إسلام ويب

تفسير سورة النساء [66-73]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم..) الآية، إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يلتزم أمر الله، وأن لا يتكلف؛ لأن التكلف مذموم بالكتاب والسنة، وما وقع بنو إسرائيل فيما وقعوا فيه إلا بسبب تكلفهم وتنطعهم. والالتزام بأمر الله عز وجل سبب في تثبيت الله للعبد، وسبب في هدايته إلى الصراط المستقيم، وإذا ثبت على الحق وهدي إليه فإنه بذلك يصبح أهلاً لأن يكون رفيقاً للنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. وهذا كله من فضل الله على عباده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:66-68].

    قوله تعالى: ( ولو أنا كتبنا عليهم ) الضمير في قوله تعالى: ( عليهم ) يرجع إلى من؟

    قال فريق من المفسرين: إنه يرجع إلى أهل النفاق، والمعنى على هذا التأويل: ولو أنا كتبنا على أهل النفاق أن اقتلوا أنفسكم، كما كتبنا ذلك على طائفة من بني إسرائيل، أو اخرجوا من دياركم، كما كتبنا ذلك على المهاجرين الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، والذين هاجروا إلى الحبشة، (ما فعلوه) أي: ما فعلوا ذلك، أعني: قتل النفس، والمراد به: قتل بعضهم بعضاً كما فعل بنو إسرائيل مع بعضهم، وكذلك الخروج من الديار، لا يفعل ذلك المنافقون، فالمعنى: ولو أنا كتبنا على أهل النفاق أن اقتلوا أنفسكم، كما كتبناه على طائفة من بني إسرائيل، أو اخرجوا من دياركم، كما كتبنا ذلك على المهاجرين الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا في الآية إشارة إلى أن الشخص يقنع بالتكاليف التي كلفه الله تعالى بها، ولا يسأل الله المزيد من التكاليف، فلعله إن سأل مزيداً من التكاليف وكُلف ألا يقوم بتلك التكاليف، وفي هذا الصدد يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا وسلوا الله العافية) فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسألوا الآيات -أي: لا تسألوا المعجزات- فقد سألها قوم من قبلكم ثم كفروا بها) أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وفي هذا الباب أيضاً يقول الله تعالى ناقماً على قوم سؤالهم مزيداً من التكاليف: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246]، استطردوا فسألوا: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246] لما جاءهم طالوت ملكاً قالوا معترضين: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ [البقرة:247] ، فالشخص ينبغي له ألا يسأل مزيداً من التكاليف، فلعله إن كلف أن ينكص على عقبيه، وقد قال الله تعالى في شأن أقوام كهؤلاء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [النساء:77] ، وهم كانوا قد سألوا ربهم سبحانه وتعالى التكليف بالقتال، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) ، ولما سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج: (أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم) ، فهذا كله يفيد أنه ينبغي للشخص ألا يسأل ربه مزيداً من التكاليف، ومن ذلك: الإمارة، إذا سألها الشخص لم يعن عليها، وإذا أتيت إليه رغماً عنه أعانه الله تبارك وتعالى عليها، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لا نولي هذا الأمر أحداً سأله أو حرص عليه) ، فجدير بالشخص أن يقنع بما كلفه الله سبحانه وتعالى، ولا يسأل ربه مزيداً من التكاليف لعله ألا يقوم بتلك التكاليف التي أمره الله تبارك وتعالى بها.

    قوله: (ولو أنا كتبنا عليهم) قال كثير من المفسرين -كما سمعتم-: إن ( عليهم ) أي: على أهل النفاق.

    وقوله: ( أن اقتلوا أنفسكم ) أي: يقتل بعضكم بعضاً، فإن النفس تطلق ويراد بها الإخوان أو الأقارب أو الخلان كما قال تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ [الحجرات:11] ، وكما قال تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] ، وكما قال تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ [النور:12] أي: بإخوانهم، فكل هذا يفيد أن النفس قد تطلق على نفس الشخص أحياناً، وتطلق على إخوانه أحياناً أُخر، والآية هنا محتملة للوجهين من التفسير.

    وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ الضمير في ( فعلوه ) يرجع إلى القتل، ويرجع إلى الإخراج أيضاً، يرجع إليهما معاً، والضمير قد يثنى ويراد به المفرد ويراد به الجمع، وقد يفرد ويراد به المثنى ويراد به الجمع، وهذا وارد في مواطن متعددة من كتاب الله سبحانه، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34] ولم يقل: ولا ينفقونهما في سبيل الله، وقال تعالى في نحو هذا: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50]، وقال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، ومن العلماء من قال: ( وإنها ) ترجع إلى الاستعانة نفسها فخرج من الإشكال، ومن تثنية الضمير وإرادة الجمع قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] ولم يقل: يديهما، فجمع الأيدي، والسارق والسارق مثنى، والله سبحانه أعلم.

    فقوله تعالى: ( ما فعلوه ) أي: ما فعلوا الاثنين معاً: القتل والإخراج.

    قوله: ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) أي: قليل منهم من يمتثل الأمر في الظاهر، هذا إذا حملت الآية على أهل النفاق، فأهل النفاق إن نفذوه ينفذونه ظاهراً، أما باطناً فلا تطاوعهم قلوبهم على فعل أمر الله وفعل أمر رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    فالأكثرون لا يقومون بالتكاليف، ومن ثم قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، وقال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي يمر ومعه الرهط، والنبي يمر ومعه الرجل، والنبي يمر ومعه الرجلان أو الثلاثة، والنبي يمر وليس معه أحد)، وقال تعالى أيضاً مبيناً أن الكثرة غاوية: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20].

    قال سبحانه هنا: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ المراد بالوعظ هنا: الأمر، أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، الوعظ يطلق أحياناً على الزجر، ويطلق أحياناً على التذكرة، ويطلق أحياناً على الأمر، والمراد به هنا: الأمر، ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، أي: اقتصروا على فعل أمروا به لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أي: خيراً لهم من طلب تكاليف أخر لا يستطيعون القيام بها، فالقصد في العبادة والمداومة على القليل مطلب شرعي، سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن عمله فقالت: (كان أحب العمل إليه ما داوم عليه صاحبه)، أو كما قالت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وهذا عبد الله بن عمرو رضي الله عنه لما كانت له في شبابه همة عالية للعبادة، وحثه النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن كل شهر مرة فقال: (إني أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله! قال: فاقرأه في الشهر مرتين، قال: إني أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله، قال: فاقرأه في كل أسبوع مرة، قال: إني أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله! قال: فاقرأ في ثلاث ولا تزد على ذلك)، وفي آخر حياته كان يقول -لما كبر ولم يطق القيام والصيام-: ( يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ) فالمداومة على العبادة وإن كانت قليلة، أولى من الاندفاع إليها والإكثار منها ثم الفتور والخمول بعد ذلك، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل)، أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ففيه: أن طلب المزيد والنكوص على العقب قد يكون سبباً في الانهيار، أما فعل المأمور به، سواءً كان الأمر أمر إرشاد وندب، أو أمر إيجاب، فعل المأمور به على الوجهين، سواءً كان الأمر للندب أو الإيجاب فإنه سبب في التثبيت من الله سبحانه وتعالى: ( لكان خيراً وأشد تثبيتاً ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولهديناهم صراطاً مستقيماً...)

    وَإِذًا: إذا ثبتوا وعملوا المأمور به لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا . في قوله تعالى: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا الهداية هنا ترتبت على فعل المأمور به، إذا فعلوا المأمور به هديناهم صراطاً مستقيماً، فأفعالهم كانت سبباً لمزيد من الهداية لهم، وهي كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]، فالذي يلمس ويلتمس ويبتغي طريق الهداية، ويبحث عنها يزيده الله تبارك وتعالى هداية، والذي يسلك طريق الغواية كذلك، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً) الشاهد أن قوله تعالى: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا رتب على أعمال عملوها، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا .

    فالهداية أصلها من الله كما قال تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43] لكن هناك أسباب يسلكها العبد بها ينال هداية الله عز وجل له.

    وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا أي: طريقاً مُسْتَقِيمًا .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول...)

    وقوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] هذه المعية هل تقتضي التساوي في الأجر؟ لا تقتضي التساوي في الأجر، فإنه وإن كان معهم قد يكونون في درجة أعلى من درجته، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الأذان: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة).

    فالشاهد: أن النبي عليه الصلاة والسلام ينال منزلة الوسيلة وهي لا تنبغي لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن المعية في قوله تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لا تقتضي المماثلة في الأجر، إنما يكون معهم في مجالسهم يزورهم ويزورنه، يراهم ويرونه، يستضيفهم ويستضيفونه، إلى غير ذلك، لكن إذا أوى كل شخص منهم إلى رحله كانت درجته أرفع وأعلى ممن هو دونه في العمل، وقد رضي كل واحد منهم بالقسمة التي رزقه الله تبارك وتعالى إياها، وهذا كما نكون نحن في المسجد كلنا معاً، يقال: هذا كان معي أمس، وهذا معي اليوم، لكن إذا آوى أو ذهب كل منا إلى رحله، كانت لهذا منزلة وله سعادة في بيته، ولهذا منزلة دونها وله مشاكل وشقاوات في بيته، وإن كانت الجنة منزهة عن تلك الشقاوات، فهذا معنى المعية، والله تبارك وتعالى أعلم.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى أيضاً: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء) وكلهم في الجنة، ومع ذلك بينهم التفاضل هذا الوارد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    كيف تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] ما هي أسباب تلك المعية التي تجعل الشخص مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ومع المنعم عليهم؟

    من أسبابها طاعة الله ورسوله كما في الآية الكريمة: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69].

    ومن أسبابها: كثرة السجود: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً كئيباً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إنك تذهب في منزلة أعلى من منازلنا فلا نراك يا رسول الله! فأسألك مرافقتك في الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟ قال: بل هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فالإكثار من السجود يقرب الشخص من حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام في الجنة.

    بيان المنعم عليهم وترتيبهم في الأفضلية

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] من هم المنعم عليهم؟ فُسِّرُوا في الآية الكريمة: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] وهل الواو تقتضي الترتيب، فيقال: إن النبيين أعلى درجة من الصديقين، والصديقين أعلى درجة من الشهداء، والشهداء أعلى درجة من الصالحين، أو يقال: إن الواو لا تقتضي الترتيب؟ الواو أحياناً تقتضي الترتيب، وأحياناً لا تقتضي إلا مطلق التشريك، مثال الثاني قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، فمن المعلوم أن السلام يكون قبل الاستئناس؛ لأن الاستئناس يكون إذا دخلت البيت فتستأذن أن تستأنس كما قال عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل وقد أذن له: (أأستأنس يا رسول الله؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم) فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا المراد بالسلام هنا: سلام الاستئذان لقوله: عَلَى أَهْلِهَا، ومن المعلوم أن الاستئناس بعد السلام، فالواو لا تقتضي الترتيب، على ذلك وبعض إخواننا يستدلون بعموم الآيات أحياناً دون تدقيق في السنة، فيستدلون مثلاً بقوله تعالى: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:20-21] على تقديم الفاكهة في الأكل على اللحم، وقد يخدش في الاستدلال بهذه الآية على هذا المعنى، وإن كان بعض الأطباء يقرر أن أكل الفاكهة قبل اللحم أيسر على المعدة من أجل الهضم، وإذا كان ذلك فالعهدة عليهم في هذا، لكن من الناحية الشرعية سواءً قدمت هذا على ذاك، أو هذا على ذاك فالواو لا تقتضي الترتيب في كل الأحيان.

    وهنا يقال: هل النبيون أعلى درجات ثم الصديقون ثم الشهداء ثم أهل الصلاح؟

    قد يكون الأمر على ذلك في بعض الأحيان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد أحداً ورجف بهم جبل أحد، وكان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، والنبي هو محمد عليه الصلاة والسلام، والصديق أبو بكر، والشهيدان عمر وعثمان رضي الله عنهما، فلا شك أن النبي أعلى درجة ثم أبا بكر الصديق أعلى درجة من عمر ثم عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، فهنا الواو أفادت الترتيب، لكن في الآية قد يسلم هذا الاستدلال وقد لا يسلم؛ لأن الصديقية قد تلازم النبوة كما قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:41]، وقال الله سبحانه وتعالى في شأن إدريس كذلك: إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:56] وغيرهم من الأنبياء، فقد تلازم الصديقيةُ النبوةَ، وقد تختلف النبوة عن الصديقية، فتكون الصديقية أنزل درجة من النبوة، فيكون الصديق أقل درجة من النبي، فحال يتحد الصديق والنبي، فكل نبي صديق، وقد يفترق النبي في المعنى عن الصديق.

    معنى الصديقية وكيفية الاتصاف بها

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69]، الصديق أصله من كثرة الصدق في الحديث، ومن كثرة التصديق كذلك، لكن يحمل التصديق على معنى شرعي وهو: تصديق الله فيما أخبر به، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه تبارك وتعالى، فالصديقية مأخوذة من كثرة التصديق، ومأخوذة من كثرة الصدق كذلك، فـأبو بكر رضي الله عنه أُطلق عليه أنه صديق؛ لكثرة تصديقه بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر الذي ظاهره لا يقبله العقل، لكن مع ذلك كله كان أبو بكر يصدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما مأخذه من الصدق في الحديث فلما ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، فالصديقية تنال بالإكثار من تصديق الله ورسوله، وبالإكثار من الصدق في الحديث، حتى لو كانت لك إلى الكذب ضرورة وتركته كي تقترب من مرتبة الصديقين فهذا فعل حسن، حتى في أمور المزاح، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ويقول له الصحابة: (إنك تداعبنا يا رسول الله! قال: نعم ولكني لا أقول إلا حقاً -أو لا أقول إلا صدقاً-) فكان ينادي أنساً فيقول له: (ياذا الأذنين!)، وحقاً فـأنس له أذنان، فيكاد أنس يرتاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا ذا الأذنين )! لكنه حقيقة فليس فيه كذب من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أتته العجوز تقول: (يا رسول الله! سل الله أن يدخلني الجنة، فقال: إنه لن يدخل الجنة عجوز! فولت مدبرة حزينة، فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: إن الله يقول: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38])، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فالرجل ينال مرتبة الصديقية بالإكثار من الصدق في حديثه، وتحري الصدق في الحديث، وعدم الإكثار من التورية، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام خير من يقتدى بهم في هذا الباب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)، حتى خائنة العين والإشارة بها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).

    مكانة الشهيد

    قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ [النساء:69] الشهداء هم أدنى منزلة من الصديقين، فـعمر وعثمان شهيدان كما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك هما أدنى مرتبة من مرتبة الصديق، فالشهيد لا يفوق الأقران في كل حال، فقد يموت الرجل شهيداً لكن يسبقه غيره بأعمال أخرى عملها، فقد يأتي عمل يفضل الجهاد في سبيل الله عند بعض الأشخاص وفي بعض المواقف، فمثلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم لا يفطر) متفق عليه.

    فهذا فضل الساعي على الأرملة والمسكين واليتيم، فقد تكون هناك أعمال في بعض الأحيان في حق بعض الأشخاص تفوق الشهادة في سبيل الله، ألا ترون أن أويساً القرني رضي الله تعالى عنه ورحمه الله طلب منه أمير المؤمنين عمر أن يستغفر له، وذلك بسبب بره بأمه، فعلى الشخص أن يعمل العمل الذي يقربه من الله، ولا يرائي الناس، ولا يحرص على اختيار العمل الذي يرضي الناس، إنما يحرص على العمل الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وليس في هذا تقليل لمنزلة الشهداء، فالشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم.

    الصلاح أقل من مرتبة الشهادة غالباً

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69]، والصلاح على هذا الترتيب أقل من منزلة الشهادة، ولكن قد يفوقها أحياناً، قال سليمان صلى الله عليه وسلم: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19] مع أنه نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    تفسير قوله تعالى: (وحسن أولئك رفيقاً)

    فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري) والنحر معروف، والسحر هو الرئتان، أي: كان مسدلاً ظهره إلى هذا المكان من جسمها (ثم شخص ببصره إلى السماء صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم! الرفيق الأعلى، اللهم! الرفيق الأعلى، قالت عائشة : وكنت أذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان صحيحاً -أي: قبل أن يمرض- أنه قال: ما من نبي يمرض -أي: مرض الموت- إلا ويرى مقعده من الجنة ثم يخير، -أي: بين البقاء في الدنيا وبين الموت- فلما شخص النبي صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء وقال: اللهم! الرفيق الأعلى، علمت أنه لن يختارنا، ثم قبض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم).

    وفي قوله: وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا أن إطلاق الرفيق على الصاحب مستنده من كتاب الله، وبعض الشيوعيين يستعملونها، فيقولون للزميل: رفيق، وهي لغة لبعض البلاد كباكستان ونحوها، وهذا من المستساغ لغة الذي لا يلام فاعله، ولكن لكل بلد في هذا الشأن عادتها، وإذا اتجهنا إلى سمت رسول الله فهو الأولى والأليق، ففي باكستان مثلاً يقولون: يا رفيق، للزميل، وفي مصر يقولون: يا جدع، وفي السعودية يقولون: يا بويه، وفي اليمن: يا خبير، وفي أوصاف الإخوة يقولون: يا أخ فلان، لكن لو درجنا على ما درج عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أن الشخص يدعى باسمه أو بكنيته فهذا أكمل هدي وخير هدي، وهو هدي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فالاستحباب أن يدعى الشخص باسمه أو بكنيته، وما أخال أحداً يكره أن يدعى باسم ولده: يا أبا فلان، والمرأة تدعى باسم ولدها: يا أم فلان، والله تعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك الفضل من الله...)

    وقوله تعالى: ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ [النساء:70] الفضل والامتنان كله من الله، إذ هو الذي قد وفق للهداية عباده، وقد تقدم قولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

    ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:70] أي: عليم بمن يستحق أن يهتدي فيهديه الله سبحانه وتعالى، وبمن يستحق أن يضل فيضل، عياذاً بالله من الضلال!!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)

    ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71] وهذه الآية ترد على فرق تواكلت، فرق من الصوفية، وتبعهم على ذلك كثير من الجماعات المحدثة، الذين يخرجون ويتركون أهاليهم وأموالهم، ويهملون تربية أسرهم وتربية أبنائهم بزعم التوكل على الله! فالله يقول للذين آمنوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71]، والنبي عليه الصلاة والسلام (كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها)، يعني: إذا أراد أن يذهب مثلاً في غزوة إلى المشرق البعيد يقول: إني ذاهب إلى المشرق القريب، مثلاً: رجل يريد أن يذهب إلى القاهرة يقول: أنا ذاهب إلى المحلة وهو في طريقه للقاهرة سيمر بالمحلة، فإذا أراد غزوة ورى بغيرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أخذ الحذر أيضاً إرسال الجواسيس الذين يتجسسون على الكفار من قبل أئمة المسلمين، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير : أنا يا رسول الله! قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير : أنا يا رسول الله! قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير : أنا يا رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير بن العوام )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة) فجاء سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا -كما قال بعض أهل العلم- قبل نزول قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، وكانت هذه خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكن جاء الخلفاء من بعده واتخذوا الحجبة يحجبون عنهم أهل الظلم وأهل الإجرام وأهل الفساد، ويحفظون لهم أوقاتهم، فكان لأمير المؤمنين عمر حجبة، كما قال عيينة بن حصن لابن أخيه الحر بن قيس : استأذن لي على هذا الأمير كي أدخل عليه، كما في صحيح البخاري، فأخذ الحذر مطلوب أمر الله تبارك وتعالى به، وبعد ذلك الذي في علم الله سيتم، ويؤيد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اعقلها وتوكل)، فينبغي للمسلم أن يأخذ بالأسباب التي شرعها الله تبارك وتعالى، ويدع الأمور بعد ذلك إلى الله، ويعتقد أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله تبارك وتعالى له، لكن الأخذ بالأسباب أمر مشروع بل واجب أمر به الله، وفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفعله الخلفاء من بعده، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يرتب الجيوش ويرسل الجواسيس على أهل الكفر ليأتوه بالأخبار، ويذهب هو عليه الصلاة والسلام بنفسه يتحسس أهل الفساد وأهل الشر، كما في قصة ابن صياد الذي ذاع خبره في مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، واشتهر بين الناس أنه المسيح الدجال، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه وهو يتقي جذوع الشجر، حتى وصل إلى ابن صياد وهو نائم؛ حتى سمع النبي صلى الله عليه وسلم همهماته وهو نائم، فقالت أم ابن صياد: يا صافي ! هذا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو تركته بيِّن)، فأخذ منها بعض الفقهاء مشروعية التجسس على أهل الريب والفساد، كالمروجين مثلاً للمخدرات أو المروجين للأشرطة التي تبث الدعارة والفسق والفجور، فهؤلاء هم الذين ينبغي أن يتجسس عليهم؛ حتى يعلم حالهم وحتى يفشو أمرهم، لا على العابدين التائبين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

    وقوله تعالى: فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا [النساء:71] أي: انفروا فرادى أو انفروا مجتمعين، أو فرقة فرقة أو كلكم معاً، انفروا ثبات لمجابهة العدو أو انفروا جميعاً، وهذا يراه إمام المسلمين، إن شاء أن يرسل سراياه سرية سرية أرسل، وإن شاء أن يرسل عيوناً فرادى فرادى أرسل، وإن شاء أن يرسل الجمع كلهم لمجابهة أعداء الله فعل، فهذا الأمر إلى إمام المسلمين هو الذي يأمر بذلك. فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا [النساء:71].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن...)

    وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء:72] فريق منكم يتباطأ في نفسه، ويبطئ غيره معه، كما قال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47]، قد تَقْدُمُ على فعل خير من الخيرات، وتجد أخاً لك بجوارك ملتحياً يثبطك عن هذا الخير، ويخوفك عن فعله ويصدك عنه، فيكون وجوده أشد ضرراً من غيابه، وهذا الشأن كان في كثير من أهل النفاق على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، يخرجون في الصفوف مع النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيثبطون أهل الإيمان، ويخوفون أهل الإيمان ويقولون لهم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173]، فيثبت الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا بالقول الثابت، قال تعالى في هذا المعنى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18]، وقوله: (ولا يأتون البأس) أي: القتال، وهنا يقول سبحانه: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [النساء:72] جراح أو هزيمة أو شهادة في سبيل الله، فالموت مصيبة، قال تعالى: فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:106].

    قال تعالى: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [النساء:72] دليل على أن المنافق يعرف الله أيضاً، المنافق يعرف أن له رباً وخالقاً بدليل أنه يقول: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ، كذلك المشرك كما في قوله تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، وفي هذه الآية الأخيرة عبر بها يهودي عبد الله بن عباس يسأله فيقول له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن عباس ، قال: من أين؟ قال: من قريش، قال: أنت من القوم الذين قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً هلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليك! فقال له ابن عباس : وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين ما زالت أرجلهم مبللة بماء البحر، حتى إذا مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فرد عليه عبد الله بن عباس وكان سريع البديهة رضي الله تعالى عنهما بآية مشابهة تشبه مقالته التي قال.

    قال تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [النساء:72] أي: حاضراً، فالشهادة هنا بمعنى: الحضور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن أصابكم فضل من الله...)

    1.   

    الأسئلة

    .

    حكم من قال: علي الطلاق أو زوجتي محرمة إن فعلت كذا

    السؤال: قال لوالده: علي الطلاق ما أنت جالس في البيت وإن جلست تكون زوجتي محرمة؟

    الجواب: عليّ الطلاق -كاللفظ الدارج بين الناس الآن- لا يعد يميناً ولا يعد طلاقاً. أما قوله لزوجته: تكوني محرمة علي إذا حصل كذا وكذا فهذا تحريم معلق، إذا أجريناه مجرى الطلاق المعلق ففيه الخلاف هل يقع أو لا يقع؟ فإذا أخذنا بالاحتياط فيه فالقول أنه يكفر كفارة يمين لقول الله تبارك وتعالى: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2] فجعله يميناً، وهذا رأي كثير من أهل العلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام، كفارته كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

    ومن أهل العلم من قال: لا شيء عليه مطلقاً؛ لأن رب العزة سبحانه وتعالى قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2] لما أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يشرب عسلاً، فقال: (قد شربت عسلاً ولن أعود وقد حلفت)، فالاحتياط أن يكفر كفارة يمين.

    حكم حلق رأس المولود في اليوم السابع والتصدق بوزنه

    السؤال: ما هي الصفة لحلق شعر المولود؛ لأن البعض قال: لا بد أن يحلق بالشفرة، ويدهن الرأس بعد الحلق بالزعفران، فهل حق أن هذه السنة؟

    الجواب: حديث: (حلق رأس المولود في اليوم السابع والتصدق بوزنه ذهباً) ضعيف، لكن الحلق يكون من باب إماطة الأذى عنه يوم سابعه، فالحلق يدخل في إماطة الأذى يوم السابع، فيشرع أن يحلق يوم السابع، لكن التصدق بوزنه ذهباً أو فضة لا أعلم له أي مستند صحيح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم العقيقة عن المولود

    السؤال: هل يأثم الذي لا يستطيع أن يعق عن ولده؟

    الجواب: العقيقة ليست واجبة إنما هي سنة، وقد تقدم أن الدعوة إلى العقيقة لم يدرج عليها السلف، إنما هي من باب المباح.

    كيفية جعل الولد من العلماء المجاهدين

    السؤال: كيف أصنع بولدي الذي أحب أن يكون من العلماء المجاهدين؟

    الجواب: ادع الله له بالتوفيق، وخذ بيده إلى أهل العلم، وبين له أن الجهاد لا يشترط أن يكون جهاداً بالسيف في كل الأحوال، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن)، والله سبحانه يقول: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15]، فللجهاد بالمال أوقات، وللجهاد بالنفس أوقات، فالآن تضبط مسيرته إلى أن ييسر الله للمسلمين أحوالهم وأمورهم.

    عدم وجوب الحج لمن يريد بناء منزل بالمال الذي معه

    السؤال: أمتلك قطعة من الأرض أسعى في بناء منزل عليها لأولادي، فأنا أسكن في بيت غيري، فهل وجب علي الحج أم أقوم ببناء المنزل على قطعة الأرض، وكذلك تمتلك زوجتي قطعة من الأرض وبعض المال يساوي القيمة المطلوبة لأداء الحج؟

    الجواب: لا يجب الحج والحالة هذه، إذا كنت ستبني البيت فابنه، ولا يجب عليك الحج إلا إذا يسر الله لك بعد ذلك، والله تعالى أعلم.

    حد التشهد الأوسط ودليله

    السؤال: التشهد الأوسط للصلاة هل هو إلى النهاية أم ماذا؟

    الجواب: التشهد الأوسط للصلاة الصحيح الذي عليه أكثر العلماء: أنه إلى: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ وذلك لشيئين: أحدهما: أن في رواية أبي عوانة من حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه التشهد، وهو علم التابعين، فجاء إلى قوله: (أشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: إذا بلغت ذلك فقم)، وهل هي مدرجة من قول ابن مسعود على الحديث أو هي من كلام رسول الله؟ فأياً كان الأمر فـابن مسعود هو الراوي وهو أعلم به من غيره.

    ثانياً: إنه ورد أثر عن أبي بكر وعمر : أنهما كانا يجلسان في التشهد الأوسط كأنما يجلسان على الرضخ، وهي: الحجارة المحماة، فهذا يدل على سرعة جلوسهم في التشهد الأوسط.

    ثالثاً: لا يجب أصلاً الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى في التشهد الأخير؛ لعدم وجود الدليل على ذلك، دليل الموجبين هو قول القائل: (يا رسول الله! عَلِمْنَا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قل: اللهم صل على محمد.) وهذا الحديث ليس فيه دليل على الوجوب، إنما هو تعليم ندب وإرشاد، والله أعلم.

    سنة الظهر والعصر الرباعية تصح متصلة ومنفصلة

    السؤال: صلاة سنة الظهر والعصر هل هي ركعتان ركعتان؟

    الجواب: أما الظهر فلا أعلم فيها تفصيلاً هل هي ركعتان أو أكثر، وإنما ورد من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى -أو كان يصلي- قبل الظهر أربعاً) وهل مجتمعة أو متفرقة؟ ورد في الباب زيادة في حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهي: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، لكن زيادة (النهار) في الحديث زيادة شاذة، والصواب فيه: (صلاة الليل مثنى مثنى)، وقد حكم بشذوذ زيادة (النهار) عدد من علماء الحديث المتقدمين.

    فعلى هذا فالظاهر أن الأمر واسع، والله تعالى أعلم.

    أما سنة العصر فكذلك لا أعلم شيئاً إلا حديث: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) على نزاع في تصحيحه من أصله، منازع فيه هل هو ثابت أو غير ثابت؟ وإن ثبت لا يدل على المواظبة، وإنما يدل على الفضيلة فقط، لكن معنا عموم حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء).

    صحة صلاة من صلى خلف إمام نسي قنوت الفجر فسجد للسهو

    السؤال: صليت في مسجد قريب منا عدة مرات صلاة الفجر فوجدته لا بد أن يقنت، وفي يوم نسي القنوت فسجد للسهو، فهل الصلاة صحيحة؟

    الجواب: نعم الصلاة صحيحة.

    حديث: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم..)

    حكم إزالة المرأة للشعر النابت في الشارب أو اللحية

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تزيل شعر الشارب بدعوى أن منظره مقزز، بالرغم أنها لا ترى ذلك، فمثلها مثل باقي الفتيات وليس ملفتاً للنظر أو فيه تشبه بالرجال؟

    الجواب: المسألة لما ناقشها العلماء: ناقشوا حكم ما إذا نبت للمرأة شارب أو لحية، إذا نبت للمرأة شارب أو لحية ذهب كثير من أهل العلم إلى جواز إزالته، واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) قالوا: وهذه وإن لم يكن لها شيء من التشبه، لكنها تفعل ما يؤدي بها إلى أن تكون امرأة كسائر النساء، يعني: إذا فعلته تكون فعلت وسيلة توصلها إلى أصلها، أصل النساء أو أصل التأنيث، فهذا رأي كثير من العلماء: أنه يجوز لها أن تزيله كي تصل بحالها إلى حال النساء، وتبتعد عن التشبه بالرجال. ومن العلماء من منع مستدلاً بقوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119] فاستدل البعض بهذه الآية على المنع كـالطبري والنووي في قول له، ولكن هذا الاستدلال لم يره كثير من أهل العلم في محله؛ لأن المراد بتغيير خلق الله هنا: ما كان يفعله أهل الشرك من شق أذن البعير وتركه سائبة أو وصيلة أو حام للآلهة، وكذلك يلتحق به ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود : (لعن الله النامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، أما إزالة الشعر بهذه الصورة فليس فيه شيء, والله تعالى أعلم.

    حكم الخلوة بالمرأة المعقود بها وتزينها للعاقد

    السؤال: هل للعاقد حق أن تتزين له المرأة التي عقد بها ويخلو بها؟

    الجواب: نعم، تتزين له ويخلو بها ليلة الزفاف، فرب العزة فرق بين البناء وعدمه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49]، ففرق بين المساس وبين البناء، وقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، ففرق أيضاً بين الدخول وبين العقد، ثم المصالح المرسلة التي تنشأ من جراء التفريق بين العقد والبناء يبنى على ذلك كله، ودفعاً للمشاكل التي تحدث للمرأة، وهذا ليس على سبيل التحريم، الأمر ليس على سبيل التحريم إنما على سبيل دفع المفاسد، وعلى سبيل المصالح التي تتحقق من وراء التفريق بين العقد والبناء، وكذلك للمفاسد التي تقع من كثرة حمل المعقود عليهن. واليوم -والله- قبل ما آتي بنصف ساعة تقريباً واحد اتصل عليّ ويقول: إنه عاقد على زوجته وجامعها، وأهلها لا يعرفون، ويقول: ماذا أصنع؟ هل أذهب للأطباء؟ أهلها يرفضون أن أدخل بها الآن، فلهذه المشاكل نقول: هناك فرق بين البناء والعقد كما كان على عهد الرسول، لكن إن شئت أن تعقد وتبني في الحال فنعم، أما أن تعقد وكل يوم تذهب في غياب والدها وتعبث بها وقد يصل إلى الجماع فلا، وإذا طلقتها ترد مشاكل شرعية: هل لها الصداق أو نصف الصداق؟ نحن لا نقول: إن الأمر على سبيل التحريم، ولكن على سبيل الاقتداء بسلفنا من أصحاب رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام.

    إلى هنا، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.