إسلام ويب

سورة النساء [31-34]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اجتناب الكبائر سبب في تكفير السيئات، والكبائر مختلف في تعريفها بين أهل العلم، ولقد جعل الله سبحانه قوامة الرجل على المرأة، وبين سبحانه ما يعمل الأزواج عند نشوز زوجاتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر...)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه في كتابه الكريم: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31].

    معنى اجتناب الكبائر

    إِنْ تَجْتَنِبُوا [النساء:31] الاجتنـاب: أشد من النهي، والأمر به أشد من النهي المجرد، مثل قوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] فهو أبلغ من النهي، ومنه قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30] فالأمر بالاجتنـاب أشد من النهي المجرد، فيقول الله تبـارك وتعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31].

    تعريف الكبيرة

    من أهل العلم من قال: إن الكبائر هي التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صريح حديثه، وبيّن أنها من الكبائر، كقوله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف).

    فمن العلماء من قال: إن الكبيرة هي التي نص النبي صلى الله عليه وسلم على أنها كبيرة، وما لم ينص عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وما لم يوضح أنه كبيرة فلا يدخل في عداد الكبائر، وهذا القول قد يبدو لأول وهلة صحيحاً، ولكن بإمعان النظر فيه نجده قولاً ضعيفاً واهياً، فثم جملة أمور لم ينص عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أنها كبائر، مثال ذلك: نكاح الرجل أمه أو أخته، فلم يرد نص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يفيد أنها كبيرة، فزواج الرجل بأمه لم يرد فيه نص يفيد أنها كبيرة، لكن جاء في كتاب الله تهديد لمن فعل ذلك، وقال الله تعالى في نكاح امرأة الأب الذي هو أيسر من نكاح الأم: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22].

    فهذا حذا ببعض العلماء إلى أن يضعوا تعريفات للكبيرة، فكان حاصل تعريفهم أن الكبيرة: ما توعد فاعلها بلعن أو غضب من الله، أو طرد من رحمة الله، أو بالعذاب، أو بالنار، أو بحد من حدود الدنيا ونحو ذلك، فكل ذلك يعد من الكبائر.

    فالله سبحانه وتعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ [النساء:31] فهي الكبائر التي ضبطت بالضابط المتقدم، وثم بعض الأمور اختلف فيها: هل هي كبيرة أم صغيرة؟ فللعلماء أخذ ورد فيها.

    من ذلك مثلاً: مسألة مصافحة المرأة الأجنبية، فقد ورد فيها حديث معقل بن يسار عند الطبراني بإسناد حسن على أقل الأحوال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) ، هذا الحديث كما سمعتم إسناده حسن يفيد أن الشخص إذا طعن بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، ولكن جاء في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:32] جاء في تفسير اللمم ما قاله ابن عباس : (ما رأيت شيئاً أشبه في اللمم مما رواه أبو هريرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والرجل تزني وزناها المشي، واليد تزني وزناها البطش، واللسان يزني وزناه الكلام، والنفس تهوى وتتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).

    ولما جاء الرجل الذي لقي امرأة في الطريق ففعل معها كل شيء إلا الجماع ثم أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوا إليه حاله، فنـزل قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]، وفي هذا الصدد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين، فقال: (ألي خاصة يا رسول الله! أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة).

    والشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى بمفردها على تكفير الكبائر فمن باب أولى ألا يقوى النفل على تكفير الكبائر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان لا يقويان -إلا إذا شاء الله- على تكفير الكبائر إلا إذا انضم إليهما شيء آخر؛ فصلاة ركعتين لا تقوى على تكفير الكبيرة، فهذا حدا ببعض الناس أن يعدوها من الصغائر.

    فالمسألة إذاً في هذه الجزئية تكاد تكون مسألة خلاف بين العلماء. يعني: هناك أمور كبيرة القول فيها قولاً واحداً، وأمور صغيرة القول فيها قولاً واحداً، وأمور بين ذلك تنازع فيها العلماء وتجاذبوا فيها الأقوال.

    معنى تكفير السيئة

    إن الله سبحانه وتعالى يقول لعباده: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] نكفر: أصل التكفير التغطية، ومنه قوله تعالى: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] الذين يضعون البذرة في الأرض ويغطون عليها، وقول الشاعر:

    في ليلة كفر الغمام نجومها

    أي: غطى الغمام نجومها، فأصل التكفير التغطية.

    نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] أي: نغطيها ولا نؤاخذكم بها، ففي باب السيئات عفو ومغفرة وتكفير، فالعفو: المحو بالكلية والإزالة، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا [البقرة:286] فالمغفرة: الستر، والتكفير: التغطية وعدم المؤاخذة.

    إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]. يعني: إذا اجتنبتم الكبائر كفرنا عنكم الصغائر.

    وقد تقدم أن السيئة لها اصطلاحات، وكل اصطلاحٍ يعطي معنىً من المعاني يفهم من السياق الذي وردت فيه كلمة السيئة، وقد تقدم شرح هذا، فقيل: إن السيئات أو السيئة تطلق على الكفر أحياناً.

    قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:27] والخلود لا يكون إلا للكفار، وقال سبحانه في شأن قوم لوط: وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود:78] أي: الجريمة المعهودة وهي من الكبائر، وهنا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] أي: الصغائر. فوجه الخطأ الذي يخطئ فيه الكثيرون أن يلبسوا اصطلاحاً من الاصطلاحات معنىً من المعاني ليس هو معناه المراد.

    فهذا باب يخلط فيه كثير من العلماء فضلاً عن المبتدئين في طلب العلم، وهو أن يلبسوا الاصطلاح معنىً غير معناه الصحيح، وأحياناً تأتي أخطاء أخر نتيجة رواية حديث بالمعنى والخطأ في روايته بالمعنى، أو اختصار الحديث والخطأ في اختصاره، ومن النماذج على ذلك: ما أورده ابن حزم وابن القيم رحمهم الله في مسألة طلاق الحائض: هل إذا طلق الرجل امرأة وهي حائض هل تعتْبر هذه طلقة وتحسب عليه أو لا تحسب عليه؟

    فالجمهور من أهل العلم على أنها تحسب عليه طلقة، لقول ابن عمر : (حسبت عليّ طلقة)، أورد ابن حزم رحمه الله وكذلك ابن القيم رحمه الله أثراً عن ابن عمر وغلطا فيه، وهذا الأثر روياه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: (وسئل عن طلاق الرجل امرأة في حيضتها؟ قال: لا يعتد بذلك) رويا الحديث مختصراً مقتصراً على هذا اللفظ فقالا: ها هو ابن عمر يفتي بأن طلاق الحائض لا يقع والقصة حدثت له.

    وهذا كلام غير مقبول لوجوه:

    منها: أن ابن عمر نفسه قال: (حسبت عليّ تطليقة) كما في صحيح البخاري ، فلما بحثنا عن إسناد الحديث في بعض الكتب في المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وجدنا الحديث من نفس طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : (أنه سئل عن طلاق المرأة وهي حائض قال: لا يعتد بتلك الحيضة) الرواية التي أوردها ابن حزم وابن القيم رحمهم الله وشنعوا بها (لا يعتد بذلك) هذه الرواية التي في المصنف (لا يعتد بتلك الحيضة) وهناك فرق. (لا يعتد بتلك الحيضة) ما معناها؟

    يعني: لا يعتد بأن الحيضة تحسب من الأقراء، يعني: إذا طلقها وهي حائض وبدأت تعتد كما أمرها الله وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] هل يحسب هذا الحيض الذي طلقت فيه من الأقراء أو لا يحسب؟ فقال ابن عمر (لا يعتد بتلك الحيضة) ولم يقل: ( بتلك التطليقة ) فوهما رحمهما الله وظنا أنه قصد بقوله: ( لا يعتد بذلك ) التطليقة.

    ولذلك كل الروايات الواردة عن ابن عمر تؤيد أنها حسبت عليه. كما في الرواية: (فذهب عمر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فأمره أن يراجعها وعدّها واحدة)، أي: أمره الرسول عليه الصلاة والسلام أن يراجعهما. وهو أقوى مما يقول به ابن حزم .

    والشاهد من هذا: أن الاختصار أحياناً قد يخل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به...)

    قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32].

    هل الآية على ظاهرها: فلا يجوز لنا أن نتمنى أي شيء أوتيه شخص منا؟ لا. بل هناك أشياء نتمناها، ورخص لنا الشرع في تمنيها، بل وحثنا على ذلك، مثل: حمل القرآن والعمل به، وإنفاق المال في سبيل الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).

    ويجوز لي -أيضاً- أن أتمنى ذرية صالحة، فإذا وجدت رجلاً عنده ذرية صالحة قلت: يا رب! ارزقني ذرية صالحة، وها هنا يقول عباد الرحمن رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

    إذاً: هناك شيء مراد بالآية: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32] والله أعلم ما مراده، ولكن سياق الآية يفيد شيئاً وهو لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32] يعني: لا تأتي المرأة تقول: يا ليت لي ميراث كالرجل، أو يا ليتني رجلاً، فـ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32] فاقنع بالشيء الذي قدر لك به واسأل ربك المزيد من فضله على وجه الإجمال، لكن لا تتمنى أن تكون امرأة مثلاً، أو أن تتمنى المرأة أن تكون رجلاً، أو تتمنى أن يقسم لها في الميراث مثل ما للرجل ونحو ذلك.

    والتمني بصفة عامة هو: نوع إرادة يتعلق بالمستقبل، قال الله سبحانه وتعالى لـعبد الله والد جابر لما قُتل: (عبدي تمنى عليّ فقال: أرد إلى الدنيا فأقتل في سبيلك)، فهذا نوع من التمني، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، لقد وددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل) أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    والتمني فيه مسائل ومباحث طويلة لا يسع المقام لذكرها، وقد أفرد البخاري في كتاب القدر من صحيحه: باب ما جاء في اللو. فهي من أبواب التمني، ويقابله أيضاً التلهف.

    قال الله: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نظر أحدكم إلى من فوقه في المال والرزق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه هو في المال والرزق) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    قال الله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] * وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [النساء:33].

    في أول الأمر لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرث الأنصاري دون أقاربه، والأنصاري يرث المهاجري، دون أقاربه حتى نزل قوله تعالى على رأي كثير من أهل العلم: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6] فنسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار، وبقيت الموالاة والمحبة في الله، وإذا أردت أن تعطيهم شيئاً فأعطهم ما شئت، لكن التوارث أصبح بين أولي الأرحام الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه وفي قوله: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان...)

    يقول الله تبارك وتعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:33].

    اصطلاحات كلمة الموالي

    المولى له اصطلاحات متعددة: إذا أسلم على يديك سمي مولاك، كما قيل في البخاري : إنه مولى الجعفيين؛ لأن جد البخاري -وهو المغيرة - أسلم على يد رجل يقال له: اليمان الجعفي فأصبح البخاري مولى الجعفيين، ولذلك في كثير من التراجم مثلاً تقول: الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي مولاهم، أي: هو ليس من القبيلة وإنما هو دخيل على القبيلة، فإما أنه أو أجداده كانوا عبيداً فأعتقوا من هذه القبيلة، أو أسلموا على أيديهم.

    فالولاء له اصطلاحات متعددة وكل اصطلاح يفهم من المعنى الذي ورد فيه، فقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة في شأن بريرة : (أعتقيها فإن الولاء للعاتق)، ولذلك يقال: بريرة مولاة عائشة رضي الله تعالى عنها.

    فالمولى يطلق على المعتق ويطلق على الذي أعتق، ويطلق على الناصر، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] ويطلق على ابن العم، ويطلق على الجار، فله عدة إطلاقات.

    معنى: (عقدت أيمانكم)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33] والنصيب الذين عقدت أيمانكم. أي: الذين تحالفتم معهم، وهو غير مضبوط في كتاب الله سبحانه وتعالى، إنما هو يرجع إلى صورة التحالف التي تمت، والوعود التي وعدت، والمكاتبات التي كتبت، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء...)

    قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34].

    أسباب قوامة الرجل على المرأة

    هذه الآية أصل في القوامة -قوامة الرجل على المرأة- الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34] فأفادت الآية الكريمة: أن الرجال قوامون على النساء بشيئين:

    الشيء الأول: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34] أي: من الذكورية التي يؤتاها الرجل والقوة والعقل والجلادة والصبر ونحو ذلك، وهذا الشيء المرأة لا تناله، فجبلتها لا تساعدها على ذلك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل؟) فعقلها لا يكافئ عقل الرجل، وقد قال الله فيهن: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18] وكذلك حزمها لا يكافئ حزم الرجل، فكما قال القائل: إذا أمرت أن تقطع يد سارق وتحسمها في الزيت، فإذا جاءت تقطع يد السارق وبكى أمامها، أو وضعت يده في الزيت وبكى أمامها هربت وتركت القطع والحسم في الزيت، فجبلة الرجل غير جبلة المرأة، وقد قال الله تبارك وتعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34] بشيئين:

    - بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34] من ناحية القوة والعقل والاتزان والرزانة وما آتاه الله الرجل في جبلته.

    الشيء الثاني: وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34], في الصداق والنفقة في المعيشة.

    ومن ذلك -كما قدمنا سالفاً- أن المرأة إذا كانت هي التي تنفق على الرجل فهي تنازعه القوامة، وصحيح أن الله فضله عليها بأشياء جبلية، لكن هي بدأت تنازع بالإنفاق عليه من أموالها، فلكي يكون الرجل تام القوامة على امرأته لابد أن يكون هو الذي ينفق، وهو الذي يرشد ويوجه، أما إذا شاركت هي بشيء وهذا جائز، فالله تعالى يقول: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لـزينب امرأة عبد الله بن مسعود : (زوجك وولدك أحق من تصدقتي عليهم) إذا شاركت فقد نازعت في القوامة.

    معنى قنوت المرأة لزوجها

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ [النساء:34] أي: مطيعات.

    استدل هذه الآية على مشروعية خدمة المرأة لزوجها، لأن الصالحات قانتات -أي: مطيعات- فإذا أمرها أن تطيعه أطاعته، ومن العلماء من أوردها فيما يستدل به على وجوب خدمة المرأة لزوجها وليس على المشروعية فحسب بل على الوجوب لكن الآية ليست صريحة في إيجاب خدمة المرأة لزوجها، إنما قوله: قَانِتَاتٌ [النساء:34] وإن قررنا أن معناها: مطيعات، فمطيعات في أداء الحق الذي للزوج عليها، ولسن مطيعات على الإطلاق إنما للزوج عليها حق، ولنفسها عليها حق، ولربها عليها حق، ولرحمها عليها حق، فهي قانتة مطيعة للزوج في الذي له عليها، ولو قال: إنها مطيعة للزوج في كل شيء، إذا أمرها مثلاً بشيء ليس من حقه بل هو من حق الله فلا تطيعه، وإذا أمرها أن تأخذ من حاجبها -مثلاً- لا تطيعه ولا كرامة، فالرسول لعن النامصة المتنمصة، وإذا أمرها أن تعطيه كل مالها أو شيئاً من مالها فلها أن ترفض؛ لأن هذا المال حقها، وإذا قال لها: اصبري عليّ حتى أضربك، بلا سبب، فليس له ذلك؛ لأن هذا بدنها ولا تستحق أن تضرب إلا إذا كان ثم سبب يستدعي ذلك، فلما كان المال من حقها كذلك بدنها من حقها.

    إذاً: الآية ليست صريحة في إيجاب الخدمة على الزوجة، وإلا لقال لها الزوج: اعملي في حمالة للحجارة، فلا نستطيع أن نوجب الخدمة لهذه الآية الكريمة.

    والأثر الوارد عن علي رضي الله عنه الذي احتج به بعض العلماء على إيجاب خدمة المرأة لزوجها، والذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على علي بالخدمة الظاهرة وعلى فاطمة بالخدمة الباطنة) فهذا الأثر مرسل لا يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بهذا اللفظ، فراويه عاصم بن ذمرة تابعي لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأثر مرسل، وإنما الثابت في الصحيحين، (أن فاطمة جاءت تشتكي أثر الرحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسأله خادماً فقال: هل أدلك على ما هو خير لكِ من خادم؟ تسبحين وتحمدين وتكبرين ثلاثاً وثلاثين فهو خير لكِ من خادم) فهذا الحديث فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدها فقط إلى الخيرية وإلى الأفضل والأكمل.

    والمسألة فيها بحث طويل، والجمهور: على أن خدمة المرأة لزوجها على الاستحباب. نقله عنهم النووي والبيهقي وابن حجر وغيرهم من أهل العلم، ومن العلماء من رد المسألة إلى الأعراف، ومنهم من قال بالوجوب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ [النساء:34] أي: مطيعات، وإن لم تكن خدمة المرأة لزوجها واجبة، فهي على أقل الأحوال مستحبة، فإذا خدمته أجرت.

    معنى حفظ المرأة للغيب بما حفظ الله

    قال تعالى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34] حافظات لفروجهن في غياب أزواجهن، وحافظات لأموال أزواجهن عند غيابهم، وحافظات للبيوت في غياب الأزواج، وحافظات لما استرعين عليه في البيوت، فحافظات أعم من بعض التأويلات المفردة التي فسرها به بعض العلماء، فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34] حافظات لغيب أزواجهن، وحافظات لفروجهن في حال غياب أزواجهن.

    حافظات للغيب، ليس بقوتهن إنما هو بما حفظ الله، فـحَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34] أي: المحفوظة من حفظها الله، والمرأة لا تستطيع أن تحفظ فرجها إلا إذا ثبتها الله سبحانه وتعالى على ذلك، حتى لا تغتر امرأة بقوتها وأنها صارمة في البيت، فالذي ثبتها هو الله، والذي حفظها هو الله.

    1.   

    نشوز المرأة

    وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34] النشوز: العلو والارتفاع، ومنه الأرض النشز. أي: المرتفعة والعالية، فمعنى الآية: اللاتي تخافون علوهن وارتفاعهن على أوامركم فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34].

    (الواو) في الحقيقة ليست في كل الأحوال تفيد الترتيب وإنما تفيد مطلق التشريك، جاء زيد وعمرو، ليس معناه أن زيد جاء ثم بعد يوم أو ساعة جاء عمرو ولكن يمكن أن يكون زيد جاء مع عمرو في وقت واحد.

    أكلت خبزاً ولحماً، ليس معناه أنك أكلت خبزاً ثم أكلت لحم، بل قد تأكل خبزاً مع لحم؛ فعلى ذلك يجوز أن يُقدم شيء على آخر إذا دعت الحاجة أو الضرورة لذلك، وإن كان الأسلم على التقعيد أن تقدم الموعظة والتذكير، ولكن شاهدنا (أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء يوماً من خارج البيت فوجد عائشة معلقة خميصة سترت به الجدار فيها تصاوير، فغضب عليه الصلاة والسلام ولم يسلم عليها حتى خرجت هي وقالت: أتوب إلى الله ورسوله، ماذا أذنبت يا رسول الله؟ فقال لها: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة) (وجاء النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً عندما رجع من البقيع وكانت عائشة تتابعه لما خرج إلى البقيع وتركها نائمة، فظنت أنه خرج عند بعض نسائه، فجلست تبحث عنه ثم ذهبت إلى البقيع فلما رأته قد رجع قفلت راجعة فجاءها وهي تلهث، فقال: يا عائشة ! لعلك السواد الذي رأيت؟ قالت: نعم يا رسول الله) والحديث فيه: (أتظنين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ فلهدني لهدة أوجعتني).

    فالشاهد: أن الشخص قد يسلك مسلكاً قبل مسلك آخر إذا احتيج إلى ذلك كأصحاب المعاصي بصفة عامة، فأصحاب المعاصي يجوز أحياناً أن تقدم التذكير، لكن إذا كان فاعلها يعلم أنها معصية وتمادى في فعلها فيجوز لك أن تسلك معه مسلكاً أقوى من مسألة النصح أحياناً، ويكون هذا المسلك في نفسه نصحاً وإرشاداً. والله أعلم.

    هجر المرأة في المضجع عند نشوزها

    قال الله: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34] وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34] من العلماء من قال: أدر ظهرك لها وهي نائمة. أي: حول وجهك إلى الجهة الأخرى. ومنهم من قال: ابق معها في المضجع ولا تكلمها. ومنهم من قال: ابق معها في المضجع ولا تجامعها، ومن أهل العلم من قال: اترك المضجع جملة واحدة.

    وهل يجوز الهجر خارج البيت ورد حديث نوزع فيه (ولا تهجر إلا في البيت) ولكن قد ثبت (أن النبي عليه الصلاة والسلام -لما هو أقوى سنداً من هذا الحديث- هجر نساءه واعتزلهن في مشربة له)، وأيضاً (ذهب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيت علي فما وجد علياً ، فوجد فاطمة فسألها عن علي ، فقالت: كان بيني وبينه شيء -يا رسول الله- فغاضبني فخرج، فبحث الرسول عنه فإذا هو نائم بالمسجد وعليه تراب. فقال له: قم يا أبا تراب )، فالظاهر: أن الحاجة إذا دعت إلى ترك البيت فعل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    ضرب المرأة عند نشوزها

    قال تعالى: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] هل تقتص المرأة من الزوج إذا ضربها مثلاً بيده؟

    لم يرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتصت منه أزواجه في شأن الضرب عليه الصلاة والسلام، وقد ورد حديث ضعيف في سبب نزول الآية (أن سعد بن الربيع ضرب زوجته أو لطمها فجاءت تشتكي إلى رسول الله، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يجعلها تقاد منه -أي: تقتص منه- فنـزلت الآية: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34])، ولكن سبب النـزول هذا ضعيف، ويكفي في القول بأنها لا تقتص منه قوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] ولم يرد أنها تضرب زوجها.

    قال تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34] إذا أطاعتك المرأة فيما لك عليها فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34] أي: ليس لك طريق تصل إليها منه تضربها بسببه، أي: إن أطاعتك فيما يرضي الله فقد سدت عليك كل الطرق الموصلة إلى ضربها، فإذا بغيت عليها فالله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34]، فجاء بصفة العلو هنا ليخبرك -أيها الظالم الذي تضرب زوجتك دون سبب- أن هناك من هو أقوى وأكبر منك وأقدر عليك منك على زوجتك، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، فإن بغيتم عليهن سبيلاً فـ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ، يعني: إن ربك لك بالمرصاد أكبر منك وأعلى.

    فلذلك لكل ختام الآيات مدلول في الآية نفسها، أي: تنـزيل الآية بصفة العلو ووصف الله سبحانه وتعالى لذاته بأنه كبير؛ لفائدة تحمل معنى التهديد والترهيب لمن اعتدى على زوجته بغير سبب، يعني: لا تبغي عليها وتستذلها وتضربها بلا سبب فإنك إن فعلت فاعلم أن الله كان علياً كبيراً، وهو قادر على الانتقام منك، والبطش بك سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأسئلة

    انتقاد الصحيحين

    السؤال: ماذا نقول لمن يضعف حديثاً في صحيحي البخاري ومسلم؟

    الجواب: تقدم الكلام على ذلك: وهو أن صحيحا البخاري ومسلم قد تلقتهما الأمة بالقبول إلا أحاديث يسيرة جداً انتقدها الحفاظ كـالدار قطني وغيره، وهي نسبة لا تتجاوز نصف الواحد في المائة، أي: أن تسعة وتسعين في المائة ونصف صحيح ونصف في المائة ضعيف، فإذا كان المنتقد قد أورد حديثاً من الأحاديث المنتقدة، وقال: العالم الفلاني تكلم فيه فله ذلك، لكن إذا تطاول وأدلى برأيه ولم يورد مستنداً بذلك فقوله مردود عليه.

    معاملة أصحاب المعاصي

    السؤال: ظاهرة مشهورة بين من يعمل في مجال العلاج بالقرآن، وقد فتن أكثر من مرة وأخذ الناس يتحدثون عنه، فما هو العمل معه؟

    الجواب: تعامل معه بما يستحق، أي: أن كل شخص له تعامل خاص به.

    حكم زيارة أقارب الزوجة في مواسم معينة

    السؤال: ما الحكم فيما يسمى بالمواسم التي يأتي فيها أقارب الزوجة إلى بيت زوجها؟ وما حكم ما يأتون به من مال أو طعام؟

    الجواب: الأولى ترك هذه المواسم وزيارة البنت في أي يوم، أما المواسم فلم ترد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أبداً، ولكن عموم التهادي وارد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتزاور وارد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    قالت عائشة رضي الله عنها: (قد كنا نمكث الشهرين أو الثلاثة في بيت رسول الله ولا توقد في بيوتنا نار، فقيل لها: ماذا كان يعيشكم يا أم المؤمنين؟ قالت: كان لنا جيران وكن نسوة ست وكانت لهم منائح يأتوننا بلبنها). أو كما قالت رضي الله تعالى عنها.

    فالتهادي من الجيران أو من الأقارب مشروع ومسنون ومستحب، لكن المواسم والثالث والرابع وكل هذا لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركه أولى، لكن المال الذي يأتون به حلال.

    حكم أخذ المال ممن يعمل في بنك ربوي أو الأكل من طعامه

    السؤال: ما حكم ما يقدمه لي رجل عندما أزوره أو يعطيني على سبيل الهدية إذا كان هذا الرجل يعمل في بنك ربوي؟

    الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام دعته امرأة يهودي إلى شاة مسمومة فأكل منها عليه الصلاة والسلام، فإذا كنت تذهب بنية نصحه وإرشاده، أو تأليف قلبه لعمل خير جاز لك، لأن نصحه مطلوب منك، فاليهودية لما دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -واليهود أموالهم مشتبهة- أكل عندها ولم يستفسر، فبالنسبة للرجل الذي يعمل في البنك فعلمه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله آكل الربا وكاتبه وموكله وشاهديه) لكن.. هل المال الذي أخذه مقابل عمل أداه حرام؟ هذه المسألة شائكة بعض الشيء بين العلماء، فالربا نفسه محرم وكاتبه ارتكب جرماً وإثماً، لكن.. هل الأجرة التي ويحصل عليها حرام قولاً واحداً، والمفروض أن يحرقه؟ أو أن أخذ المال مقابل الكتابة والأجر صحيح.

    الأحوط للشخص أن يترك ذلك قولاً واحداً، وآكل الربا وكاتبه ملعون، لكن بالنسبة لك إذا ذهبت إليه فالظاهر -والله أعلم- أنه إذا دعت الضرورة إلى ذلك جاز لك أن تشرب عنده الشاي، وأن تأكل عنده اللقمة، وهذا اجتهاد مني إن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وإن أصبت فمن الله.

    صحة أثر عمل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عند يهودي أجيراً

    السؤال: ما صحة الأثر المتداول بين الناس بأن علياً كان يعمل عند يهودي؟

    الشيخ: هذا الأثر المتداول: أن علياً كان يعمل عند يهودي وكان يستخرج له دلواً ويعطيه تمرة مقابل الدلو، لم أقف له على سند، لأن كثيراً من الآثار تحتاج إلى النظر في أسانيدها، فالمسألة التي ذكرت مسألة تحتاج إلى مزيد تحقيق وتدقيق.

    مسألة مشاركة الجني للإنسي في الطعام وغيره

    السؤال: إذا أصيب الإنسان بمس من الجن، فهل الجن يشترك معه في كل شيء حتى الطعام؟

    الجواب: لا أعلم في هذا شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اختلاف العلماء في دوران الأرض

    السؤال: وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الأنبياء:31] هل في هذا دليل على أن الأرض ساكنة لا تتحرك؟

    الجواب: ليس صريحاً، في قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88] في هذه الآية مبحث دقيق حيث أن (الواو) في قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88] هل هي: واو الابتداء أو واو العطف؟ الآية التي قبلها تتحدث عن يوم القيامة : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى [النمل:87-88] هل الواو هنا عاطفة؟ يعني: وترى يوم القيامة الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، أو هي بدائية، وترى الآن الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب؟

    من العلماء من يقول: إن هذا يوم القيامة ويستأنس بقوله تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ:20] فإن قال قائل: يوم القيامة ترى الجبال تحسبها جامدة. أي: يوم القيامة أنت إذا نظرت إلى الجبال تراها جامدة أمامك بنص الآية الكريمة، لكن رب العزة قال: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج:9] فيراها الرائي وهي كالعهن، فالخلاف اللغوي في تحديد الواو في قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88] هل هي واو العطف وأن ذلك يوم القيامة أم هي واو الابتداء ويكون عليه التفريع الوارد في هل الأرض ثابتة أو متحركة؟!

    كما تقدم. فمثلاً: في قوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ [محمد:35] الواو في قوله تعالى: وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ [محمد:35] هل هي واو ابتداء أو واو الحال؟ يعني: لا تهنوا وتدعوا إلى السلم في حال كونكم أعلون، أو لا تهنوا وتدعوا إلى السلم مطلقاً وأنتم الأعلون مستقبلاً.

    فهنا (الواو) لا تستطيع أن تحزمها بمجرد العطف إلا إذا تدخلت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك، ففي سنة الرسول أن الرسول إذا كان ضعيفاً طلب الصلح، ومطلب المصالحة عليه الصلاة والسلام، فلما حاصرته الأحزاب عرض على الأنصار أن يعطي الأحزاب ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتصالح الرسول عليه الصلاة والسلام في عدة مرات مع الكفار، وخالد بن الوليد رضي الله عنه انحاز بالجيش يوم مؤتة، ورجع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالسنة تتدخل لضبط مثل هل الأشياء الدقيقة.

    فلذلك المفسر اللغوي أو البلاغي الذي ليس عنده رصيد من سنة رسول الله تجده يسبح مع العقل أو مع اللغة فيفسر بما تقتضيه اللغة وما يقتضيه العقل؛ فيحيد في كثير من الأحيان عن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودائماً حجج اللغويين تكون واهية، فقد يأتي بقياس ولكن يؤتى له بقياس أحسن من قياسه؛ فلذلك سنة الرسول تكون ضابطة للمسألة.

    هذا بالنسبة لمسألة: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]، فالأدلة فيها من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام قليلة وشحيحة، وما تقدم هو رأي بعض أهل العلم، والجمهور على أن الآية: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88] أن ذلك يوم القيامة، وبنوا تأويلهم للواو على ما سمعتموه.

    ومن أهل العلم من قال: لا يمنع أن تكون الواو واو الابتداء، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    حكم الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم

    السؤال: هل يفدي الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم إذا أفطر؟

    الجواب: إن جئت إلى الأدلة: قال الله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] من هم الذين يطيقونه؟

    أهل العلم لهم فيها قولان:

    الجمهور قالوا: الذين يطيقونه. أي: يتحملون صومه، فالآية معناها: وعلى الذين يتحملون الصوم ويستطيعون الصوم إذا أرادوا أن يفطروا أفطروا وأطعموا عن كل يوم مسكيناً وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] قالوا: على هذا التأويل جاءت الآية لكنها نسخت بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].

    ابن عباس قال: الآية ليست منسوخة، إنما المعنى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة:184] أي: يتحملون صومه وهو شاق عليهم، فإذا أرادوا أن يفطروا فإنهم يطعمون عن كل يوم مسكيناً، لكن هذا تأويل مخالف لتأويل الجمهور، ثم يعرض عليه أيضاً أن الشيخ الكبير لا يستطيع صومه أصلاً لا بمشقة ولا بغير مشقة.

    وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها شيء فيما علمت في أمر الشيخ الكبير أصلاً، فالآثار عن الصحابة فيها أثر عن أنس بن مالك ( أنه لما كبر كان يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكيناً ) وهذا الوارد الصريح في الباب، لكن قال بعض أهل العلم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فكيف تلزمون الشخص بشيء في ماله إن لم يلزمه به الله ورسوله، فالرجل مخاطب بالصوم، ولكنه ما استطاع الصوم، والله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) وهذا لم يستطع الصوم ولا القضاء في عدة من أيام أخر، والآية ليست صريحة، إنما الجمهور قالوا فيها ما تقدم إذا كان فعل الصحابي أنس بن مالك فإن شئت أن تختر فعله لنفسك فاختر فعله لنفسك، لكن لا تلزم به غيرك من المسلمين.

    هذا الحاصل في هذا الباب، فإن أراد الشخص أن يفعل بفعل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ويفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان شيخاً كبيراً فعل، وإلا فلا فليس هناك دليل صريح ملزم أصلاً.

    ويلحق بهذا: المريض مرضاً مزمناً فهو لا يستطيع الصوم ولا القضاء مطلقاً، فهذا لا نستطيع أن نلزمه بشيء، قال الله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] قال المريض: أنا أصبر إلى أن تأتي أيام أخر، ولكن مرضي لا يرجى برؤه مطلقاً، فلا دليل على إلزامه بالإطعام فيما علمت لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    حكم قول الزوج لزوجته: أنت مطلقة بإذن الله

    السؤال: ما الحكم في قول الزوج لزوجه: مطلقة بإذن الله؟

    الجواب: قال زوج لزوجته: أنتِ مطلقة بإذن الله، الظاهر والله سبحانه وتعالى أعلم أن في مثل هذا (لمز)، فيسأل عن نيته. ومعنى قوله: مطلقة بإذن الله. أي: سأطلقكِ بإذن الله، أو مآلك إلى أن تكوني مطلقة بإذن الله.