اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [138-146] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [138-146] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
كان الناس في بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم منقسمين الى قسمين: كفار أصليون، ومسلمون، ولم يعرف النفاق إلا في المدينة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، فظهر من هؤلاء من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ومن يرائي بصلاته وصيامه، وقد ذكرت هذه الآيات من سورة النساء أهم صفات المنافقين، والوعيد الذي ينتظرهم في يوم القيامة، إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله سبحانه: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:138-139].
 العزة لا تطلب إلا من الله سبحانه
قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ [النساء:139] الهمزة للاستفهام تحمل معنى التعجب والإنكار والتوبيخ ( أيبتغون عندهم العزة ) وهذا الحاصل: فإن كثيراً من الناس ومن الحكام يوالون أهل الكفر من اليهود والنصارى، ويتقربون إليهم طلباً للتعزز بهم وللتحصن بهم. قال الله تعالى: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] أي: من كان يطلب العزة فليطلبها من الله، وليطلبها بطاعة الله سبحانه وتعالى وامتثال أوامره، أما الكفار فليس عندهم إلا الذلة، قال سبحانه: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ [هود:113]. فإذا ركنت إلى أهل الظلم والجور والكفر طلباً للعزة منهم فقد خاب ظنك وضل سعيك، فإن الله قال: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقال تعالى: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران:26]، وقال تعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18]. فالآية محذرة لكل من سولت له نفسه أن يوالي الكفار ويطلب العزة من عندهم، فإنه إن فعل فقد عصى ربه، ومن عصى ربه استحق أن يذل، فتنعكس عليه الغاية وهو لا يشعر.أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] أي: إن كنت تريد العزة لنفسك فاعلم أن العزة لله جميعاً، وقد قال الله سبحانه في الحديث القدسي: (العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قذفته ناري) لكن إن كانت العزة بمعنى التقوي بالله، وكان طلبها طلباً للتعزز على أهل الكفر والتقوي عليهم؛ فهذا باب آخر يجوز للشخص أن يطلبه، فإن الله تعالى قال: تُُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران:26] وذكر أنه سبحانه يعز من يشاء. أما العزة التي بمعنى الاستعظام في النفس والتكبر والتجبر على عموم الخلق، فهي مذمومة ولا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139] هي لله وهي من الله سبحانه وتعالى أيضاً.
تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا...)
قال سبحانه: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا [النساء:140]. (نزل عليكم في الكتاب): فُسر ذلك بالذي ورد في سورة الأنعام، فسورة الأنعام وإن كانت في ترتيب المصحف بعد سورة النساء إلا أن سورة النساء نزلت بعد الأنعام، وسورة النساء وإن كانت الثالثة في المصحف إلا أنها نزلت بعد الأنعام التي وردت بعدها بسورة. فترتيب المصحف الذي هو بين أيدينا ليس ترتيباً زمنياً، فأول ما نزل سورة العلق، ولكن الفاتحة وضعت أول شيء وهي مكية، ثم ثنيت وأتبعت بالبقرة وهي مدنية، فترتيب المصحف على النحو الذي هو عليه الآن ليس ترتيباً زمنياً. فالشاهد أن الله قال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) وذلك في قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى [الأنعام:68] بعد أن تتذكر وبعد ما جاءك من هذه الموعظة مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]. فهذا تأويل قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب) كما حرره كثير من أهل التفسير.
 التحذير من مجاورة ومجالسة أهل الظلم
قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]: وهذا أصل في الكتاب العزيز وفي ديننا بصفة عامة، ألا وهو أن أهل الظلم ينبغي ألا يجاوروا ولا يساكنوا والأدلة على هذا متعددة، قال الله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)، وقد (أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج المخنثين من البيوت). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر قاتل التسعة والتسعين نفساً، ثم أتمهم بشخص فكان المجموع مائة، فذكر أن العالم أفتاه أن يترك أرضه أرض السوء.وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنفي البكر من الزناة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني! خذوا عني! قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) فالشاهد: أن السنة في الزناة الأبكار أن يغربوا وينفوا من البلاد سنة. وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، فإن عادت فليبعها وولو بضفير) أي: بضفير شعر، وذلك ليتخلص منها. فهذه النصوص كلها تضع لنا أصلاً؛ وهو البعد عن مجالسة أهل الظلم، والحرص على مجالسة أهل الصلاح، فإن أهل الصلاح لا يشقى بهم جليسهم، وأهل الفساد قال الله سبحانه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] أي: لا تنزل بالمصيبة على الظالمين فحسب بل تعم. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم، قالت عائشة : يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم يا رسول الله؟! قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ..) الحديث. فكل هذه النصوص تؤصل لنا أصلاً قوياً وهو: أن الشخص ينبغي أن يحترز أشد الاحتراز من مجالسة أهل الظلم والفسق ولا يجلس معهم إلا بقدر، ويؤيد هذا الباب أيضاً بقوله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] ويتأيد هذا الأصل أيضاً بما ورد من أنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فقالت امرأة لناقتها: شأ لعنك الله -أي: امشي لعنك الله- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصحبنا ناقة ملعونة) ورد النبي صلى الله عليه وسلم الناقة، وأيضاً في هذا الباب من الطرف ما يكاد يكون خفياً كقول الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام موصياً ولده إسماعيل (غير عتبة بابك).فكل هذه النصوص تدل على أصل ثابت في شريعتنا، وهو أن الشخص لا ينبغي أن يوالي الكفار وأهل الظلم، فإنه يلحقه من موالاتهم ومجالستهم نار وعذاب، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113] إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك فهذه الضرورة تقدر بقدرها، وإذا انتهت فلا معنى للجلوس، قال الله جل ذكره: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]، وإذا لم تفعلوا وتتركوا المجلس: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140] عياذاً بالله. فالآية تصور الواقع الذي نعيشه: أقوام يلتمسون من الكفار العزة، ويطيرون إليهم، ويستبشرون بمقابلتهم، فرب العزة يقول: إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140].
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ...)
قال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ [النساء:141] فأهل الكفر يتربصون بأهل الإيمان، وأهل النفاق يتربصون بأهل الإيمان، والتربص معناه هنا: انتظار الشر، أما التربص بمعنى الانتظار ففي قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] وهنا المراد بالتربص: انتظار الشر. قال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ [النساء:141] أي: ينتظرون نزول الشر وحلول البلايا والنقم بكم.الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [النساء:141] وهذا يشجع على القول بأن المراد بالتربص هنا أيضاً عام، (يتربصون) أي: ينتظرون مآل أمركم، (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وقضاء قضاه الله لكم كما في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:19].. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:89] أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق، وقوله تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ [سبأ:26] أي: يقضي بيننا بالحق. فالفتح هنا: إما أن يتنزل على معنى النصر، فيكون المعنى: (فإن كان لكم نصر من الله)، وإما أن يتنزل على معنى القضاء فيكون المعنى: (فإن كان لكم قضاء من الله بالنصر لكم قالوا ألم نكن معكم)، يأتي أهل النفاق مهرولين قائلين لكم إذا انتصرتم وإذا قضى الله لكم بالنصر: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) فنحن شهدنا بألسنتنا أن لا إله إلا الله معكم يا أهل الإيمان، وصلينا وصمنا معكم، وشهدنا جنائزكم، وعدنا مرضاكم، وخرجنا معكم. قال تعالى: وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تجدون من شر الناس ذا الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه) فهذا شأن المنافق: يذهب إلى أهل الإيمان بوجه، ويذهب إلى أهل الكفر بوجه.
 معنى السبيل في قوله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء:141]: وسيخيب ظن أهل النفاق، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، قد يقول قائل: إن هناك الآن في الظاهر سبيلاً للكفار على المؤمنين، بل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الهزائم التي لحقت أهل الإيمان، وقد انتصر أهل الكفر على أهل الإيمان يوم أحد، ويوم حنين ولى المؤمنون الأدبار إلا القليل، وإنما كانت الغلبة لهم من بعد، فكيف يقال: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً؟ ولقائل أن يقول: إن الآية مقيدة بمعنى: إذا كان أهل الإيمان مستمسكين بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومهم، فلن يجعل الله للكافرين عليهم سبيلاً.وهنا يأتي القول بأن ما أصاب أصحاب النبي يوم أحد كان ببعض تفريطهم وكسبهم، قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران:166-167]، وقد قال تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152] وكان فريق قد خرج إنما يريد الدنيا فنزلت العقوبة لذلك. فإما أن يقال: إن السبيل المنفي عن عموم المؤمنين مقيد بما إذا استمسك عمومهم بكتاب الله وسنة رسول الله، فأما إذا تركوا ثغرة من جراء معصيتهم فإن أهل الكفر يدخلون من هذه الثغرة ومن هذه المعصية فيتسلطون عليهم بعض التسلط. أو يقال: إن السبيل المنح سبيل الحجة، فسبيل الحجة لا يقيمه كافر على مسلم مؤمن، فيكون السبيل المنفي هو: التسلط على قلوب أهل الإيمان لردها إلى الكفر، فقد قتل من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام قوم كثيرون، ومع ذلك لا يقال: إن الكفار وجدوا سبيلاً عليهم، فلما مات أهل الإيمان على إيمانهم لم يجد أهل الكفر لأنفسهم تسلطاً على قلوبهم ولا حجة لتشكيكهم فيه. وهناك جملة أوجه متعددة للإجابة على هذا السؤال مذكورة في مظانها وستأتي إن شاء الله قريباً.
تفسير قوله تعالى : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ...) الآيات
قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ [النساء:142] أي: يظنون أنهم يخادعون الله وأهل الإيمان، ولكن الله عز وجل خادعهم. وأصل المخدع: المكان الذي يختفى فيه أكثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في بيتها، وصلاتها في مخدعها خير من صلاتها في حجرتها) أي: كلما ضاق عليها المكان وابتعدت عن الأنظار كان أفضل.فالشاهد: أنهم يظنون أنهم يخفون أمرهم عن الله عز وجل.
 التذبذب بين الإيمان والكفر نفاق
قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:143] أي: بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وبين الإيمان والكفر. والذبذبة: هي الحركة اليسيرة عن اليمين والشمال، أو إلى فوق وإلى أسفل، أي: احتاروا في أمرهم، ماذا يصنعون؟ فهم يشهدون أن لا إله إلا الله عن كره خوفاً من السيف، وقلوبهم مع الكفار. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] فواجب على المسلم أن يكون حازماً في أمره غير متردد وغير شاك في أموره، فإن التردد والتشكك من شأن أهل النفاق ومن شأن ضعفة الإيمان، ولكن كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] أي: المؤمنين، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] (اعقلها وتوكل) ولا تتردد ولا تتحير ولا تتذبذب، فأهل النفاق مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والمنافق متحير، لأن همته الدنيا يريد أن يحافظ عليها بأي حال وعلى أي وجه. قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ [النساء:143] أي: ومن يصرفه عن طريق وسبيل الحق، فالضلال: الذهاب والبعد عن القصد، يقال: ضل الشخص عن الطريق، إذا ذهب عنه وابتعد. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) أي: من يصرفه الله عن طريق الهداية والحق، فلن تجد له سبيلاً طريقاً يصل به إلى الحق والهداية، هذا هو المعنى، أي: أن للحق طريقاً وسبيلاً، هذا الطريق هو طريق الحق، من أضله الله عنه فلن تجد له سبيلاً يدخل منه إلى هذا الطريق.وقد أفادت الآية رداً على القدرية الذين يقولون: بأن الإنسان مخير يفعل ما يريد، وما الرب عندهم إلا كالطبيب الناصح، قالوا: إن الإنسان يختار لنفسه ما يشاء من طريق الهداية أو طريق الغواية. أما أهل السنة فأثبتوا للعبد اختياراً، لكن هذا الاختيار خاضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلا يجري شيء في الكون عن غير رضا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يضل من يشاء، وهو الذي يهدي من يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143].
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ... )
ثم جاء التحذير مرة ثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144] أي: يا من شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144]. فيا عبد الله! لا تتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإنك إن فعلت جعلت لله منفذاً يدخل عليك منه لتعذيبك، وجعلت هناك تسلطاً يُتسلط به عليك لمخالفتك أمر الله عز وجل. وهذا واضح، قال الله سبحانه: (أَتُرِيدُونَ) أي: بمصادقتكم وموالاتكم للكفار (أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) يعني: طريقاً لتعذيبكم؛ لأنك إذا كنت مستقيماً على شرع الله وعلى أمره فلن يعذبك الله! فإذا كنت مطيعاً لله فلماذا تعذب؟!الله يقول: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147] أي: ماذا يستفيد الله من تعذيبكم؟ لكن إذا بدأت في المعصية فالمعصية سبب لنزول العذاب عليك. فالآية فيها أنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين جعلتم لله عليكم سلطاناً مبيناً. وإن أردت أن تفسرها أو تنزلها كما تنزل أمور الدنيا فإنك تقول: جعلت لشخص حجة عليك كي يعذبك، فمثلاً: إذا قال لك شخص: لا تفعل كذا، فإن فعلته فستضرب. فأنت لم تفعل لم يكن له سلطان عليك.. لماذا يضربك؟ لكن إن فعلت جعلت له عليك سبباً بسببه يتسلط عليك، ورب العزة له المثل الأعلى. وتكررت الآية علّ معتبراً يعتبر أو متعظاً يتعظ! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144].
 التذبذب بين الإيمان والكفر نفاق
قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:143] أي: بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وبين الإيمان والكفر. والذبذبة: هي الحركة اليسيرة عن اليمين والشمال، أو إلى فوق وإلى أسفل، أي: احتاروا في أمرهم، ماذا يصنعون؟ فهم يشهدون أن لا إله إلا الله عن كره خوفاً من السيف، وقلوبهم مع الكفار. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] فواجب على المسلم أن يكون حازماً في أمره غير متردد وغير شاك في أموره، فإن التردد والتشكك من شأن أهل النفاق ومن شأن ضعفة الإيمان، ولكن كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] أي: المؤمنين، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] (اعقلها وتوكل) ولا تتردد ولا تتحير ولا تتذبذب، فأهل النفاق مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والمنافق متحير، لأن همته الدنيا يريد أن يحافظ عليها بأي حال وعلى أي وجه. قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ [النساء:143] أي: ومن يصرفه عن طريق وسبيل الحق، فالضلال: الذهاب والبعد عن القصد، يقال: ضل الشخص عن الطريق، إذا ذهب عنه وابتعد. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) أي: من يصرفه الله عن طريق الهداية والحق، فلن تجد له سبيلاً طريقاً يصل به إلى الحق والهداية، هذا هو المعنى، أي: أن للحق طريقاً وسبيلاً، هذا الطريق هو طريق الحق، من أضله الله عنه فلن تجد له سبيلاً يدخل منه إلى هذا الطريق.وقد أفادت الآية رداً على القدرية الذين يقولون: بأن الإنسان مخير يفعل ما يريد، وما الرب عندهم إلا كالطبيب الناصح، قالوا: إن الإنسان يختار لنفسه ما يشاء من طريق الهداية أو طريق الغواية. أما أهل السنة فأثبتوا للعبد اختياراً، لكن هذا الاختيار خاضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلا يجري شيء في الكون عن غير رضا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يضل من يشاء، وهو الذي يهدي من يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143].
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)
قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] وهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين معتقدين سلامة منهجهم ودينهم.فأفادت الآية الكريمة أن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- دركات، وأن أهل النفاق في الدرك الأسفل من النار. وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] أي: لن تجد لهم من ينصرهم ويغيثهم وينقذهم منها. ومما يؤيد أن النار دركات قول الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] ويؤيده أيضاً قوله تعالى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115]. ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى -أو أهون- أهل النار عذاباً.. الحديث) فمفهوم المخالفة يفيد أن هناك أنواعاً من العذاب، وقال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88] وهذا واضح جلي. وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] ينصرهم.
 التذبذب بين الإيمان والكفر نفاق
قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:143] أي: بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وبين الإيمان والكفر. والذبذبة: هي الحركة اليسيرة عن اليمين والشمال، أو إلى فوق وإلى أسفل، أي: احتاروا في أمرهم، ماذا يصنعون؟ فهم يشهدون أن لا إله إلا الله عن كره خوفاً من السيف، وقلوبهم مع الكفار. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] فواجب على المسلم أن يكون حازماً في أمره غير متردد وغير شاك في أموره، فإن التردد والتشكك من شأن أهل النفاق ومن شأن ضعفة الإيمان، ولكن كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] أي: المؤمنين، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] (اعقلها وتوكل) ولا تتردد ولا تتحير ولا تتذبذب، فأهل النفاق مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والمنافق متحير، لأن همته الدنيا يريد أن يحافظ عليها بأي حال وعلى أي وجه. قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ [النساء:143] أي: ومن يصرفه عن طريق وسبيل الحق، فالضلال: الذهاب والبعد عن القصد، يقال: ضل الشخص عن الطريق، إذا ذهب عنه وابتعد. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) أي: من يصرفه الله عن طريق الهداية والحق، فلن تجد له سبيلاً طريقاً يصل به إلى الحق والهداية، هذا هو المعنى، أي: أن للحق طريقاً وسبيلاً، هذا الطريق هو طريق الحق، من أضله الله عنه فلن تجد له سبيلاً يدخل منه إلى هذا الطريق.وقد أفادت الآية رداً على القدرية الذين يقولون: بأن الإنسان مخير يفعل ما يريد، وما الرب عندهم إلا كالطبيب الناصح، قالوا: إن الإنسان يختار لنفسه ما يشاء من طريق الهداية أو طريق الغواية. أما أهل السنة فأثبتوا للعبد اختياراً، لكن هذا الاختيار خاضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلا يجري شيء في الكون عن غير رضا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يضل من يشاء، وهو الذي يهدي من يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143].
تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بالله...)
قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النساء:146] والآيات إذا ذكرت عملاً من الأعمال وأنه خطأ، فمن رحمة الله أنه يفتح باب التوبة للتائبين بعد هذا الخطأ، قال تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:39]، إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [الحجرات:4-5]، ثم يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات:5]. فهنا فُتح باب التوبة لمن والى الكفار يوماً من دهره ويوماً من زمانه، ثم أراد أن يتوب، فقال سبحانه وتعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء:146] فالآية الكريمة أفادت أنه لا يقبل من كل تائب أن يقول: أستغفر الله؛ فحسب، أعني: كلمة (أستغفر الله)، أو: اللهم اعف عني وتب عليَّ، والإقلاع عن الذنب قد يكون كافياً في بعض الأحيان لكن في أحيان أخر لا بد من أشياء أخر مع الاستغفار. مثلاً: شخص عالم سئل سؤالاً وهو يعرف وجه الإجابة الصحيحة فيه، فقال إجابة غير التي يدين الله بها، فغلط عن عمد، وسار الناس على طريقه، فهذا لا يكفيه أن يقول: أستغفر الله، فإن الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:150-160] فعليه أن يبين للناس الشيء الذي غشهم فيه إن كان يستطيع، أما إذا لم يكن بوسعك فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فموالاة الكفار تستلزم التوبة منها إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا [النساء:146] فإن كنت أفسدت شيئاً بموالاتك للكفار فعليك أن تصلحه. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146] أي: وهذه من خصال المؤمنين وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] أي: لا تحزن يا من فاتك شيء من موالاة الكفار، فإنك قد دخلت في عداد المؤمنين، والله لن يضيع المؤمنين فسوف يؤتيك الله عز وجل أجراً عظيماً.فالآية الكريمة لما ختمت بقوله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] كانت بمثابة التسلية والتعزية لمن فقد شيئاً من جراء مناهضة الكفار وترك سبيلهم، فلما فقد الشخص شيئاً من متاع الحياة الدنيا عندما ترك موالاة الكفار، فرب العزة يبشره بأن عنده العوض، فكأنه يقول: يا من فعلت ذلك قد دخلت في عداد المؤمنين، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً، وهذا ونحوه من باب التسلية لمن ترك سبيل الكفر ودخل إلى سبيل الإيمان.والحمد لله رب العالمين.
 التذبذب بين الإيمان والكفر نفاق
قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:143] أي: بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وبين الإيمان والكفر. والذبذبة: هي الحركة اليسيرة عن اليمين والشمال، أو إلى فوق وإلى أسفل، أي: احتاروا في أمرهم، ماذا يصنعون؟ فهم يشهدون أن لا إله إلا الله عن كره خوفاً من السيف، وقلوبهم مع الكفار. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] فواجب على المسلم أن يكون حازماً في أمره غير متردد وغير شاك في أموره، فإن التردد والتشكك من شأن أهل النفاق ومن شأن ضعفة الإيمان، ولكن كما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] أي: المؤمنين، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159] (اعقلها وتوكل) ولا تتردد ولا تتحير ولا تتذبذب، فأهل النفاق مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والمنافق متحير، لأن همته الدنيا يريد أن يحافظ عليها بأي حال وعلى أي وجه. قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ [النساء:143] أي: ومن يصرفه عن طريق وسبيل الحق، فالضلال: الذهاب والبعد عن القصد، يقال: ضل الشخص عن الطريق، إذا ذهب عنه وابتعد. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) أي: من يصرفه الله عن طريق الهداية والحق، فلن تجد له سبيلاً طريقاً يصل به إلى الحق والهداية، هذا هو المعنى، أي: أن للحق طريقاً وسبيلاً، هذا الطريق هو طريق الحق، من أضله الله عنه فلن تجد له سبيلاً يدخل منه إلى هذا الطريق.وقد أفادت الآية رداً على القدرية الذين يقولون: بأن الإنسان مخير يفعل ما يريد، وما الرب عندهم إلا كالطبيب الناصح، قالوا: إن الإنسان يختار لنفسه ما يشاء من طريق الهداية أو طريق الغواية. أما أهل السنة فأثبتوا للعبد اختياراً، لكن هذا الاختيار خاضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلا يجري شيء في الكون عن غير رضا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يضل من يشاء، وهو الذي يهدي من يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [138-146] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net