إسلام ويب

مراعاة الأحاسيسللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت تكاليف الشريعة وفق استطاعة المكلف، قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، ومن أعظم سمات هذا الدين رفع الحرج عن المكلفين، ومراعاة قدراتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، وهذا دليل على أن الإسلام دين يسر وسهولة، لا دين مشقة وحرج.

    1.   

    مراعاة مشاعر الأحياء بالكف عن موتاهم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    وبعد:

    فقد جاء الشرع الكريم بالرحمة والرأفة ورفع الحرج، فما جعل علينا في الدين من حرج، وراعى قدرات الخلق وإمكاناتهم وأجاز أموراً ممنوعة للضرورة، قال تعالى إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] ، وقال تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، فالشاهد من ذلك: أن قدرات الناس يجب أن تراعى، وكذلك الأحاسيس والمشاعر.

    ومن ذلك: مجيء عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات أبوه عبد الله بن أُبي، وكان رأس المنافقين كما هو معلوم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! استغفر لأبي، وألبسه قميصك!) يعني: لعله أن يُرحم بسبب ذلك، وكان هذا قبل أن ينزل قول الله تبارك وتعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84] ، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ما طلبه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول منه، فاستخرجه وألبسه قميصه، ونفث فيه من ريقه واستغفر له، ولما جاء عمر وقال: يا رسول الله! تستغفر له وقد قال كذا يوم كذا وكذا؟ فقال: (أخر عني يا ابن الخطاب ! إني خُيرت فاخترت) يعني: أن الله قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80].

    فما دام أنه لم يكن هناك نهي وثمّ جبر لخاطر عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وهو رجل مؤمن؛ فلا مانع من جبر الخاطر وتهدئة المشاعر، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخر عني يا ابن الخطاب !) إلى أن نزل قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84] ، فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد.

    ومن مراعاة الأحاسيس أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) ، فسب الأموات فيه أذىً للأحياء، ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الأموات مراعاة لأحاسيس الأحياء، والله تبارك وتعالى أعلم.

    اللهم! إلا إن كان هذا الميت قد سن سنة سيئة في المسلمين، فحينئذٍ يُذكر للتحذير منه، كما قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8] ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار) يعني: أمعاءه، إذ هو أول من سيب السوائب، فكان يأتي إلى الناقة فيشق أذنها ويقول: هذه سائبة، أي: متروكة للآلهة لا تقرب بسوء ولا ينتفع بها ولا بلبنها، ولا بأصوافها ولا بأوبارها.

    فالشاهد من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عمرو بن لحي؛ لكونه سيب السوائب، وذكر أنه رآه يجر قصبه في النار، وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد:1-2]، فالشاهد: أن لمسألة سب الأموات فقهاً، وأن الأصل عدم سب الأموات، اللهم إلا إذا دعت ضرورة لسبهم ولبيان أحوالهم؛ لكونهم سنوا في الناس سنناً سيئة، فحينئذٍ يُذكرون بمساويهم؛ حتى يحذرهم الناس، ويحذروا سننهم، والموفَّق هو الله سبحانه وتعالى.

    أما إذا لم تكن ثمّ حاجة إلى ذكرهم بسوء، فحينئذٍ يضرب الذكر صفحاً عنهم، قال فرعون لموسى على نبينا وعلى موسى السلام: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:51-52] ، وقد قال عدد من العلماء لما سُئلوا عن الخلافات التي دارت بين الصحابيين الكريمين علي ومعاوية رضي الله عنهما، قالوا: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].

    1.   

    مراعاة المشاعر والأحاسيس بمراعاة القدرات

    من مراعاة المشاعر القدرات: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه عليه) ، فيخفف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة؛ بسبب بكاء الصبي شفقةً عليه وعلى أمه.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ بن جبل لما صلى بالناس صلاة العشاء وأطال في الصلاة إذ استفتح بالبقرة، فانفض رجل من خلف معاذ وفارقه وأتم صلاته وحده، فبلغه أن معاذاً نال منه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوه إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفتانٌ أنت يا معاذ !؟ أفتانٌ أنت يا معاذ !؟ أفتانٌ أنت يا معاذ !؟ من صلى بالناس فليخفف؛ فإن من ورائه الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما يشاء) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مراعاة المشاعر والأحاسيس بدفع الشبه

    من مراعاة الأحاسيس والمشاعر أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لدفع الشكوك عن شخصين من أصحابه: (على رسلكما إنها صفية )، فقد جاءت صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في معتكفه، فمكثت عنده ساعة، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم يردها إلى بيتها، وكان بيتها قريباً من دار أسامة بن زيد، فرآها رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما إنها صفية!) فقالا: سبحان الله! وشق ذلك عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً -أو قال: شراً- فتهلكا ).

    1.   

    مراعاة المشاعر والأحاسيس بتجنب النَّجوى

    من مراعاة الأحاسيس والمشاعر أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يحزنه)، وعلى الإطناب يقول العلماء: إذا كنتم خمسة فلا يتناجَ أربعة دون الخامس، وإذا كنتم عشرة فلا يتناجَ تسعة دون العاشر، كل ذلك لدفع الشكوك عن المسلمين، ولمراعاة مشاعر المسلمين وجبر خواطرهم، لكن إن دعت ضرورة إلى التناجي حينئذٍ يُتناجى بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة، وإلا فرب العزة يقول: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة:10]، وقد ناجى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة في حضور أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وعنده سائر أزواجه أيضاً، فخص فاطمة رضي الله تعالى عنها بسر، فسألتها عائشة رضي الله عنها عن سر النبي صلى الله عليه وسلم فلم تبح لها به، ثم لما مات صلى الله عليه سولم أباحت لها به، لدفع الشكوك عن عائشة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مراعاة المشاعر والأحاسيس بترك بعض المندوبات لتأليف القلوب

    1.   

    مراعاة المشاعر والأحاسيس بدفع الشكوك عن المسلمين

    من أبواب مراعاة المشاعر والأحاسيس: دفع الشكوك عن المسلمين، وفي ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الخصوم ليقضي بينهما قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل) وذلك كالوارد في حديث العسيف لما جاء النبي رجل فقال: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنا بامرأته -أي: كان أجيراً عند هذا فزنا بامرأته- وإنهم قضوا بأن على ابني مائة شاة ووليدة، وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مطيباً الخواطر: (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل).

    وكذا لما جاء بنو مخزوم إلى النبي عليه الصلاة والسلام يستشفعون عنده بـأسامة بن زيد كي يتجاوز عن قطع يد السارقة، قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) كل ذلك لدفع الظنون والشكوك عن هؤلاء القوم.

    فهذا باب يجب أن يُراعى، ألا وهو مراعاة الأحاسيس والمشاعر والقدرات، ودوماً الموفق من وفقه الله، وفقنا الله وإياكم لكل خير، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.