إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (608)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    كيفية تسديد الورثة للديون التي على الميت للبنوك

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج (نور على الدرب).

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الدمام، باعثة الرسالة إحدى الأخوات من هناك تقول: المرسلة أم أحمد الحافي ، أم أحمد لها أربعة أسئلة شيخ عبد العزيز.

    تسأل في سؤالها الأول وتقول: هل قرض البنك العقاري والزراعي يعتبر ديناً على الشخص إذا استقرضه وتوفي قبل أن يسدده؟ ثم ماذا يجب على الورثة تجاه ذلك؛ لأنهم يريدون في الواقع راحة الميت، إذا لم يستطيعوا أن يسددوا البنك بسرعة فما الحكم؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالقرض الذي للبنك العقاري، ولغيره من البنوك الزراعية ونحوها مثل غيره من الديون، يجب أن يسدد في وقته في حق الحي والميت، وإذا مات الإنسان وعليه دين للبنك وجب أن يسدد من التركة في أوقاته إذا التزم به الورثة، فإن لم يلتزموا سدد في الحال من التركة؛ حتى يستريح الميت من تبعة الدين، وقد جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه).

    لكن إذا كان الدين مؤجلاً والتزم الورثة -أو بعضهم- بأنه يؤدى في وقته؛ فإنه يتأجل، ولا يضر الميت؛ لأنه مؤجل، فإن لم يلتزم أحد به في وقته؛ وجب أن يسدد من التركة، حتى يسلم الميت من تبعة ذلك.

    وإذا كانت هذه القروض على شكل أقساط يسدد كل قسط في وقته.

    إلا إذا لم يوجد من الورثة من يلتزم بذلك؛ فإنه يسدد الجميع من نفس التركة. كالدين الحال.

    1.   

    حكم إعادة المرأة الإحداد إذا نظر إليها رجل وأحكام المحادة

    السؤال: تسأل أختنا وتقول: إذا رأى رجل امرأة كاشفة بدون قصد، وهي في فترة حداد على زوجها فماذا يلحقها في ذلك؟ هل عليها إعادة الحداد؟

    الجواب: إذا رأى الرجل المرأة وهي سافرة؛ فإنه يغض بصره، ويصرف بصره عنها، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال: (اصرف بصرك)، وقال: (إن لك الأولى، وليست لك الأخرى)، والمعنى: أنه لا حرج عليه في الأولى التي نظرها صدفة لم يقصدها، وإنما صادفها من باب خارجة، أو من باب وهو داخل، أو من طريق؛ فإنه يصرف بصره ولا يتبع النظرة النظرة، بل يغض بصره.

    أما المحادة وغيرها من النساء فليس عليها شيء في ذلك إذا لم تتبع النظر النظر، بل تغشت واحتجبت، وليس عليها أن تعيد ما مضى من الإحداد، بل تستمر في إحدادها ولا شيء عليها، إلا أنه يلزمها أن تبتعد عن أسباب الفتنة، وأن تحتجب عن الرجال الأجانب، مثل غيرها من النساء سواء بسواء، ليس هذا خاصاً بالمحادة، ولكنها كغيرها من النساء، عليها الاحتجاب والبعد عن أسباب الفتنة، وعلى المحادة عليها أن تراعي خمسة أمور:

    الأمر الأول: بقاؤها في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه إذا كان صالحاً، أما إذا لم يتيسر بقاؤها فيه لخرابه أو لأن أهله أبوا أن يؤجروه بعدما تمت الأجرة، أو لأنه ليس لديها من يؤنسها فيه بعد موت زوجها وتخاف على نفسها فتخرج إلى أهلها أو إلى مكان سليم.

    الشرط الثاني: أن تلبس الملابس العادية دون الملابس التي تفتن، فلا تلبس الملابس الجميلة، ولكن تتحرى الملابس التي لا تفتن، وهي الملابس العادية من سوداء أو خضراء أو غيرها، لكن ليس فيها ما يفتن الناس.

    الثالث: اجتناب الحلي من الذهب والفضة والماس ونحو ذلك.

    الرابع: عدم الطيب والبخور وسائر أنواع الطيب؛ لأن الرسول نهى عن ذلك، نهى المحادة عن ذلك عليه الصلاة والسلام.

    الخامس: عدم الكحل والحناء ونحوهما؛ لأن ذلك من أسباب الفتنة أيضاً.

    فهذه الأمور الخمسة يشرع للمحادة العناية بها، بل يجب عليها ذلك، أما ما سوى ذلك فهي مثل بقية النساء، لها أن تغتسل متى شاءت، في الجمعة وغيرها، ولها أن تغير ثيابها متى شاءت، ولها أن تكلم من شاءت من النساء والرجال، مباشرة أو من طريق الهاتف، أو من طريق المكاتبة؛ لا حرج في ذلك إذا كانت المكالمة ليس فيها فتنة ولا ريبة، بل تكلم لحاجتها، وترد السلام على من سلم عليها، ونحو ذلك على وجه ليس فيه فتنة وليس فيه شبهة.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سنعود إلى بقية أسئلتك يا أم أحمد في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

    1.   

    ما يجوز للمحرم قتله في الحل والحرم

    السؤال: الرسالة التالية رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع سعد صالح وهام من العراق محافظة واسط، أخونا سعد يسأل عن الأشياء التي يقتلها المحرم؟

    الجواب: ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (خمس من الدواب كلهن الفواسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور)، وفي رواية أخرى: (والحية)، وفي رواية أخرى: (والسبع العادي)، هذه وأشباهها تقتل في الحل والحرم: الغراب، الحدأة، والفأرة، والحية، والعقرب، والكلب العقور، وهكذا السباع: كالذئب، والأسد، والنمر، ونحو ذلك، وهكذا الحشرات التي تؤذي: كالبعوض، والذباب، ونحو ذلك مما يؤذي، كل ذلك لا حرج فيه على المحرم والحلال جميعاً في الحل والحرم.

    1.   

    حكم أخذ كتاب أو نحوه بغير وجه حق وهبته

    السؤال: يسأل أخونا سعد وهام من العراق فيقول: لي صديق في أحد الأيام أعطاني كتاباً دينياً، لكنه يقول: إنه أخذ هذا الكتاب من مكان لا يعرف صاحبه، فهل أدفع ثمن هذا الكتاب لأحد الفقراء؛ لأني لم أشتره وأعتبره مغصوباً؟ أم كيف أتصرف؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الواجب أن ترده إلى صاحبه، وهو يرده إلى المكان الذي أخذه منه، الواجب عليك أن ترده إلى الذي أعطاك الكتاب، وتقول له: يجب عليه أن يرده إلى مكانه، وليس له أخذ كتاب بغير حق، إلا إذا سمح صاحبه بذلك، أو أعطاه ثمنه فلا بأس، فإن لم يتيسر لك ذلك، بأن لم تجد الرجل حتى تعطيه الكتاب؛ فلا مانع من أن تصدق بقيمته، أو تجعله في مكتبة عامة ينتفع به الناس، مع التوبة والاستغفار من أخذك إياه من هذا الشخص الذي ذكر لك أنه أخذه بغير حق، والله المستعان.

    1.   

    حكم قضاء الصلاة والصيام على من تركهما زمناً طويلاً

    السؤال: من المملكة الأردنية الهاشمية خريبة السوق هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات، تقول المرسلة (م. س. ع)، أختنا تقول في سؤال لها: إنني كنت في رمضان أفطر دائماً، وعندما هداني الله، وأحسست بالإيمان لم أعد إلى ذلك، هل هنا أحاسب على جميع ما أفطرته قبل الهداية والتوبة إلى الله؟ أم علي القضاء لجميع ما أفطرت؟ مع العلم أنني لا أحصي ما أفطرت، بماذا تنصحونني أن أفعل؟ كذلك الصلاة لم أكن أصلي من قبل، والحمد لله الآن مداومة عليها وملتزمة بها، أرجو منكم التوضيح؟ جزاكم الله خيرا.

    الجواب: الواجب عليك التوبة، وقد من الله عليك بذلك والحمد لله، فعليك أن تلزمي التوبة، وأن تكثري من الاستغفار والعمل الصالح وصلاة النافلة، والصدقات إذا استطعت، كثرة التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار، كل ذلك من أسباب كمال التوبة، ومن أسباب المغفرة، وليس عليك قضاء الصلاة ولا الصوم؛ لأن ترك الصلاة كفر، والكافر إذا أسلم ليس عليه قضاء، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر)، خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، خرجه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، في أحاديث أخرى تدل على كفر تارك الصلاة.

    وقد ذكر عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل عن الصحابة رضي الله عنهم -أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا يرون أن ترك الصلاة كفر، وقال: كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، فالصلاة أمرها عظيم وهي عمود الإسلام، من حافظ عليها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فقد ضيع دينه، فأنت إذا من الله عليك بالتوبة من ترك الصلاة وترك الصوم فليس عليك قضاء والحمد لله، وإنما عليك التوبة الصادقة والاستقامة عليها، وحمد الله وشكره على ذلك، والاستكثار من أعمال الخير: من صدقات -ولو بالقليل- من الاستغفار الكثير، التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، وغير ذلك من وجوه الخير: كصوم التطوع، وكثرة الدعاء والضراعة إلى الله أن يتقبل منك وأن يعفو عنك.

    أما من ترك الصوم، ولكنه يصلي، مسلم يصلي لكن تساهل في الصيام؛ فإنه يقضي، يقضي ما عليه من الصيام؛ لأن ترك الصيام ليس ردة عن الإسلام، ولكنه معصية عظيمة، فمن ترك الصوم شهراً أو أكثر أو أقل؛ فعليه القضاء؛ مادام مسلماً يصلي، وليس معه ما يوجب ردته وكفره، فإن عليه القضاء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الحيض بقضاء الصوم فعليهن القضاء، وهكذا من تعمدت ترك الصوم بغير عذر، ولكنها تصلي؛ فإن عليها القضاء أيضا، وهكذا الرجل الذي تساهل في الصيام وهو مسلم يصلي؛ فإنه يقضي أيضاً ويتحرى الأيام التي تركها إذا كان لا يعلمها، يتحرى ويعمل بظنه في ذلك ويقضي.

    1.   

    حكم الخشوع في الصلاة

    السؤال: تقول أختنا: إنني في بعض الأحيان أقف لأصلي بين يدي الله، ولكنني أشعر بأنني أقرأ آية القرآن بشدة، ولا أشعر بخشوع، ولكنني أحاول ولا أستطيع، في بعض الأحيان أشعر بخشوع، وأستمر في البكاء من خشية الله، وأتذكر في الصلاة وأندم على أنني لم أخشع في المرات السابقة، هل هنا علي ذنب في هذا، وما هو الذنب، أرجو توجيهي جزاكم الله خيراً، وهل يصح الندم والتفكر أثناء الصلاة؟

    الجواب: الخشوع في الصلاة من أفضل القربات، ومن أسباب القبول، ومن صفات أهل الإيمان، قال تعالى في كتابه العظيم: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]، ولكن لو عرض للإنسان شيء من التفكير، وشيء من عدم الخشوع؛ فصلاته صحيحة لا تبطل بذلك؛ لأن الإنسان عرضة للوساوس، والأفكار التي تعرض له في الصلاة؛ فلا تبطل صلاته، ولا توجب عليه الإعادة، بل صلاته صحيحة، وعليه المجاهدة لنفسه، إذا دخل في الصلاة، عليه المجاهدة، يستحضر أنه بين يدي الله، وأن الله شرع له الخشوع، فيجتهد في ذلك، ويستعين بالله على ذلك، وإذا كثر عليه الوساوس؛ استعاذ بالله من الشيطان، نفث عن يساره ثلاثاً ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو في الصلاة لا حرج في ذلك، فقد سأل عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأنه غلبت عليه الوساوس؛ فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يستعيذ بالله من الشيطان إذا عرضت له في الصلاة؛ ففعل ذلك فعافاه الله من ذلك.

    فالمقصود: أن المؤمن والمؤمنة كلاهما يجتهدان في إحضار القلب في الصلاة والخشوع، والإقبال على الصلاة، والتذكر بأن العبد بين يدي الله، وأنه يناجيه سبحانه وتعالى، وأن الصلاة عمود الإسلام، وأنها أعظم الفرائض بعد الشهادتين، فإن هذا التذكر يعينه على الخشوع، وعلى حضور القلب، وعلى الإقبال على الصلاة، ولكن متى لم يحضر الخشوع، ولم يستكمل ذلك فإنه لا يضره، صلاته صحيحة والحمد لله، ولا شيء عليه فيما مضى من صلوات فكلها صحيحة، وإنما عليه المجاهدة، والاستعانة بالله على ذلك، وسؤاله التوفيق، والله سبحانه وتعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]، وهو القائل سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    فنوصيك أيتها الأخت في الله! بكثرة الضراعة إلى الله، ودعائه أن يعينك على ذكره وخشوعه في الصلاة، وأن يعيذك من نزغات الشيطان وهمزاته ووساوسه، وهكذا نوصي كل مؤمن وكل مؤمنة بالإقبال على الصلاة، وإحضار القلب فيها، والخشوع فيها، والحرص على السلامة من الوساوس، وسائر ما يقدح في الصلاة أو يضعف أجرها، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم صبغ المرأة المتزوجة شعرها بالسواد

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من الإمارات العربية المتحدة باعثتها إحدى الأخوات من هناك تقول: أم مجاهد سودانية، أختنا لها جمع من الأسئلة، في أحد أسئلتها تقول: سمعت في البرنامج بتاريخ خمسة عشر ربيع الثاني ألف وأربعمائة وتسعة أحد العلماء أفتى في أن الصبغة للشعر بالسواد إذا كانت للزينة للمرأة المتزوجة لا مانع من ذلك، ولكن هنالك أحاديث تأمرنا باجتناب السواد، ولم تخصص المتزوجات من غيرهن، والشيء الذي أعلمه أن هنالك أحاديث كثيرة فيها نهي عن أشياء تفعلها المرأة بقصد الزينة، ولم تذكر المتزوجة أو غير المتزوجة، فلماذا تصبغ المتزوجة فقط بالسواد، ولا تفعل الأشياء الأخرى من الزينة؟ وهل صحيح أن المتزوجة مباح لها الزينة المحرمة على غيرها من غير المتزوجات؛ كالصبغة بالسواد مثلاً؟ أفيدونا مأجورين جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الصواب: أن الصبغ بالسواد محرم مطلقاً، على المتزوجة وغير المتزوجة، وعلى الرجال والنساء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد)، خرجه الإمام مسلم في صحيحه، ولو كان يباح في التغيير بالسواد لأحد لأباحه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة ولوالد الصديق رضي الله تعالى عنهما، بل لما جيء إليه بوالد الصديق فرأى بياض لحيته ورأسه، قال: (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد)، فالذي أفتى بإباحة السواد للمتزوجة لا أرى وجهاً لفتواه، ولا محل لها.

    والواجب اجتناب السواد في حق المرأة والرجل، والمتزوجة وغير المتزوجة؛ عملاً بعموم الأحاديث الدالة على ذلك، ومن ذلك: ما رواه أبو داود و النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يأتي في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة)، وفي الباب أحاديث عديدة كلها تنهى عن الصبغ بالسواد؛ لما فيه من التدليس، والتلبيس، والخداع.

    فالذي أوصي به جميع الرجال والنساء: الحذر من تغيير الشيب بالسواد، وأما تغييره بالحناء والكتم، أو بالسواد المخلوط بشيء آخر؛ حتى لا يكون أسود، يكون بين السواد والحمرة، أو أحمر خالص، أو أصفر، هذا كله مشروع، والنبي عليه السلام قال: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم)، فالسنة أن نخالفهم في الصبغ، لكن لا نصبغ بالسواد الخالص.

    ونصيحتي لكل مسلم ولكل مسلمة أن يعتني بسماع هذا البرنامج (نور على الدرب) في أوقاته؛ لما فيه من الفائدة العظيمة، وقد يشتبه عليه فتوى من بعض المشايخ، فيجد حلها في فتوى العالم الثاني في هذا البرنامج، وتزول عنه الشبهة، فهو برنامج عظيم الفائدة، يسره الله عز وجل على يد جماعة من أهل العلم.

    فأنصح جميع إخواني في كل مكان، وجميع أخواتي في كل مكان بالسماع لهذا البرنامج والاستفادة منه، فهو درس عظيم كثير الفائدة، يسره الله لك أيها الأخ ولك أيها الأخت في الله وأنت في بيتك، وفي مجلسك، وعلى سريرك، وفي سيارتك، وهكذا كل أخت في الله يسر الله لها هذا البرنامج، وهي في بيتها وعلى فراشها، في غاية من الراحة، فينبغي حمد الله على ذلك وشكره على ذلك، والدعاء لمن قام بهذا البرنامج بالتوفيق والإعانة على كل خير، وأن يوفقوا للصواب في إصابة الحق، هكذا ينبغي للمؤمن مع إخوانه الذين تحصل له منهم فائدة، يدعو لهم بالتوفيق والسداد وعظيم الأجر، نسأل الله أن يوفق القائمين على هذا البرنامج لكل ما فيه صلاح المسلمين وسعادتهم، ونسأله سبحانه أيضاً أن يوفق الجميع لإصابة الحق الموافق لما قاله الله ورسوله.

    1.   

    الواجب على المسلم عند اختلاف العلماء، وحكم زكاة الحلي

    السؤال: شيخ عبد العزيز! كثير من إخواننا المستمعين لهذا البرنامج يتمنون أن لا يكون هناك خلاف في الفتاوى بين العلماء، فأختنا أيضاً في رسالتها تقول: إنني سمعت في البرنامج أنه ليس هنالك زكاة على الحلي المعد للزينة، وقال المفتي في تلكم الحلقة: إن هذا معمول به في المملكة، وهنالك كتاب يتحدث عن زكاة الحلي، مستدلاً بأحاديث وآثار صحيحة، وأقوال علماء من الحاضرين، وسؤالي مرة أخرى: هل للحلي المعد للزينة زكاة، وما رأيكم في الكتاب الذي يتحدث عن زكاة الحلي؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الاختلاف لا بد منه في بعض المسائل الفرعية، ولا تمكن السلامة من ذلك، فقد كان موجوداً في عهد الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، بسبب اختلاف الفهم، وبسبب خفاء الأدلة على بعض أهل العلم، فلهذا يقع بعض الخلاف؛ فإن بعض أهل العلم قد يبلغه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يبلغ الآخر، وكذلك قد يفهم من الآية ومن الحديث فهماً لم يفهمه الآخر في بعض المسائل، فلهذا تقع الخلافات بين أهل العلم في بعض المسائل الفرعية.

    أما العقائد والأمور الأصولية فالحمد لله ليس فيها خلاف بين أهل العلم، وإنما تقع الخلافات في مسائل فرعية قد يخفى فيها الدليل على بعض أهل العلم، وقد يختلف فيها الفهم، فعلى طالب العلم وعلى السائل وعلى المستفيد أن يتحرى، ويجتهد في الاستيضاح من أهل العلم؛ حتى يطمئن قلبه إلى ما وقع فيه الخلاف، وحتى يعرف الصواب، ومن ذلك: مسألة الخضاب بالسواد -كما تقدم في السؤال السابق-.

    ومن ذلك: مسألة الحلي هل فيها زكاة أم لا؟ فإن جماعة من أهل العلم قالوا: ليس فيها زكاة؛ لأنها تستعمل، فأشبهت الإبل التي تستعمل والبقر التي تستعمل وليست سائمة؛ فلا زكاة فيها، وقال آخرون: بل فيها الزكاة؛ لأنها داخلة في عموم الذهب والفضة الذين أوجب الله فيهما الزكاة؛ ولأنه ليس هناك دليل يخص الحلي باستثنائها من وجوب الزكاة، ولأنه قد ورد في أحاديث تدل على أن الحلي فيها الزكاة، مثلما رواه أبو داود و النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها سواران ضخمان من الذهب -وفي رواية: مسكتان غليظتان من الذهب- فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال عليه الصلاة والسلام: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؛ فألقتهما، قالت: هما لله ولرسوله).

    وثبت من حديث أم سلمة رضي الله عنها (أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: يا رسول الله! أكنز هذا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ما بلغ أن يزكى فزكي فليس بكنز)، ولم يقل: ليس عليك فيه زكاة، ولم يقل: ليس في الحلي زكاة؛ فدل ذلك على أن الواجب أداء الزكاة عن الحلي إذا بلغت النصاب، وقد كتبنا في هذا رسالة أوضحنا فيها الأدلة، وكتب بعض أهل العلم في ذلك أيضاً.

    فالمقصود: أن الصواب هو القول بأن الزكاة واجبة في الحلي من الذهب والفضة إذا بلغت النصاب -وهو عشرون مثقالاً- ومقداره أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع جنيه من الجنيه السعودي، أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع، يعني: نصف، أحد عشر جنيهاً ونصف؛ لأن الكسر يسير بين الثلاثة الأسباع والنصف، فالمقصود: أنه إذا بلغ أحد عشر جنيهاً ونصفاً، فإن الحلي فيه الزكاة، وهو يقارب اثنين وتسعين غرام، فإذا كانت الحلي أقل من ذلك؛ فلا زكاة فيها والحمد لله.

    والمؤمن يذهب إلى ما هو أحوط لدينه وأقرب إلى سلامته في كل شيء، إلا إذا وضح الدليل في أن هذا الشيء ليس فيه شيء فالحمد لله، ومادام أن هناك شبهة وهناك خلافاً، ولم يتضح للمؤمن ما يبرئ ذمته، فإنه يحتاط، ويأخذ بالفتوى التي فيها السلامة والحيطة، والخلوص من الواجب، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم أداء صلاة الجمعة في منطقة جبلية بعيدة عن المساجد

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول فيها: نحن نعمل بمنطقة جبلية وليس بها مساجد، والمساجد القريبة منا يصعب الوصول إليها لظروف عملنا، ونحن جماعة قليلون، فكم عدد المصلين التي تصح بهم صلاة الجمعة؟

    الجواب: الواجب عليكم السعي إلى الجمعة، إذا كنتم تسمعون النداء، وتستطيعون الإجابة، على الأقدام أو بالسيارة؛ لأن الجمعة جامعة، تجمع أهل القرية، تجمع أهل المحل، فالواجب عليكم السعي إليها، والصلاة مع المسلمين في القرية التي أنتم فيها، وليس لكم الترخص وأن تقيموا جمعة وحدكم.

    إلا إذا كانت المسافة بعيدة؛ فعليكم أن تستفتوا وتقدموا إلى دار الإفتاء إذا كنتم في المملكة، ودار الإفتاء تنظر في الأمر، وتكتب إلى المحكمة في طرفكم حتى تعرف الحقيقة، ثم تصدر الفتوى بذلك، لكن مهما أمكن المؤمن أن يسعى إلى الجمعة ويشارك إخوانه في الجمعة فهذا هو الخير العظيم، وله في خطواته أجر كبير وحط سيئات؛ فينبغي له أن يشارك في الخير، وأن يحرص على الجمعة ولو بعدت؛ لكثرة الأجر ولاجتماعه بإخوانه وتكثير سوادهم، واطلاعه على أحوالهم وتعرفه عليهم؛ حتى يتعاون الجميع على البر والتقوى، ويتساعد الجميع على ما فيه الخير، فإذا كان هناك مشقة بينة؛ فلا مانع من إرسال استفتاء إلى دار الإفتاء، وهي تنظر في الأمر إن شاء الله.

    المقدم: إن شاء الله، جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل -بعد شكر الله سبحانه وتعالى- على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.