدخلون في الدين ويخرجون منه وهذه حالهم باستمرار، دخول وخروج! دخول وخروج! كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    التذبذب بين الإيمان والكفر نفاق

    قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:143] أي: بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وبين الإيمان والكفر.

    والذبذبة: هي الحركة اليسيرة عن اليمين والشمال، أو إلى فوق وإلى أسفل، أي: احتاروا في أمرهم، ماذا يصنعون؟ فهم يشهدون أن لا إله إلا الله عن كره خوفاً من السيف، وقلوبهم مع الكفار.

    مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] فواجب على المسلم أن يكون حازماً في أمره غير متردد وغير شاك في أموره، فإن التردد والتشكك من شأن أهل النفاق ومن شأن ضعفة الإيمان، ولكن كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] أي: المؤمنين، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] (اعقلها وتوكل) ولا تتردد ولا تتحير ولا تتذبذب، فأهل النفاق مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والمنافق متحير، لأن همته الدنيا يريد أن يحافظ عليها بأي حال وعلى أي وجه.

    قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ [النساء:143] أي: ومن يصرفه عن طريق وسبيل الحق، فالضلال: الذهاب والبعد عن القصد، يقال: ضل الشخص عن الطريق، إذا ذهب عنه وابتعد.

    (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) أي: من يصرفه الله عن طريق الهداية والحق، فلن تجد له سبيلاً طريقاً يصل به إلى الحق والهداية، هذا هو المعنى، أي: أن للحق طريقاً وسبيلاً، هذا الطريق هو طريق الحق، من أضله الله عنه فلن تجد له سبيلاً يدخل منه إلى هذا الطريق.

    وقد أفادت الآية رداً على القدرية الذين يقولون: بأن الإنسان مخير يفعل ما يريد، وما الرب عندهم إلا كالطبيب الناصح، قالوا: إن الإنسان يختار لنفسه ما يشاء من طريق الهداية أو طريق الغواية.

    أما أهل السنة فأثبتوا للعبد اختياراً، لكن هذا الاختيار خاضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلا يجري شيء في الكون عن غير رضا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يضل من يشاء، وهو الذي يهدي من يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ... )

    ثم جاء التحذير مرة ثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144] أي: يا من شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144].

    فيا عبد الله! لا تتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإنك إن فعلت جعلت لله منفذاً يدخل عليك منه لتعذيبك، وجعلت هناك تسلطاً يُتسلط به عليك لمخالفتك أمر الله عز وجل.

    وهذا واضح، قال الله سبحانه: (أَتُرِيدُونَ) أي: بمصادقتكم وموالاتكم للكفار (أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) يعني: طريقاً لتعذيبكم؛ لأنك إذا كنت مستقيماً على شرع الله وعلى أمره فلن يعذبك الله! فإذا كنت مطيعاً لله فلماذا تعذب؟!

    الله يقول: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147] أي: ماذا يستفيد الله من تعذيبكم؟ لكن إذا بدأت في المعصية فالمعصية سبب لنزول العذاب عليك.

    فالآية فيها أنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين جعلتم لله عليكم سلطاناً مبيناً.

    وإن أردت أن تفسرها أو تنزلها كما تنزل أمور الدنيا فإنك تقول: جعلت لشخص حجة عليك كي يعذبك، فمثلاً: إذا قال لك شخص: لا تفعل كذا، فإن فعلته فستضرب.

    فأنت لم تفعل لم يكن له سلطان عليك.. لماذا يضربك؟ لكن إن فعلت جعلت له عليك سبباً بسببه يتسلط عليك، ورب العزة له المثل الأعلى.

    وتكررت الآية علّ معتبراً يعتبر أو متعظاً يتعظ! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)

    قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] وهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين معتقدين سلامة منهجهم ودينهم.

    فأفادت الآية الكريمة أن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- دركات، وأن أهل النفاق في الدرك الأسفل من النار.

    وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] أي: لن تجد لهم من ينصرهم ويغيثهم وينقذهم منها.

    ومما يؤيد أن النار دركات قول الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] ويؤيده أيضاً قوله تعالى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115].

    ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى -أو أهون- أهل النار عذاباً.. الحديث) فمفهوم المخالفة يفيد أن هناك أنواعاً من العذاب، وقال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88] وهذا واضح جلي.

    وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] ينصرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بالله...)

    قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النساء:146] والآيات إذا ذكرت عملاً من الأعمال وأنه خطأ، فمن رحمة الله أنه يفتح باب التوبة للتائبين بعد هذا الخطأ، قال تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:39]، إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [الحجرات:4-5]، ثم يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات:5].

    فهنا فُتح باب التوبة لمن والى الكفار يوماً من دهره ويوماً من زمانه، ثم أراد أن يتوب، فقال سبحانه وتعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء:146] فالآية الكريمة أفادت أنه لا يقبل من كل تائب أن يقول: أستغفر الله؛ فحسب، أعني: كلمة (أستغفر الله)، أو: اللهم اعف عني وتب عليَّ، والإقلاع عن الذنب قد يكون كافياً في بعض الأحيان لكن في أحيان أخر لا بد من أشياء أخر مع الاستغفار.

    مثلاً: شخص عالم سئل سؤالاً وهو يعرف وجه الإجابة الصحيحة فيه، فقال إجابة غير التي يدين الله بها، فغلط عن عمد، وسار الناس على طريقه، فهذا لا يكفيه أن يقول: أستغفر الله، فإن الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:150-160] فعليه أن يبين للناس الشيء الذي غشهم فيه إن كان يستطيع، أما إذا لم يكن بوسعك فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    فموالاة الكفار تستلزم التوبة منها إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا [النساء:146] فإن كنت أفسدت شيئاً بموالاتك للكفار فعليك أن تصلحه.

    إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146] أي: وهذه من خصال المؤمنين وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] أي: لا تحزن يا من فاتك شيء من موالاة الكفار، فإنك قد دخلت في عداد المؤمنين، والله لن يضيع المؤمنين فسوف يؤتيك الله عز وجل أجراً عظيماً.

    فالآية الكريمة لما ختمت بقوله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] كانت بمثابة التسلية والتعزية لمن فقد شيئاً من جراء مناهضة الكفار وترك سبيلهم، فلما فقد الشخص شيئاً من متاع الحياة الدنيا عندما ترك موالاة الكفار، فرب العزة يبشره بأن عنده العوض، فكأنه يقول: يا من فعلت ذلك قد دخلت في عداد المؤمنين، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً، وهذا ونحوه من باب التسلية لمن ترك سبيل الكفر ودخل إلى سبيل الإيمان.

    والحمد لله رب العالمين.