إسلام ويب

ابتلاء العباد [1]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله تبارك وتعالى الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، فمن العباد من يبتلى بالضراء، ومنهم من يبتلى بالسراء، فمن صبر في الضراء وشكر في السراء فاز وربح، ومن كان غير ذلك خاب وخسر. ومن نظر إلى أحوال أهل البلاء فحري به أن يشكر نعمة الله عليه بالعافية.

    1.   

    الدنيا دار ابتلاء

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    وبعد:

    فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار؛ ولذلك خلق خلقه، كما قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2] ، وكما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2] ، وقال سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ [المؤمنون:115-116] أي: تعالى الله عن العبث، فهو الملك الحق: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116] ، وقال سبحانه كذلك: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة:36-37]، فلذلك معشر الإخوة: خلق الله سبحانه وتعالى خلقه للابتلاء وللاختبار، حتى سيدنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، قال الله له كما في الحديث القدسي عند مسلم : (إن الله قال لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: وإني مبتليك ومبتلٍ بك) هكذا قال الله سبحانه -في الحديث القدسي- لنبيه محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم.

    فهذه هي الحياة الدنيا كلها وما عليها ابتلاء، وكلها وما عليها اختبار، حسن الحسن، وجمال الجميل، وثراء الغني ، وفقر الفقير، وصحة الصحيح، ومرض المريض، كل ذلك ابتلاء، قال الله سبحانه: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7] ، ثم قال مبيناً مآلها بعد ذلك: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8] ، وقال الله سبحانه محذراً من هذه الفتنة: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131] (أزواجاً منهم) أي: أصنافاً من الكفار.

    صور الابتلاء

    وفي هذه الحياة الدنيا الكل مبتلى بالآخر، قال تعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] ، وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:20] ، فالكل مبتلى في هذه الحياة الدنيا، لا تكاد تنجو من ابتلاء إلا وقعت في ابتلاء آخر، مؤمناً كنت أو غير مؤمن، ورب العزة يبين لنا ذلك، يبين لنا أنه يختبرنا ويبتلينا، أحياناً إجمالاً وأحياناً صراحة في الشيء الذي أنت مقدم عليه، يقدم الحجيج على الحج في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فيقول الله لهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:94] أي: يا من أحرمتم بالحج لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة:94] ، ولما مرّ طالوت بالجنود قال لهم صراحة: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة:249] أي: مختبركم بنهر، وأحياناً يأتي التنبيه بالابتلاء إجمالاً: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3]، فيكون الشخص في فتنة كفتنة الفقر -والعياذ بالله من الفقر- فيكافح ويكافح إلى أن ينجو من فتنة الفقر، فيبتلى بفتنة أخرى في ولده، يأتيه ولد شقي غوي يكدر عليه حياته، فيسلم من فتنة الولد فيبتلى بفتنة في الزوجة، فيسلم من فتنة الزوجة فيبتلى بحادث في طريقه يدمر عليه سيارته، ويكون سبباً في خراب بيته، وفي تحطيم جسمه وإصابته، يعافى من ذلك، فيبتلى بجار من جيران السوء ينكد عليه معيشته، فيبتلى بالسراء ويبتلى بالغنى، وهذا من شر أنواع البلاء؛ لأنها تطغي ولأنها تنسي، كما قال سبحانه: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وكما قال سبحانه: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [الإسراء:83] ، فيبدأ بالطغيان واحتقار العباد إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه وتعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، فهذه الحياة الدنيا كلها ابتلاء واختبار، ولا تظن أبداً أنك ما دمت معافى في البدن، معافى في المال، وسيماً في منظرك، في أبهة من الأبهات، لك منصب، ولك جاه، لا تظن أن هذا إكرام من الله سبحانه وتعالى لك، فلو كان هذا إكراماً من الله لك لما قال سليمان النبي الكريم الذي سخرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وجاءه عرش ملكة سبأ واستقر عنده قبل أن يرتد إليه طرفه : هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40]، تبتلى بالفقر ليعلم الله هل تمتد يدك إلى الحرام أم تقنع بالحلال؟ تبتلى بالصحة والعافية ليُعلم هل تواسي أهل البلاء أم لا؟ وليُعلم كذلك هل تستعمل صحتك في طاعة الله ومرضاته أم أنك من الذين قال الله فيهم: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:205-206]؟ يبتلي الله العباد بصنوف من الابتلاءات، تكون نائماً وقرير العين في البيت وإذا بطارق يطرق عليك الباب -ونعوذ بالله من طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمان- يقول لك: انزل؛ ابنك فُقئت عينه! انزل؛ أبوك أصيب بحادث! اخرج؛ أمك قد ماتت! ابتلاء من حيث لا تحتسب، كل هذا اختبار وابتلاء من الله سبحانه، فمن الناس من يعرف الحكمة من وراء ذلك فيقول كما قال سبحانه: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157]، وآخرون يقولون متحسرين متأسفين: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]. فلابد -معشر الإخوة- أن نفقه الحكمة من خلقنا، والله! ليست كي نأكل ونشرب، ونتلذذ بالمطاعم وبالنساء على الفرش، ثم ماذا بعد ذلك ما الذي ينتظرنا؟ ينتظرنا قبر موحش مظلم -والعياذ بالله- نسأل الله أن يجعله علينا جميعاً روضة من رياض الجنان.

    ابتلاء الأنبياء والرسل

    معشر الإخوة: لسنا بدعاً من الخلق، فقد ابتلي آباؤنا من قبلنا؛ ابتلي أبونا آدم صلى الله عليه وسلم، ولكن قدر الله وما شاء فعل، ابتلي آدم بشجرة -وهذا أمر الله وقضاؤه- فأخرج من الجنة، قال الله له ولزوجه: كُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف:19]، ولكن جاءه إبليس الغوي ليغويه، ويقول له: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120]، وأيضاً أقسم له بالله على ذلك كما قال تعالى: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، فأنزلهما عن رتبة الطاعة بخداع، فلما عصيا أمر ربهما نزع عنهما ستره كما قال تعالى في كتابه الكريم: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا الأعراف:27]، وهكذا تفعل المعاصي تعري بعد ستر -والعياذ بالله- قال تعالى: يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا [الأعراف:27] ظهرت العورات وانكشفت بسبب المعصية، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22] حتى يسترا عوراتها، نعوذ بالله من الفضائح! ثم تاب الله عليهما. ثم جاء ابنا آدم وابتلي أحدهما بالآخر فقتله. وجاء نوح فابتلي بوصف قومه له بالكذب، وهو الصالح العاقل النبي الكريم الحليم الرشيد صلى الله عليه وسلم، نوح العاقل الكريم أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض يتهم بأنه كذاب وبأنه مجنون، ومن أشق أنواع الابتلاء أن تبتلى بابن يقول عنك: إنك كذاب، أو بأب يقول عنك: إنك كذاب، أو بجيران كذلك، وأنت الصادق النزيه، فابتلي نوح عليه السلام بهذا النوع من أنواع الابتلاء، وهو أشق أنواع الابتلاء على النفس، كما قالت عائشة : (يا رسول الله! هل أتى عليك يوم هو أشد من يوم أحد؟ -تعني: أشد عليك من هذا اليوم الذي شج فيه رأسك، وكسرت فيه رباعيتك، وبقر فيه بطن عمك حمزة فاستخرجت كبده فلاكته امرأة- قال: نعم يا عائشة! لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ذلك علي أنني خرجت يوماً أعرض نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فكذبني وردني)، فكان هذا أشق على رسول الله عليه الصلاة والسلام من شج رأسه، ذهب إلى رجل يدعوه إلى الله، ويبين له طريق الخير والشر، فيقول له: ارجع فأنت كذاب، ابتلي نوح بهذا النوع من هذا البلاء.

    أما الخليل إبراهيم عليه السلام فتعددت بلاياه، ابتلي بالعقم وعدم الإنجاب، ابتلي بلقاء الجبابرة، ابتلي بعد ذلك بالولد حيث رزق به، ثم أمر بذبح الولد، كما قال ربنا: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:106-107].

    وابتلي موسى وقال الله في شأنه: وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40].

    وابتلي سليمان عليه السلام، فقال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]، وقبله أبوه داود قال تعالى: وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:24-25].

    الحكمة من الابتلاء

    فيا معشر الإخوة: ليكن أحدكم فطناً لما يدور حوله، ولما يحل به ولما هو فيه، فوالله! قد تبتلى وأنت لا تشعر، تخرج من بيتك آمناً مطمئناً، تأكل وتشرب وأنت في أمن وفي رغد من العيش، وهذا في نفسه فتنة، الأمن فتنة ستسأل عنها يوم القيامة، ومن ثم قال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67] أي: هلا قاموا بشكر نعمة الأمن؛ فالناس يتخطفون من حولهم! هلا قاموا بشكر نعمة الصحة والعافية، والناس مرضى يتوجعون من حولهم! هلا قاموا بشكر نعمة الغنى؛ والناس يتضورون جوعاً من حولهم. قال رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام وقد ذهب إلى بيت رجل من الأنصار هو وأبو بكر وعمر ، فقرب لهم ماءً ورطباً فأكل النبي وصاحباه وشربوا، ثم قال (والذي نفسي بيده! -أقسم الرسول والحديث ثابت وصحيح- لتسألن عن نعيم هذا اليوم)، فهذا ابتلاء ولكنك لا تشعر به.

    يا عبد الله! يا من آتاك الله منصباً! اعلم أن في المنصب ابتلاء لك، فلا تزدرِ من هم تحت يديك، يا من أصيب بالفقر! اعلم أن في الفقر ابتلاء لك فكن من الصابرين، وللابتلاءات حكم فاعلمها واغتنم الخير منها، قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] أي: هلا تضرع هؤلاء المبتلون فمدوا أيديهم ورفعوها إلى السماء، فجدير بكل من ابتلي أن يرفع يد الضراعة إلى الله سائلاً إياه بكشف الضر، وكذلك قال ربنا سبحانه حاثّاً لنا على الصبر عند البلاء -في شأن أيوب عليه السلام -: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، فليجد الله كل من ابتلاه منا صابراً فلنصبر على ما ابتلانا الله سبحانه وتعالى به، قد تبتلى بجار من جيران السوء، قد تبتلى بحاكم ظالم، قد تبتلى بمفسد في الريف، فلتصبر على كل أنواع البلاء كلها، واسأل الله العون والسداد، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وثبتنا على الحق وإياكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.

    الحث على التوبة لمن لم يصبر عند البلاء

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    معشر الإخوة: كم ابتلينا واختبرنا فرسبنا في الابتلاءات والاختبارات! كم منا من شخص ابتلي فلم يقل ما يرضي الله عز وجل، ولكن رب العزة سبحانه وتعالى فتح باب التوبة للتائبين، فتح باباً لا يغلق لمن أراد أن يتوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، فجدير بكل من رسب في هذا الاختبار، أو لم يقم بشكر نعمة أنعم الله بها عليه أن يرجع إلى الله، أن يرجع إلى الله مستغفراً أواهاً منيباً، فالله سبحانه وتعالى يحث كل مذنب أن يرجع إليه، قال تعالى -وانظر إلى هذه الآية الطيبة الكريمة ذات المعاني العظيمة، التي عدها بعض أهل العلم من أرجى الآيات في كتاب الله- : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، فأي آية في الحسن بعد هذه الكلمات؟

    فيا معشر الإخوة: أحبوا ربكم كما يحبكم ربكم، ربكم سبحانه يحبكم ويصلي عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، فاشكروه واحمدوه واستغفروه، وتدبروا آياته، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42]، ثم قال بعدها في الآية التي تلتها: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، فكأن معنى الآية -والله أعلم-: كما أن الله سبحانه وهو في السماء مستوٍ على العرش، يصلي عليكم، وملائكته يصلون عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور فبالمقابل اذكروه ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً، فإنه سبحانه وتعالى بالمؤمنين رحيماً. فجدير بكم -معشرة الإخوة- أن تقابلوا نعم الله بالشكر، وتقابلوا ابتلاءات الله أياً كانت أنواعها بالصبر؛ ليجد ربكم سبحانه الواحد منكم صابراً من أهل الفضل والصلاح: نَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، فكل من ابتلي بالضراء عليه أن يكون في عداد الصابرين، وكل من ابتلي بالسراء عليه أن يكون من الشاكرين.

    الإحسان إلى أهل البلاء

    انظروا إلى من حولكم من أهل البلاء، وتفكروا في أحوالهم، ولا تنسوا شكر نعم الله عليكم، ولا تنسوا مواسات إخوانكم الذين ابتلاهم الله سبحانه، أمدكم الله بنعمة الأمن في بيوتكم، ونعمة المطعم والمشرب، ولكن ثَم مسلمون في أنحاء العالم وبقاع الأرض مشتتون ومشردون ليس لهم مأوى يأوون إليه، فعليك أن تحمد الله إذا آويت إلى فراشك عند نومك، وتقول ما علمك نبيك محمد عليه الصلاة والسلام مستشعراً نعمة الله عليك: (الحمد لله الذي كفانا وآوانا)، حقاً كم ممن لا كافي له ولا مؤوي؟ إخوانكم في بلاد العالم من المسلمين يشردون ويشتتون ويفارقون الأهل والديار والأموال والأولاد، يتركون كل ذلك فراراً بدينهم، وفراراً بأنفسهم من أعداء الله سبحانه، وأنتم تطالعون ذلك في الصحف، فإخوانكم في بلاد كوسوفا يشتتون ويشردون ويطردون، تاركين الأهل والأولاد والأثاث والمتاع فراراً بدينهم ثم فراراً بأنفسهم من العدو النصراني الصليبي الحاقد، يشتتون أيما تشتيت، وتبقر بطون النساء، ويذبح الأولاد، كالذي كان يصنع على عهد فرعون الأثيم، وآخر شيء وصلني في نشرة من إخواننا هنالك: رجل وزوجته وابنته التي تدرس هنالك، قتل زوجها وهي تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً وهي حامل، فجاء هؤلاء الكفرة الصرب الظالمون إلى هذا البيت، وأمروهم بالخروج منه، وقالوا: بعد أن تدفعوا عن كل رأس منكم مائة -من عملتهم- فدفعوا عن كل شخص منهم مائة، فقالوا: وأين مائة الجنين؟ فقالوا: هذه المائة للجنين، فقالوا: إننا نأخذ على الذكر مائة وعلى الأنثى مائتين، فقالوا: هذه المائة التي معنا لكونه ذكراً إن شاء الله، فقالوا لرب البيت: إن لم يكن ذكراً شنقت، وفعلاً أتوا بالمشنقة، ووضعوا رقبته فيها، والكرسي تحت رجليه، فقالوا: غاية ما نفعل بك إذا كنت كاذباً أن نسحب الكرسي من تحت رجليك! وجاءوا إلى المرأة الحامل وبقروا بطنها وهي حية بلا رحمة ولا شفقة، فاستخرجوا المولود فكان ذكراً، ففكوا المشنقة من عنق الرجل، وذبحوا المولود، وتركوا الوالدة ينزف دمها حتى ماتت! هذه أفعال بشعة تفعل بإخوانكم من أهل الإسلام.

    فضلاً عن إخراجهم من ديارهم وهم مئات الألوف، فاحمدوا الله الذي أطعمكم من جوع، والذي آمنكم من خوف، وهذه النعمة لا يستشعرها الناس إلا إذا سلبت منهم، استعيذوا بالله من قهر الرجال، فأي قهر لرجل يذبح ولده بين يديه؟ أي قهر يحدث لك أن ترى رجلاً يفعل بامرأتك الفاحشة؟ يهتك عرض ابنتك أمام عينيك، ورأسك يداس بالأقدام وبالنعال، أي قهر للرجال أشد من هذا القهر يا عباد الله؟! فاحمدوا الله على نعمة الأمن التي تعتبر ابتلاء من الله، وشاركوا إخوانكم الذين ابتلاهم الله بمثل هذه البلايا بالدعاء، أو بالمال، فشاركوا إخوانكم بشيء من التبرعات بكفالة يتيم هنالك، أو سد جوع جائع هنالك، أو كسوة عارٍ، حتى يزكي الله قلبك ومالك، وتستشعر أنك تشارك إخوانك ولو بالشيء اليسير، استشعاراً لإخوة الإسلام التي تربطك بهؤلاء الأعاجم، لا يربطك بهم نسب، ولا يربطك بهم حسب، بل ولا تربطك بهم لغة، فلغتهم غير لغتك، ليس بينك وبينهم إلا أخوة الدين والإسلام.

    يا عباد الله! استشعروا برباط الإسلام الذي يربطكم بإخوانكم، فليتبرع لهم متبرع ولو بعشرة قروش، فإن النبي قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، وأمكم عائشة رضي الله عنها جاءتها امرأة معها ابنتان تسألها، فدخلت عائشة رضي الله عنها إلى البيت فما وجدت شيئاً غير تمرة، فأخرجتها وسلمتها للمرأة، فشقتها المرأة بين ابنتيها نصفين، فأخبرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: (من ابتلي بشيء من هذه البنات فصبر عليهن، كن له ستراً من النار يوم القيامة)، فيا معشر الإخوة عليكم بالدعاء لإخوانكم، وعليكم بالتبرع لإخوانكم، والحمد لله على كل حال.

    اللهم! انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم! أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم! خذ بأيدينا ونواصينا إلى البر والتقوى، اللهم! عليك بالصرب الظالمين وبكل باغٍ معتد أثيم يارب العالمين، اللهم! انصر الإسلام والمسلمين، وأيدهم بنصرك وبتأييدك يا سميع الدعاء يا مجيب السائلين، وكلل اللهم مساعينا جميعاً بالتوفيق، وتقبلها بقبول حسن, واجمعنا جميعاً مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى جناتك، جنات الخلد التي أعدت للمتقين.