إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (498)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع سعيد عبد الفتاح شاهين من الرياض، الأخ سعيد له سؤال طويل ملخصه: الاستفهام عن الصلاة في مسجد بناه رجل بمال أكثره من الحرام، هل يشمله حكم الصلاة في الأرض المغصوبة، فإن لم يكن يشمله فلماذا؟ نرجو أن تتفضلوا بمعالجة هذه القضية جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالمساجد التي تبنى بمال حرام أو بمال فيه حرام لا بأس بالصلاة فيها، ولا يكون حكمها حكم الأرض المغصوبة؛ لأن الأموال التي فيها حرام أو كلها من حرام تصرف في المصارف الشرعية ولا تترك ولا تحرق بل يجب أن تصرف في المصارف الشرعية كالصدقة على الفقراء وبناء المساجد وبناء دورات المياه ومساعدة المجاهدين وبناء القناطر وغيرها من مصالح المسلمين، ولا يكون لها حكم الغصب؛ لأن الغصب مأخوذ بالقوة والظلم، أما هؤلاء دخلت عليهم الأموال من طرق غير شرعية.

    فالواجب عليهم صرفها في وجوه شرعية مع التوبة إلى الله سبحانه وتعالى من ذلك، والمال الذي صرف في هذه الجهات الشرعية يكون قد سلم صاحبه من أذاه مع التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون نفع به المسلمين بدلاً من إتلافه وإحراقه.

    1.   

    حكم من لا يفرق بين الضاد والظاء عند الصلاة وقراءة القرآن

    السؤال: يسأل عن أولئك الذين لا يفرقون في النطق بين حرف الضاد والظاء ويرجون التوجيه وهل يعتبر فعلهم هذا من اللحن أو لا؟

    الجواب: كثير من الناس لا يستطيع أن يفرق بين الضاد والظاء، فيغتفر له ذلك ولا يضره ذلك، فقراءته صحيحة وصلاته صحيحة والحمد لله؛ لأن الله جل وعلا يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وهذه قاعدة كلية، ويقول سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، ويقول جل وعلا: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، وقد صرح الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتابة التفسير بهذه المسألة، وذكر أن الصحيح من أقوال أهل العلم التسامح في ذلك وأنه لا حرج في ذلك.

    1.   

    حكم من عاهد الله على عدم فعل شيء ثم فعله

    السؤال: المستمع ياسر مبارك بعث يسأل ويقول: لقد عاهدت الله تعالى على شيء ألا أفعله، لكني فعلت ذلك الشيء وأجبرتني الظروف -كما يقول- ويرجو التوجيه، وبيان الحكم، وهل عليه شيء جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا كان السائل قد حلف فعليه كفارة اليمين، أما مجرد المعاهدة فليس فيها كفارة إلا أن يكون المفعول حراماً، فعليه التوبة إلى الله من ذلك ولو لم يفعل عهداً، إذا كان حراماً عاهد الله ألا يشرب الخمر ألا يزني ألا يتعاطى التدخين، ألا يحلق لحيته، ثم فعل فإن عليه التوبة من ذلك؛ لأن هذه معاصٍ عليه التوبة إلى الله منها حتى ولو ما عاهد.

    لكن إن كان حلف قال: والله لا أفعل ثم فعل عليه كفارة اليمين مع التوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

    وأما إذا كان إنما جرى منه عهد فقط وليس فيه يمين فليس فيه كفارة، وإنما عليه التوبة إلى الله مما فعله إذا كان المفعول معصية، أما إذا كان المفعول غير معصية، إذا عاهد الله أنه ما يزور فلاناً أو ما يسافر إلى بلد فلان على وجه ليس فيه معصية، فهذا ما يضر وليس عليه إلا كفارة اليمين، وإنما التوبة تكون بالسير في معصية، فإذا كان عاهد الله ألا يزور رحماً له، فهذا من باب القطيعة، فعليه التوبة إلى الله من ذلك، وإذا كان عاهد الله ألا يسافر لأداء الحج أو لأداء العمرة، فهذه معصية فعليه التوبة إلى الله من ذلك، وإذا كان فيه يمين عليه كفارة اليمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء...) وقوله: (إن ربكم الله الذي...)

    السؤال: المستمع حسين علي محمد بعث يسأل عن تفسير بعض الآيات القرآنية، منها: قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:16]، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:3] يرجو أن تفسروا هذه الآيات، وعنون لها بقوله: آيات عن العلو والاستواء؟

    الجواب: هذه الآيات الكريمات فسرها أهل العلم من أهل السنة والجماعة كـالبغوي في التفسير وابن كثير وابن جرير وغيرهم، ومعناها عند أهل السنة واضح، فقوله جل وعلا: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ): يفسر بمعنيين: أحدهما في السماء يعني: السموات المبنية المعروفة، فيكون معنى (في) يعني: على، من على السموات، كما قال جل وعلا: فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [آل عمران:137] يعني: على الأرض، قال جل وعلا عن فرعون أنه قال لخصومه: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، يعني: على جذوع النخل.

    والمعنى الثاني: أن المراد بالسماء العلو، جهة العلو، فتكون (في) للظرفية، والمعنى (أأمنتم من في العلو): وهو الله سبحانه، فإنه في العلو فوق العرش جل وعلا، قد استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، لا يشابه الخلق في شيء من صفاته سبحانه وتعالى، فهو فوق جميع الخلق في أعلى شيء، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى.

    وهكذا قصد فرعون اللعين حين قال: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ [غافر:36] يعني: الطرق، أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ [غافر:37] يعني: طرق السموات، فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر:37]، عرف الخبيث أنه في العلو؛ لأن موسى بلغه أنه في العلو، ولهذا زعم هذا الزعم وهو لا يستطيع ذلك ولا هامان، فإن العلو إلى السموات لا يستطيعه المخلوق إلا بأمر من الله عز وجل كما عرج الله بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى العلو مع جبرائيل عليه الصلاة والسلام، فالسموات لها أبواب ولها حرس لا يستطيع أحد الدخول إليها إلا بإذن من الله عز وجل، وهذه من مكابرة فرعون من مكابرته ودعاواه الباطلة وهو يعلم أن الله في العلو كما أخبره موسى فلهذا قال هذه المقالة، وهي من أدلة أهل السنة على أن الله في العلو وأن موسى بلغ فرعون أن الله في العلو، فلهذا قال هذه المقالة.

    وهكذا قوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] يعني: ثم علا على العرش، وهذا قاله سبحانه في سبعة مواضع في كتابه جل وعلا، بين في ذلك استواءه على العرش سبحانه وتعالى وأنه فوق العرش، كما قال في سورة طه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فمعنى الاستواء: العلو والارتفاع، ومنه استوى على السفينة، يعني: ارتفع عليها، ومنه اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44] يعني: ارتفعت على الجودي، فالاستواء معناه: العلو والارتفاع، استوى فلان على الدابة، يعني: صار على ظهرها، واستوى على السطح: صار فوق السطح، واستوى على الجمل: صار فوق الجمل، فمعنى استوى على العرش يعني: ارتفع فوق العرش جل وعلا، واستواؤه يناسبه سبحانه ويليق به عز وجل ولا يشابه الخلق في استوائهم على دوابهم وعلى الجبال وعلى غير هذا، وهكذا كل صفات الله تليق به سبحانه وتعالى، ولا يشبه فيها خلقه جل وعلا، كما قال سبحانه: لََيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وقال عز وجل: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، وقال سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74]، وقال عز وجل: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني: لا سمي له ولا كفء له سبحانه وتعالى، وهكذا أمثال هذه الآيات كلها تدل على علو الله وأنه فوق العرش، مثل وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الشورى:4] .. فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، هو العلي العلو الكامل، علو الذات وعلو القهر والسلطان وعلو المكان، فهو فوق العرش جل وعلا، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى.

    والعرش سقف المخلوقات وأعلاها والله فوقه سبحانه وتعالى، ومع هذا لا يخفى عليه شيء من أحوال عباده، يعلم كل شيء سبحانه وتعالى.

    1.   

    التحذير من الاستغاثة بأهل القبور والنذر لهم وصرف شيء من العبادة لهم

    السؤال: رسالة من أحد الإخوة المستمعين وقع في نهايتها بقوله: أخوكم في الله (خ. م. س)، يسأل ويقول: ما حكم الإسلام فيمن يشهد: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصوم ويصلي ولكنه يقرب الذبائح لغير الله ويحلف بغير الله ويشد الرحال إلى قبور الصالحين ويدعوهم ويستغيث بهم، المطلوب بيان هوية فيمن يفعل ذلك هل هو مسلم وهل صلاته صحيحة أم غير ذلك؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: هذه المسألة قد وقع فيها جم غفير ممن ينتسب إلى الإسلام جهلاً منهم وتقليداً لآبائهم وأسلافهم، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي ويصوم ولكنه مع ذلك يتقرب إلى أصحاب القبور بالذبائح ويستغيث بهم وينذر لهم، أو للجن أو إلى الأصنام، فهذا مشرك وصلاته باطلة وشهادته باطلة؛ لأنه نقضها بأفعاله الشركية، مثل المنافقين الذين يصلون مع الناس ويصومون ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن يقولون: محمد ما هو صادق في باطنهم، وينكرون البعث والنشور في الباطن، هؤلاء في الدرك الأسفل من النار، كما قال الله جل وعلا: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، وقال عنهم سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:142-143] لا مع المسلمين ولا مع الكفار، وقال في الآية الأخرى: (وَمَا مَنَعَهُمْ) يعني: المنافقين، أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:54-55] فسماهم كفرة ولم يقبل منهم أعمالهم مع أنهم يصلون؛ لأنهم في الداخل والباطن قد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنكروا البعث والنشور، فلهذا صاروا كفاراً باعتقادهم الباطن، فلا ينفعهم صلواتهم وشهاداتهم الظاهرة؛ لأن باطنهم يخالف ذلك.

    فهكذا الذي يتقرب للقبور بالذبائح والنذور ويستغيث بهم ويذبح لهم، هذا ليس بمسلم يكون كافراً وإن صلى وصام وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عند أهل العلم عند جميع أهل السنة والجماعة ليس في هذا خلاف بحمد الله؛ لأن نواقض الإسلام متى وجد منها ناقض بطلت أعمال العبد، ومن ذلك لما يبين هذا الأمر لو أن إنساناً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي ويصوم ولكنه يسب الله ويلعن الله ويلعن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا كافر عند جميع العلماء ولو شهد، لو لعن الله أو لعن الرسول صلى الله عليه وسلم كفر بإجماع المسلمين، أو قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بخيل، أو قال: جبان كفر عند جميع العلماء ولو شهد أن محمداً رسول الله، وهكذا لو سب الله كفر إجماعاً، أو قال كما قالت اليهود: (إن الله بخيل) كفر إجماعاً، أو قال: (يداه مغلولتان) كفر بإجماع المسلمين ولو صلى وصام، أو قال في باطن الأمر: إن ما هناك جنة ولا نار كذب كما يقول المنافقون كفر بالإجماع ولو شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذه مسألة مهمة وعظيمة، وهكذا لو أن إنساناً يصلي ويصوم ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقول: إن الزنا حلال ما في حرج أن الإنسان يزني، أو ما في حرج أنه يشرب الخمر، أو ما في حرج أنه يعق والديه ما في بأس ما في حرج، صار كافراً بإجماع المسلمين.

    فينبغي للعاقل أن ينتبه لهذا، وهكذا كل مسلم ومسلمة يجب الانتباه لهذا الأمر، فالتقرب للقبور بالذبائح والنذور والاستغاثة بأهل القبور شرك أكبر، كما يفعله بعض الناس عند قبر ابن علوان في اليمن أو عند العيدروس في اليمن أو عند ابن عربي في الشام أو عند الشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، أو عند قبر أبي حنيفة في العراق أو يفعله مع البدوي في مصر أو مع الحسين في مصر أو مع غيرهم، كل هذا كفر أكبر وشرك أكبر، الذي يستغيث بهؤلاء وينذر لهم ويذبح لهم ويسألهم الغوث والنصر والشفاء كافر عند جميع أهل السنة والجماعة، ولا تنفعه صلاته ولا صومه ولا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كالمنافقين الذين يقولونها وهم يسبون الرسول ويكذبون الله في الباطن.

    فهذه المسائل العظيمة يجب التنبه لها من جميع المسلمين، ويجب على العلماء في أي قطر وفي أي مكان أن ينبهوا الناس على هذا الأمر حتى يتبصر المسلمون وحتى يتبصر عباد القبور وغيرهم، وحتى يكونوا على بينة، وحتى يقلعوا من هذا العمل السيء، وحتى يتوبوا إلى الله من ذلك.

    هذا هو واجب العلماء أينما كانوا في هذه المملكة وفي الشام وفي مصر وفي أفريقيا وفي العراق وفي كل مكان، يجب على علماء الشريعة علماء السنة أن يبينوا للناس أحكام هذه الأمور، وأن يرشدوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وقال سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وقال عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وقال عن الكفار من قريش وغيرهم: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، جعل طلبهم الشفاعة من آلهتهم كفراً وشركاً أكبر، فكيف بالذي يذبح لهم وينذر لهم ويستغيث بهم أعظم وأعظم.

    فالواجب على جميع المسلمين وعلى جميع من وقع في هذه الأمور أن ينتبه وأن يتوب إلى الله، وأن يخلص العبادة لله وحده، وألا يذبح إلا لله، وألا يستغيث إلا بالله، وألا ينذر إلا لله، يقول سبحانه في سورة الأنعام في آخرها: (قُلْ إِنَّ) يعني: قل: يا محمد! (قُلْ إِنَّ صَلاتِي) يعني: قل يا محمد! للناس، (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) يعني: ذبحي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، ويقول سبحانه يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2]، فالصلاة لله والذبح لله جل وعلا، ويقول جل وعلا: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14]، وقال جل وعلا: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] فهذا يعم الأنبياء وغيرهم، وقال سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، ويقول لـابن عباس : (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، فالعبادة حق الله وحده، هو الذي يستعان به ويستغاث به.

    أما المخلوق إذا كان حياً فلا بأس أن يستعان به في الحي الحاضر، تقول له: أعني على إصلاح سيارتي لا بأس، أعني على تعمير بيتي لا بأس، حاضر يسمع كلامك ويعينك.

    أما سؤال الأموات والاستغاثة بالأموات أو بالأحجار أو بالأصنام أو بالأشجار أو بالجن فهذا كفر أكبر وشرك أعظم نسأل الله العافية.

    1.   

    كيفية صلاة المريض المقعد الذي به سلس بول

    السؤال: يسأل أيضاً ويقول: هنالك رجل مصاب بمرض سلس البول وهو شيخ كبير، وأكثر الأحيان وفي أغلب الأوقات يكون فراشه غير نظيف ولا يستطيع السيطرة على نفسه، وأيضاً لا يستطيع القيام من فراشه بسهولة، فهل تجوز له الصلاة على حالته هذه جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يقول الله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فعليه أن يتوضأ لكل صلاة، ويتحفظ بخرقة أو نحوها على فرجه ويغسل ما أصاب بدنه وثيابه أو تغسله زوجته أو أولاده ويجزئه ذلك، كل صلاة يتوضأ ولو خرج منه بعد ذلك في الوقت، فيتوضأ للظهر ويصلي ويقرأ القرآن من المصحف لا بأس، حتى يجيء وقت العصر، فإذا جاء وقت العصر يعيد الوضوء مرة أخرى إذا خرج منه شيء، وهكذا المغرب وهكذا العشاء وهكذا الفجر والفراش يطهر له يغير الرداء طاهر يصلي عليه كل صلاة، إذا كان الرداء أصابه بول يؤخر لكن يغير بدله أو يغسل ما أصابه في كل وقت، وإذا نزل به شيء وهو يصلي لا يضره، مثل المستحاضة التي يجري بها الدم دائماً فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] لكن إذا خرج الوقت يعيد الوضوء ويغسل ما أصاب ثوبه أو يبدله وهكذا، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    1.   

    بيان عدد ركعات صلاة التراويح

    السؤال: إحدى الأخوات المستمعات من الخبر بعثت برسالة ضمنتها ثلاثة أسئلة، في أحدها تقول: لقد قرأت في بعض الكتب أن صلاة التراويح عشرين ركعة لم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك لم ترد عن عمر بن الخطاب كما يزعم بعض الناس، فهل صلاة عشرين ركعة بدعة أم هي جائزة ولا حرج فيها أبداً؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: صلاة التراويح ليس فيها حد محدود، من صلى عشرين فلا بأس، ومن صلى ثلاثين فلا بأس، ومن صلى أربعين فلا بأس، ومن صلى إحدى عشرة فلا بأس، ومن صلى ثلاث عشرة فلا بأس، ومن صلى أكثر أو أقل فلا بأس، أمرها واسع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى) ولم يحدد حداً عليه الصلاة والسلام، هكذا جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (صلاة الليل مثنى مثنى -وهذا يعم رمضان وغيره- فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)، فأبان صلى الله عليه وسلم أن صلاة الليل مثنى مثنى، لو صلى عشراً يوتر بواحدة بعد ذلك، ولو صلى عشرين يوتر بواحدة، صلى ثلاثين يوتر بواحدة، ولو صلى أربعين يوتر بواحدة، ولو صلى مائة يوتر بواحدة، ما فيه حد محدود، ما قال: صلاة الليل عشراً وإلا عشرين، قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح -يعني: لو مد الصلاة وخشي الصبح- يوتر بواحدة)، وهكذا لو أوتر في أول الليل يصلي ما قسم الله له ويوتر بواحدة، أو في جوف الليل كذلك.

    وكان صلى الله عليه وسلم ربما أوتر بسبع وربما أوتر بخمس وربما أوتر بتسع، وكان في الأغلب يصلي إحدى عشرة، يسلم من كل ثنتين ويوتر بواحدة، وربما صلى ثلاث عشرة، صلى ثنتي عشرة ثنتين ثنتين ثم يوتر بواحدة، هذا هو الغالب من فعله صلى الله عليه وسلم، وربما نقص فصلى سبعاً أو تسعاً أو خمساً أو ثلاثاً، لكن الغالب والأكثر يصلي إحدى عشرة، وفي بعض الأحيان ثلاث عشرة، ولكن ما نهى عليه الصلاة والسلام عن الزيادة من شاء زاد، وثبت عن عمر رضي الله عنه والصحابة أنهم فعلوا ذلك، صلوا إحدى عشرة وصلوا ثلاث وعشرين، ثبت هذا وهذا عن عمر رضي الله عنه، فالذي أنكر ثبوته عن عمر قد غلط، بل هو ثابت عن عمر أنه صلى ثلاث وعشرين وفي بعض الليالي صلى إحدى عشرة، فالأمر واسع والحمد لله، ومن صلى أكثر كما فعل بعض الصحابة فلا بأس، بعض السلف كان يصلي ستاً وثلاثين ويوتر بثلاث، الجميع تسعة وثلاثين، وبعضهم يصلي إحدى وأربعين، فليس في هذا حد محدود والحمد لله، لكن مثنى مثنى ثنتين ثنتين، هذا هو السنة في رمضان وفي غيره، ولكن كونه يصلي ثلاث عشرة، إحدى عشرة فهو أفضل؛ لأنه أرفق وتوافق فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن صلى ثلاثاً وعشرين كما فعل عمر في بعض الأحيان فلا بأس، وإن أحب الزيادة هو وجماعته فلا بأس، لكن يرفق بالذين معه ولا يطول عليهم، ويطمئن في ركوعه وسجوده ويرتل في قراءته، لأن هذا أنفع للمسلمين، ولا يجوز له أن ينقرها نقراً بل يجب أن يطمئن، فإذا صلى إحدى عشرة مع الطمأنينة والترتيل في القراءة كان أفضل من عشرين، وإذا صلى ثلاث عشرة كذلك، وإذا كان يشق عليه صلى سبعاً مع الترتيل ومع الطمأنينة أفضل، وهكذا خمساً ثلاثاً حسب طاقته فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وإن من أهم المهمات أن يطمئن ولا يعجل في قراءته يطمئن ويرتل حتى يستفيد وحتى نستفيد الجماعة الذين خلفه وينتفعون بالقراءة، إذا رتل واطمأن استفاد الجميع هو والجماعة، فيطمئن في ركوعه وسجوده ويرتل في قراءته ويخشع فيها حتى يستفيد من وراءه وحتى يستفيد هو، وفق الله الجميع.

    المقدم: اللهم آمين جزاكم الله خيرا.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لسماحته وأنتم يا مستمعي الكرام! شكراً لحسن متابعتكم وإلى الملتقى وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.