إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (898)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام والترضي عن أصحابه

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع محمود أحمد الدوسة، أخونا عرضنا جزءاً من أسئلته في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة يسأل مع الأخ من اليمن عن الترضية عن الصحابة رضي الله عنهم، فأخونا من بغداد الزعفرانية محمود أحمد الدوسة يقول: هل الترضي عن الصحابة رضوان الله عليهم واجب أم سنة؟ كما يسأل نفس السؤال بالنسبة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أما أخونا محمد محمود النهاري من الحديدة فيسأل نفس السؤال تقريباً في كلمات تعطي نفس المعنى، ويقول: إن هناك من ينتقد الترضي على الصحابة رضوان الله عليهم والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولاسيما في خطب الجمعة، نرجو من سماحة الشيخ أن يوجه الأخوين محمد محمود النهاري من الحديدة وأخونا محمود من العراق جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات ومن أهم الطاعات في الخطب وفي غير الخطب، يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً).

    في أحاديث كثيرة تدل على شرعية الصلاة والسلام عليه الصلاة والسلام، ولما سأله الصحابة قالوا: (يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، هذا أكمل ما ورد في هذا، وجاءت بألفاظ أخرى في بعضها اختصار ومنها: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).

    وهكذا لفظ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد) رواه مسلم في صحيحه، والأولان رواهما الشيخان في الصحيحين.

    فالمقصود أن هذه الأنواع كلها من الأنواع المشروعة التي جاء بها النص عن النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي للمؤمن الإكثار من الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة وفي خارج الصلاة وفي خطب الجمعة والأعياد والخطب العادية في المجامع هكذا ينبغي للمؤمن، والله جل وعلا أمره بهذا ووعده عليها خيراً كثيراً، (من صلى علي واحدة صلى الله عليه به عشراً).

    وأما الترضي عن الصحابة فهو أمر مشروع أيضاً؛ لأن الصحابة هم حملة الإسلام.. هم حملة الشريعة وهم خير هذه الأمة وأفضلها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن مسعود .

    وفي اللفظ الآخر: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري في الصحيح ورواه مسلم أيضاً، والأحاديث في هذا كثيرة كلها دالة على أن الصحابة هم أفضل الناس وهم خير الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأفضلهم وأعلاهم قدراً أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ثم يليه في الفضل عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه، ثم يليه في الفضل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم يلي الثلاثة في الفضل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ثم بقية العشرة من المبشرين بالجنة: طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير بن العوام الأسدي أسد قريش وعبد الرحمن بن عوف الزهري وسعد بن مالك .. سعد بن أبي وقاص الزهري وسعيد بن زيد ابن عم عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين والعاشر أبو عبيدة بن الجراح ، هؤلاء من أفضل الصحابة بعد الخلفاء، هم أفضل الصحابة بعد الخلفاء رضي الله عنهم، فالترضي عنهم من أهم المهمات ومن أفضل القربات، والواجب حبهم في الله واعتقاد أن الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين هم أفضل الناس، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني.. خير أمتي قرني) فهم خير الناس وهم خير الأمة.

    فالواجب على المؤمن أن لا يكون في قلبه غل لهم بل يحبهم في الله محبة صادقة فوق محبة أهله وأولاده والناس أجمعين بعد محبة الأنبياء، الأنبياء ثم يليهم الصحابة، ويخص الخلفاء الراشدين بمزيد محبة وهم الصديق وعمر وعثمان وعلي هؤلاء الأربعة هم أفضل الصحابة، وأن يحذر أن يكون في قلبه غل للصديق أو عمر أو عثمان كما فعلت الرافضة ومن شابههم من بعض فرق الشيعة، بل يجب أن يحبهم في الله وأن يعتقد أنهم أفضل الصحابة وأن علياً رضي الله عنه وأرضاه هو رابعهم وهو أمير المؤمنين ومناقبه كثيرة وأعماله الطيبة كثيرة لكن لا يجوز أن يغلى فيه كما تفعل الرافضة، أو يقال فيه: إنه يعلم الغيب أو إنه معصوم أو إنه أفضل من الثلاثة هذا كله منكر كله لا يجوز ولاسيما القول بأنه أفضل من الصديق وعمر هذا أشد، أما كونه أفضل من عثمان هذا قول بعض أهل السنة والخلاف فيه مشهور، لكن الذي عليه جمهور أهل السنة أن عثمان هو المقدم ثم علي رضي الله عن الجميع، فالواجب على المؤمن وعلى المؤمنة أينما كانا في أرض الله حب الصحابة رضي الله عنهم وتوليهم والترضي عنهم وإنزالهم منازلهم وأن لا يصيبه ما أصاب الرافضة من الغل والحقد على الصحابة، فإن قول الرافضة في هذا منكر عظيم لا يجوز موافقتهم عليه ولا تقليدهم فيه، بل قد ضلوا فيه عن سواء السبيل، فأهل السنة والجماعة يرون أن الصديق هو أفضلهم، وقد دلت عليه النصوص الكثيرة وأجمع عليه المسلمون، ثم بعده عمر الفاروق رضي الله عنهما جميعاً، وقد أقر بهذا علي رضي الله عنه، خطب بذلك على رءوس الأشهاد وتواتر عنه رضي الله عنه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، قد سأله عنه ذلك ابنه محمد بن علي فخطب بهذا على رءوس الأشهاد، وقال: لا أوتى بأحد يفضلني على الصديق وعمر إلا جلدته حد المفتري، هكذا يقول هذا الإمام العظيم علي رضي الله عنه؛ لعلمه بأهل الحق ولإنصافه وإنما يعرف الحق لأهل الحق الفضلاء فلا يعرف الفضل لأهله إلا ذوو الفضل، فهو رضي الله عنه عرف فضل الصديق وعمر وفضل عثمان ولم ينقم أن فضل عليه الصديق وعمر ، وهكذا فضل عليه عثمان وبويع له وبايع الناس معه، وبايع الناس لـعثمان بايع علي رضي الله عنه مع الناس لـعثمان لما بايعه المسلمون وساعده في خلافته رضي الله عن الجميع، وإنما شذ عن هذا من أبعدهم الله بعقيدتهم الفاسدة من الرافضة، فيجب على المؤمن أن يحذر قولهم وأن يستقيم على ما قاله أهل السنة والجماعة، وأن يحب الصحابة جميعاً ويترضى عنهم جميعاً ويعتقد أنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وأنهم حملة الشريعة، وأن القدح فيهم منكر عظيم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذوا أصحابي.. لا تؤذوني في أصحابي)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، لما جرى بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد بعض الشيء قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، هذا نص منه صلى الله عليه وسلم في تحريم سبهم، فلا يجوز سب أحد منهم لا كبارهم ولا صغارهم، يجب الترضي عنهم ومحبتهم محبة صادقة والإيمان بأنهم خير الناس وأفضل الناس بعد الأنبياء، ولا يجوز سب أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ولهذا بين فضلهم عليه الصلاة والسلام فقال: (لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) بعدما نهى عن سبهم وقال: (لا تسبوا أصحابي) فهذا يدل على تحريم سبهم وأنه منكر عظيم، وأن نفقاتهم مضاعفة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأن الواحد منا لو أنفق مثل أحد -هذا الجبل العظيم- ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فكيف يجوز لأحد بعد هذا أن يقدح فيهم أو يسبهم أو يعيبهم أو يتنقصهم؟! وإني أهيب بجميع الشيعة أهيب بهم جميعاً أن يرجعوا عما هم عليه من الباطل وأن يتقوا الله، وأن يعرفوا قدر الصحابة ويترضوا عنهم جميعاً، وأن يوافقوا أهل السنة في الترضي عنهم ومحبتهم والإيمان بمنزلتهم عند الله وأنهم أصحاب رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنهم نقلة الأخبار إلينا في التوحيد وفي الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج وفي سائر أمور الدين هم النقلة هم العدول رضي الله عنهم وأرضاهم، وعلي من جملتهم، وهكذا الحسن والحسين من جملتهم رضي الله عن الجميع.

    فالواجب محبتهم وإنزالهم منازلهم، والواجب على كل شيعي في أي أرض الله أن يتقي الله وأن يرجع إلى الحق، وأن يؤمن بالله وحده ويصدق رسوله فيما قال عليه الصلاة والسلام، وأن يوحد الله ويخصه بالعبادة، وأن لا يعبد أحداً من أهل البيت لا علي ولا غيره بل العبادة حق الله وحده سبحانه وتعالى، وأن يعلم أن علياً رضي الله عنه وغيره من أهل البيت كلهم غير معصومين ولا يعلمون الغيب بل هم مثل غيرهم كـالصديق وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم كلهم لا يعلمون الغيب، وكل واحد منهم قد يخطئ ليس بمعصوم ولكنهم مع هذا كله هم أفضل الناس وهم خير الناس، وما قد يقع من بعضهم من زلة أو خطيئة فله من الحسنات العظيمة والفضائل الكثيرة والقربات العظيمة ما نرجو أن يمحو الله به فيها زلته ويغفر بها خطيئته، وله من الفضل عند الله ما لا يدانيه فيه أحد.

    فالواجب على الشيعة وغيرهم أن يعرفوا منازل هؤلاء الأخيار وأن يعظموهم كما عظمهم الله، وأن يعرفوا لهم فضلهم وأن يترضوا عنهم، وأن لا يغلوا في أهل البيت، وأن لا يعبدوا أحداً منهم من دون الله لا بالاستغاثة ولا بالدعاء ولا بالقول أنهم معصومون أو أنهم يعلمون الغيب، أو القدح في إمرة الصديق أو إمرة عثمان أو عمر رضي الله عنهم بل يجب عليهم جميعاً أن يأخذوا بمذهب أهل السنة، وأن يسيروا على مذهب أهل السنة فهو الحق الذي لا ريب فيه، أما ما انتحلته الرافضة أو غيرهم من الشيعة بالتنقص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو باطل ومنكر عظيم وشر مستطير، يجب عليهم أن يبادروا بالتوبة إلى الله منه في أسرع وقت قبل أن يموتوا، نسأل الله للجميع الهداية.

    1.   

    حكم الانحناء بين يدي الأب وتقبيل ركبته عند التحية

    السؤال: يسأل أخونا أيضاً محمد محمود النهاري من الحديدة اليمن عن قضية يقول فيها: عندنا في اليمن وبالأخص في ريمة أن الابن عندما يغيب والده حتى ولو ساعة واحدة فإنه عندما يصل إلى البيت يسجد له أو ما يسمونه قبلة -فيما يبدو- فيسجد على ركبة أبيه، وإذا لم يعمل أو يسلم على والده يسمونه عاصياً، هل هذا يجوز أم لا؟ وهل هذا من عمل أحد من الصحابة أفتونا بارك الله فيكم؟

    الجواب: السجود شيء والقبلة شيء، أما كونه يقبل يده أو يقبل ركبته هذا لا يسمى سجوداً، والأفضل المصافحة وإذا قبل رأسه أو قبل يده بعض الأحيان عند اللقاء فلا بأس بهذا من باب تعظيم الوالد، والوالد له خصوصية في تقبيل يده أو تقبيل بين عينيه عند اللقاء هذا كله لا حرج فيه، وإذا كان تارة وتارة يكون أحسن عن التكلف.

    وأما السجود فلا يجوز لأحد أن يسجد في الأرض أو يضع جبهته على يده أو على ركبته سجوداً هذا منكر لا يجوز لا للوالد ولا غيره، فالجباه لا توضع إلا لله وحده سبحانه وتعالى، فلا يضع الجبهة على الأرض ولا على يد أبيه أو ركبة أبيه ولا على يد غيره أو ركبة غيره بل هذا كله منكر لا يجوز؛ لأنه نوع من السجود ولو كان على اليد أو على الركبة، فوضع الجباه سجود ولكن يقبل بشفتيه إذا قبل ظهر يده أو ركبته هذا لا يسمى سجود، هذا من باب احترامه لأبيه ولا حرج في ذلك، ولكن ينبغي أن يكون هذا غير دائم تارة وتارة حتى لا يتكلف وحتى لا يكون سجية له ولغيره بل تارة وتارة، ولا نحفظ هذا عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع والده بصفة دائمة ما نعلم هذا، ولكن وقوعه تارة وتارة هذا وقع، وقد ثبت أن الصديق رضي الله عنه وأرضاه لما دخل على ابنته عائشة وهي مريضة قبلها مع خدها، فإذا قبل الوالد بنته فالولد من باب أولى أن يقبل يد أبيه أو رأس أبيه أو ركبة أبيه عند الحاجة ولاسيما عند استرضائه وعند وجود شيء من المعصية منه لوالده فيسترضيه بذلك أو يفعله بعض الأحيان عند القدوم من السفر أو ما أشبه ذلك، كل هذا لا حرج فيه إن شاء الله، ولا أعلم في هذا شيئاً من التفصيل عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لكن هذا مقتضى الأدلة الشرعية أنه لا حرج في ذلك.

    وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل يده بعض الصحابة، وثبت عن بعض الصحابة أنهم قبلوا قدمه أيضاً عليه الصلاة والسلام في بعض الأحيان، لكن السنة الدائمة المصافحة، هذه السنة الدائمة المعروفة كان الصحابة إذا تلاقوا تصافحوا وإذا لقوا نبيهم صافحوه عليه الصلاة والسلام، هذا هو المعروف وهذا هو الأكثر، وكانت فاطمة إذا دخلت عليه قام إليها وأخذ بيدها وقبلها، وإذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته عليه الصلاة والسلام، كل هذا مما يدل على جواز مثل هذا في مثل هذه الأمور التي فعلتها فاطمة مع النبي صلى الله عليه وسلم وفعلها معها عليه الصلاة والسلام، وفعلها الأخيار من هذه الأمة لكن على سبيل الإكرام والمحبة لوالده والتقدير.

    أما السجود فلا، السجود لا يجوز أبداً، وهو وضع الجبهة على يده أو ركبته أو في الأرض هذا لا يجوز، وإذا كان في الأرض صار أعظم صار عبادة له من دون الله نعوذ بالله أكبر وأشنع، وكان من الشرك الأكبر نعوذ بالله، لكن السجود على يده أو على ركبته نوع من السجود لكنها سجدة صغرى ليست مثل السجود على الأرض، فالواجب منع ذلك والحذر من ذلك، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    الحكم على حديث: (كل مولود يولد على الفطرة ...) وشرحه

    السؤال: رسالة وصلت من أحد الإخوة المستمعين من مكة المكرمة يقول: طالب علم (ح. ف. ح) أخونا يسأل ويقول: قال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه..) الحديث، ما معنى هذا الحديث؟ وهل هذا الحديث على سبيل المجاز أم على سبيل الحقيقة، أفيدونا بارك الله فيكم؟

    الجواب: الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم في الصحيحين، وهو على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز، لأن كل مولود يكون على الفطرة، وفي اللفظ الآخر: (على هذه الملة ملة الإسلام) هكذا جاء في الحديث الصحيح، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة)، وفي اللفظ الآخر عند البخاري وغيره: (على هذه الملة)، وفي اللفظ الآخر: (على ملة الإسلام)، هذا معناه واضح وهو أنه يولد مسلماً على فطرة الله الذي فطر عليها الناس، وفي حديث رواه مسلم في الصحيح (يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)، فبين سبحانه أنه خلق عباده حنفاء موحدين ولكن طرأ الشرك عليهم بعد ذلك بسبب المضللين من آبائهم وأمهاتهم وغيرهم، ولهذا قال: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، يعني: يدعونه إلى ذلك ويربونه على الشرك فيخرج عن الفطرة بسبب تربية والديه على اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو غيرها من أنواع الكفر، وقد يربيه غير والديه أيضاً ممن يتولى تربيته من أعمامه وأقاربه وأخواله عند فقد والديه، وقد ينشأ في بيئة مشركة فيتربى على ما يربونه عليه، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)، فالشياطين تشمل شياطين الإنس والجن، وكذلك ما يفعله الإنس هو من تزيين شياطين الجن لهم حتى يجروهم إلى هذا الباطل بوساوسهم وتزيينهم.

    فشياطين الإنس تدعو إلى الشرك وهكذا شياطين الجن، والأصل في المولود أنه ولد على الفطرة فلو استمر عليها وسلم من هؤلاء وعاش بين أهل الخير عاش على الفطرة والهدى والتوحيد، لكن إذا ابتلي بمربين ضالين أخرجوه عن فطرته بتربيتهم وتزيينهم الباطل إلا من عصم الله ورحم بأن قيض له من يربيه التربية الإسلامية ويدعوه إليها.

    المقدم: بارك الله فيكم. قد يخطر ببال أحد المستمعين سماحة الشيخ ما حدث لنبي الله نوح مع ابنه، فماذا هو توجيهكم لو تكرمتم؟

    الشيخ: كفر الولد أو شركه بالله أو معصيته لا ينقذه من ذلك أبوه ولو كان أبوه أصلح الناس كنوح عليه الصلاة والسلام فإنه رسول ومع هذا لم يملك هداية ابنه بل دعاه إلى أن يركب معه في السفينة فأبى ولم يستجب فصار من الهالكين ومع الغارقين على كفره وضلاله.

    فالمقصود أن نوحاً عليه الصلاة والسلام لم يستطع هداية ابنه، كما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يستطع هداية أبيه، وكما أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يستطع هداية عميه؛ أبي لهب وأبي طالب ، فالأمر بيد الله عز وجل هو الذي يقول سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272].

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.