إسلام ويب

يا قومنا أجيبوا داعي اللهللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله سبحانه أن شرع لنا صوم شهر رمضان وقيامه، وقد ضاعف الله فيه الأجر والثواب، ولشهر رمضان فضائل تفرد بها على باقي الشهور، فهو شهر الجود والكرم، وشهر قراءة القرآن ففيه أنزل، وهو شهر أعز الله فيه الإسلام وأهله، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وتابعيهم أسوة حسنة.

    1.   

    فضل صيام شهر رمضان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    إن في هذه الأيام تعرض النفحات، كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم، ألا فتعرضوا لها، فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة من رحمة الله ما يشقى بعدها أبداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افعلوا الخير جهرة، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده).

    فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، ويا شمس التقوى والإيمان على القلوب اطلعي، ويا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، ويا أقدام المتهجدين لربك انصبي واركعي واسجدي، ويا عيون المتأدبين في ليل رمضان لا تهجعي، ويا همم المحبين بغير الله لا تقنعي: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:31].

    ضيف أنت حل على الأنام وأبسم المحيا بالصيام

    يجوب الدهر دواباً وفياً يعود مزاره في كل عام

    وتقبل كالغمام تفيض حباً فيبقى بعده أثر الغمام

    مسخت شعائر الضيفان لما قنعت من الضيافة بالمقام

    ورحت تتم للأزواد شرعاً من الإحسان علوي النظام

    بأن الجود حرمان وزهد ألذ من الشراب أو الطعام

    ها قد أتاكم شهر رمضان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الناس بقدوم رمضان، فيقول: (أتاكم شهر رمضان)، قال العلامة ابن رجب الحنبلي : هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بحلول شهر رمضان، فتقبل الله منا ومنكم الصلاة والصيام.

    هذا الشهر العظيم هو شهر الصوم، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).

    والغاية من الصيام يحددها الله تبارك وتعالى في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    جمهور المفسرين قالوا: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي: لعلكم تصلون إلى الغاية التي شرعت من أجلها العبادات وهي التقوى، ولأديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي في قوله تبارك وتعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ معنى آخر يخالف فيه جمهور أهل العلم، يقول: والتقوى هنا: من الاتقاء والوقاية، أي: يتقي الرجل أن يصير عبداً لجسده ولشهواته، وأن يعامل الناس على حساب الجسد فقط، فيرفرف بروحه بعيداً بعيداً عن عالم اللحم والحمأ المسنون، وثورة البطن والفم والفرج.

    والصيام يا إخوتاه! أعظم وقاية من النار، يقول رسولنا صلى الله وعليه وسلم: (الصيام جنة كجنة أحدكم) فالصيام جنة لمن يصوم من النار.

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض).

    وهذا الأمر قد يقول الناس فيه: هذا أمر سهل، ولكن حين تعلم عن حال النار كما جاء في الحديث: (إن آخر من يخرج من النار يخرج منها حبواً فيقول لمولاه: اصرف وجهي عن النار لا أسألك شيئاً غير ذلك)، فقد استولى عليه الخوف من النار فيقول ذلك حتى يدخل الجنة، فبدءاً يقول: اصرف وجهي عن النار لا أسألك شيئاً غير ذلك، ويأخذ الله تبارك وتعالى منه العهد الميثاق ألا يسأله شيئاً غير ذلك، ثم بعد ذلك يغدر ابن آدم.

    والشاهد: أن الصرف والزحزحة عن النار فلاح، وبصيام يوم يجعل الله تبارك وتعالى بينك وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض، فكيف بمدرسة الثلاثين يوماً، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار مائة عام).

    وفي رواية: (سبعين خريفاً) وهذا ثمرة صيام يوم واحد.

    ويخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام أنه كفارة للذنوب، فيقول: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

    ويقول: (من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).

    فإذا أتى رمضان أتى الصوم بغفران الذنوب، يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ورجح الإمام النووي ومال إلى ذلك الحافظ ابن حجر : أن غفران الذنوب يشمل الصغائر والكبائر.

    وقد يبدو لكم أن هذا الأمر هين، ولكن إذا قارنتموه بقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود : وددت أن الله غفر لي ذنباً واحداً وأنه لم يعرف لي نسب، فكيف إذا أتى الصيام بغفران الذنوب كلها ورسولكم صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوماً في سبيل الله سقاه الله يوم العطش).

    تصور أن أناساً يقفون أمام الله تبارك وتعالى في عرصات القيامة خمسين ألف سنة، ما ذاقوا طعاماً، وما شربوا شراباً، ثم يسقيهم الله تبارك وتعالى.

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ) فكيف بالري الذي يأتي بعد خمسين ألف سنة!

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون، ولا يدخل معهم أحد سواهم، فإذا دخلوا أغلق من ورائهم، من دخل منه شرب، ومن شرب لا يظمأ أبداً).

    يقابل الله تبارك وتعالى ظمأ الناس وعطشهم بالري، واسم الباب: الريان من الري، والري ضد الظمأ، فاسم الباب يبعث الراحة إلى النفس، فما ظنك بالداخل! فطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل، وطوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر، وطوبى لمن ترك شهوات حياة عاجلة لموعد غيب لم يره، لقد شد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل، وقل: قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف، فعجل لي العام الذي فيه يغاث الناس ويعصرون.

    وقد صمت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

    من صام عن شهواته أدركها ولو في الجنة، ومن صام عما سوى الله فذلك ستره يوم لقيا ربه، وذلك ستره في يوم المزيد.

    يا إخوتاه! يقول رسولكم صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصوم فإنه لا عدل له).

    وفي رواية: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، قال هذا لـأبي أمامة الباهلي ، فما كان هذا الصحابي الجليل يرى في بيته نار إلا في حضرة ضيف، فقد كان يسرد الصوم سرداً، وذلك بعد أن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عليك بالصوم فإنه لا عدل له).

    1.   

    سبب انفراد عبادة الصوم بهذا الفضل

    قال العلماء: لأن في الصوم خواص لا توجد في عبادة غير الصوم، منها: ما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

    قال العلماء: إن ثواب أي عمل من العبادات لا يزيد بحال من الأحوال عن السبعمائة ضعف، فيضاعفه الله تبارك وتعالى إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، فإنه مضاعف فوق سبعمائة ضعف؛ لأنه من الصبر: (والصوم نصف الصبر) كما قال رسولنا صلى الله وعليه وسلم، والله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    فاستثني ثواب الصوم إلى سبعمائة ضعف، ويزيد على ذلك بكرم الله تبارك وتعالى وجوده ومنه.

    الأمر الثاني: أن الإنسان قد يرتكب عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فيأتي يوم القيامة وقد خلص هذا وهذا، فيأخذ الغرماء من ثواب كل الأعمال؛ من ثواب الصلاة، وقراءة القرآن، والزكاة، والجهاد، والحج إلا ثواب الصوم، فلا يأخذ منه الغرماء شيئاً.

    قال الإمام سفيان بن عيينة : يختم الله تبارك وتعالى على ثواب الصوم ولا يأخذ منه الغرماء شيئاً، ويدخل صاحبه به الجنة.

    الخاصية الثالثة للصوم: كما جاءت في الرواية الثالثة: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).

    فالعبادات كلها لله تبارك وتعالى؛ لأن الله زاد الصيام تعظيماً فنسبه إلى نفسه، كما أن المساجد كلها لله، ويأتي الله تبارك وتعالى إلى مسجد بعينه وينسبه إلى نفسه، فيقول: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج:26]، والمراد به: المسجد الحرام، فهذه زيادة تخصيص وتشريف؛ لأن كل العبادات قد يدخلها الرياء إلا الصوم كما قال الإمام أحمد .

    والصلاة قد تصح لك من الناحية الفقهية؛ إذ تأتي بأركانها وبشروطها وبسننها، وبالرغم من هذا قد يقذف بها في وجهك يوم القيامة، وقد قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (يأتي أناس بأعمال مثل جبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً، ثم قرأ الرسول صلى الله وعليه وسلم قول الله تبارك وتعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]).

    وفي حديث محمود بن لبيد : يقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (إياكم وشرك السرائر! قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟! قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيطيل في صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه).

    وأنتم تعلمون أول من تسعر بهم النار، فكل العبادات قد يدخلها الرياء إلا الصوم، فمتى صح لك من الناحية الفقهية أخذت الأجر كاملاً ولا رياء في الصوم.

    فالصوم مداره كله على الإخلاص لله تبارك وتعالى، والإخلاص يا إخوتاه! يورث النصر والعزة، ألم يقل الرسول صلى الله وعليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والنصرة والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب).

    فمفهوم الحديث يدل على أن من راءى بعمله أصابته الذلة والمسكنة والهوان والضعة في الأرض.

    ويقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (إنما ينصر الله عز وجل هذه الأمة بضعفائها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).

    ولذلك كثرت الانتصارات في شهر الصوم والإخلاص؛ وذلك لارتباط الناس بالإخلاص، فكانت هناك بدر، وفتح مكة، وغزوة تبوك، ومعركة عين جالوت، وكان هناك فتح عمورية، وكان هناك الاستيلاء على قلعة صدر بقيادة صلاح الدين الأيوبي ، وموقعة الزلاقة، وكان هناك عبور المسلمين إلى الأندلس تحت قيادة خادم لـموسى بن نصير وهو طارق بن زياد ، فاستولى على تلك المناطق حتى وصل إلى جنوب فرنسا.

    وعلى الطرف الآخر أبو عبد الله الصغير آخر ملك من ملوك الأندلس، ضيعه الإفراط والترف، فأضاع الأندلس، فقالت له أمه: ابك بكاء النساء ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال ولم يصل هذا الرجل في إصراره وتمسكه بوطنه وتمسكه بأرضه إلى ما فعلت إيزابيلا ملكة أسبانيا، ففي الأدب الأسباني -وهذه الرواية واقعية في تاريخ إيزابيلا - أن هذه المرأة أقسمت ألا تخلع قميصها الداخلي حتى تدخل غرناطة، وكان لها ما أرادت، فقد ضيع أبو عبد الله الصغير مملكة الإسلام في أسبانيا، وكان قد اشترط أن يتولى ولايات من قبل إيزابيلا ومن قبل فرديناند هو وأولاده وأحفاده، يقول أحد علماء السير: والله لقد رأيت أحفاده عالة يتسولون الناس في شوارع صرف في المغرب العربي، ضيع ملك الأندلس في سبيل أن يبقى الملك له ولأحفاده، فتسول أحفاده في شوارع المغرب.

    فالصوم يا إخوتاه! مرتبط بالإخلاص، والإخلاص يؤدي إلى النصر.

    يقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).

    لأنك تبتعد عن شهوات جبلك الله تبارك وتعالى عليها، حتى تحس بألم فقدك لهذه الشهوات.

    1.   

    ثواب الصائمين

    يا إخوتاه! إن الله يعطي أناساً يوم القيامة حتى يملوا، فإذا رفعوا رءوسهم وجدوا أمامهم قوماً قد سبقوهم إلى الدرجات العلى، فيقولون: يا رب! هؤلاء إخواننا الذين فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات، فإنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويقومون حين تنامون، ويظمئون حين تروون، ألم يقل الله تبارك وتعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    فكل الناس يأكلون، فما ثواب الصائمين؟ قال قتادة : يمد للصائمين موائد إطعام من رب البرية والناس بعد يحاسبون في عرصات القيامة.

    وقال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).

    بل يقول مكحول الدمشقي : يروح على أهل الجنة برائحة ما وجدوا خيراً منها، فيقال: يا رب ما هذه الرائحة؟ فيقال: هذه رائحة أفواه الصائمين فتتطيب الجنة من عطر أفواههم.

    وهذا إبراهيم بن علي النيسابوري تلميذ الإمام أحمد ظل ستين سنة يسرد الصوم فمات وهو صائم، فقال قبل الموت لابنه: قرب لنا القدح يا بني! ثم قال له: يا بني! هل غربت الشمس قال: لا، قال: تنح عني إذاً، ثم تلا قول الله تبارك وتعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] ثم مات.

    وعروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة ظل يصوم يوماً ويفطر يوماً أربعين سنة، ومات وهو صائم. فيا أهل الصيام! كيف حالكم مع الله تبارك وتعالى في هذا الشهر العظيم الذي ميزه الله تبارك وتعالى بخصائص دون باقي الشهور؟!

    الخير باد فيك والإحسان والذكر والقرآن يا رمضان

    والليل فيك نسائم هفهافة حنت لطيب عبيرها الرهبان

    1.   

    فضل قراءة القرآن في رمضان

    شهر الصيام هو شهر نزول كل الكتب السماوية، يقول الله تبارك وتعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

    وفي حديث واثلة بن الأسقع الذي حسنه الشيخ الألباني يقول: قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة من ست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل من ثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور من ثمان عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان).

    قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    فأين نحن من القرآن؟! يقول أحمد بن أبي الحواري : إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا، ألم يقل رسولكم صلى الله وعليه وسلم: (أبشروا فإن هذا القرآن حبل الله المتين، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم).

    والله لو لم يكن للقرآن إلا هذه الخاصية لكفاه، طرف القرآن بيد الله العظيم، بيد الله الكريمة، وطرفه بأيدي البشر، فاستمسكوا بهذا، استمسكوا بحبل الله تبارك وتعالى، (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    يقول رسولكم صلى الله وعليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).

    أبو جعفر القارئ أحد القراء العشرة لما مات تعجب مغسلوه من أنهم وجدوا نوراً يملأ ما بين قلبه وترقوته، فقال مغسلوه: والله لقد فضحت القراء من بعدك، فقد وجدوا هذا النور على صورة صفحة، أو ورقة من مصحف، فقال مغسلوه: هذا والله من القرآن.

    و نافع أحد القراء العشرة لما مات شموا الطيب من فمه.

    فأين نحن من كلام الله تبارك وتعالى، (من مات على شيء بعث عليه)، قال المناوي : أي: من عاش على شيء بعث عليه.

    وهذا شيخ القراء في المملكة العربية السعودية يحكي عنه الشيخ عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وهو الشيخ عامر يقول: إن هذا الشيخ الجليل أصيب سبع سنوات بسرطان في الحنجرة، فما كان يدرس طلبة الماجستير والدكتوراه إلا بإيماء منه فقط، فلما أذن الله بقرب موت هذا الشيخ وقبل موته بثلاثة أيام اعتدل الشيخ على سريره الأبيض وقطع صوته الجوهري بكلام الله تبارك وتعالى؛ بحيث يسمع السامع تلاوته بصوت ما سمعوا مثله من قبل، فلما انتهى من الختمة قبضت روحه إلى الله تبارك وتعالى.

    أما سمعتم قول رسولكم صلى الله وعليه وسلم: (يأتي القرآن يوم القيامة ماحل مصدق).

    وفي حديث أبي هريرة وابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول القرآن: يا رب! حله حلة الكرامة، يا رب! ألبسه تاج الكرامة، يا رب! ارض عنه فليس بعد رضاك شيء).

    ويقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (من سره أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف).

    وأينا لا يسره محبة الله ورسوله؟! فلننظر في المصحف.

    أطيلوا على السبع الطوال وقوفكم تدر عليكم بالعلوم سحاب

    وفي طي أسماء المثاني نفائس يطيب بها نثر ويفتح باب

    فلا فصلت لما أتاه مجادل فأنصت حتى ما يكون جواب

    أقر بأن القول فيه طلاوة ويعلو ولا يعلو عليه خطاب

    قال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    قالوا للحسن البصري : إن هنا رجلاً يحفظ كتاب الله ثم ينام عنه، قال: ذاك رجل يتوسد القرآن أي: ذاك رجل ينام على القرآن.

    ويقول محمد بن واسع : القرآن بستان العارفين، فأينما حلوا منه حلوا في رياض نضرة.

    ويقول عثمان بن عفان : لو طهرت قلوبكم ما شبعتهم من كلام ربكم. فهو روح لا تطيب الحياة إلا به، وهو نور يضيء القلوب، وتشرق بنوره.

    فاتقوا الله تبارك وتعالى، وأقبلوا على القرآن في شهركم هذا شهر القرآن، لا نقول لكم افعلوا كما كان يفعل الإمام الشافعي ، فقد كانت له ستون ختمة في ليل رمضان ونهاره، ولكن على الأقل عشرة أجزاء في كل يوم بدلاً من الجدال، فطيبوا أجوافكم بكلام الله تبارك وتعالى، وطيبوا أفواهكم بكلام الله تبارك وتعالى، إن الصديقين إذا تلي عليهم كلام الله اضطربت قلوبهم، واشتاقت إلى ما عند الله تبارك وتعالى..

    إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتاب

    أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي

    و الأسد بن يزيد عمي فأذن الله له عند فتح المصحف أن يرتد إليه بصره، فإذا أغلق المصحف وعاد إلى دنيا الناس عاد إلى العمى مرة ثانية.

    فأقبلوا على الله تبارك وتعالى، واسألوا الله لي ولكم أن يشغلكم بكتاب الله عن الدنيا وأهلها، وعن الخوض فيها واللعب بها.

    1.   

    شهر رمضان شهر الكرم والجود

    شهر رمضان يا إخوتاه! هو شهر الكرم، يقول ابن عباس رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله وعليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله وعليه وسلم حين يأتيه جبريل أجود من الريح المرسلة).

    تعود بسط الكف حتى لو انه ثناها لقبض لم تجبه أنامله

    هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله

    ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله

    وهذا سيدنا ابن عمر رضي الله عنه ما كان يفطر إلا في حضرة اليتامى والمساكين.

    وهذا الإمام أحمد يعطي رغيفين أعدهما لفطره لسائل على الباب، ثم يظل طوال الليل صائماً، ويصوم اليوم التالي من غير أكل.

    يقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (أفضل الأعمال عند الله سرور تدخله على مسلم)، وسرور هذا الشهر الإطعام، (سرور تدخله على مسلم، أو تطرد عنه جوعاً، أو تطعمه خبزاً).

    فلو أن الناس أتوا إلى مسجد من المساجد، فأتى كل منهم بالزائد عن حاجته من البقوليات واللحم وغيره ثم وضعه الناس في كيس ووزعوه على الفقراء لكان في هذا الخير.

    يقول الجيلاني : وجدت خير الأعمال إطعام الناس، والله كأن كفي مكتوفة ما تمسك درهماً ولا ديناراً.

    وفي الحديث: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، (ومن لا يرحم لا يرحم).

    يقول الإمام الشافعي : يسن كثرة الجود في نهار رمضان وليله؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذكر العلماء أنه يجوز للرجل أن يقاضي الرجل إذا نزل عليه بمسمى الإسلام فقط، أي: إذا عرف أنه مسلم ولم يطعمه ثلاثة أيام فيجوز له أن يقاضيه بثمن قراه، يقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (ومن نزل بقوم فلم يطعموه فله أن يعقبهم بمثل قراء ثلاثة أيام).

    والرسول صلى الله وعليه وسلم يقول: (أدوى داء البخل)، فإياكم والبخل، انفوه عنكم.

    يقول عبد الله بن جعفر : ابذل المعروف، وانثر المعروف نثراً، فإن صادف أهله كانوا له أهلاً، وإن لم يصادف أهله كنت أنت له أهلاً.

    1.   

    شهر رمضان شهر التراويح وقيام الليل

    شهر رمضان يا إخوتاه! هو شهر التراويح وشهر القيام، (أتى رجل إلى الرسول الله صلى الله وعليه وسلم فقال له: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، ممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء).

    ويقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة منكم إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد).

    ويقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

    قال الصحابي الجليل أبو ثعلبة الخشني : والله لا أموت كما تموتون، ولا أخلق كما تخلقون، فلما قام إلى صلاته وتهجده بالليل قبضه الله تبارك وتعالى إليه وهو ساجد، فرأت ابنته وكانت بجواره أن أباها قد مات، فقامت من نومها فزعة مرعوبة، وقالت لأمها: يا أماه! أين أبي؟ قالت: يا بنية! هو في مصلاه، فوجدته ساجداً فحركته فإذا هو ميت. مات وهو ساجد في قيام الليل.

    وكم عند الصحابة من أعاجيب، فهذا صحابي آخر اسمه علبة بن زيد الأوسي البكاء أحد البكائين، في غزوة تبوك قام إلى صلاته من الليل، وقد تخلف عن الغزو؛ لأنه لم يكن عنده ما يسوقه للجهاد، فقال في صلاته: اللهم إنك أذنت لرسولك في الجهاد، وليس عندي ما أخرج به مع رسولك، اللهم إني أتصدق على كل مسلم ظلمني في عرضي أو جسدي الليلة.

    فأي واحد شتمه في عرضه ونال من عرضه، أو نال من جسده يتصدق بعرضه عنه، فلما أصبح صلى الله وعليه وسلم قال: (من المتصدق بعرضه الليلة، فقام إليه علبة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قبلت صدقتك).

    فمن منا الذي يتصدق بعرضه على المسلمين؟ ومن منا الذي يعفو ويصفح؟ ومن منا الذي يعفو حتى يعتقه الله تبارك وتعالى في شهر العتق؟ ألم يقل الرسول صلى الله وعليه وسلم: (ولله عند كل فطر عتقاء من النار).

    فتجاوزوا عن هفوات الناس، وحاسب نفسك بنفسك، أما غيرها من الأنفس فعليها حسيب غيرك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يضحك الله إليهم) ومن ضحك الله إليه فلا يعذبه أبداً، قال: (ويستبشر بهم: رجل يكون في جهة فتنعدم الجهة، فيعلم ما له في الثبات وما عليه في الميزان، فيصبر نفسه بنفسه لله حتى يقتل أو يفتح الله على قومه، ورجل عنده صلاة الليل وامرأة حسناء فيذر شهوته ويقوم في سواد الليل، فيقول الله تبارك وتعالى: يذر شهوته من أجلي ولو شاء لرقد، والرجل يكون في سفر يطول سراهم بالليل فيمسون فينامون، ويقوم أحدهم في سراء وضراء).

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً أيقظ امرأته لصلاة الليل، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها لقيام الليل، فإن أبى نضحت في وجهه الماء، فإن قاما من ليلتهما هذه كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).

    يا إخوتاه! شهر رمضان تضاعف فيه الأعمال، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي).

    فثواب العمرة في هذا الشهر يضاعف حتى يصل إلى ثواب الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي روحانية في الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم! ترتفع فيها ثواب الأعمال حتى تصل إلى أن تأخذ ثواب حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مؤمن يسأل الله عز وجل خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة)، هذا في غير رمضان فكيف برمضان!

    قم بنا يا أخي لما نتمنى واطرد النوم بالعزيمة عنا

    قم فقد صاحت الديوك ونادت لا تكون الديوك أطرب منا

    1.   

    نماذج من قصص التابعين في قيام الليل

    كان علي بن الفضيل لا يأتي فراشه إلا زحفاً كما يزحف البعير، وإن قدميه لملتصقتان من أثر القيام.

    وكانت امرأة مسروق بن عبد الرحمن تجلس خلف مسروق في ظلام الليل وهو يصلي تبكي له؛ رحمة مما يصنع بنفسه، وكان لا يأتي صلاته إلا زحفاً كما يزحف البعير.

    يا إخوتاه! صاح الديك فلم تنتبهوا، وأعاد فلم تفيقوا، فقوى ضرب الجناحين، فلطم خديه حزناً على مصيبتكم.

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة).

    فرحم الله رجلاً أعان الناس على قيام الليل.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (من قام الليل بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام الليل بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام الليل بألف آية كتب من المقنطرين)، والقنطار خير من الدنيا وما فيها فأين المقنطرون؟

    قال الحافظ ابن حجر ألف آية جزء عم وجزء تبارك.

    ويجوز لك في رمضان بعد أن تصلي التراويح الإكثار من النوافل، وأرجح الأقوال في قيام الليل: أنه من النوافل المطلقة، فبعد أن تعود من التراويح وتصلي الوتر إن كان عندك ليل طويل فتستغله في العبادة والطاعة والصلاة، وإلا فسيأتي الشيطان فيقول: عليك ليل طويل فارقد، أو كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).

    يقول الحسن البصري : إنه والله بول ثقيل.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن، ماذا أنزل الليلة من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة).

    شهر رمضان شهر الجنة، ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين مردة الجن، ونادى مناد من السماء: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة).

    ففي رمضان تصفد الشياطين ومردة الجن، لكن شياطين الإنس لا يصفدون، وخرس الله تبارك وتعالى أفواههم إن لم يتوبوا، وخرس أفواههم حتى يعودوا إلى رحابه تبارك وتعالى.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يشغلهم به عن فجورهم وعن تمردهم على طاعة الله.

    عباد أعرضوا عنا بلا جرم ولا معنى

    أساءوا ظنهم فينا فهلا أحسنوا الظنا

    فإن خانوا فما خنا وإن عادوا فقد عدنا

    وإن كانوا قد استغنوا فإنا عنهم أغنى

    هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم

    يا إخوتاه! هذا شهر الجنة، والله ما فتحت الجنة لأمة من الأمم مثلما فتحت لأمتنا هذه، ومع هذا لا نرى لها طالباً، فمهر الجنة طول التهجد في ظلمات الليالي وفي ليالي رمضان خاصة.

    إن أهل السماء ليصلون عليكم، وينظرون إليكم أيكم يقال فيه: يا جبريل أقم فلاناً، وأنم فلاناً.

    كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني.

    اتقوا الله تبارك وتعالى، وأمهروا الجنة، وأمهروا حورها، ودع المفرغات من ماء وطيب، وأشغل هواك بالحور العين.

    قال أبو سليمان الداراني : نمت ذات ليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء من أهل الجنة تأتيني في المنام، وتقول: أتنام والملك يقظان؟! بؤساً لعين آثرت لذة نوم على مناجاة الملك العلام، ثم تقول له: أتنام وأنا أربى لك في الخدور منذ آلاف الأعوام، ثم أنشدته شعراً حفظه:

    أتخطب مثلي وعني تنام ونوم المحبين عنا حرام

    لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة براه القيام

    أين ابن أدهم والفضيل ؟ أين رجال الليل؟ ذهب السادة وبقي قرناء اللحاف والوسادة.

    قم الليل يا أخي! إذا جن الغاسق حن العاشق، وقلوب المحبين جمرة تحت شحمة الليل، إذا هب عليها نسيم السحر أجج ما فيها من شوق إلى الله تبارك وتعالى.

    قالوا للحسن البصري : ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.

    وهذا الحافظ عبد الغني المقدسي قام إلى صلاته من الليل وكان معه في البيت رجل شمسي -يعبد الشمس-، فلما سمع قراءة عبد الغني المقدسي زفر، وبعد أيام أسلم، فقال للحافظ عبد الغني المقدسي : لما استمعت إلى قراءتك أسلمت.

    والحافظ عبد الغني المقدسي كان الناس يصطفون لرؤية وجهه، لسطعات النور التي على وجهه من أثر التهجد، فكذلك كن، فهم لكم سلف ونعم السلف.

    1.   

    ذكر بعض انتصارات المسلمين في شهر رمضان المبارك

    يا إخوتاه! هذا الشهر رفع الله فيه أهل السنة والجماعة برفعته لإمامهم، لما ابتلي الإمام أحمد في العشر الأواخر من رمضان وصبر خرج من المحنة ذهباً أحمر خالصاً، فقالوا لـبشر : ألا تقوم لترى ما فيه أحمد ؟ فيقول بشر : حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره، أتريدون مني أن أقوم مقام الأنبياء وورثة الأنبياء! ولذلك فإن الإمام أحمد يقول: الحمد لله الذي ربى بشراً بما صنعنا، فسياط على ظهر ابن حنبل صار بها إمام أهل السنة والجماعة.

    وقد سمع الإمام أحمد إلى مقولة رجل، وذلك حين قال للإمام أحمد : إن هو إلا سوط واحد ثم لا تدري أين يقع الباقي، ثم قال الرجل: يا أحمد ! اصبر لأمر الله، فإن يقتلك الحق يقتلك شهيداً، وإن تعش تعش حميداً مجيداً، وصار إمام أهل السنة.

    في هذا الشهر أيضاً في السابع والعشرين من شهر رمضان أراح الله المسلمين من الحجاج الثقفي المبير، وقتل أيضاً في سنة ثلاثة وستين في هذا الشهر المختار بن عبيد الثقفي الكذاب، فأراح الله الأمة منه.

    قال صلى الله عليه وسلم: (يخرج من ثقيف كذاب ومبير)، أما الكذاب فهو المختار الذي ادعى أن جبريل كان ينزل عليه، وأما المبير -المهلك- فهو الحجاج .

    وقال عمر بن عبد العزيز : لو تخابثت الأمة فأتت كل أمة بخبيثها وجئنا بـالحجاج لفقناهم. فكيف لو رأى ما يسع الناس في القرن العشرين؟!!

    والحسن البصري لما بلغه موت الحجاج سجد لله تبارك وتعالى.

    وكان هناك آلاف من الناس في سجون الحجاج وأراح الله الأمة منه، كذلك أراح الله الأمة من الخرمي صاحب الإباحية، وأراح الله الأمة من المختار بن عبيد الثقفي الذي كان يقول: إن جبريل ينزل عليه، فقتله مصعب بن الزبير بن العوام .

    فهذا الشهر يا إخوتاه! شهر الانتصارات، فأين نحن من الانتصارات؟ رسولكم صلى الله عليه وسلم كان يقول: (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل).

    ونحن نقول: لنعل أبي طلحة ولقلامة ظفر أبي طلحة خير من ملء الأرض من أمثالنا.

    فهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اشتاقوا إلى الجنة.

    هذا عمير بن الحمام يقول: إنها لحياة طويلة إذاً أنا مكثت في الدنيا حتى آكل تمراتي هذه فأين نحن من أيام المسلمين؟! أين نحن من عين جالوت؟!

    كسرنا قوس حمزة عن جهالة وحطمنا بلا وعي نباله

    وأضحت أمة الإسلام حيرى وصار رعاتها في شر حالة

    فلا الصديق يرعاها بحزم ولا الفاروق يورثها فعاله

    ولا عثمان يمنحها عطاء ويرخص في سبيل الله ماله

    ولا سيف صقيل من علي يسيرنا إلى عذب زلاله

    ولا القعقاع يهتف بالسرايا فتخشى ساحة الهيجا نزاله

    سرى صوت المؤذن في سمانا وقد فقدت مآذننا بلالـه

    ولا حطين يبعثها صلاح طوى الجبناء في خور هلاله

    اللهم أنعم علينا بالشهادة، اللهم أنعم علينا بالشهادة، اللهم أنعم علينا بالشهادة.

    اللهم لا تجعلنا أهون شيء عليك.

    اللهم لا تجعل حظنا من ديننا لفظنا.

    اللهم متعنا برمضان، اللهم متعنا برمضان، اللهم متعنا برمضان، وارزقنا الخير بعده، وارزقنا حسن العمر بعده، وطول العمر بعده.

    رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    اللهم جد بالعتق علينا وعلى إخواننا، اللهم جد بالعتق علينا وعلى إخواننا، اللهم جد بالعتق علينا وعلى إخواننا.

    اللهم انصر المسلمين في كل مكان.

    اللهم فرج الكرب عنهم، اللهم فرج الكرب عنهم في البوسنة، اللهم فرج عنهم وعن كل مستضعف في كل مكان.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.