إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (370)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    التوبة تجب ما قبلها إلا ما كان متعلقاً بحق مخلوق

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة الإخوة المستمعين، فأهلاً وسهلاً.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الدمام باعثها مستمع رمز إلى اسمه بالحروف (ن. م. ع) أخونا له سؤال يقول فيه: هل الذي يذنب ذنباً ثم يتوب ثم يرجع في الذنب مرة أخرى وذلك أكثر من مرة، ثم تاب توبة صالحة خالصة لله ولم يعد في ذلك، هل يقبل الله توبته، وماذا عليه أن يفعل حتى يكفر ما كان منه، وخصوصاً إذا كان ذلك الذنب كبيراً، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل من لطفه ورحمته وإحسانه أمر بالتوبة ووعد قبولها سبحانه وتعالى من جميع الذنوب ولو عظمت، وأعظمها الشرك، فمن تاب إلى الله من ذنبه توبة صادقة، مشتملة على شروطها تاب الله عليه، قال الله سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] فأخبر سبحانه أن التائب مفلح، وقال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25]، سبحانه وتعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (التوبة تهدم ما كان قبلها)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، فإذا تاب الإنسان من ذنبه توبة صادقة، تشتمل على الندم على ما مضى منه، والإقلاع من ذلك، والعزم على أن لا يعود عزماً صادقاً، عن تعظيم لله، وإخلاص له ورغبة فيما عنده، وخوفاً من عقابه، فإن الله يتوب عليه، ويعفو عنه ذلك الذنب، ولو عاد إليه بعد ذلك، فإنه متى عاد يؤخذ بالذنب الجديد، وهكذا كلما تاب تاب الله عليه، ولو تكرر ذلك، إذا كانت التوبة صادقة، خالصة لله عز وجل، مشتملة على شروطها من الندم على الماضي والإقلاع منه، وتركه خوفاً من الله وتعظيماً له، والعزم الصادق أن لا يعود فيه، فإن الله يتوب عليه سبحانه وتعالى، وهكذا الذنب الثاني والثالث، وهكذا كلما تاب تاب الله عليه، وإذا أتبع ذلك بالعمل الصالح، والاجتهاد في الخير أبدل الله سيئاته حسنات، فضلاً منه وإحساناً كما قال سبحانه في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70].

    فبين سبحانه أن المشرك إذا تاب، والقاتل والزاني، إذا تابوا ثم أتبعوا التوبة بالعمل الصالح من الاجتهاد في الخير، والطاعات، فإن الله سبحانه يقبل منهم، ويبدل سيئاتهم حسنات، كل سيئة يكون مكانها حسنة، مع التوبة، مع العفو عما مضى، وهذا من جوده وكرمه سبحانه وتعالى.

    فالوصية لجميع المؤمنين البدار بالتوبة الصادقة، والإقلاع من الذنوب خوفاً من الله وتعظيماً له، والندم على الماضي منها، مع العزم الصادق ألا يعود فيها، لكن إذا كانت التوبة تتعلق بحق آدمي، فلا بد من إعطائه حقه.

    شرط رابع: لابد أن يعطى الآدمي حقه، أو يستحل، فإن أعطيته حقه، أو سامحك، انتهى الأمر والحمد لله، فلابد من إعطاء الناس حقوقهم من مال، أو دم أو عرض، أو سماحهم إذا سمحوا فالحمد لله، لكن العرض يعني الغيبة، إذا كنت تخشى من اخباره بذلك، فإنك تذكره بالخير الذي تعلمه منه، في المجالس التي ذكرته فيها بالسوء، التي اغتبته فيها، تذكره بالخير الذي تعلمه، تذكره بخصاله الحميدة، وأعماله الطيبة من غير كذب، فيكون هذا تكفيراً لهذا، فإذا كنت لا تستطيع إخباره بما فعلت أو تخشى إذا أخبرته أن يزيد الشر، فإن الله جل وعلا يعفو عنك إذا صدقت في التوبة، وذكرته بأعماله الطيبة التي تعلمها عنه في المجالس التي ذكرته فيها بالسوء، والله المستعان.

    1.   

    معنى حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة..)

    السؤال: بعد هذا رسالة وصلت إلى البرنامج من الجمهورية العربية السورية، باعثتها إحدى الأخوات المستمعات تقول: المرسلة إيمان عباس من سوريا، الأخت إيمان لها أكثر من قضية في إحدى قضاياها تقول: وضحوا لنا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) رواه مسلم ، وأنه قد يسبق هذا الحديث قصة، لابد أنكم تعرفونها يا سماحة الشيخ، ولا مجال لذكرها في هذا البرنامج، فالمقصود أن تبينوا لنا السنة الحسنة وتشرحوا لنا كلام الحبيب صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: نعم هذا الحديث صحيح، وجاء في معناه أحاديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث جرير : (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عملها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، وأسباب هذا الحديث أن جماعة من الفقراء جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ورأى فقرهم، خطب الناس وحثهم على الصدقة، ورغبهم فيها وقال: (تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع تمره، بثوبه)، ورغبهم في ذلك عليه الصلاة والسلام، فجاء رجل بصرة من فضة كادت كفه تعجز عنها ثم تتابع الناس في الصدقات، حتى رأى بين يديه كومين من طعام وثياب، فلما رأى النبي ذلك عليه الصلاة والسلام استنار وجهه حتى كأنه مذهبة، سروراً منه بعملهم وحرصهم على الخير، ومسارعتهم إلى الصدقة، ثم قال هذا الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل من بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، والمعنى أن الإنسان إذا فعل خيراً، وتأسى به الناس في ذلك يكون له مثل أجورهم، فإذا تصدق على الفقراء تابعه الناس لما رأوه تصدق، فله مثل أجورهم، وإذا دعا إلى سنة كالتراويح في رمضان في بلد ما كانوا يصلون تراويح ثم تابعوه يكون له مثل أجورهم، أو دعا إلى صيام ست من شوال بين أناس لا يعرفونها فتابعوه صار له مثل أجورهم، أو دعا إلى صيام الإثنين والخميس، وبين فضل ذلك بين أناس لا يعرفون ذلك فعملوا بذلك بسبب نصيحته وصاموا الإثنين والخميس، يكون له مثل أجورهم وهكذا.

    كل من دل على خير، فتابعه الناس على ذلك، وتأسوا به، وانتفعوا بدعوته، يكون له مثل أجورهم، وهذا معنى الحديث الآخر: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) خرجه مسلم في صحيحه، وفق الله الجميع.

    1.   

    حكم إخراج زكاة الماشية وزكاة الفطر نقوداً

    السؤال: تقول أختنا: هل يجوز إخراج زكاة المواشي مالاً أم يجب إخراجها من الماشية، فقد سألت بعض الإخوة فقال لي: يجوز إخراجها مالاً؛ لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]؟ وهل يجوز إخراج زكاة الفطر مالاً؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الواجب إخراج الزكاة من نفس المال من الإبل والبقر والغنم والطعام، هذا هو الواجب، هذا هو الأصل، كما بينه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى إخراج القيمة لأن ولي الأمر طلب القيمة فلا بأس، أو لأن المالك لم يجد السن المطلوب، أو أن الفقراء طلبوا ذلك، لأنه أصلح لهم وأعطاهم القيمة الوسط، فلا حرج في ذلك للمصلحة الشرعية، أن تكون القيمة وسطاً، لأن الأصل إخراج الوسط في الإبل والبقر والغنم والطعام، لا الردي ولا الأغلى والأعلى، ولكن بين ذلك، وهكذا لو كان الإنسان باع ثمرته من التمر أو من الحبوب فإنه يعطي الزكاة من الثمن بدلاً من الطعام؛ لأن الطعام قد بيع وذهب فيعطي زكاته من الثمن، وإذا أخرجها من التمر أو من الحبوب كان ذلك أفضل وأكمل وأحوط.

    وهكذا زكاة الفطر لابد من الطعام، لا تجزي من القيمة، الواجب إخراجها من الطعام، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، وكان يخرجون في زمانه صلى الله عليه وسلم صاعاً من أقط أيضاً، وصاعاً من زبيب، كل هذا كان يخرج في عهده صلى الله عليه وسلم، وصاعاً من طعام من قوت البلد يعني كالأرز ونحوه.

    فالواجب إخراج الفطرة من قوت البلد، الذي يعيش فيه الإنسان، من أرز أو تمر أو حنطة، أو شعير، أو ذرة أو غير ذلك، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم، أما القيمة فلا، القول بإخراج القيمة قول ضعيف مرجوح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)

    السؤال: أيضاً تطلب من سماحتكم تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] وضحوا لنا ذلك توضيحاً كافياً جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: معناه أن الصائم يمسك عن المفطرات إلى غروب الشمس، هذا معنى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] يعني: أمسكوا عن المفطرات من طعام أو شراب وغيرهما إلى غروب الشمس، فإذا كان غيماً فإذا غلب على الظن غروب الشمس بسبب الساعات أو غيرها كفى ذلك والحمد لله.

    1.   

    المدة الزمنية التي تجب فيها صلة الأرحام

    السؤال: ما المدة الزمنية التي يجب أن تكون فيها صلة الرحم، أي: الآباء لبناتهم ولبنات أخواتهم، والنساء لعماتهم وخالاتهم، أهي ثلاثة أيام من كل شهر، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ وهل يأثم المسلم الذي لا يزور عمات وخالات والدته ووالده؟

    الجواب: ليس لصلة الرحم مدة معلومة فيما نعلم، بل الواجب صلة الراحم دائماً حتى يموت، الواجب على المؤمن والمؤمنة صلة الرحم مطلقاً، ولا تتحدد بيوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة في الشهر أو في السنة، لا؛ الواجب صلة الرحم دائماً، وتحرم القطيعة دائماً، لكن صلة الرحم تكون بالمعتاد بالزيارة، بالمكاتبة، بالهاتف -التلفون- بوصية الأقارب أو الأصدقاء يبلغونه السلام، بمواساة الفقير، بالهدية المناسبة، كل هذا من الصلة، نعم، جزاكم الله خيراً.

    المقدم: في آخر سؤالها تسأل سماحتكم، هل يأثم المسلم الذي لا يزور عمات وخالات والدته ووالده؟

    الشيخ: لا يأثم في ذلك إذا كانت الصلة موجودة بالمكاتبة أو بالتلفون؛ لأن الزيارة بالأبدان قد تصعب في بعض الأحيان، والمقصود رضا أقاربه وعدم قطيعته لهم، أن يكون بينه وبينهم الرضا والمحبة وعدم القطيعة بأي وسيلة بالمكاتبة أو بالزيارة، أو من طريق الهاتف -التلفون- أو من طريق وصية الأصدقاء والأحباب الذين يزورونهم يبلغون عنه محبته لهم، ورغبته في زيارتهم لولا الموانع، وهكذا تكون بالهدية، بالصدقة على الفقير، بالشفاعة الحسنة إلى غير هذا من وجوه النفع.

    1.   

    رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بين الحقيقة والزيف

    السؤال: تسأل أختنا هل يوجد أحاديث معينة لمن أراد أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام؟

    الجواب: لا أعلم شيئاً في هذا، والرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم لا تدل على صلاح ولا على فساد، قد يراه الفاجر وقد يراه المؤمن، ولكن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يتشبه الشيطان في صورته، من رآه في صورته فقد رآه لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، لكن إذا رآه بزعمه فأمره بشيء يخالف الشرع فهذه علامة أنه لم يره وأنه شيطان، فإذا رأى من يظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: لا، لا حرج عليك في الزنا، أو في شرب الخمر، أو في قطيعة الرحم هذه علامة أنه لم يره صلى الله عليه وسلم، وأن هذا شيطان تشبه به في غير صورته عليه الصلاة والسلام، فالحاصل أن الرؤيا قد تقع للكافر والمسلم، والعاصي لكن إن رآه على صورته، فهو النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يره على صورته فهو شيطان، تشبه به، وادعى أنه هو، ومن علامات بطلان الرؤية وأنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم أن يراه على غير صورته، يراه أسود، يراه قد شاب شيبة كاملة، فهو ليس فيه إلا شعرات قليلة من الشيب حين مات، أو يراه حليقاً، أو ما أشبه ذلك، فهذه علامات أنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان من أجمل الناس، وكان أبيض مشرباً بحمرة، وكان ربعة من الرجال عليه الصلاة والسلام، وكان شعره أسود ليس فيه إلا شعرات قليلة بيض في حياته عليه الصلاة والسلام.

    فالمقصود: أنه من رآه على صورته فقد رآه، لكن إن استقام على طاعة الله، واتبع شريعته نفعه ذلك، وإلا فالرؤية لا تنفعه إذا لم يستقم على دين الله.

    1.   

    حكم التوسل بذات النبي عليه الصلاة والسلام

    السؤال: تقول: يوجد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحابه كانت تتوسل به لنزول الغيث، وعندما مات صلى الله عليه وسلم كانت أصحابه تتوسل بـالعباس رضي الله عنه لنزول الغيث، فلماذا لا يجوز لنا التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ليشفع لنا وغير ذلك من الأمور؟ جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم، ونفع الله بكم المسلمين.

    الجواب: كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون به في حياته، يعني: بدعائه وشفاعته ما هو بالذات، يتوسلون بدعائه وشفاعته إلى الله عز وجل، فكان يخطب ويدعو ويستغيث فيغيث الله المسلمين، أو يدعو للشخص بدعوات صالحة ينفعه الله بها، وهكذا يوم القيامة يطلب الناس منه الشفاعة فيشفع لهم في الموقف حتى يريحهم الله من كرب الموقف، ويشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة بعدما يتقدم الناس إلى آدم ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى فكلهم يعتذرون، كل واحد يقول: (اذهب إلى غيري لست لها، حتى يقول لهم عيسى وهو الأخير منهم، يقول لهم: اذهبوا إلى محمد عليه الصلاة والسلام، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني -يعني: يأتيه المؤمنون- فيقول: أنا لها أنا لها عليه الصلاة والسلام، ثم يتقدم إلى ربه، ويسجد بين يديه، ويحمده بمحامد عظيمة يفتحها الله عليه، ثم يقول له الرب جل وعلا: ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعط واشفع تشفع، فبعد الإذن يشفع عليه الصلاة والسلام في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، ثم يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة)، وفي حياته صلى الله عليه وسلم يطلب منه المسلمون ليستغيث لهم، ليدعو لهم، وهم يستشفعون بدعائه لا بذاته، فلهذا لما توفي صلى الله عليه وسلم تركوا ذلك، واستسقى عمر بـالعباس وقال عمر رضي الله عنه: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا، ولو كان التوسل بذاته لتوسلوا به بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ولم يحتاجوا إلى العباس ، فلما عدل عمر والصحابة إلى العباس ليدعو لهم دل على أن التوسل بالدعاء، والشفاعة لا بالذوات، فالمسلمون اليوم يتوسلون إلى الله بالدعاء يسألون الله ويدعونه أن يسقيهم وأن يرحمهم وأن يغفر لهم، لا بذات النبي صلى الله عليه وسلم ولا بغير ذات النبي، وإذا رأى المسلمون أن يدعو لهم فلان، أو فلان لما فيه من الصلاح والخير، يقال له: تقدم فادع الله لنا، أو وجدوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من هو معروف بالخير والفضل والعلم، وطلبوا منه أن يدعو الله لهم كله طيب كما فعل عمر مع العباس.

    1.   

    حكم من تاب من ذنب وأقسم ألا يعود إليه ثم عاد

    السؤال: بعد هذا رسالة وصلت إلى البرنامج من مدينة الخبر باعثها مستمع يقول: عبد السلام الرشيدي أولاً: يقول لكم سماحة الشيخ: أتقدم لفضيلة الشيخ لكي أسأله عن حكم من أراد أن يقلع عن فعل ذنب من الذنوب رغبة منه في التوبة إلى الله والإقلاع عن هذا الفعل المحرم الذي لا يعد من الكبائر، ورغبة منه في زجر نفسه ونهيها أقسم بالله العظيم على كتابه الكريم في مسجد الله، وأعاهد الله على ألا يعود لفعل ذلك المحرم، ولكن بعد أن أقسم استمر فترة وجيزة ملتزم بما عاهد الله عليه ثم خدعه الشيطان وغلبه هواه فعاد إلى ذلكم الفعل المحرم، ما حكم هذه الحالة؟ وما هي كفارة هذا القسم على القرآن في المسجد، وبماذا تنصحون به هذا الذي يرغب رغبة أكيدة بالتوبة النصوح ثم يغلبه هواه فيعود لاقتراف الفعل المحرم، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: على المذنب سواء كان الذنب كبيراً أو صغيراً عليه التوبة إلى الله، والمسارعة إلى ذلك، ولا يلزمه القسم ولا حاجة إلى القسم، بل الواجب عليه الندم على ذنبه الماضي، والحزن على ذلك، والترك له خوفاً من الله وتعظيماً له سبحانه، والعزم الصادق ألا يعود، هذا الواجب عليه، أمور ثلاثة: أولاً: الندم على الماضي، ثانياً: ترك الذنب والحذر منه، تعظيماً لله ورغبة فيما عنده سبحانه، ثالثاً: العزم الصادق ألا يعود في ذلك، ولا حاجة إلى أن يقسم ولا حاجة إلى أن يكون في المسجد، فإذا أقسم كان الأمر أشد، إذا أقسم بالله على المصحف أو في المسجد كان الأمر أعظم، ولكن لا يلزمه ذلك ولا حاجة إلى القسم، التوبة تكفي بدون قسم، وبدون وجوده في المسجد، متى ندم وأقلع وترك الذنب وعزم أن لا يعود قبل الله منه في أي مكان، وفي أي زمان، وإذا عاد يؤخذ بالذنب بعد العودة، أما الماضي فقد تاب منه وانتهى، لكن عليه أن يتوب من العودة التي زين له الشيطان العودة فيها، عليه أن يتوب مثل ما تاب أولاً، وكلما تاب تاب الله عليه، إذا صدق في التوبة وأخلص فيها واستوفى شروطها، وعليه كفارة يمين التي حلفها أنه لا يعود، عليه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن عجز صام ثلاثة أيام، كما بين الله ذلك في كتابه العظيم من سورة المائدة، حيث قال سبحانه: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، هكذا يقول سبحانه وتعالى.

    فالواجب على من حلف ألا يفعل شيئاً ثم فعله أن يكفر هذه الكفارة، وإن كان ذنباً فعليه مع الكفارة التوبة، الندم، والإقلاع، والعزم الصادق ألا يعود، تعظيماً لله، ورغبة فيما عنده سبحانه وتعالى، وإن كان الذنب يتعلق بالمخلوق ظلماً له في دم أو مال أو عرض، فلابد أن يستحله من هذا الذنب، شرط رابع لا بد منه، أو يعطيه حقه، إما أن يستحله فيسمح أو يعطيه حقه، وإن كان الذنب عرضاً يعني: غيبة، استحله إن تيسر وإلا دعا له، واستغفر له، وذكره بالأعمال الطيبة التي يعرفها، عنه ذكره بأخلاقه الطيبة التي يعرفها عنه بدلاً مما ذكره عنه من الأخلاق السيئة، تكن هذه بهذه، رزق الله الجميع الهداية والتوفيق.

    1.   

    حكم تكفير تارك الصلاة، والتحذير من تركها والتهاون بها

    السؤال: من مكة المكرمة رسالة بتوقيع إحدى الأخوات تقول: المرسلة (أ. ع. ق) أختنا تسأل سؤالين في أحد أسئلتها تقول: ما الحكم إذا قال شخص عن جهل، بأن حكم تارك الصلاة كافر دون أن يقصد شخصاً بعينه، هل يلزمه أن يتوب من ذلك، ويأثم على قوله، أم كيف توجهونه، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الذي يقول هذا الكلام مصيب، قد قاله سيد الخلق عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، رواه مسلم في الصحيح، ويقول أيضاً عليه الصلاة والسلام: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، خرجه الإمام أحمد وأهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح، عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، فالواجب الحذر، فالصلاة عمود الإسلام، من تركها كفر نعوذ بالله من ذلك، فالواجب على الرجال والنساء الحذر من تركها والتهاون بها، والواجب المحافظة عليها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة كما قال الله سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] وقال سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11].

    وقال في سورة المعارج : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:34-35] الواجب على جميع المسلمين العناية بالصلاة، والحرص عليها، والمحافظة عليها في أوقاتها بالخشوع والطمأنينة والعناية، وعلى الرجل أن يؤديها في جماعة في مساجد الله مع إخوانه، وليحذر كل الحذر من صفات المنافقين، الذين يتكاسلون عنها قال الله تعالى في حقهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142].

    فالواجب عليك يا عبد الله! وعليك يا أمة الله! الحذر من صفة المنافقين، والواجب العناية بالصلاة، والمحافظة عليها غاية المحافظة، بالطمأنينة في ركوعها وسجودها، وسائر أحوالها، وأداؤها في الوقت، والرجل يؤديها مع إخوانه في المساجد في الجماعة، ولا يتشبه بأهل النفاق، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

    المقدم: اللهم آمين! جزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، في الختام سماحة الشيخ أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة الإخوة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، شكراً لسماحة الشيخ! وأنتم يا مستمعي الكرام! شكراً لحسن متابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.