إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (487)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    السؤال: مع مطلع هذه الحلقة نعود إلى رسالة المستمع ابن دامري من كركوك حيث عرضنا بعد أسئلة له في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة يسأل ويقول: أسألكم عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور، هل يجوز ذلك أو لا وما هو السبب جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن المساجد التي فيها القبور لا يصلى فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فلعنهم على الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد، فدل ذلك على أن الصلاة عندها معصية كبيرة، والشيء الذي لعن الرسول صلى الله عليه وسلم فاعله يكون معصية لا يصح ولا يقبل، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، خرجه الإمام مسلم في صحيحه، والأول أخرجه الشيخان في الصحيحين، فالرسول صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذها مساجد، ونهى عن اتخاذها مساجد والصلاة عندها، فعلم بذلك أن الصلاة غير صحيحة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن من فعلها، ونهى عن فعلها، والعلة في ذلك أن اتخاذ المساجد على القبور والصلاة عند القبور وسيلة للشرك، وسيلة لعبادة أهلها من دون الله، والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم، فيقع الشرك الأكبر، فإنه إذا بنى عليه مسجداً غلا فيه العامة، وقالوا: هذا ما بني عليه المسجد إلا لأنه كيت وكيت، إلا لأنه ينفع المريض، ويقضي الحاجة، يشفع لنا عند ربنا في كذا فيدعونه من دون الله.

    وهكذا الصلاة عند القبور ولو من غير بناء، الصلاة عندها أيضاً من اتخاذها مساجد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ، فمن قصد أن يصلي عند القبر فقد اتخذه مسجداً.

    فالقبر يسلم عليه ويدعى لصاحبه، لكن لا يتخذ محلاً للصلاة ولا محلاً للقراءة، ولكن يزور المؤمن أخاه المؤمن في المقبرة، ويسلم عليه ويدعو له، لكن لا يصلي عند قبره ولا يبني عليه مسجد ولا قبة، كل هذا منكر، يقول عليه الصلاة والسلام لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة بكنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من الصور، قال: (أولئك -يعني: النصارى- إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور -ثم قال صلى الله عليه وسلم-: أولئك شرار الخلق عند الله)، فأخبر أنهم شرار الخلق بأسباب بنائهم على القبور واتخاذها مساجد والصلاة عندها، ثم قد يصورون الصور ويجعلونها فوقها زيادة في الفتنة، يصورون صورة صاحب القبر ويجعلونها على قبره وفي مسجده، حتى تكون الفتنة أعظم، والصور قد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلها، ففي الصحيحين: (أنه صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله والمصور) ، هكذا رواه البخاري في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه لعن آكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة ولعن المصور).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم).

    فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا البناء على القبور واتخاذها مساجد أو تجصيصها أو جعل القباب عليها، كل هذا منكر، تجعل ضاحية شامسة في المقبرة لا يبنى عليها شيء، ولا تجصص ولا يتخذ عليها الستور ولا قبة بل ضاحية، كما كانت قبور الصحابة في المدينة هكذا وفي مكة هكذا، فهذا هو الواجب، أما ما أحدثه الناس من البناء على القبور، واتخاذ القباب عليها، فهذه بدعة منكرة ومحرمة والواجب هدمها، الواجب على ولاة الأمور إذا كانوا منقادين للشرع أن يهدموها ويزيلوها، والواجب على كل مسلم أن يعبد الله وحده، وأن يخصه بالعبادة دون كل ما سواه جل وعلا.

    1.   

    نصيحة لمن يضرب نفسه ويأكل الزجاج وينتسب للصوفية

    السؤال: يقول: كثيراً ما أسمع أن أحد الأشخاص أخذ طريقة من أحد السادة أو المشايخ، وبعد ذلك يستطيع أن يضرب نفسه بالسيف ويأكل الزجاج، أريد من سماحتكم الحكم في هذه الطريقة وماذا يقال له، وبماذا توجهونني وأنا شاب في مقتبل العمر جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذه الطريقة من طرق الصوفية الباطلة، وهذه كلها تخييل وكلها كذب، لا يطعن نفسه ولا يذبح نفسه، كلها كذب، كلها باطلة، كلها تخييل على الناس ومن عمل الشياطين، وعمل أعداء الله الذين زينوا لهم هذا الباطل، فالشياطين توحي لهم أن يفعلوا هذه الأشياء وتعمل ما يجعل الحاضرين يظنون أن هذا واقع، وليس بواقع يقتل نفسه، يطعن نفسه بالجنبية بالسكين بالرمح، يقطع رأسه ويزيله، كل هذه خرافات باطلة، والذين يعملونها هم مبطلون ضالون مضلون، يجب أن يعاقبوا على ذلك، يجب على ولاة الأمور إذا كانوا مسلمين أن يعاقبوهم وأن يمنعوهم من هذه الطريقة الخبيثة، وبعضهم يسميها الطريقة الرفاعية.

    فالمقصود: أن هذه الطريقة باطلة، حيث يزعمون طعنهم أنفسهم بالسكاكين أو بالرماح أو بالخناجر كلها باطلة، وكأكلهم الزجاج كله باطل، يكذبون، فلو طعن نفسه لهلك، ولو أكل الزجاج لهلك، لكن هذه من خدع الشيطان ومن مكايد الشيطان التي يلعب بها على الناس، نسأل الله العافية.

    1.   

    حكم زكاة السيارة والبيت ونحوها مما يستعمله الإنسان ومتى تجب فيها الزكاة

    السؤال: نعود إلى رسالة المستمع جعفر محمد عبد الله الذي عرضنا بعض أسئلته في حلقة مضت، في هذه الحلقة له سؤال عن زكاة السيارة، يقول: هل على السيارة زكاة، وهل على المحل الذي يعمل زكاة جزاكم الله خيراً، وكذلك المحل المغلق؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل، السيارات والمحل المغلق والذي يعمل والأراضي والعمارات كلها إذا كانت للبيع والشراء فيها الزكاة، معدة للبيع فيها الزكاة، وتسمى عروض تجارة، فإذا حال عليها الحول زكيت قيمتها، سواء كانت سيارة أو عمارة أو أرضاً أو غير ذلك.

    أما إذا كانت العمارة أو الأرض أو الدكان الحانوت ما قصد به التجارة ولكن قصد به أن يؤجره ويستفيد من أجرته، أو أراد أن يستعمله هو فهذا ليس فيه زكاة، لكن إن حصل له أجرة تبلغ النصاب، وحال عليه الحول يزكي الأجرة، وهكذا ما فيه من أثاث وأواني إذا كانت للاستعمال لا للتجارة فليس فيها زكاة، أما إذا كان فيه أثاث أو أواني للتجارة والبيع فهي عروض تجارة، تزكى كلها إذا حال عليها الحول تقوم وتزكى.

    فالحاصل: أن هذه الأشياء التي يجمعها الناس من سيارات أو محلات بيع وشراء دكاكين أو بيوت أو غير ذلك، إن كانوا فعلوا ذلك للبيع والتجارة ففيها الزكاة، الدكان المعمل المصنع البيت، إذا كان أراد به التجارة يقوم عند الحول، فإذا كان يساوي مائة ألف زكى عن مائة ألف، يساوي مائتين ألف زكاه وهكذا، يقوم عند الحول بما يساوي عند الناس وتجب الزكاة فيه لأنه من عروض التجارة.

    1.   

    حكم الزيادة على الفاتحة في صلاة السنن والتهجد

    السؤال: هل تكفي فاتحة الكتاب في التهجد والسنن، أم لا بد من قراءة آيات وسور أخرى معها؟

    الجواب: تكفي الفاتحة لأنها ركن، ولكن إذا قرأ معها فهو أفضل، السنة أن يقرأ معها زيادة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ مع الفاتحة، لكنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، فالركن هو الفاتحة وما زاد فهو مستحب.

    1.   

    حكم حضور صلاة الجمعة لمن لا يسمع النداء

    السؤال: هل يجب علينا أن نؤدي صلاة الجمعة ونحن نبعد عن المسجد خمسة وثلاثين كيلو ومعنا سيارة؟

    الجواب: هذا مكان بعيد لا يلزمكم فيه، لكن إن تحملتم مشقة وذهبتم إلى الجمعة فأنتم مأجورون، وإلا هذا محل بعيد، لا يسمع فيه النداء ولو كان بالمكبر، قد لا يسمعون حتى بالمكبر، لكن العبرة بالصوت المعتاد لا بالمكبر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر).

    فإذا كان يسمع النداء في المكان بالأذان المعتاد بالصوت من دون مكبرات عند هدوء الأصوات وعدم الموانع يلزمه الذهاب إلى المسجد، أما إذا كان بعيداً لا يسمع النداء لو لم يكن هناك مكبرات، فإنه لا يلزمه الحضور للبعد، لكن لو حضر وتجشم المشقة على الدابة أو على السيارة كان أفضل.

    1.   

    حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر

    ====السؤال: يقول: هل هناك من دعاء ندعو به بعد القيام من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر، وما هو القنوت؟

    الجواب: القنوت معروف، هو قنوت الوتر وقنوت النوازل، وقنوت الصلوات الخمس، فالسنة ألا يقنت إلا في الوتر، وهو الركعة الأخيرة من الوتر في الليل، وفي النهار ما في قنوت إذا فاته الليل صلى من النهار شفعاً، إذا كان عادته في الليل ثلاثاً صلى أربعاً في النهار تسليمتين، وإذا كان عادته في الليل خمساً وفاته بالنوم أو بالمرض صلى من النهار ست ركعات ثلاث تسليمات، وهكذا ليس بقنوت، القنوت في الليل في الركعة الأخيرة، وقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي .

    وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقنت في الصبح دائماً وهذا قول ضعيف، والصواب: أنه لا يقنت في الأوقات كلها إلا في النوازل، إذا حدث نازلة للمسلمين، مثل نازلة اجتياح الكويت من حكومة العراق، هذه نازلة يقنت فيها المسلمون في الفجر وغيره، ويدعون الله على من ظلم، ويدعون الله لمن ظلم بالنصر والتأييد وأن يردهم إلى بلادهم، يدعون الله على من تعدى على المسلمين وآذاهم، هذا يسمى القنوت في النوازل، فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر وغيره، إذا قنت الإمام في الفجر أو في المغرب أو في العشاء أو في الظهر أو في العصر أو في الجميع يدعو على الظالم وعلى من ظلم المسلمين وتعدى عليهم فلا بأس به، بل هو مشروع.

    1.   

    كيفية رفع الحدث الأكبر لمن عدم الماء وأراد الصلاة

    السؤال: المستمع سلمان سالم سلامة الرشيدي بعث يسأل ويقول: نحن عرب بادية وفي بعض الأحيان نفقد الماء ولا نجد ما نغتسل به، فكيف نصلي جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الله سبحانه يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] فإذا كنتم في البادية أو في الأسفار ولم تحصلوا على الماء تصلوا بالتيمم، لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6].

    وقال عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، فالمسلم متى جاء وقت الصلاة وليس عنده ماء إلا ماء يسير لشرابه أو لطعامه أو لشرابه وشراب بهائمه فإنه يصلي بالتيمم، والتيمم ضربة واحدة يضرب بيديه الأرض ثم يمسح بيديه وجهه وكفيه، هذا هو التيمم، ضربة واحدة يضرب بها الأرض، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، وهذه الضربة تقوم مقام الماء، حتى يجد الماء.

    1.   

    حكم من وجد لقطة ثم ضاعت منه بعد سنة

    السؤال: يقول: حصل وأن وجدت ماعزة هاملة وعليها وسم عمي وولدت ولا أعرف أنه يملكها أو باعها فذبحت جناها، وبعد سنة ضاعت أرجو فتواكم؟

    الجواب: إذا كنت لم تسأل عمك ولم تعرف أنها ملكه وعليها وسم عمك، فليس عليك حرج إن شاء الله، إلا أنه كان ينبغي لك الاحتياط وعدم ذبح الجنى، أما الآن ما دمت لم تجد لها مطالباً ووسم عمك فليس عليك شيء، وفي إمكانك سؤال عمك إذا كان موجوداً، أو سؤال ذريته وورثته هل يسمحون لك وهل هي معزهم، أو قد باعوها على أحد أو أعطوها أحداً، تسأل وتأخذ بالحيطة إذا أمكنك ذلك، فإن لم يمكن فاغرمها، اغرم ما ذبحت لورثة عمك إن كان قد مات وأما هي إذا كنت لم تفرط فيها ولم تعمل فيها ما يسبب موتها فليس عليك بها شيء.

    1.   

    حكم أخذ العامل من مال من يعمل معه

    السؤال: المستمع أحمد صالح زيد بعث يسأل ويقول: رجل يعمل في محل تجاري براتب معين، ويأكل ويشرب ويلبس من داخل هذا المحل الذي يعمل فيه، ولكن بدون إسراف ولا تبذير، بل بالمعروف حسب حاجته، وأحياناً يحتاج إلى شيء من خارج المحل، وقد يأخذ قيمة هذا الشيء من ذلك المحل، قد يزيد المبلغ وينقص عن عشرة أو عشرين ريالاً، هذا المهم أرجو الرد عليه، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ليس له إلا راتبه إلا أن يسمح له صاحب المحل، أما أن يأخذ من المحل حاجاته فلا إلا بإذن، إذا كان بينه وبينه مشارطة وسمح له بذلك فلا بأس.

    1.   

    حكم الحلف بالطلاق بدون نية الطلاق

    السؤال: المستمع عبد المحسن أسامة محمد من اليمن الشمالية بعث يسأل ويقول: هل الحلف بالطلاق لتأكيد كلام بدون نية الطلاق، يقع طلاقاً أو لا؟ وهل العبارة التي تقول: (الحلف بالطلاق ليس طلاقاً) حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: ليس حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن فيه تفصيل: الحلف بالطلاق إن كان أراد به إيقاع الطلاق وقع الطلاق، وإن كان ما أراد أن يكون فيه كفارة يمين عند جمع من أهل العلم، وبعض أهل العلم يراه مطلقاً ولو قصد به اليمين، والحلف بالطلاق كأن يقول: عليه الطلاق ما يكلم فلاناً، عليه الطلاق لا تخرجي من البيت، عليه الطلاق لا تكلمي فلاناً، عليه الطلاق ألا يزور فلاناً، هذا يسمى يميناً إذا كان قصد به المنع أو الحث أو التصديق أو التكذيب، فإذا قال: عليه الطلاق أنك ما تكلمين أخاك فلاناً، أو جارك فلاناً وقصده منعها ليس قصده فراقها، فهذا عليه كفارة يمين إذا كلمت، وهكذا لو قال: عليه الطلاق أنه ما يزور فلاناً وقصده منع نفسه من الزيارة، هذا يسمى يميناً.

    أما إن أراد إيقاع الطلاق فهذا يقع الطلاق بالزيارة، لأنه علقه عليها، فإذا زار وقعت طلقة واحدة كما قال، مثلما لو قال: إذا دخل رمضان فأنت طالق، هذا ما يسمى يميناً، هذا تعليق، إذا دخل رمضان طلقت، أو قال: متى حضت أو متى ولدت أو نحو ذلك.

    المقصود أن الطلاق المعلق إذا كان ما قصده التصديق أو التكذيب أو الحث أو المنع إنما قصده التعليق فقط فهذا يقع، إن كلمت زيداً فأنت طالق، قصده أنه يقع الطلاق وقع الطلاق، إذا دخل رمضان فأنت طالق يقع إذا دخل رمضان، أما إذا قال: إن كلمت زيداً وقصده منعها من الكلام ما يحب أنها تكلمه، هذا إذا كلمته يكون عليه كفارة يمين؛ لأنه أراد منعها فيسمى يميناً في أصح قولي العلماء، وتكون فيه الكفارة فقط، وقال بعض أهل العلم: إن الطلاق يقع مطلقاً ولو نوى به اليمين، وهذا قول ضعيف، والصواب أنه متى نوى اليمين فإنه لا يقع عليها طلاق ولكن عليه الكفارة، واحتج العلماء على ذلك بأدلة كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (الأعمال بالنيات)، وهو لم يرد إلا منعها وما أراد إيقاع الطلاق، إنما أراد منعها أو منع نفسه من شيء.

    ومنها ما حصل من فتاوى بعض الصحابة فيمن حلف ألا يفعل كذا وإن فعل فعبيده أحرار وماله صدقة، وقد أفتى في هذا ابن عمر وبعض الصحابيات بأنه يمين والطلاق هو أشد الطلاق وهو مبغوض إلى الله. فإذا كان العتق والصدقة يميناً فالطلاق من باب أولى.

    ويروى عن جماعة من الصحابة أنهم جعلوه يميناً، يروى عن علي والزبير وجماعة.

    فالحاصل: أن هذا الطلاق لم يرده صاحبه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) ، وهو إنما أراد منعاً أو حثاً أو تصديقاً أو تكذيباً، فإذا قال: عليه الطلاق ألا يكلم فلاناً قال: أراد منع نفسه، وإذا قال: عليه الطلاق أن يزور فلاناً أراد حث نفسه على الزيارة، وإذا قال: عليه الطلاق أنه ما فعل كذا، أراد أنه يصدق في ذلك، أو قال: عليه الطلاق مثلاً أن فلاناً كاذب وأراد بذلك أن يكذب فلاناً.

    فالحاصل: أنه لم يرد إيقاع الطلاق إنما أراد معنىً آخر، فيكون له ما أراد على الصحيح، وعليه الكفارة إذا كان أراد هذا المعنى ولا يقع الطلاق.

    1.   

    حكم طلاق الغضبان

    السؤال: يقول: هل الحلف بالطلاق في حالة الغضب وثورة النفس بدون نية يقع طلاقاً، وهل الثورة النفسية تعتبر إكراهاً؟

    الجواب: هذا أيضاً فيه تفصيل: إن كان اشتد معه الغضب حتى ما يعقل، أو غلب عليه حتى لا يستطيع حبس نفسه ومنع نفسه، فالصحيح: أنه لا يقع، أما إن كان غضباً عادياً فإنه يقع، لأن الغضب ثلاثة أقسام: غضب يزول معه الشعور، فهذا كالمجنون لا يقع معه الطلاق؛ لأنه زال الشعور ولا يعرف ماذا قال.

    الغضب الثاني: اشتد معه الغضب وملكه الغضب ولم يستطع منع نفسه لشدة الكلام الذي سمع أو الفعل لكونها مثلاً، سبته ولعنته أو تضارب معها، فاشتد غضبه حتى ما ملك نفسه، فالصحيح: أنه لا يقع.

    القسم الثالث: غضب عادي، لبعض الأسباب، هذا يقع معه الطلاق عند جميع أهل العلم، ولا يمنع وقوع الطلاق.

    1.   

    نصيحة لفتاة مصابة بحالة نفسية

    السؤال: إحدى المستمعات من الأردن بعثت برسالة طويلة بعض الشيء أستأذن سماحة الشيخ في قراءتها كاملة تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد تقول عن نفسها: أنا فتاة في الثانية والعشرين من عمري أصبت بمرض نفسي ضيق علي الحياة من جميع أبوابها، وجعلني أشعر بيأس قاتل، يأس من الشفاء من هذا المرض، وهو انعدام الشخصية، فبعد تجربتي المريرة مع هذا المرض اكتشفت أن كل مصائب الدنيا أهون منه، فقد انفصلت عن الواقع الذي يعيشه الناس انفصالاً كاملاً، فأصبحت لا أحس بمشاعر الإنسانية التي يحسونها من فرح وحزن وسرور وحب وكره، فكيف تتصورون إنساناً بدون مشاعر، وأنا دائماً أعترف بأنني ظلمت نفسي إذ أوقعتها في هذا المرض، وضيعت شخصيتي لأسباب تافهة لا داعي لذكرها، وسؤالي هو: إنني كثيراً ما تنتابني حالات يأس كامل من الحياة، وهذا ليس مني ولكن من شدة الألم النفسي الذي أعانيه من جراء هذا المرض القاتل، فهل هذا قنوط من رحمة الله أعاقب عليه، خاصة وأنني دائماً أعترف بيني وبين نفسي أنني أنا الذي ظلمت نفسي، ودائماً أدعو الله العلي القدير أن يقدر لي الشفاء من هذا المرض، وحالة اليأس هذه تجعلني أفكر في الانتحار، لكن أرجع فأتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهل أعاقب على هذا التفكير أم لا وجهوني وانصحوني وأخلصوا لي النصح وادعوا لي جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أسأل الله لك الشفاء والعافية، وأسأل الله أن يمنحك الشفاء، وأن يعيذك من شر نفسك وشيطانك، الواجب عليك أيها الأخت في الله وأيها الفتاة أن ترجعي إلى الله جل وعلا، وأن تتوبي من هذا العمل السيئ، وهذا الظن السيئ، وهذا الشعور السيئ، وعليك أن تستعيذي بالله من الشيطان، وأن تسألي الله أن يعينك على ذكره وشكره، وعلى القيام بحقه، وعلى المباعدة لهذه الظنون، وهذه المشاعر الرديئة، حتى يجيبك سبحانه ويعطيك من فضله ما ترجعين به إلى الحالة الطبيعية، اضرعي إلى الله بصدق، واسأليه أن يمنحك الشفاء في سجودك وفي آخر الصلاة، وفي وسط الليل وفي آخر الليل، بعد الأذان، قبل الصلاة، كل هذه أوقات عظيمة للإجابة، فلا تيأسي أبداً، جالسي الأخيار من أخواتك أو عماتك، اجلسي مع الأخيار وتحدثي معهم جاهدي نفسك، وأكثري من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار، واضرعي إلى الله دائماً بصدق أن يمنحك العافية.

    وإياك والانتحار، الانتحار من أعظم الجرائم ومن أعظم الكبائر، ومن أسباب دخول النار، ولكن عليك بالصدق في الضراعة إلى الله، وسؤاله العافية والشفاء، واختلطي مع الطيبين والطيبات من أهلك وتحدثي معهم، وشاوريهم وخذي نصيحتهم، واسألي الله من فضله، اسأليه أن يمنحك الشفاء، واحذري اليأس، لا تيأسي أبداً، فضل الله واسع، وهو سبحانه القائل: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وهو الجواد الكريم سبحانه وتعالى، ومتى صدقت في ذلك فأبشري بالخير، وقولي أيضاً: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، أكثري من هذا، كرري ثلاثاً وأكثر صباحاً ومساءً، دائماً حتى يزول هذا البلاء، كذلك قولي: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات، صباحاً ومساء كرريها واقرئي آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم، فهي من أعظم الأسباب للعافية من كل سوء.

    وهكذا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتان، اقرئيها كلها ثلاث مرات صباحاً ومساء، صباحاً بعد الفجر ومساء بعد المغرب، وعند النوم ثلاث مرات، وبعد الظهر والعصر والعشاء مرة واحدة، تقرئين هذه السور الثلاث، كل هذا من أسباب العافية والشفاء كما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    فالحاصل: أن عليك حسن الظن بالله، والصدق مع الله، وسؤاله العافية، والشفاء من هذا البلاء، وعليك أن تكثري من ذكر الله وتسبيحه وتهليله وتحميده والاستغفار والدعاء بطلب العافية، وعليك أن تجلسي مع الأخيار، مع الطيبات، من أهل بيتك للتحدث والأنس بهم والمشاورة والنصيحة، نسأل الله لك العافية والتوفيق.

    المقدم: اللهم آمين، جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لسماحته، وأنتم يا مستمعي الكرام! شكراً لحسن متابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.