إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (600)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم تأخير وقت صلاة العشاء للنساء

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج (نور على الدرب).

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من بريدة حي السالمية باعثتها إحدى الأخوات من هناك تقول (ع. م. ع) سؤالها يقول: سمعت أنه يستحب تأخير وقت صلاة العشاء للرجال، فهل يجوز ذلك للنساء؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فنعم يستحب للرجال والنساء تأخير صلاة العشاء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما أخرها ذات ليلة إلى نحو ثلث في الليل قال: (إنه لوقتها لولا أن شق على أمتي)عليه الصلاة والسلام، فإذا تيسر تأخيرها من دون مشقة فهو أفضل، فلو كان أهل قرية أو جماعة في السفر أخروها؛ لأنه أرفق بهم إلى ثلث الليل فلا بأس بذلك، بل هو أفضل، لكن لا يجوز تأخيرها بعد نصف الليل النهائي؛ لأن وقت العشاء يتحدد آخره بنصف الليل، يعني الاختياري نصف الليل، كما في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وقت العشاء إلى نصف الليل)، أما إذا كان تأخيرها قد يشق على بعض الناس؛ فإن المشروع تعجيلها، ولهذا قال جابر رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في العشاء إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخرها)، وقال أبو بكر رضي الله عنه: (كان النبي يستحب أن يؤخر من العشاء) عليه الصلاة والسلام.

    فالخلاصة: أن تأخيرها أفضل إذا تيسر ذلك بدون مشقة، ولكن لا يجوز تأخيرها بعد نصف الليل، بل النهاية نصف الليل.

    1.   

    درجة حديث (الغناء زاد الراكب)

    السؤال: السؤال الثاني: سمعت كلاماً لا أدري أهو حديث أم ماذا: (الغناء زاد الراكب)، بينوا لنا، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ليس بحديث؛ بل هو كلام باطل، والغناء هو رقية الشيطان، وهو في الحقيقة من لهو الحديث الذي نهى الله عنه وحذر منه، وهو مما يصد عن سبيل الله، ومما يشغل القلوب عن التلذذ بقراءة كلام الله وسماع كلام الله سبحانه وتعالى، أما الشعر العربي باللغة العربية واللحون العربية، فلا بأس به، إذا كان في مدح الخير وذم الشر .. في الدعوة إلى الله .. في الترغيب بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والترهيب من مساوئ الأخلاق وسيئ الأعمال، باللحون العربية والشعر العربي لا بلحون الغناء، هذا لا بأس به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من الشعر حكمة)، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن من الشعر حكمة) ، وقد سمع شعر كعب بن زهير وشعر كعب بن مالك وشعر حسان وغيرهم رضي الله عنهم.

    1.   

    حكم تكفير من يطوف حول القبور ويستغيث بأصحابها وهو جاهل

    السؤال: من جمهورية مصر العربية سيناء هذه الرسالة بعث بها أخ لنا من هناك يقول: المرسل (ج. م. ع) يسأل ويقول: وقع خلاف بين شخصين حول تكفير من يطوف حول القبر ويستغيث به، فمنهم من يقول: إن هذا الفعل فعل شرك ولا خلاف، ولكن يعذر صاحب هذا الفعل لجهله بأمور التوحيد، والآخر يقول: بكفر ذلك الشخص الذي يستغيث بغير الله، ولا يعذر بسبب الجهل بأمور التوحيد، ولكن يعذر في الفرعيات والأمور الفقهية.

    والسؤال هو: أي الرأيين صواب، وأيهما خطأ، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الصواب قول من قال: إن هذا لا يعذر؛ لأن هذه أمور عظيمة وهي من أصول الدين، وهي أول شيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك، فأصول الدين لا يعذر فيها بالجهل لمن هو بين المسلمين ويسمع القرآن ويسمع الأحاديث، والاستغاثة بأصحاب القبور والنذر لهم ودعاؤهم وطلبهم الشفاء والمدد، كل هذا من أعظم الشرك بالله عز وجل، والله سبحانه يقول في كتابه العظيم: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]؛ فسماهم كفاراً بذلك، وقال عز وجل: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14] سبحانه وتعالى، فسمى دعاءهم إياهم شركاً.

    والله يقول جل وعلا: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] ويقول سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، فالظالمون هم المشركون، إذا أطلق الظلم فهو الشرك، كما قال عز وجل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    وهكذا الطواف بالقبور إذا طاف يتقرب بذلك إلى صاحب القبر، هو مثل إذا دعاه واستغاث به يكون شركاً أكبر، أما إذا طاف يحسب أن الطواف بالقبور قربة إلى الله، يقصد التقرب إلى الله كما يطوف الناس بالكعبة يتقرب إلى الله بذلك، وليس يقصد الميت، هذا من البدع، ومن وسائل الشرك المحرمة الخطيرة، ولكن الغالب على من طاف بالقبور أنه يتقرب إلى أهلها بالطواف، ويريد الثواب منهم، والشفاعة منهم، وهذا شرك أكبر نسأل الله العافية. كالدعاء.

    1.   

    حكم تركة من يموت وهو يطوف ويستغيث بالقبور وكذلك تارك الصلاة

    السؤال: يسأل أخونا ويقول: هل يجوز أن يرث المسلم الإنسان الذي يطوف حول القبور ويستغيث بها؟ وهل يجوز أن يرث المسلم تارك الصلاة؟

    الجواب: يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)، فالذي يطوف بالقبور ويستغيث بأهلها ويطلبهم المدد؛ لا يرث من المسلم، ولا يرثه المسلم؛ لهذا الحديث الصحيح: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم).

    وإنما يرث هذا الذي يطوف بالقبور أمثاله من عباد القبور؛ لأنهم كفار مثله، ويرث المسلم أمثاله من المسلمين، فالمسلم يرث المسلم ولا يرث الكافر، وهكذا العكس، الكافر يرث الكافر ولا يرث المسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم) متفق على صحته، من حديث أسامة رضي الله عنه.

    كذلك تارك الصلاة؛ لأن الصحيح أنه كافر كفراً أكبر، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه كفر أصغر، وأنه لا يكفر بذلك إذا كان يقر بالوجوب ولا يجحد الوجوب، ولكن الصواب أنه كافر كفراً أكبر، وأن ورثته المسلمين لا يرثونه، يعني: أقاربه المسلمين لا يرثونه، وإنما يكون لبيت المال، يكون لبيت إرثه المال؛ لأنه مرتد بهذا.

    إلا إذا كان له أقارب مثله في ترك الصلاة فهم يرثونه كما يرث الكفار بعضهم بعضاً.

    1.   

    الدعوة إلى تبصير الناس حقيقة كلمة التوحيد

    السؤال: نريد من سماحتكم أن توجهوا نداءً للناس تبينوا فيه أهمية الدعوة إلى الله، وتبصير الناس بمعنى لا إله إلا الله؟

    الجواب: في كتاب الله العظيم الكفاية العظيمة، والدعوة إلى هذا الحق العظيم، فقد دعاهم مولاهم سبحانه في كتابه العظيم في آيات كثيرة إلى أن يعبدوه وحده، وهكذا الرسول صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى ذلك بمكة والمدينة، مدة ثلاث وعشرين سنة، يدعو إلى الله ويبصر الناس بدينهم، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].. وقال سبحانه: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].. وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].. وقال جل وعلا: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2-3].. وقال سبحانه: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14].. قال عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].. في آيات كثيرات، وقال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)متفق على صحته، وقال عليه الصلاة والسلام: (من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار).

    فالواجب على جميع أهل الأرض من المكلفين أن يعبدوا الله وحده، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يشهدوا أن محمداً رسول الله، وأن يخصوا الله بدعائهم وخوفهم ورجائهم واستغاثتهم وصومهم وصلاتهم وسائر عباداتهم، وهكذا طوافهم بالكعبة، يطوفون بالكعبة تقرباً إلى الله وعبادة له وحده سبحانه وتعالى، وأن يحذروا دعوة غير الله من أصحاب القبور أو الأصنام أو الأنبياء أو غير ذلك، فالعبادة حق الله وحده، لا يجوز لأحد أن يصرفها لغيره سبحانه وتعالى.

    والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والصدقة عبادة، والحج عبادة، وخوف الله عبادة، ورجاؤه عبادة، والنذر عبادة، والذبح عبادة، وهكذا، يجب أن تكون لله وحده، فلا يذبح إلا لله، ولا يصلي إلا لله، ولا يسجد إلا لله، ولا يكون الخوف خوف السر خوف القلوب إلا من الله سبحانه وتعالى، وهكذا لا يستغيث إلا بالله، ولا يطلب المدد إلا منه سبحانه وتعالى؛ لأنه خالقه وربه ومعبوده الحق سبحانه وتعالى، وقد بعث الله الرسل كلهم بذلك، من أولهم إلى آخرهم، من أولهم نوح إلى آخرهم محمد عليه الصلاة والسلام، كلهم يدعون الناس إلى توحيد الله، كما قال عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].. وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وكان يقول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة: (يا قوم قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا).

    هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء، من العجم والعرب، من الجن والإنس في جميع أرض الله، يجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يقولوا لا إله إلا الله، وأن يخصوه بالعبادة سبحانه وتعالى، وأن لا يعبدوا معه سواه لا صنماً ولا نبياً ولا ملكاً ولا جنياً ولا شجراً ولا غير ذلك، العبادة حق الله وحده وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، هذا هو الواجب على جميع المكلفين من جن وإنس، من عرب وعجم، من ذكور وإناث، من ملوك وعامة، يجب على الجميع أن يعبدوا الله وحده، وأن يخصوه بدعائهم وخوفهم ورجائهم وتوكلهم واستغاثتهم ونذورهم وذبحهم وصلاتهم وصومهم ونحو ذلك، كما قال عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36] .. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] .. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] .. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، لكن خوف الإنسان ما يضره، واتخاذ الأسباب، هذا غير داخل في العبادة، فخوفه من اللص حتى يغلق الباب، ويتخذ الحرس، لا حرج في ذلك، كما قال الله عن موسى عليه السلام لما خاف فرعون قال: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21]، يعني: خائفاً من شر فرعون.

    فخوف الأمور الحسية، وخوف الظلمة، واتخاذ الأسباب، هذا غير داخل في العبادة، فإذا خاف من اللصوص وأغلق بابه، أو جعل حارساً على ماله، أو خاف حين سفره من اللصوص أو من قطاع الطريق، وحمل السلاح، وسلك الطريق الآمنة، كل هذا لا بأس به.

    وهكذا إذا خاف الجوع أكل.. خاف الظمأ شرب.. خاف البرد لبس ما يدفئه وما أشبه، هذا كله أمور حسية معروفة، لا حرج فيها، وهكذا إذا استعان بأخيه في مزرعته، في إصلاح سيارته، في بناء بيته، هذه أمور عادية غير داخلة في العبادة، كما قال تعالى: َفاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] يعني: موسى، هذه أمور عادية يقدر عليها المخلوق، فالتصرف مع المخلوق الحي الحاضر في أشياء يقدر عليها من تعاون في بناء في مزرعة في جهاد في غير ذلك، هذا غير داخل فيما يتعلق بالعبادة.

    لكن دعاؤه وهو ميت، دعاء الشجر، دعاء الصنم، دعاء الجن، دعاء الملائكة، دعاء الأنبياء يستغيثه، هذا هو الشرك الأكبر، أو دعاء الحي في أمور لا يقدر عليها، يعتقد فيه أنه له تصرف في الكون، كما يفعل بعض الصوفية مع مشايخهم، يدعونهم مع الله، ويعتقدون فيهم أن لهم تصرف في الكون، وأن لهم سراً يستطيعون معه أن يعلموا الغيب، أو ينفعوا الناس بما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، هذه أمور شركية، حتى مع الأحياء نسأل الله السلامة، والله ولي التوفيق.

    1.   

    عقوبة تارك الصلاة

    السؤال: سماحة الشيخ! يسأل أخونا فيصل أحمد عبد الله من حائل ويقول: أرجو أن توضحوا عقوبة تارك الصلاة وهو مؤمن بوجوبها، وأن توضحوا لنا عافاكم الله فضل صلاة الفجر، وعقوبة من لم يؤدها في وقتها، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: من ترك الصلاة فعقوبته القتل، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، قال الله سبحانه: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، فدل على أن من لا يقيم الصلاة لا يخلى سبيله بل يقتل، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال عليه الصلاة والسلام: (إني نهيت عن قتل المصلين)، فالمصلي لا يقتل إذا استقام، أما من ترك الصلاة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا وجب قتله مرتداً على أصح القولين، وعند جماعة من أهل العلم لا يكون مرتداً ولكن يكون قتله حداً، إذا قلنا بأن تركها ليس بكفر أكبر إذا كان يقر بوجوبها ولا يجحده، والصواب: أنه يقتل كفراً إذا كان تاركاً لها يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كفراً، لا حداً، ويبعد جداً أن يكون يقر بوجوبها ثم يصر على عدم فعلها حتى يقتل، هذا بعيد جداً.

    والمقصود أنه يقتل كفراً مطلقاً مادام أبى أن يصلي واستتيب وأبى؛ فإنه يقتل كفراً، نسأل الله العافية، لا يكون مسلماً، سواء كانت الصلاة فجراً أو ظهراً أو عصراً أو مغرباً أو عشاء، والفجر لها شأن خاص؛ لأنه يتكاسل عنها المنافقون، وقد جاء فيها أحاديث كثيرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته، فإنه من يطلبه شيئاً من ذمته يدركه، ثم يكبه في النار)، الصلاة لها شأن عظيم، سواءً كانت صبحاً أو ظهراً أو عصراً أو مغرباً أو عشاء، ولكن للصبح خصائص؛ لأنها تكون في آخر الليل عند حلاوة النوم في الصيف، وعند شدة البرد في الشتاء، فربما تثاقل عنها الكسالى وتشبهوا بأهل النفاق، فجاء فيها تأكيد، يجب على المؤمن أن يعتني بها حتى يتباعد عن مشابهة المنافقين، ولا يجوز له تركها حتى تطلع الشمس، كما يفعل بعض الناس، يصليها إذا قام للعمل، هذا منكر عظيم، وشر مستطير، يجب على صاحبها أن يتقي الله وأن يصليها في الوقت مع المسلمين في جماعة المسلمين في مساجد الله، ومن علم بهذا وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن تركها حتى يخرج وقتها منكر عظيم، بل كفر عند جمع من أهل العلم إذا تعمد ذلك، نسأل الله للجميع الهداية والسلامة.

    1.   

    حكم يمين الغضبان

    السؤال: من القصيم هذه رسالة بعثت بها إحدى الأخوات من هناك تقول: (م. ض)، أختنا تقول: إذا حلف الإنسان وهو في حالة غضب، هل يكون حلفه حلفاً يحقق فعل شيء أو ترك شيء، مع العلم أنني لا أذكر أحياناً بعض ما أحلف عليه، ما كفارة هذا، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: من حلف وهو غضبان، فحاله محل تفصيل، فإن كان اشتد به الغضب حتى فقد شعوره ولم يميز بسبب شدة الغضب لم يملك نفسه، فهذا لا تنعقد يمينه، ولا يلزمه شيء، كما لو طلق في حال شدة الغضب عند المسابة والمخاصمة الشديدة، والمضاربة ونحو ذلك، حتى فقد شعوره؛ لأنه في هذه الحالة أشبه بالمعتوهين والمجانين.

    أما الغضب العادي فإنه لا يمنع الطلاق ولا يمنع انعقاد اليمين، فإذا قالت: والله لا أكلم فلاناً أو قال الرجل: والله لا أكلم فلاناً أو لا أزوره، أو لا أجيب دعوته، وإن كان غضبان، لكنه غضب لم يخل بشعوره، ولم يبلغ حد الشدة التي تغير الشعور، وتمنع الإنسان من الفكر والنظر، فهذا عليه كفارة اليمين، إذا خالف يمينه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير)، فإذا قال: والله لا أزوره وإن كان غضبان، أو والله لا أكلمه ثم زاره أو كلمه؛ فعليه كفارة اليمين، وهكذا المرأة سواء إذا قالت: والله لا أكلم فلانة ولا أكلم فلانة أو لا أزور فلان أو لا أزور فلانة، أو لا أشتري لها كذا أو لا أعطيها كذا، ثم أرادت الفعل؛ فلها أن تفعل وتكفر عن يمينها، الرجل والمرأة في هذا سواء؛ لهذا الحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير)، وقال عليه الصلاة والسلام: (والله إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير) عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    درجة الحديث المروي في صلاة الحاجة

    السؤال: من جدة الحرس الوطني، هذه رسالة بعث بها أخ لنا من هناك يقول (ع. م. ف) له خمسة أسئلة، في سؤاله الأول يقول: هل الحديث الذي رواه أحمد في صلاة الحاجة صحيح أم لا؟

    الجواب: نعم، روى أحمد رحمه الله وغيره بـإسناد صحيح عن علي رضي الله عنه وعن الصديق رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أذنب ذنباً ثم تاب ثم تطهر وصلى ركعتين وتاب إلى الله من ذلك؛ تاب الله عليه)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، هذا صحيح وثابت، وهو من أسباب المغفرة إذا أذنب وأتى شيئاً مما يكرهه الله ثم تطهر وصلى ركعتين، صلاة التوبة، وسأل ربه واستغفره، فهو حري بالتوبة كما وعده الله ذلك.

    الشيخ: هذا الحديث ويسمى أيضاً حديث صلاة الاستخارة، ويسمى أيضاً صلاة الحاجة أيضاً؛ لأن الاستخارة في الحاجات التي تهم الإنسان فيشرع له أن يصلي ركعتين، ويستخير الله في ذلك.

    1.   

    المشروع للمكروب

    السؤال: ما حكم استدلال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الجواب الكافي، يقول: من قال: إن من صلى لله أربع ركعات ثم دعا الله فإنه يستجاب له، سواءً كان مكروباً أو غير مكروب، أخذاً من قصة الصحابي الأنصاري التاجر الذي هجم عليه اللص؟

    الجواب: ما أعرفه، ما وقفت على هذا الكلام في صلاة الأربع الركعات، وأما خبر اللص فهو خبر فيه ضعف، ولكن دعاء الله والضراعة إليه من أسباب الإجابة بنص القرآن، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].. وقال سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فنص القرآن هو وعد الله للداعي بالاستجابة، فعلى المؤمن أن يدعو الله، وأن يجتهد في الدعاء، وأن يقبل على الله بقلبه، سواء كان بعد صلاة أو في غير صلاة، متى أقبل على الله واجتهد في الدعاء، وتجنب أسباب الحرمان من أكل الحرام والمعاصي فهو حري بالإجابة، لكن قد يمنع الإنسان الإجابة لحكمة بالغة: إما لأنه أصر على معاصي، أو لأنه يستعمل الكسب الحرام، أو لأنه يدعو بقلب غافل معرض، أو بأسباب أخرى، فالدعاء له موانع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بـها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما يدفع عنه من الشر مثل ذلك، قالوا: يا رسول الله! إذاً نكثر؟ قال: الله أكثر).

    الله سبحانه قد يعجلها، وقد يؤخرها لحكمة بالغة، وقد يعطيه خيراً منها وأفضل منها، قد يصرف عنه من الشر ما هو خير له من إعطائه دعوته، قد يحرم الإجابة بذنوبه وأعماله السيئة، بإصراره على المعاصي .. بأكله الحرام .. بغفلته عن الله، إلى غير ذلك، الأسباب كثيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    المقدم: لا حول ولا قوة إلا بالله، جزاكم الله خيراً.

    1.   

    درجة حديث: (الربا بضع وسبعون حوباً ...)

    السؤال: يسأل أخونا ويقول: ما صحة حديث: (الربا بضع وسبعون حوباً

    الجواب: لا بأس به حديث جيد، (..وإن أربى الربا استطالة المؤمن في عرض أخيه المسلم)، هذا حديث جيد، وجاء من طرق متعددة.

    فينبغي للمؤمن أن يحذر أنواع الربا، ويحذر المعاصي، ولهذا أطلق على الغيبة والاستطالة في عرض المسلم سماها أربى الربا؛ لأن ضررها عظيم، وتسبب فتنة ونزاعاً وفساداً في المجتمع وشحناء إذا بلغ الشخص ما قاله فيه الآخر.

    فالمقصود: أن الغيبة والنميمة من أعظم الفساد في الأرض، وهي من أربى الربا، فالربا ليس خاصاً بالبيع والشراء، بل يكون في المعاصي والمخالفات، والتعدي على الناس بالغيبة والنميمة، نسأل الله العافية؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، وزيادة على ما أباح الله له، فقد أربى بزيادته بما حرم الله وارتكابه ما نهى الله عنه جل وعلا، نسأل الله السلامة.

    1.   

    حكم مدح الله بالشعر

    السؤال: هل يجوز مدح الله سبحانه وتعالى بالشعر بنية القربة ونيل المقصود من الله؟

    الجواب: نعم، نعم. يمدح بالشعر وبالنثر، كما فعل الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم.

    المقدم: رضي الله تعالى عنهم، جزاكم الله خيراً.

    1.   

    درجة حديث: (إن في كل ليلة ساعة مستجابة)

    السؤال: قرأت في نشرة معلقة حديثاً ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويعزى إلى صحيح مسلم: (أن في كل ليلة ساعة مستجابة)، ولم يذكر أنها خاصة بآخر الليل، فهل هذا الحديث صحيح، أجيبونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم صحيح، رواه مسلم في الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في كل ليلة ساعة مستجابة) ولم يبينها، بل من صادفها أجيبت دعوته، فهي ساعة مستجابة مخفاة في الليل، مثل ما أخفى الله ساعة الجمعة في الجمعة، لكن أحراها بعد العصر، وعند جلوس الإمام للخطبة يوم الجمعة، وهذه أحراها جوف الليل كما جاء في بعض الروايات، أحراها جوف الليل وآخر الليل في الثلث الأخير، هي أحراها، هذان الوقتان أحراها، ولكنها عامة في الليل كله.

    1.   

    حكم إرجاع المرأة الحامل التي طلقت ثلاثاً

    السؤال: المستمع العوني أبو عونية فيما يبدو بعث يسأل ويقول: رجل طلق زوجته ثلاث طلقات، وكانت الطلقة الثالثة وهي حامل، وأوصى عمته أن تذهب إلى زوجته لإرجاعها قبل الولادة، وحضرت العمة، وقالت بصوت عالٍ أمام الزوجة وأمام بعض الأقارب: أرجعناها، وبناءً عليه عادت الزوجة إلى زوجها، ما حكم هذا التصرف، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا تصرف باطل، وليس الإرجاع إلى المرأة ولا إلى الزوج في مثل هذا، مادام طلقها الطلقة الأخيرة الثالثة ولو أنها حامل.

    تـحرم عليه، حتى تنكح زوجاً غيره، إلا أن تكون الطلقتان السابقتان فيهما ما يوجب عدم وقوعهما أو إحداهما، وإلا فطلاق الحامل واقع، طلاق الحامل شرعي، يقول صلى الله عليه وسلم لـابن عمر : (طلقها طاهراً أو حاملاً)، يعني: من دون مسيس، لو طلقها من دون مسيس وهي حائل، أو طلقها وهي حامل كله طلاق شرعي، إنما المنكر أن يطلقها في حيض أو في نفاس، أو في طهر جامعها فيه، هذا هو الذي لا يجوز، أما طلاق الحامل فهو طلاق شرعي، ولكن بعض العامة يظن أن طلاق الحامل لا يقع، جهلاً منه، فهذا الذي طلق زوجته الطلقة الثالثة وهي حامل، طلاقه واقع، إذا كان لا مانع به، عاقل لا مانع به فطلاقه واقع، وهكذا الطلقتان السابقتان، إذا كانتا ليس فيهما ما يوجب عدم وقـوعهما أو إحداهما، فإن الطلاق ماضٍ، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأن الله سبحانه يقول: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] يعني: الثالثة فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] فالواجب على المؤمن في مثل هذا أن يتبصر وأن لا يعجل، أما إرساله المرأة وأن تقول: أرجعناها فهذا شيء لا وجه له ولا أساس له، بل هو من خرافات العامة.

    لكن ينظر في الطلقتين السابقتين، فإذا كانتا وقعتا في طهر ليس فيه مسيس أو في حال حمل، فقد وقعتا، وتمت الثلاث، وليس له رجوع إليها إلا بعد زوج شرعي، بعد زوج يطؤها في نكاح شرعي، ثم يفارقها يموت، أو طلاق، والله المستعان.

    المقدم: الله المستعان، جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين في هذا البرنامج، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.