إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (793)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    معنى قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهةً لعلهم ينصرون ...)

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ: عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المواطن بشير محمد حسين من ليبيا أخونا بشير عرضنا جزءاً من أسئلته في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة بقي له عدد من الأسئلة، في مجموعة من أسئلته يسأل عن تفسير بعض آيات من القرآن الكريم، إحداها هذا السؤال يقول: فسروا لنا قول الحق تبارك وتعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ * فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [يس:74-76]؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالآية واضحة في بيان حال المشركين الذين بعث فيهم عليه الصلاة والسلام من قريش وغيرهم، وأنهم اتخذوا من دون الله آلهة من الأصنام والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء وغيرهم.

    فإن آلهة المشركين أنواع كثيرة، وهم فعلوا هذا لعلهم ينصرون، يرجون نصرهم ويرجون شفاعتهم، كما قال جل وعلا عنهم في آية أخرى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] يعني شفعاؤنا في نصرهم لنا، وإعانتهم لنا على أعدائنا وفي شفاء مرضانا وفي غير ذلك، وقال في الآية الأخرى في سورة تنزيل الزمر: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] فهم عبدوهم لينصروهم ويقربوهم ويشفعوا لهم، ثم بين سبحانه أنهم لا يستطيعون نصرهم، هذه الآلهة ما تستطيع نصرهم، ولا نصر نفسها -أيضاً- كما قال جل وعلا في سورة الأعراف: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف:191-192] فهم لا يستطيعون نصر عابديهم ولا نصر أنفسهم، بل النصر من عند الله جل وعلا، هو الذي ينصر من يشاء سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:126] وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ [يس:75] يوم القيامة ضدهم، محضرون معهم يوم القيامة في النار، كلهم يعذبون جميعاً، وهذا في الآلهة المعبودة من دون الله برضاها كفرعون والنمرود والأصنام وأشباههم فهم معهم في النار.

    أما الملائكة والأنبياء فهم برآء منهم لا يرضون بعبادتهم إياهم، كما قال جل وعلا عن الملائكة: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63].

    فالمقصود أن هؤلاء الأصنام الذين هم معهم يوم القيامة في النار، هم الذين عبدوهم من دون الله من جمادات كالأصنام والأحجار، أو آلهة من الجن أو من الإنس رضوا بذلك، فهم معهم في النار.

    أما من لم يرض بذلك من الأنبياء والملائكة والصالحين فهم ليسوا معهم، بل الله قد أجارهم منهم وحماهم منهم وهم برآء منهم، بل العابدون هم الذين في النار الذين عبدوا غير الله وأشركوا بالله.

    وأما المعبودون الذين لم يرضوا بذلك كالملائكة والرسل والأنبياء والصالحين فإنهم لا يرضون أن يعبدوا من دون الله، بل يتبرءون من ذلك.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ...)

    السؤال: سماحة الشيخ! من محاسن الأقدار أن سماحتكم استشهدتم بالآية من سورة الزمر، وأخونا يسأل -أيضاً- عن تفسيرها، فيقول: فسروا لنا قول الحق تبارك وتعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]؟

    الجواب: مثل ما تقدم. هم اتخذوهم -عبدوهم- من دون الله ليقربوهم إلى الله زلفى، فقولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ [الزمر:3] يعني يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وقبلها يقول جل وعلا: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:2] ثم قال سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] يعني العبادة الخالصة له وحده جل وعلا، ليس له شريك في ذلك، كما قال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] في سورة البينة، وقال جل وعلا: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14] ولهذا قال سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] ثم قال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]يعني يقولون -هؤلاء المتخذون يقولون-: ما نعبدهم يعني هؤلاء الآلهة من أصنام وأشجار وأحجار وملائكة وأنبياء وغيرهم: إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] يعني: ما نعبدهم لأنهم يخلقون أو يرزقون أو ينفعون أو يضرون لا، هم يعرفون أن الله هو النافع الضار، يعرف المشركون الأولون من قريش وغيرهم، يعرفون أن الله هو النافع الضار، هو الخلاق الرزاق، هو المدبر، هو المحي المميت، يعرفون هذا كما قال جل وعلا آمراً نبيه أن يسألهم قال سبحانه لنبيه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْر [يونس:31] قال تعالى: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس:31] يعني يقوله المشركون، قال تعالى: فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [يونس:31] يعني: قل لهم يا محمد: أفلا تتقون الإشراك بالله، وأولها يقول سبحانه: (قل) يعني: قل يا محمد! للناس-لقريش وغيرهم- (مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) يعني: من هو الذي يرزقهم من السماء والأرض؟ يعني: يرزق العباد من السماء والأرض، يرزقهم من السماء بالمطر وغيره، ومن الأرض بالنبات الذي ينبته الله والثمار والحيوانات التي في الأرض، والمعادن وغير ذلك.

    أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ [يونس:31] هو الذي يملك سمع الناس وأبصارهم، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ [يونس:31] يعني في العالم كله، قال الله تعالى: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس:31] يعني هؤلاء المشركون يقولون: الله، هو المدبر للأمور، وهو الخلاق وهو الرزاق، وهو النافع الضار، وهو الذي يحيي ويميت سبحانه وتعالى، فسر إخراج الحي من الميتإخراج المسلم من الكافر. نعم.والميت من الحي، الكافر من المسلم، وفسر بإخراج البيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والنبات من الأرض الميتة.

    كل هذا إخراج، نوع من إخراج الحي من الميت، والميت من الحي، سبحان الله.

    فالمقصود أن المشركين من عبدة الأوثان يعرفون الله سبحانه هو النافع الضار، وهو مدبر الأمور، وهو الخلاق الرزاق.

    ولكنهم يعبدون الآلهة ليشفعوا لهم وليقربوهم إلى الله زلفى، لا لأنهم ينفعون ويضرون، بخلاف الكفار المشركين المتأخرين، هؤلاء قد وقعوا في الشرك الأكبر من جهة الربوبية.

    بعض المشركين المتأخرين، شركهم أكبر من أولئك المشركين؛ لأنهم أشركوا مع الله في الربوبية، وظنوا أن بعض آلهتهم يدبرون الأمور، ويتصرفون في الأمور، وينفعون ويضرون.

    وأن الله جعل لهم هذا، وهذا باطل، هذا كفر بالربوبية، شرك بالربوبية أعظم وأقبح من شرك قريش وأشباههم.

    قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3] فسماهم كذبة في قولهم إنهم يقربونهم إلى الله زلفى.

    كفار لأنهم عبدوهم مع الله ودعوهم واستغاثوا بهم ونذروا لهم، وتقربوا لهم، فصاروا بهذا كفاراً، ولهذا قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3] يعني لا يوفقه لقبول الحق، وإلا الهداية البلاغ قد بلغهم سبحانه بالرسل، والكتب، لكن لا يهدي: لا يوفقهم بسبب إعراضهم عن الحق، واستكبارهم عن الحق، وعنادهم للرسل، نسأل الله العافية والسلامة.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ...)

    السؤال: يسأل -أيضاً- أخونا عن تفسير قول الحق تبارك وتعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64]؟

    الجواب: هذه الآية عظيمة، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى إلى (كلمة) وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله، مع شهادة أن محمداً رسول الله.

    (سواء): يعني: فصل بيننا وبينكم، نستوي نحن وأنتم فيها، كلنا سواء فيها، علينا جميعاً أن نعبد الله وحده دون ما سواه سبحانه وتعالى.

    وعلينا ألا نشرك به شيئاً، لا نشرك به لا صنماً، ولا نبياً، ولا جنياً، ولا شجراً، ولا حجراً، ولا غير ذلك، (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ليس لنا أن يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فليس للإنس أن يتخذ بعضهم بعضاً، ولا للجن، ولا للملائكة، ولا غيرهم، كلهم يجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، كما قال تعالى في الآية الأخرى في سورة آل عمران: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80] فلا يجوز لأحد أن يتخذ رباً مع الله يعبده، ويستغيث به، أو يصلي له، أو يسجد له، أو نحو ذلك.

    بل الجميع عباد الله، يجب عليهم أن يخصوا الله بالعبادة أينما كانوا من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر.. وغير ذلك.

    فَإِنْ تَوَلَّوْا [آل عمران:64]: يعني فإن تولى هؤلاء من اليهود والنصارى، وأعرضوا عن قبول الحق، فَقُولُوا اشْهَدُوا [آل عمران:64]، يعني: قولوا لهم مشافهة وصريحاً: إنا مسلمون، يعني اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] وأنتم كفار: يعني اشهدوا علينا أنا مسلمون يعني: منقادون لله، موحدون له، معظمون له، خاضعون له، نعبده وحده دون كل ما سواه.

    خلافاً لكم، نعم، الله المستعان.

    سنعود إلى رسالتك يا أخانا من ليبيا: بشير محمد حسين في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى؛ وذلك لنتيح الفرصة أمام رسائل أخرى.

    1.   

    حكم إلقاء السلام على من في المسجد

    السؤال: ننتقل الآن إلى السودان -بل إلى مستمع من السودان- هو: (ك.ب) له عدد من الأسئلة يقول في أحدها، ما حكم السلام في المسجد؟ وذلك أن يقول الإنسان للجالسين عند دخوله المسجد: السلام عليكم، ويردون عليه السلام جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: حكم السلام أنه سنة وقربة لمن دخل على قوم في المسجد أو في أي مكان، يسلم عليهم يقول السلام عليكم، وإن زاد: ورحمة الله وبركاته فهو أفضل، وهم يردون عليه مثلما قال أو يزيدونه، قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86].

    فالرد واجب مثل التحية، والزيادة مستحبة، فإذا قال: السلام عليكم، وجب عليهم أن يقولوا: وعليكم السلام، فإن زادوه ورحمة الله كان أفضل، وإن زادوه وبركاته كان أفضل.

    وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، وجب عليهم أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، وإن زادوه وبركاته كان أفضل.

    فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجب عليهم أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته هذا ردها، الله قال: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] وهذه هي النهاية في السلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    فعليهم أن يردوها فإذا زادوه بعد ذلك كيف حالك، بارك الله فيك، كيف أولادك، كل هذا طيب، هذا من الزيادة الطيبة.

    1.   

    حكم الصلاة بملابس لها رائحة كريهة تؤذي المصلين

    السؤال: يسأل ويقول: أنا أعمل مكانيكي، ماذا أعمل إذا حضرتني الصلاة وأنا في العمل؟ هل لي أن أصلي بملابس العمل؟ وملابس العمل هذه فيها زيت وقاز وبعض الناس يقولون: لا تجوز فيها الصلاة، ولا يتسع لي الوقت بتبديلها، ماذا أعمل وأنا أريد صلاة الجماعة أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الواجب عليك أن تصلي مع إخوانك المسلمين في الجماعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر، قيل لـابن عباس رضي الله عنه: ما هو العذر؟ قال: خوف أو مرض).

    ولأنه عليه الصلاة والسلام (لما أتاه رجل أعمى يسأله ويقول له يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني للمسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب)، فهذا أعمى ليس له قائد ومع هذا يأمره أن يجيب المؤذن ويحضر الصلاة.

    وعليك يا أخي! أن تغير الملابس التي يتأذى منها إخوانك إذا كان فيها رائحة تؤذيهم، أما إذا كان لا تؤذيهم، ما فيها رائحة تؤذيهم، فصل فيها والحمد لله؛ لأنها طاهرة، أما إن كان فيها روائح تؤذيهم أو أوساخ تنتقل إليهم إلى من بجوارك، تنتقل إليه الأوساخ فلا، بدلها، أعد الثياب إذا أذن المؤذن تلبسها وتذهب إلى الصلاة.

    وعليك أن تتقي الله في ذلك، هذا أمر عظيم، هذه عمود الإسلام الصلاة، عمود الإسلام، فلابد من العناية بها، أعظم واجب وأهم واجب بعد الشهادتين هذه الصلاة، يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة) ويقول فيها عليه الصلاة والسلام: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف).

    وهذا وعيد عظيم يحشر من تركها مع هؤلاء الكفرة؛ لأنه إن ضيعها من أجل الرياسة والملك، صار شبيهاً بفرعون والعياذ بالله، فيحشر معه إلى النار يوم القيامة.

    وإن ضيعها بسبب الوزارة والوظيفة صار شبيهاً بـهامان وزير فرعون، فيحشر معه إلى النار يوم القيامة.

    وإن ضيعها بأسباب المال والشهوات صار شبيهاً بـقارون تاجر بني إسرائيل الذي حمله كبره وبغيه على ترك الحق، فيحشر معه إلى النار يوم القيامة.

    وإن ترك الصلاة من أجل التجارة والبيع والشراء، صار شبيهاً بـأبي بن خلف ، تاجر أهل مكة، الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد كافراً، فيحشر معه إلى النار يوم القيامة.

    فالواجب على العامل ميكانيكي أو غيره، الواجب عليه أن يصلي مع المسلمين في الجماعة، وأن يلبس الملابس التي لا تؤذي الناس الطيبة السليمة، ويبتعد عن الروائح الكريهة إذا كان يتعاطى الثوم أو البصل أو التدخين، يحذر ذلك، حتى لا يكون فيه روائح كريهة وقت الصلاة، وحتى لا تكون في ملابسه أوساخ تؤذي الناس، أما إن كان لا تؤذي الناس فلا بأس أن يصلي فيها إذا كانت طاهرة.

    ولكن كونه يلبس ثياباً حسنة وجميلة للصلاة هذا هو الأفضل، يقول الله سبحانه: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] يعني عند كل صلاة، فالمشروع للمؤمن عند الصلاة أنه يلبس الملابس الحسنة، يتوجه للمسجد بالملابس الحسنة مع إخوانه، لأنه يقوم بين يدي الله، نسأل الله للجميع التوفيق.

    1.   

    حكم رفع القبور لدفن أكثر من ميت في القبر الواحد لضيق مساحة المقبرة

    السؤال: من الأخ المستمع: محمد صبحي محمود كرم مدرس مصري رسالة بدأها على النحو التالي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ونصلي ونسلم على نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله، وآله ومن والاه.

    إلى العلماء الكرام، والقائمين على برنامج نور على الدرب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله لكم الجزاء الجزيل، وأن يهدي بكم وينفع، وأن يبلغكم غاية القصد المأمول، وأن يتوجكم بتاج القبول على ما تقدمونه للإسلام والمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه وبعد.

    نحن في معظم قرى ومدن مصر نعاني من مشكلة ضيق المساحة في القبور، حيث أنها محددة في أماكن معلومة، ولا يجوز ترك مكانها وخاصة في بلاد الدلتا، أي البلاد البعيدة عن الصحراء، مما اضطر الناس لبنائها وارتفاعها عن الأرض أكثر من المتر في بعض الأحيان؛ وذلك لدفن عدد من الموتى في كل قبر، فما حكم ذلك؟ وماذا نفعل إن أردنا أن نفعل الصواب في عدم بنائها فلا نجد الظروف التي تعيننا على ذلك أفتونا مأجورين أثابكم الله، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أيها الأخ الكريم! نسأل الله لك المثوبة على دعواتك، ونسأل الله أن يتقبل منك دعواتك، وأن يثيبنا وإياك، وأن يجعلنا وإياك من عباد الله الصالحين، إنه خير مسئول.

    أما القبور فالواجب ألا تبنى هذا الواجب، وأن تحفر في الأرض وتعمق هذا هو الواجب؛ لأنه ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما في صحيح مسلم (أنه نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها) ولعن اليهود والنصارى على اتخاذهم المساجد على القبور، وأخبر أنهم شرار الخلق بهذا العمل وهو البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها، فالواجب على أهل الإسلام في مصر وفي غير مصر، الواجب عليهم أن يحفروا القبور في الأرض، وأن يعمقوها إلى نصف القامة تقريباً حتى لا تظهر رائحتها، وحتى لا تحفرها الكلاب ونحوها، فإذا كانت البلد ليس فيها محل للحفر؛ لأنها صلبة حجرية، فلا حرج أن يدفن على ظهرها، ويحوط عليها؛ لأجل حفظها عن الكلاب وغيرها، وصيانتها؛ لأن الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    فالبناء حينئذ لحفظها لا لتعظيمها والغلو فيها، ولكن لحفظها عن ظهور الروائح الكريهة، وعن امتهانها وعن تناول السباع لها، فلا حرج بقدر الحاجة، بقدر الحاجة فقط والضرورة، أما مع القدرة على الحفر فلا يجوز البناء لا متر ولا غيره، يجب أن تكون في الأرض، وأن تبين للناس، ترفع قدر شبر مثلاً تقريباً، ترابها يكون على كل قبر ترابه، وعليه النصايب في أطرافه حتى يعلم يعرف أنه قبر، وإذا رش وجعل فيه بطحاء فذلك أفضل، هذا هو المشروع في القبور، لكن من لم يستطع ذلك في أن الأرض لا يمكن حفرها، فإنه معذور بقدر الحاجة فقط. نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، المقدم: إذا كانت الأرض بعكس ذلك سماحة الشيخ، وكانت التربة تنهال ولا تتماسك، فما هو الحل الذي يراه سماحتكم؟

    الشيخ: إذا كانت الأرض ضعيفة لا يستطاع الحفر فيها؛ لضعفها وانهيارها يجعل ما يحفظ الميت من ألواح أو حجارة أو نحو ذلك مما يحفظ الميت، حتى لا ينهار به القبر، يفعل ما يستطيع المؤمن من ألواح أو أخشاب، أو حديد؛ المقصود الذي يستطيع به حفظ الميت، حتى لا ينهار به القبر.

    المقدم: والأمر متيسر في هذه الأزمنة والحمد لله؟

    الشيخ: حسب الطاقة، حسب الطاقة، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] .

    المقدم: أرجو أن يتفهم إخواننا هذه الإجابة جيداً، وأن يعيدوا الاستماع إليها أكثر من مرة، فهي في غاية الوضوح، جزى الله الجميع كل خير.

    الشيخ: آمين، لا شك أن هذا مهم نسأل الله للجميع التوفيق ثم نعيد أيضاً مرة أخرى.

    التحذير من البناء على القبور الذي فعله اليهود والنصارى، لا يجوز أن يبنى عليها مساجد ولا قباب ولا غير ذلك؛ لأن هذا البناء من أسباب الشرك بالله، والغلو كما فعله اليهود والنصارى، وفعله أشباههم من عباد القبور الذين ظنوا أن هذا مشروع، فاتخذوا المساجد على القبور، وغلوا فيها، واستغاثوا بأهلها، ونذروا لهم، وطافوا بقبورهم، وهذا هو البلاء العظيم، هذا الشرك الأكبر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (وقال عليه الصلاة والسلام لما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة بكنيسة في بلاد الحبشة، وما فيها من الصور قال عليه الصلاة والسلام: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) حكم عليهم بأنهم شرار الخلق.

    فالواجب الحذر، وفي الصحيح -صحيح مسلم - عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)

    وهذا نهي عظيم لوجوه ثلاثة:

    أولاً: ذم من فعل ذلك، من اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا تحذير من التشبه بهم.

    الثاني قوله: (فلا تتخذوا القبور مساجد) ، هذا نهي صريح (لا تتخذوا القبور مساجد).

    الثالث قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك) فهذا -أيضاً- تأكيد للنهي بقوله: فإني أنهاكم عن ذلك.

    فالواجب الحذر، والسر في هذا والله أعلم كما هو معروف عند أهل العلم أنه ذريعة للشرك، أن هذا البناء وهذا التصوير عليها من أسباب الشرك بها، واتخاذ أهلها آلهة مع الله، كما قد وقع لليهود والنصارى وغيرهم، فيجب الحذر من ذلك، وألا يبنى على القبر لا مسجد ولا غيره، ولا قبة ولا غيرها، ولا يدعى من دون الله ولا يستغاث، ولا يطاف.. إلى غير ذلك.

    العبادة حق الله وحده، هو الذي يدعى ويرجى ويصلى له، ويسجد له، وينذر له، ويذبح له، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي [الأنعام:162] يعني: قل يا محمد للناس: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام:162] يعني: ذبحي وعباداتي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163] هكذا أمره الله أن يبلغ الناس عليه الصلاة والسلام.

    وقال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2-3] وقال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] الطواف بالبيت العتيق، ما يطاف بالقبور، الطواف بالقبور عبادة لها من دون الله، وشرك بالله عز وجل، فإذا طاف يتقرب إلى الميت بالطواف أو يصلي له، أو يسجد له، أو يقول: يا سيدي أغثني، أو انصرني، أو اشف مريضي أو أنا في جوارك، كل هذا شرك بالله، كل هذا عبادة لغيره سبحانه وتعالى،فالواجب الحذر غاية الحذر، نسأل الله للجميع الهداية.

    المقدم: اللهم آمين, جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك، اللهم آمين.

    المقدم: اللهم آمين.

    مستمعي الكرام: كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، شكراً لسماحته، وأنتم -يا مستمعي الكرام- شكراً لحسن متابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.