إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (525)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    وجوب الحذر من سوء الظن

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة والأخوات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله إلى لقاء طيب مبارك من برنامج نور على الدرب.

    ضيف اللقاء هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء.

    مع مطلع هذا اللقاء نرحب بسماحة الشيخ عبد العزيز ، فأهلاً ومرحباً سماحة الشيخ.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====السؤال: هذا السائل سلطان العمر من المدينة النبوية يقول: زوجة صالحة ذات صلاة وعبادة، ولكنها ذات خلق سيئ حيث ترفع كثيراً من صوتها على زوجها وأبنائها، تنظر إلى الأمور نظرة سوداوية متشائمة، وتحمل الأمور ما لم تتحمل، هل من كلمة توجهونها إلى مثل ذلك عبر الأثير، فلعلها تستمع إلى ما تقولون يا سماحة الشيخ، وحيث أنها أيضاً تستمع إلى برامج إذاعة القرآن الكريم؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

    فنوصي المرأة المذكورة وأشباهها بتقوى الله جل وعلا، والعناية بحسن الظن ومراعاة الأساليب الحسنة، والبعد عن سوء الظن سواء بأولادها أو بغيرهم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث).

    فالواجب على كل مسلم -رجل أو امرأة- الحذر من سوء الظن إلا بأسباب واضحة، وإلا فالواجب ترك الظن السيئ، لا بالمرأة ولا بالزوج ولا بالأولاد ولا بأخي الزوج ولا بأبيه.. ولا بغير ذلك، الواجب حسن الظن بالله، وحسن الظن بأخيك المسلم أو بأختك المسلمة، وأن لا تسيء الظن إلا بأسباب واضحة توجب التهمة وإلا فالأصل البراءة والسلامة، وسوء الظن يسبب الفرقة والاختلاف والشحناء والعداوة، حتى الرجل مع أولاده إذا ساء ظنه بهم والمرأة مع أولادها إذا ساء ظنها بهم ساءت الحال بينهم، فالواجب الحذر من ذلك، والواجب العناية بحسن الظن مادام هناك مجال لحسن الظن، أما إذا وجدت أسباب تقتضي سوء الظن فلا بأس، كاجتماعه بمن يساء بهم الظن، وكوقوفه مواقف التهم.

    المقصود متى وجدت أمور واضحة تقتضي سوء الظن فلا بأس، ولهذا إذا قامت البينة عمل بها وأسيء الظن بمن قامت عليه البينة بأنه سرق أو بأنه زنى أو بأنه شرب الخمر، فإذا قامت البينة الشرعية أقيم عليه الحد وأسيء به الظن بسبب البينة، أما عند عدم البينات فالواجب ترك سوء الظن والاعتماد على البراءة الأصلية والسلامة الأصلية، والحذر من سوء الظن بالمسلم بغير حق، نسأل الله للجميع الهداية.

    1.   

    وجوب الاهتمام بالأبناء وتربيتهم التربية الإيمانية

    السؤال: يقول السائل: يهتم البعض من الآباء والأمهات بغذاء أبنائهم وبناتهم ويغفلون عن تربيتهم التربية الإيمانية السليمة القائمة على حب الله ورسوله وقراءة القرآن والتأدب بآداب الإسلام، ما كلمتكم يا سماحة الشيخ؟

    الجواب: الواجب على كل مؤمن ومؤمنة العناية بالآداب الشرعية والغذاء الشرعي، أما الغذاء البدني فهذا شأن البهائم، الواجب أن تكون العناية بتوجيه الأولاد إلى الخير وإرشادهم إلى أسباب النجاة، وتعليمهم الأخلاق الفاضلة والسيرة الحميدة، وترغيبهم في قراءة القرآن الكريم والاستفادة من القرآن والتدبر، وترغيبهم في صحبة الأخيار ومجالسة الأخيار هذا أهم شيء، إصلاح دينهم أهم شيء من إصلاح أبدانهم، فالغذاء يتعلق بصلاح الأبدان وتعليمهم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وتوجيههم إلى الخير وإرشادهم إلى أسباب النجاة هذا يتعلق بنجاتهم في الدنيا والآخرة، ويتعلق بصلاح القلوب وهذا أهم.

    فالواجب على الأقارب جميعاً أن يهتموا بما فيه صلاح القلوب والاستقامة على شرع الله، وأن يعلموا أولادهم وأيتامهم وقراباتهم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة وما يرضي الله عنهم، ويشجعوهم على تعلم القرآن الكريم، والعناية بالقرآن وحفظه والإكثار من تلاوته، وحضور مجالس الذكر وحلقات العلم، وعليهم أن يوصوهم أيضاً بصحبة الأخيار والبعد عن صحبة الأشرار، كل هذه أمور تتعلق بصلاح القلوب، وصلاح الدين، وصلاح أمر الآخرة.

    أما ما يتعلق بالغذاء البدني والكسوة ونحوها فهذا أمر ثانوي لا مانع من العناية به ولكنه أمر ثانوي، أمر الدين فأهم وأعظم، نسأل الله للجميع الهداية.

    1.   

    حكم ألعاب الأطفال المجسمة

    السؤال: السائل يقول: احتار كثير من الآباء والأمهات في حكم ألعاب الأطفال المجسمة والمشهورة باسم العرائس بين محلل لها ومحرم، ما هو حكم الشرع في نظركم سماحة الشيخ في هذه المسألة؟ نأمل بسط الجواب مفصلاً بأدلته الشرعية؛ وذلك لتعم الفائدة ويحصل النفع جزاكم الله خيراً.

    الجواب: اللعب المصورة لاشك أنها داخلة في الأحاديث الصحيحة، الرسول لعن المصورين وقال عليه الصلاة والسلام: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، فالواجب على المسلم تركها.

    أما وجود لعب ليس فيها تصوير، لعب عادية من العهن من الصوف من الخرق يحصل بها إشغال الأطفال وعدم إتعابهم لأهليهم فهذا لا يسمى صورة، مثلما كان في عهد الصحابة، كانوا يأتون لأولادهم بصور من العهن هو الصوف أو من القطن أو نحو ذلك فتجعل لها كأنها صورة إنسان في عود أو في عظم أو غيره ويخيط عليها كأنها صورة يلهو بها الطفل، أما الصور المعروفة التي فيها صورة لذوات الأرواح فالذي يظهر من الأدلة الشرعية تحريمها، وأما ما ورد عن عائشة أنها كان عندها لعب فهو محمول على عادة الصحابة أن اللعب من العهن وأشباهها، على عادة الصحابة في تصوير ما يلهي الأطفال من العهن والصوف ونحو ذلك لإشغالهم وإلهائهم حتى لا يشغلوا أهليهم بالصياح ونحو ذلك؛ لأن الجمع بين النصوص أمر لازم، والنصوص صريحة في تحريم الصور؛ صور ذوات الأرواح صريحة في ذلك فلا يجوز أن تعارض بشيء ليس بصريح فيما يروى عن عائشة رضي الله عنها.

    1.   

    حكم خروج المرأة مع زوجها بعد العقد وقبل الدخول بها

    السؤال: السائل أبو هشام من جدة يقول: هل يجوز للخاطب بعد عقد زواجه أن يذهب مع خطيبته لتأثيث المنزل وشراء بعض الحاجيات؟

    الجواب: هي زوجة له، لكن يخشى أن يقع بها وأن تحمل ثم يحصل فرقة وشكوك وأوهام في هذا الشيء، فالأحوط أن لا يخلو بها حتى يدخل الدخول الشرعي، حتى تزف إليه، هذا أبعد عن الخطر وإلا فهي زوجة له ولا حرج، فله أن يخلو بها وله أن يجامعها، لكن يخشى إذا وقع هذا قبل الزفاف أن يحصل فرقة ثم يتبرأ من الولد ويقول: ما فعلت. فيحصل فساد وشر، فالأحوط اجتنابها حتى يحصل الزفاف الشرعي والدخول الشرعي المعلوم عند الجميع، هذا هو الأحوط والأولى وإلا فهي زوجته لا شك أنه إذا خلا بها لا حرج عليه.

    1.   

    حكم قطع الأصبع الزائدة في اليد

    السؤال: هذه رسالة وصلت من السائلة التي رمزت لاسمها بـ (أ. ب. أ) تقول في هذا السؤال: لدينا طفل يبلغ من العمر خمسة أشهر ولديه أصبع زائد في اليد اليمنى، وقد قال لنا الدكتور: قصوه بعد سنة، هل قصه جائز أم غير جائز وضحوا لنا ذلك؟

    الجواب: الصواب أنه لا حرج في ذلك بواسطة الطبيب المختص؛ لأنه مثلة، وقد يؤذيه ويشق عليه ويتعبه، فإذا أزاله فلا بأس، الإصبع الزائدة في يده أو رجله لا حرج في إزالتها، هذا هو الصواب.

    1.   

    حكم التشاؤم بالعين إذا رفت

    السؤال: تقول السائلة: يوجد عندنا عادة منتشرة في قريتنا بأن العين إذا رفت من فوق تأتيك حالة فرح وسرور، وإذا رفت من تحت تأتيك حالة حزن وبكاء وشؤم، هل هذا صحيح يا سماحة الشيخ؟

    الجواب: هذا شيء لا أصل له، ولا يعول عليه لا في خير ولا في شر.

    1.   

    ضرورة الابتعاد عن التعصب والغضب عند النقاش

    السؤال: السائل أبو هيثم يقول في هذا السؤال: أنا شاب ملتزم ولي إخوة في الله نجتمع جميعاً ونناقش أمور الشرع، وأثناء مناقشتنا لموضوع معين أغضب كثيراً وأكون عصبياً جداً لرأيي، وأتعصب كثيراً لرأيي، وهذا يجعل إخواني في الله ينفرون مني، هل هذا من الشيطان؟

    الجواب: لاشك أن هذا من الشيطان، التعصب للرأي وسوء الخلق والصياح عند الكلام لاشك أن هذا من تزيين الشيطان ومن سوء الأدب، فالواجب على المؤمن أن يقول رأيه برفق وحكمة وتواضع ولا يتعصب بل يجتهد في إقامة وتوضيح الدليل، وهكذا أصحابه كل منهم يجتهد في إيضاح الدليل من القرآن والسنة ومن الأصول المعتبرة، مع الرفق ومع الحلم ومع طيب الكلام، هذا هو الواجب، أما الغضب وسوء الخلق فهذا من الشيطان، وهذا منكر لا يجوز بل الواجب تركه.

    1.   

    شروط الرضاع المحرم

    السؤال: سائلة للبرنامج رمزت لاسمها بـمريم (أ. أ.) من الرياض، تقول: كم عدد الرضعات المحرمة؟

    الجواب: العدد خمس رضعات في الحولين، إذا مص الثدي وابتلع اللبن ثم أطلق الثدي ثم عاد إليه في المجلس أو في مجلس آخر وارتضع حتى يكمل خمس صار بذلك ولداً للمرضعة وابناً لصاحب اللبن زوجها، أما إذا كان الرضاع أقل من خمس أو شك في ذلك أو شك في حصول اللبن أو وصوله إلى الجوف فلا يعتبر.

    فلابد أن يتيقن أن هناك لبناً وصل إلى جوفه، ولابد من اليقين أنه خمس رضعات أو أكثر، ولابد من اليقين أن هذا في الحولين قبل تمام السنتين للطفل، فإذا كان خمس رضعات أو أكثر متيقنة يصل فيها اللبن إلى جوف الطفل، وكان الرضاع في الحولين قبل الفطام وقبل تمام السنتين صار الطفل ابناً للمرضعة وابناً لزوجها وأخاً لأولادها.

    1.   

    علاج الحسد

    السؤال: هذا السائل يقول: يا سماحة الشيخ! هل لمرض الحسد غير القرآن علاج؟ وهل يأثم الحاسد؟

    الجواب: الحسد له علاج، وهو أن يتقي الله ويسأل ربه العافية، وإذا رأى شيئاً يدعو فيه بالبركة يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، بارك الله في كذا، هذا من أسباب السلامة من الحسد والعين، ويسأل ربه العافية، وأن الله يكفيه شر عينه، وشر نفسه الأمارة بالسوء، (ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله) كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

    فالواجب في مثل هذا إذا أحس الإنسان من نفسه بشيء من الحسد أو العين أن يتقي الله وأن يسأل الله العافية، وأن يتعوذ بالله من الشيطان، وإذا رأى ما يعجبه برك عليه وقال: اللهم بارك فيه، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما حكى الله عن صاحب الجنات وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، فهذا من أسباب السلامة: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، بارك الله فيه، اللهم بارك فيه، كل هذا من أسباب السلامة.

    1.   

    بيان منزلة الأئمة الأربعة ومذاهبهم

    السؤال: هذا السائل الذي رمز لاسمه بـ (م. ص. ش) يمني من جدة، مقيم في المملكة العربية السعودية، يقول: هل المذاهب الأربعة المعروفة تأخذ بالسنة النبوية، وهل جميع ما جاء فيها مطابق للسنة النبوية الشريفة، وجهونا في ضوء هذا السؤال سماحة الشيخ؟

    الجواب: الأئمة الأربعة من خيرة العلماء رحمة الله عليهم، وهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، وأحمد بن محمد بن حنبل ، هؤلاء الأربعة هم الأئمة الأربعة، وهناك أئمة آخرون في زمانهم وقبلهم وبعدهم كـالأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك .. وغيرهم من أئمة الإسلام؛ يحيى بن سعيد القطان ، عبد الرحمن بن مهدي ، وإسحاق بن راهويه .. وغيرهم، هم أئمة يتلمسون الحق ويتلمسون السنة يعتنون بذلك، وفتاواهم مدارها على الكتاب والسنة؛ قال الله وقال رسوله، ويتحرون الأصول التي دل عليها الكتاب والسنة، وعلى ما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم من الفتاوى، فمدار فتاواهم على القرآن العظيم والسنة المطهرة، والأصول المستنبطة من الكتاب والسنة، وعلى فتاوى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكل واحد يخطئ ويصيب، ليس أحد منهم معصوماً كل واحد يخطئ ويصيب، كل واحد له أخطاء له أغلاط لم تطابق السنة، وهكذا غيرهم من الأئمة له أخطاء وله صواب.

    فالواجب عرض أقوالهم إذا اختلفوا على الكتاب والسنة، أما إذا أجمع العلماء فالإجماع حجة، والإجماع لا يكون إلا عن نص، فإذا اختلفوا فالواجب على طالب العلم وعلى الفقيه أن يعرض المسألة المختلف فيها على الأدلة الشرعية، وأن يجتهد ويتحرى ما يقوم عليه الدليل فيأخذ به، عليه أن يتحرى ما يرجحه الدليل من القرآن العظيم والسنة المطهرة أو من فتاوى الصحابة حتى يطمئن إلى أرجح القولين أو أرجح الأقوال ثم يأخذ به.

    1.   

    حكم قص أجزاء من اللحية بقصد الزينة

    السؤال: يقول هذا السائل: هل قص بعض من أجزاء اللحية جائز، خاصة إذا كان المراد تجميل اللحية؟

    الجواب: لا يجوز القص ولا النتف منها مطلقاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين) اللفظ الآخر: (قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين)، اللفظ الثالث: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)، فالأحاديث الصحيحة كلها دالة على وجوب إعفائها وتوفيرها والحذر من جزها وقصها ولو زعم أنه يعدلها.

    1.   

    كيفية دفع تسليط الشياطين على الإنس

    السؤال: السائل عبد الله سعد من الرياض يقول: في الحديث (إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن)، هل معنى ذلك بأنه بعد رمضان يخلصون إلى ما يخلصون إليه ويتمكنون من انحراف الإنسان؟

    الجواب: الشياطين مسلطون على الإنسان، كما قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، وقال سبحانه: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، وقال جل وعلا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112]، فالشياطين من الإنس والجن مسلطون، والواجب على المؤمن أن يتقي شرهم بسؤال الله العافية، وبالتعوذ بالله من شرهم، والجد في طاعة الله ورسوله، والحذر مما نهى الله عنه ورسوله لعل الله يخلصه منهم، ولا ينبغي له التساهل بل يجب أن يحذر شر الشياطين من الإنس والجن، وأن يتعوذ بالله من نزغاتهم وشرورهم، وأن يأخذ حذره دائماً كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71] فيحذر الشياطين، ويحذر طاعتهم، ويحذر وساوسهم، ويحذر ما يشيرون به من شياطين الإنس والجن، وليكن عنده ميزانان؛ الكتاب والسنة، فيعرض ما يقع في خاطره وما توسوس به نفسه على الكتاب والسنة، فما أجازه كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع أهل العلم أخذ به، وما ظهر له منع التكاب أو السنة له تركه.

    هكذا المؤمن يعرض مسائله على كتاب الله وسنة رسوله، قال الله جل وعلا: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، وقال سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10].

    أما إذا كان عامياً فيسأل أهل العلم، إذا كان لا يحسن الترجيح ولا يعرفه فيسأل أهل العلم في زمانه ولو بالسفر إليهم، يسأل علماء السنة علماء الحق المعروفون، يسأل العلماء المعروفين بالعلم والفضل والعقيدة الصالحة والورع، يتحرى حتى يسأل خيرهم وأفضلهم عما أشكل عليه، فالأمور العظيمة المهمة لابد من العناية بها، لابد أن يعتني ولا يتساهل في الفتاوى بل يعتني بسؤال أهل العلم المعروفين بالخوف من الله والخشية والعقيدة الطيبة والعلم النافع حتى يدلوه على ما شرعه الله، وعلى ما أوجبه الله، وعلى ما حرمه الله.

    أما إن كان ذا علم وذا بصيرة فإنه ينظر في الأدلة الشرعية ويعتني بها ثم يأخذ ما يراه أرجح وأقرب إلى الحق.

    1.   

    بيان كيفية صيام الجوارح

    السؤال: في فقرته الثانية يقول عن الصوم: كيف تصوم الجوارح في رمضان؟

    الجواب: صوم الجوارح بعدها عما حرم الله عليها، فاللسان يصوم عما حرم الله عليه من الغيبة والنميمة والكذب ونحو ذلك، واليد تصوم عما حرم الله عليها من السرقة من الظلم والعدوان ونحو ذلك، والقدم أيضاً تبتعد عما حرم الله عليها، فلا يسير إلى ما حرم الله، وهكذا البطن يصان عن أكل الحرام فيصون بطنه عن أكل الحرام، ويصون سمعه عن سماع ما حرم الله من آلات الملاهي.. من الغيبة والنميمة إلى غير هذا.

    1.   

    وجوب الحذر من الرياء

    السؤال: يقول هذا السائل: أعاني كثيراً من الرياء مع أنني أصلي وأصوم وأزكي وأعمل الأعمال الصالحة فهل آثم في ذلك، وهل أدخل في الشرك الأصغر؟

    الجواب: عليك أن تحذر الرياء، والرياء: مراءاة الناس بأعمالك من قراءة أو صلاة أو صدقات أو غير ذلك، يجب أن تحذره وأن تعتمد الإخلاص لله في أعمالك وأن لا تبالي بالمخلوق، بل يكون عملك لله وحده، فلا تقصد رياء أحد من الناس، لا في القراءة، ولا في الأمر بالمعروف، ولا في النهي عن المنكر، ولا في صلاة، ولا في غير ذلك، بل تقصد بأعمالك وجه الله والقربة لديه سبحانه وتعالى، ولو كان عندك أمك أو أبوك أو قراباتك الآخرون تجعل القصد وجه الله جل وعلا واعمل ابتغاء مرضاته، سواء كان العمل مع أمك أو مع أبيك أو مع غيرهم، فالواجب أن تكون أعمالك كلها لله وحده وتقصد بها وجهه الكريم.

    1.   

    حكم المؤمن إذا مات على معصية النميمة والصغائر

    السؤال: هذا السؤال أيضاً يقترب من السؤال السابق ويقول فيه السائل: سماحة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي: إذا توفي الشخص وهذا الشخص محافظ على أداء الصلوات وعلى الصيام، وعلى صيام التطوع في بعض الأحيان: يومي الإثنين والخميس مع صيام ستة أيام من شوال وحج إلى بيت الله الحرام ولم يشرك بالله وهو موحد لله، مع قراءة القرآن في بعض الأحيان، يقول: لكن هذا الإنسان لا يضمن نفسه من النميمة ومن الصغائر، السؤال يبقى: هل هذا الشخص إذا مات هل يعذب على هذه الذنوب، وجهونا في ضوء هذا السؤال؟

    الجواب: الله جل وعلا وعد المؤمنين بالجنة والكرامة، وتوعد العصاة بالعقوبات، والنميمة من أقبح السيئات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، فهو على خطر إذا مات على النميمة أو الغيبة أو الزنا أو الخمر لكنه تحت مشيئة الله، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    فإذا مات على أعمال صالحة وتقوى لله، ولكن عنده ذنوب وسيئات فهو أمره إلى الله جل وعلا، إن كانت صغائر غفرها الله بأعماله الصالحة، أما إن كان فيها كبائر كالنميمة وأشباهها فهو تحت مشيئة الله؛ لأن الله يقول جل وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر)، فإذا كان ما اجتنبها ما تكون هذه الصلوات كفارة، فإذا كان عنده الزنا وهو مصر عليه، أو الخمر وهو مصر عليه لا يكفر هذا بالصلاة ونحوها، بل يبقى عليه خطره وهو تحت المشيئة.

    وهكذا إذا مات على عقوق الوالدين، قطيعة الرحم، الربا وما أشبه ذلك من الكبائر -نسأل الله العافية- يكون تحت مشيئة الله على خطر، قد يدخل النار ويعذب على قدر المعاصي التي مات عليها من الكبائر، وقد يعفو الله عنه بأسباب كثيرة من أعمال صالحة، من شفاعة بعض الشفعاء من المؤمنين.. إلى غير ذلك.

    1.   

    حكم مخاصمة المسلم لأخيه المسلم

    السؤال: السؤال الأخير في رسالة هذا السائل الذي لم يذكر الاسم في هذه الرسالة يقول: إذا كان الإنسان على خصام مع إنسان آخر، وهذا الخصام قد يستمر فترة طويلة، هل في ذلك إثم عليه، مع العلم بأن بعض الأشخاص تركهم أفضل من التحدث معهم، وجهونا في ذلك؟

    الجواب: الخصام فيه تفصيل: إن كان خصاماً بحق، خصاماً بينهم في دعاوى يعتقد أنه مصيب فلا حرج عليه إذا خاصمه يقول: إنه مطلني حقي. عليه دين ومطله وهو مليء، خاصمه في أنه باع عليه سلعة وما أعطاه إياها، خاصمه بأنه ضربه، بأنه سبه، خاصمه بأنه أخذ ماله.. إلى غير ذلك .يعني: إذا خاصمه بحق، فعليه أن يعدل، وعليه أن يتقي الله ويخاصم بحق من غير ظلم، يطلب الحق من دون ظلم له، يطلب حقه لدى المحكمة أو لدى الإخوان الطيبين يصلحون بينهم ولا حرج عليه في ذلك، أما إذا خاصم بغير حق، يعلم أنه مبطل فهذا منكر وعليه خطر في ذلك؛ لأنه مؤذ لأخيه بغير حق.

    فالواجب على المسلم أن لا يخاصم إلا بحق، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)، فالخصومة بغير حق إيذاء وظلم، أما إذا كان يخاصم بحق ويعلم أنه محق وأن هذا الرجل أخذ ماله أو مطله حقه وهو مليء، أو قتل ولده أو قتل أخاه، أو غير هذا من الحقوق فلا بأس أن يطالب بحقه، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر).

    المقدم: شكر الله لكم يا سماحة الشيخ، وبارك الله فيكم وفي علمكم ونفع بكم المسلمين.

    أيها الإخوة والأخوات! أجاب عن أسئلتكم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء.

    في الختام تقبلوا تحيات الزملاء معي في الإذاعة الخارجية الزميل فهد العثمان ، من هندسة الصوت الزميل سعد عبد العزيز خميس . إلى الملتقى إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.