إسلام ويب

تفسير سورة النساء [43-47]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله المصلي بالطهارة من الحدث الأصغر والأكبر بالماء، فإن لم يجده فبالصعيد الطيب، وهذا من يسر الشريعة وسماحتها، وللعلماء خلاف في بعض التفصيلات لهذه الأحكام. وقد حذرنا الله من أعدائنا، وأخبرنا بأنهم يحبون أن يضلونا، وبين لنا كثيراً من صفاتهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.

    1.   

    مراحل تحريم الخمر

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فيقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43].

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:43] تقدم تفسيره بما حاصله: أن (يا) حرف نداء، و(أي) منادى، والهاء للتنبيه.

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أيضاً تقدم تفسيرها.

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا [النساء:43] كقوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، نهي أبلغ من قوله: لا تزنوا، فهي مبالغة في النهي.

    لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] ، هذه الآية جاءت بعدها آيات، تحريم الخمر وكان على مراحل:

    كان أولاً مباحاً كما قال تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل:67] ، وجاء بعد ذلك قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43]، ثم قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

    فجاء في شأن الخمر أربع آيات: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل:67] في معرض الإباحة، لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] في معرض المنع الجزئي، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] إرهاص بين يدي تحريم الخمر، والإرهاصات بمعنى: المقدمات إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] تحريم قطعي.

    فجاء تحريم الخمر على أربع مراحل، وهذا التدريج في التشريع كان يتم في أمور:

    فهو من ناحية التخفيف ثم التشديد شيئاً فشيئاً أو العكس: الأخذ بالشدة ثم التسهيل شيئاً فشيئاً، فالتسهيل ثم التشديد شيئاً فشيئاً، والمنع والتحريم شيئاً فشيئاً مثل تحريم الخمر، ومثل الأوامر الواردة في الجهاد، أول الأمر أمر بكف الأيدي: قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:77] فإذا ضربت فلا تنتصر، ثم بعد ذلك جاء الإذن في الانتصار من الظالم: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39]، وبعد ذلك جاءت آية السيف: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5].

    ومثال العكس: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2] أمر بإقامة الليل إلا القليل، ثم بعد ذلك جاء التخفيف: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ ... [المزمل:20] إلى قوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20].

    ونحوه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65] ، كان لزاماً على الشخص أن يصابر -أي: يجاهد- عشرة من الكفار، ثم جاء التخفيف: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:66] ، فأصبح الواحد ينازل اثنين فقط، وهكذا على حسب أحوال المسلمين وقدرات المسلمين وطاقاتهم يأتي الشرع الحنيف السهل.

    1.   

    خلاف المفسرين في المراد بالصلاة في هذه الآية

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43] ، ما المراد بالصلاة؟

    قال بعض أهل العلم: المراد بالصلاة مواطن الصلاة، وهذا كما قال الشاعر:

    وسبّحت المدينة لا تلمها رأت قمراً بسوقهم نهاراً

    سبحت المدينة أي: سبّح أهل المدينة.

    ونحوه من التنزيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82] أي: اسأل أهل القرية، فعلى هذا قال بعض أهل العلم: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43] أي: مواطن الصلاة، وهي: المساجد.

    وإن قال قائل: هل لذلك شاهد في التنزيل؟

    قيل: إن شاهده قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [الحج:40] الشاهد: (وصلوات) المعنى: لهدمت صلوات. أي: مواطن الصلوات، وقد نحا بعض المفسرين منحىً آخر فقالوا: المراد (بهدمت صلوات): الصلوات نفسها، وهدمها عدم إقامتها، فقالوا: لأنا إذا قلنا: هدمت صلوات وهدمت مساجد؛ لكان تكراراً؛ لأن الآية فيها: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ [الحج:40] فلا يقال: (لهدمت مساجد ومساجد) لأنه سيكون تكراراً لا معنى له.

    فالشاهد: أن من أهل العلم من قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43] أي: لا تقربوا مواطن الصلاة.

    وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43] ولماذا هذه الإطالة حول هذه الجزئية؟ لأن ثم حكم فقهي يترتب على تأويل قوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43].

    هل المراد الصلاة نفسها أو المراد المساجد؟

    وذلك لأن الله قال: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] على التأويل الأول: لا أقرب الصلاة وأنا جنب، لكن إذا قلت: لا تقربوا الصلاة. أي: لا تقربوا المساجد، إذاً لا يقربها الجنب بلفظ هذه الآية: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، هنا خلاف فقهي في مسألة دخول الجنب المسجد على التأويل الثاني يستدل على المنع بهذه الآية، ويقال: إن الجنب لا يقرب المسجد؛ لأن الله قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا [النساء:43] أي: لا تقربوها أيضاً وأنتم على جنابة، هذا إذا قلنا: المراد بالصلاة مواطن الصلاة، فيمنع الجنب من دخول المسجد لهذه الآية الكريمة، لكن لو قلنا: المراد بالصلاة على حقيقتها، فلا يستدل بالآية على منع الجنب من دخول المسجد، إلا أن الإمام أحمد روى بإسناده إلى عطاء أنه قال: (رأيت بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمكثون في المسجد وهم جنب إذا توضئوا).

    وكذلك أهل الصفة كانوا يبيتون في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يؤمن أن يجنب أحدهم، ومع ذلك يستمر النائم على جنابته.

    لكن القول بالمنع أحوط، والنائم لا حرج عليه فإنه إذا استيقظ ورأى نفسه على جنابة، خرج واغتسل.

    هذا على تأويل: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43] أي: مواطن الصلاة.

    1.   

    حكم دخول الحائض إلى المسجد

    مسألة أخرى: دخول الحائض المسجد، هل يستدل بالآية نفسها على منع دخول الحائض المسجد؟ قد يقول قائل: إن الجنب كالحائض فكما أنكم منعتم الجنب فامنعوا الحائض من دخول المسجد لهذه الآية، وهذا الرأي فيه نظر من وجوه:

    أولها: الآية فيها نزاع: هل المراد بالصلاة: مواطنها أو هي نفسها؟

    ثانياً: في قياس الحائض على الجنب نزاع، لأن الجنب أمره بيده، من الممكن أن يذهب ويزيل هذه الجنابة بالاغتسال أو بالتيمم، أما الحائض فليست كذلك، بل لا بد أن تنتهي حيضتها.

    فإن قال قائل: ما العلة من منع الجنب من الاقتراب من المسجد؟ فنقول: حتى يبادر إلى الاغتسال والطهارة، وهذه العلة لا تتوافر في مسألة الحائض؛ لأن الحائض تسرع أو لا تسرع فليس لها من أمرها شيء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (إن حيضتك ليست في يدك).

    ومسألة دخول الحائض المسجد فيها رأيان للعلماء:

    فالجمهور رأوا أن الحائض لا تدخل المسجد، ومن أهل العلم من رأى أن الحائض تدخل المسجد، فلما دب النزاع لزم البحث عن الدليل، فلما جئنا إلى الأدلة وجدناها ليست صريحة في الباب، فبقينا على البراءة الأصلية، وها هي أدلة القولين:

    أما القائلون بأن الحائض تمنع من دخول المسجد فمن أدلتهم ما يلي:

    أولاً: القياس على الجنب، وتأويل الصلاة بمواطن الصلاة في الآية.

    ثانياً: قول أم عطية كما في الصحيحين: (أمرنا أن نخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور لصلاة العيد، فقلن: يا رسول الله! والحيض؟ قال: يعتزل الحيض المصلى) فقوله صلى الله عليه وسلم: (يعتزل الحيض المصلى) استدل به على أن الحائض لا تقرب المسجد، واعترض على هذا بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العيد في الفضاء وليس في المسجد، فأريد بالمصلى الصلاة؛ لأنه لا يحرم على الحائض أرض الفضاء.

    ثالثاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (ناوليني الخمرة -الخمرة: شيء يصلى عليه كالسجادة في زماننا- قالت: إني حائض يا رسول الله! قال: إن حيضتك ليست في يدك) قالوا: هي ستمد يدها، والحيضة إنما هي في الفرج وليست في اليد، فهذا فيه منع للحائض من دخول المسجد.

    والمعترضون استدلوا بالدليل نفسه على الجواز، فقالوا: إن معنى قوله: (إن حيضتك ليست في يدك) أي: إنما هي بيد الله فادخلي.

    رابعاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة لما حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، قالوا: إن قوله: (ألّا تطوفي بالبيت) يعني: لا تقربي المسجد بصفة عامة، وقال الآخرون: بل المعنى: ادخلي ولكن لا تطوفي؛ لأن الطواف كالصلاة.

    هذه أوجه الاستدلال للعلماء في هذا الباب، وثم أوجه أخرى متكلم فيها.

    فالمسألة مسألة نزاع بين أهل العلم، فإن قال قائل: ليس معي دليل صريح صحيح في المنع، فله وجه قوي، والبراءة الأصلية تؤيده، أي: أن الأصل عدم المنع، والذي يمنع عليه أن يأتي بالدليل الصحيح الصريح، فإذا لم يوجد دليل صحيح صريح بقينا على البراءة الأصلية؛ ما دام تلويث المسجد قد أمن، فالمرأة تتحفظ ولا تجعل شيئاً منها يلوث المسجد، والله أعلم.

    قال الله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] (إلا) بمعنى: (لكن) مثل قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى [الدخان:56] أي: لكن الموتة التي قد ماتوها، فـ(إلا) تأتي بمعنى (لكن): وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] أي: للمرور فقط، حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43].

    السؤال: المؤمن يكون جنباً، وليس في المسجد شخص آخر ويريد المؤمن أن يؤذن؟

    الجواب: سئل عطاء أو غيره من التابعين عن ذلك، فقال: الوضوء حق وسنة، لكن هل هو واجب؟ ويمتنع المؤذن بسببه؟

    لا يمتنع بسببه، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) ، لكن يكره له ذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري من حديث أبي جهيم الأنصاري : (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) لكن لو دخل المؤذن المسجد وهو جنب، وليس في المسجد من يؤذن، فيجوز له أن يؤذن.

    1.   

    صفة الغسل من الجنابة

    قال الله: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43] أي: حتى تغتسلوا من الجنابة.

    وصفة الغسل من الجنابة مختصراً: لا يضع المغتسل يده في الإناء مباشرة، بل يغسلها ثلاثاً قبل أن يغمسها في الإناء، ثم يأخذ ماءً فيغسل ذكره غسلاً جيداً، ثم يدلك يده في الأرض دلكاً شديداً أو ما يقوم مقام الأرض كالصابون ونحو ذلك، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ويؤخر رجليه إلى آخر الغسل، ثم يأخذ ثلاث حفنات من الماء فيخلل بها رأسه، ثم يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يغسل سائر الجسد، ثم يتنحى ويغسل رجليه.

    هذه الصفة مجموعة من جملة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما.

    من لم يفعل ذلك، ودخل مباشرة تحت (الدش) واغتسل أجزأه هذا الغسل وصح غسله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال للأعرابي: (خذ هذا الدلو فأفرغه على نفسك) وكان رجلاً قد أجنب، ولم يأمره بالوضوء، فاستدل فريق من أهل العلم بهذا الحديث على أن الوضوء بين يدي الغسل ليس بواجب.

    وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] هنا تقدير ولا بد منه؛ لأنك إذا أخذت الآية على ظاهرها: (إن كنتم مرضى فتيمموا)؛ لكان كل مريض يتيمم، لكن التقدير: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى [النساء:43] فحال المرض بينكم وبين استعمال الماء، فحينئذٍ تيمموا، أما إن كنت مريضاً مرضاً لا يؤثر الماء فيه، فحينئذٍ يجب عليك أن تتوضأ.

    والتقديرات مستساغة في كتاب الله إذا كان المعنى يتطلبها، وقد تقدم أمثلة لذلك: كقوله تعالى في سورة البقرة: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة:196] فالآية معناها: من كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه فارتكب محظوراً ففدية، أما إذا كان المحرم مريضاً ولم يرتكب محظوراً فلا نقول له: عليك فدية إذا كنت مريضاً وإن لم ترتكب محظوراً!

    فالتقدير إذاً: وإن كنتم مرضى فحال المرض بينكم وبين استعمال الماء فتيمموا.

    أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:43] فحال السفر بينكم وبين استعمال الماء فتيمموا، خشيتم الضرر من استعمال الماء الذي معكم فتيمموا، فليس كل مسافر يتيمم، فالمسافر الذي أمامه ماء لا يقال له: تيمم! أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] كذلك.

    1.   

    خلاف المفسرين في معنى: (أو لامستم النساء)

    قال الله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] (لامستم النساء): فيها نزاع بين أهل العلم، فيرى فريق منهم أن الملامسة عامة، فرأوا أن كل من صافح امرأة أو قبّلها يجب عليه الوضوء، وأبى ذلك فريق كبير من أهل العلم ورفضوا هذا القول، ومن الذين رفضوه: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقال: المراد بملامستهن الجماع، لكن الله حيي، يكني عن الجماع بما يشاء، مثل: الإفضاء، النكاح، الملامسة، المس، كل هذه من معاني الجماع، ولكن رب العزة يكني بما يشاء.

    ويؤيد هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ساجداً فجاءت عائشة فمست بيدها رجليه وهما منصوبتان، وهو يقول: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، وكان عليه الصلاة والسلام: (إذا سجد غمزها) وقد يقول قائل: غمزها من فوق الثوب ولم يمسها، نقول: الغرفة كانت مظلمة، فغمزها قد يكون من فوق الثوب وقد يكون مباشرة، فبهذا الدليل وبذاك الدليل استدل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وإنما المراد باللمس في الآية: الجماع.

    ويؤيد هذا أيضاً: أنه لم يرد في حديث واحد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام -مع كثرة النسوة على عهده، وكثرة الرجال على عهده- أنه أمر رجلاً أن يتوضأ من تقبيله لامرأته أو من مصافحته لها، والبراءة الأصلية تؤيد الرأي القائل: بأن ملامسة المرأة لا تنقض الوضوء إلا إذا كان جماعاً، والله تعالى أعلم.

    1.   

    المراد بالصعيد

    قال الله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا [النساء:43] ما المراد بالصعيد؟ في الآية ثلاثة أقوال:

    القول الأول: المراد بالصعيد: كل ما على وجه الأرض: أحجار، رمال، مباني، وأصل الصعيد المكان المرتفع.

    القول الثاني: أنه التراب ومشتقاته، مثل: الرمل، والنورة، والجص وغيرها، وكل هذه من جنس التراب، لكن ليست نفس التراب، ولكن من ناحية المادة نفسها.

    القول الثالث: أنه التراب فقط.

    والقول الأخير قوي لزيادة في حديث: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فالزيادة في هذا الحديث من النماذج التي استدل بها العلماء على زيادات الثقة، وهي: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً) زيادة: (تربتها) استدل بها على أن المراد بالصعيد هو: التراب.

    1.   

    صلاة فاقد الطهورين

    إذا لم يجد الشخص لا الماء ولا الصعيد الطيب، وهذا هو فاقد الطهورين، فليصل بدون تيمم وبدون وضوء، وهذا يؤيده العمومات الشرعية: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .. وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] إلى غير ذلك من الأدلة التي رفع الله بها الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    واستدل بعض العلماء على جواز صلاة فاقد الطهورين بأن الصحابة لما حبسوا على غير ماء في بعض أسفارهم ولم تكن آية التيمم نزلت صلوا بغير وضوء، ولم يكن معهم دليل على أنهم يتيمموا، فصلوا بغير وضوء وبغير تيمم، فإذا نزلت آية التيمم ولم يكن عندك تراب، فالحكم كأن آية التيمم لم تنزل، وبهذا الدليل استدلوا على صحة صلاة فاقد الطهورين، واستدلوا أيضاً بأن الله رفع الحرج عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأدلة رفع الحرج أدلة ذات أهمية قصوى؛ لأنها تستعمل في مسائل كثيرة جداً، فمثلاً: استدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على مسألة طواف المرأة الحائض التي تخشى فوات الرفقة في الحج، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة : (افعلي ما يفعل الحاج غير الأ تطوفي بالبيت) يعني: افعلي كل شيء إلا الطواف، لكن لو أن امرأة حاضت، والصحبة التي معها ستفارقها، ولا تستطيع بحال من الأحوال أن تنتظر، ماذا تصنع؟

    قيل: ترجع إلى بلدها، ثم تذهب مرة أخرى لتطوف!! لكن إذا كان بلدها لا يسمح لها بالذهاب مرة ثانية، والدولة السعودية لا تسمح لها بالمجيء مرة ثانية، ثم قد تأتي المرة الثانية وتحيض أيضاً، فماذا تصنع مثل هذه؟

    فـشيخ الإسلام رحمه الله كثرت هذه المسألة في عهده، فكان أناس يأتون من المغرب أو من المشرق فتقع لنسائهم هذه النازلة، فأفتى رحمه الله بجواز طواف الحائض في هذه الحالة، واستدل بأدلة رفع الحرج.

    مسألة أخرى: رجل كان جنباً فتيمم وصلى ثم وجد الماء: فهل يلزمه الإعادة؟ لا يلزمه، وعمار بن ياسر تمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة وصلى، ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله، فعلمه كيفية التيمم الصحيحة ولم يأمره بإعادة الصلاة.

    مسألة أخرى: أن الله لم يرشد إلى التيمم إلا إذا فقد الماء فقال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]، فإذا صليت الفرض بالتيمم وكنت جنباً، ثم وجدت الماء لزمك أن تغتسل، ولكن لا تعيد الصلاة.

    1.   

    شراء أهل الكتاب للضلالة وتمنيهم إضلال المسلمين

    قال الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [النساء:44].

    المراد بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب قيل: إنهم -بالدرجة الأولى- اليهود، ثم النصارى، اليهود كانوا مكدسين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى لم يكن منهم في المدينة إلا عدد قليل.

    فقوله: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ [النساء:44] أي: بالهدى، وشراء الضلالة بالهدى له صور متعددة.

    منها: كتمان الحق مقابل المال.

    ومنها: كتمان الحق لرياسة ووجاهة.

    ومنها: كتمان الحق لحسد.. إلى غير ذلك.

    والضلالة هي: الكفر والغواية.

    وقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [النساء:44] هذه الآية تفيد أن اليهود يريدون لأهل الإسلام أن يضلوا السبيل، وأن يكفروا صراحة، فإن قال قائل: ليس لليهود والأمريكان هم يوى المال، وكل الكفرة ليس لهم هم إلا الثروات فهذا قول كذب، من قال به فهو مخطئ؛ لأن الله صرح: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، وكذا الزانية تحب أن تزني النساء كلهن حتى يشاركنها في الفضيحة، والسارق يحب أن يسرق الناس كلهم حتى يكونوا كلهم سرق ولا يمتاز عليهم ولا تفضح بينهم، فاليهود والكفار كذلك: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].. وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118] أي: ودوا عنتكم.

    قال الله تعالى: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [النساء:44] (تضلوا السبيل) أي: تخطئوا طريق الحق.

    قال الله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ [النساء:45]، أي: ينبئكم بأخبارهم، ويذكركم بهم، فلا يغرنكم ولا يخدعنكم رجل يقول: هم أصحابنا وأصدقاؤنا، ولا يريدون إلا السلام! وغير ذلك من الكذب؛ لأن الله أصدق القائلين يقول: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ [النساء:45] يبين لكم مقاصدهم، وهو أعلم بهم، فإن كان الكافر في الظاهر لا يكن لك العدواة فإن ربك علمك فقال: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] أي: إن كنتم تفهمون.

    1.   

    الفرق بين الولي والناصر

    قال الله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا [النساء:45] ما الفرق بين الولي والناصر؟

    قد يأتيان بمعنى واحد، كقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] أي: ناصر ومعين للذين آمنوا، فالولاية هنا أعم من النصرة، بل النصرة داخلة فيها، يعني: الولاية عامة. ومن أفرادها: أن ينصرك وليك، وقد يرزقك ويطعمك ويسقيك.

    إذاً: من مفردات الولاية: النصر، وهذا من باب عطف الخاص على العام، ومثله قوله تعالى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68].. وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب:7] هذا عطف خاص على عام، كذلك قوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ [النساء:163] عطف خاص على عام.

    1.   

    معنى (هادوا)

    قال الله: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء:46] (الذين هادوا): هم اليهود، وهادوا معناها: مالوا إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:156] أي: ملنا بقلوبنا إليك.

    (اهدنا) أي: مِل بقلوبنا إلى الهداية؛ لأنها من مال شخص إلى شخص آخر.

    مِنَ الَّذِينَ هَادُوا [النساء:46] أي: زعموا أنهم هادوا، (فهادوا) معناها: مالوا بقلوبهم إلى الله، (إنا هدنا إليك) أي: ملنا بقلوبنا إليك، فهم زعموا أنهم هادوا: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء:46] (من) هنا: للتبعيض، يعني: ليسوا كلهم يحرفون الكلم، فعوامهم جهلة، وليسوا ممن يحرف الكلم عن مواضعه، لكن الكبراء -أهل الرئاسات والوجاهات- يحرفون الكلم عن مواضعه، تأتي آية فيقول أحدهم: تحذف هذه الآية، أو تغير! فالكبراء هم الذين بأيديهم القوانين يعبثون بها كيفما شاءوا، مثلاً: هذه الأيام وزير له ابن راسب في الثانوية عشر سنين مثلاً، يقول له: يفعلها إحدى عشرة سنة، والسنة القادمة يلغيها.

    فكذلك اليهود كانوا إذا سرق شريف منهم، قالوا: بدل قطع اليد تكون العقوبة خمسة آلاف درهم غرامة! وتنفذ هذه الغرامة على ولده أو على الشريف، ومثل ذلك: ما حصل من تحريم تعدد الزوجات بالقانون، لعل امرأة كان بيدها الأمور ولا تريد زوجها يتزوج عليها، فوضعت ذلك القانون، ثم يأتي من بعدها فيرجع للأصل.

    1.   

    من أعمال اليهود الخبيثة

    إذاً: قال الله: : مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء:46] قوله: (من) للتبعيض، فليس كل الذين هادوا يحرفون الكلم، بل كبراؤهم وأصحاب الرأي فيهم هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

    وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء:46] هذا قولهم. أي: سامعون وعاصون لك، قال الله لهم: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] فقالوا: حبة في شعرة! وقال الله لهم: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [الأعراف:161] فدخلوا يزحفون على أسفلهم، فيزحف الواحد منهم على استه عناداً لله ولرسل الله عليهم الصلاة والسلام!!

    : وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] أي: يا رب! حط عنا خطايانا، فقالوا كلمة: (حبة في شعرة)! وآخر يقول: (حنطة!) يعني: حبة السوداء، قصدهم التحريف عن عمد، ثم يقولون مع التحريف: سمعنا وعصينا، سمعنا قولك وخالفنا أمرك وعصيناك، فهذا شأن اليهود!!

    وقوله: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء:46] لأهل العلم فيها أقوال: أشهرها: واسمع لا سمّعك الله، يعني: يدعون على الرسول ألا يسمعه الله! والقول الآخر: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي: اسمع فنحن لن نستمع إلى قولك.

    وَرَاعِنَا [النساء:46] يقصدون بقولهم: وراعنا. الرعونة وهي: الطيش وخفة العقل، وفي الظاهر يخرجونها بلفظ مهذب، لكن يقصدون بها الرعونة، ويظهرون أنهم يريدون براعنا: أن ينظر إليهم.

    وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [النساء:46] يلوون الكلام بألسنتهم، فيظهرون للمستمع إليهم معنى ويريدون معنى آخر، كما جاء اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعائشة رضي الله عنها بجواره وكانت ذكية نبيهة فطنة، فسمعتهم يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: السام عليك يا محمد! يعني: الموت والهلاك عليك يا محمد! فغضبت وقالت: وعليكم السام واللعنة! وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وعليكم. فقالت: يا رسول الله! إنهم يقولون: السام عليك يا محمد! فقال: يا عائشة إنه يجاب لنا فيهم، ولا يجاب لهم فينا وقد قلت: وعليكم، وإن الله لا يحب الفاحش البذيء) أو كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النساء:46] كأهل الإيمان الذين قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    قال الله: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ [النساء:46] أي: أعدل وأنفع.

    وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [النساء:46] أي: كفرهم كان سبباً في إحلال لعنة الله عليهم فلم يوفقوا إلى خير.

    فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:46] أي: لا يصدقون إلا بالشيء القليل، أو لا يؤمن منهم إلا النفر القليل.

    1.   

    دعوة اليهود إلى الإيمان بالقرآن

    قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [النساء:47] استجاشة لما فيهم من فضل.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [النساء:47] يا أيها الناس العقلاء! يا من يفترض فيكم أنكم تفهمون، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [النساء:47] يؤخذ منها: الحكمة في الدعوة إلى الله. فمثلاً: لو أردت أن تدعو بقالاً ثرياً لفعل خير تأتيه وتقول: أسرتك أسرة طيبة، فلماذا لا تبنون مسجداً؟ أو لماذا لا تضع ماء سبيل يشرب الناس منه؟ يا حبذا لو تضع ثلاجة ماء أمام الدكان ليشرب منها الناس؟ وتذكره بالصلاح الذي كان في آبائه وأجداده.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا [النساء:47] أي: صدقوا بالشيء الذي أنزلناه؛ فهو مصدق لما معكم، الكتب التي معكم أخبرت بأشياء هذا الكتاب جاء يصدقها، فالكتب التي معكم أخبرت بمحمد، وهذا هو محمد كما في الكتاب الذي بأيديكم، فكيف تكذبون كتبكم التي تقول: محمد سيبعث، وسيكون كذا وكذا، فهاهو محمد قد خرج وقال كذا وكذا، إذا كذبتموه فمعناه: أنكم كذبتم كتبكم التي بأيديكم.

    آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [النساء:47] ليس شيئاً مجهولاً ولا شيئاً مخترعاً، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا [النساء:47] نطمسها: أي: نسويها فلا يبقى فيها معلم، ويصبح الوجه كالقفا، وهذه من العقوبات التي هُدِّدَ بها الإسرائيليون.

    الطمس، يعني: أن تمحى معالم تلك الوجوه، فيصبح الوجه في معالمه كالقفا، ولا يصبح هناك أنف ولا عين ولا فم!!

    مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء:47] وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضى، وجزاكم الله خيراً.

    1.   

    الأسئلة

    رفع الملام عن الأئمة الأعلام

    السؤال: ورد عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعال وأقوال لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بها، بل نهى عن بعضها، فكيف يأتون بأمر جديد لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم. نرجو التوضيح؟

    الجواب: ننصح القارئ بقراءة كتاب: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لما فيه من خير في هذا الباب.

    فالصحابي قد يأتي بأمر لم يفعله رسول الله عليه الصلاة والسلام بل نهى عنه لأمور:

    إما أنه خفي عليه أمر رسول الله، فيكون الرسول أمر بأمر ولم يسمعه من رسول الله، بل استمر على ما علم من علوم الشرع ولم يبلغه الخبر عن رسول الله. من ذلك: قول عمر في شأن أبي: (أقرؤنا أبي إلا أننا ندع من لحن أبي)، يعني: نترك كثيراً من قراءات أبي بن كعب مع أنه أعلمنا بالقراءات؛ لأنه يقول: لا أغير شيئاً سمعته من رسول الله، والله يقول: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106] فـأبي سمع قراءات من رسول الله، والصحابة علموا أنها منسوخة لكن أبي يقول: أنا مصر على الذي سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا وجه ذلك، فقد تخفى السنة على الصحابي، فيعمل الصحابي برأيه وهو لا يعلم الخبر، مثال ذلك: قصة بروع بنت واشق امرأة عقد عليها رجل ولم يفرض لها صداقاً، أي: مهراً، ثم قبل البناء مات الزوج، فوقعت مسائل مشكلة:

    أولاً: هل لها صداق أو ليس لها صداق؟

    ثانياً: هل ترث أو لا ترث؟

    ثالثاً: هل تعتد أو لا تعتد؟

    فوقعت بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم قضية مماثلة لهذه القضية فذهبوا إلى ابن مسعود في شأنها، فقال: أقضي فيها برأيي، فإن كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان، وإن كان صواباً فمن الله، والله ورسوله منه بريئان:

    أقضي أن لها مهر نسائها اللاتي هن شبيهات بها، فإن كانت بنت ملك فمهرها مثل مهور بنات الملوك، وإن كانت بنت عبد فمهرها مثل مهور العبيد، وإن كانت من أوساط الناس فمهرها مثل مهور نساء أوساط الناس من غير وكس -يعني: بخس ولا شطط- يعني: ارتفاع -مهر متوسط وهذا أصل في مهر المثل.

    قال: وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان فقال: (أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق مثل هذا القضاء)، فقال: الحمد لله الذي وفقني إلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وصحابة آخرون لم يبلغهم خبر معقل بن سنان فقالوا: لا تعتد، قياساً على مطلقة التي لم يدخل بها زوجها، لأن الله قال في المطلقة التي مات عنها زوجها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:49] يعني: عقدتم عليهن ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49] يعني: قبل الدخول بهن فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49] فليس عليها عدة.

    وبعض الصحابة لما لم يجد في الباب خبراً عن رسول الله بدأ يفكر، فقال: أقيسها على المطلقة، والقياس قد يصيب وقد يخطئ، والذي يخطئه هو النص، فهذا صحابي أفتى أنها لا تعتد ولا ترث، كما أن المطلقة التي لم يدخل بها زوجها لا تعتد لا ترث، فاجتهد الصحابي وهو مأجور على اجتهاده، لكن المجتهد المصيب له أجران، فهذا نموذج من النماذج التي تبين أن الصحابي قد لا يبلغه الدليل من الكتاب أو من السنة.

    نموذج آخر: قد يبلغه الصحابي الدليل، ولكنه يرى أن الدليل له نازلة معينة وملابسات معينة، مثال ذلك نهي عمر رضي الله عنه عن متعة الحج، فالصحابة لما أتوا مع رسول الله إلى الحج كان منهم: القارن، والمفرد، والمتمتع، فلما اعتمر الصحابة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام من لم يسق الهدي معه أن يتحلل ويجعلها عمرة فتعجب، الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك! لما ترتب في أذهانهم من قبل أن الذي يعتمر في أشهر الحج فاجر من أكبر الفجار، كما عند أهل الجاهلية فكانوا يقولون: إذا برئ الدبر -يعني: الجروح التي في ظهر الدابة- وعفا الأثر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر.

    فلما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالعمرة تردد الصحابة، ووقفوا مذهولين من أمر الرسول لهم بالتحلل بالعمرة، فقالوا: يا رسول الله! كيف نتحلل من العمرة؟ -أي: كيف نذهب إلى منىً ومذاكيرنا تقطر منياً من النساء- فشدد الرسول في الأمر، وأمرهم أمراً حازماً بالتحلل، وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، فقام رجل وقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا -يعني: التحلل بالعمرة- أو للأبد؟ قال: بل لأبد الأبد) أي: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (بل لأبد الأبد)، خفي على أمير المؤمنين عمر ، فكان رضي الله عنه ينهى الناس عن التمتع في الحج، وكان يرى أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بالتمتع في أشهر الحج كان خاصاً في زمان رسول الله، وهذا رأيه، وصحابة آخرون لم يوافقوه، مثل: علي ، وأما عثمان رضي الله عنه فقد سلك مسلك عمر رضي الله عنهم، فقال له علي : كيف تنهى عن شيء فعلناه مع الرسول؟ قال: دعنا عنك، قال: كيف أدعك؟ لبيك عمرة في حجة.

    فهنا عمر رضي الله عنه اجتهد، وظن أن هذه الواقعة خاصة بزمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلي رضي الله عنه رأى أنها لزمن رسول الله ولغير زمن رسول الله، والله يقول: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].

    هذه نماذج من المسائل التي تختلف فيها وجهات النظر.

    ومن أهل العلم من رأى أن الأمر بالعمرة أمر إيجاب في كل الأزمان وقال: التمتع واجب على كل المسلمين، وليس هناك إفراد ولا قران، وهذا قول مرجوح؛ لأن من الصحابة من حج مفرداً، ومنهم من حج قارناً، والرسول حج قارناً، ومنهم من حج متمتعاً، والله يقول: فَمَنْ تَمَتَّعَ [البقرة:196] يعني: أن هناك من لم يتمتع.

    إذاً ما معنى: دخلت العمرة في الحج؟ (دخلت) أي: أصبحت مع الحج لمن شاءها إلى يوم القيامة، وليست ملزمة، بل من شاءها إلى يوم القيامة، وهذا هو الذي فهمه كثير من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: قد يخفى الدليل على الصحابي، وقد يبلغه ولكن يفهمه على غير وجهه، وهناك جملة مسائل كثيرة في هذا الباب، والله أعلم.

    وجه كون السنة التقريرية شرعاً

    السؤال: كيف تكون السنة التقريرية شرعاً مع أن الرسول لم يعملها؟

    الجواب: الصحابة فعلوا أشياء على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بها عليه الصلاة والسلام، مثال ذلك: الصحابي الذي دخل في الصلاة وقال: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت بضعة عشر ملكاً يبتدرونها) الرسول صلى الله عليه وسلم أقره، فكانت سنة تقريرية.

    لكن أنا الآن إذا جئت أفعل شيئاً جديداً، وقد يكون هذا الشيء صواباً وقد يكون خطأً، من الذي سيقرني الآن على صوابي ويمنعني من خطئي؟ لا أحد، فالشرع هو الحكم وانتهت الأمور.

    نحو ذلك: مسائل النفاق: كان يوجد نفاق على عهد الرسول، من الذي يوضح النفاق؟ إما رسول الله يوضحه لأصحابه، أو رب العزة سبحانه وتعالى يبين صفات هؤلاء المنافقين.

    قال عمر : كان النفاق على عهد رسول الله، والآن من أظهر لنا الإسلام حكمنا له بالإسلام، ومن أظهر لنا الكفر حكمنا عليه بالكفر.

    حكم الزفة في الأعراس

    السؤال: ما حكم ما يفعله الإخوة في حفلات العرس، ويسمونه (الزفة الإسلامية)؟

    الجواب: لا أعلم لها مستنداً من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الرجال يفعلونها على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وأقول للعريس: اقتصر على عمل وليمة، وهذا بركة، وخلّ النساء يغنين للعروس، فحرام عليك أن تجمع الإخوة من كل بلد، وتدعو المشايخ إلى المسجد، وتكتب: عقد فلان على الشريعة الإسلامية، وعلى سنة رسول الله، ويأتي الشيخ المحاضر ويقول: نحن مجتمعون في خير بقعة، وفي خير مسلك، وفي خير ساعة، وبأفضل مكان يوقف فيه، فهذا ليس من السنة، بل هذا خرافة.

    صحيح أن المسجد أفضل بقعة، لكن كون جمع الناس في المسجد للعقد أفضل من غيره يحتاج إلى دليل، وقد يكون العقد في أي مكان سواء، فسنة الرسول هي الحكم، وقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم في البيت، وفي المسجد، وتعقد حتى في الطريق، أو في أي مكان بحضور الولي والشهود. هذه هي السنة.

    لكن أن تعمل العقد في المسجد، وتقول للناس: هذه الصورة الإسلامية للعقد فهذا افتراء على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ثم قول السائل: (الزفة الإسلامية): من الذي أضفى عليها أنها إسلامية؟ من الذي قال أن هذه الزفة إسلامية؟

    فقولنا: (إسلامية) يعني: أن تكون موافقة لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل مشي الرجال في الطرقات يغنون للعريس، واحد من هنا وواحد من هنا، ويمشون معه، هل فعل ذلك الرسول مع أصحابه؟ هل زف الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا على عائشة ؟ هل فعلت الصحابيات ذلك بـعائشة ؟ هل زف الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم زفة إسلامية لا يهودية ولا نصرانية ولا شركية؟!! لم يفعل ذلك أبداً محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يغرنك أيها السائل أفعال إخوانك حتى تعرضها على كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    حكم لبس المرأة لما يسمى بالجيبة

    السؤال: هل يجوز للمسلمة أن ترتدي ما يسمى بـ(الجيبة)، مع العلم بأنها تتوافر فيها كل شروط الحجاب، عدا أنها تخالف شكل الجلباب على ما يبدو؟

    الجواب: نعم يجوز أن ترتدي (الجيبة) إذا كانت بهذه المواصفات، إذا كانت جيبة واسعة جداً غير مجسمة، وفوقها شيء آخر غير مجسم، فليس هناك مانع شرعي من ذلك، والله أعلم.

    حكم ليلة الحناء للعروس

    السؤال: ليلة الحناء بالنسبة للعريس، ما حكمها؟

    الجواب: التزين للنساء بالحناء مستحب، لكن لا يجعلنه في ليلة مخصوصة، وبعض النساء يتخذن شعاراً لهذه الليلة في كثير من البلاد، ويصنعن أشياء ما عهد أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك.

    أما كون المرأة تتزين لزوجها فهذا من السنة، قالت أم المؤمنين عائشة : (انظر إلى ثوبي هذا ما كانت امرأة تقيَّن في المدينة -يعني: تزف إلى زوجها- إلا جاءت تستعيره مني فأصبحت هذه الجارية ترفضه لأنه أصبح رخيصاً).

    والحمد لله رب العالمين.