إسلام ويب

الحياءللشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحياء خلق عظيم، وهو خير كله، ولا يأتي إلا بخير، وهو صفة من صفات نبينا صلى الله عليه وسلم، واقتدى به الصحابة في ذلك، فكانوا المثل الأعلى بعد نبيهم في تحقيق هذا الخلق العظيم قولاً وسلوكاً. والحياء له مراتب عديدة ذكرها علماؤنا الأفاضل رحمهم الله تعالى.

    1.   

    اشتقاق الحياء وفضله

    الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبعد:

    فإن من مراتب الهداية: الحياء، والحياء مشتق من الحيا وهو المطر، والمطر يحول الأرض الميتة إلى أرض فيها خير كبير، قال تعالى: وَتَرَى الأَرْاضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39]، وكما يحيي ربنا الأرض الموات فإنه يحيي القلوب الميتة، لكن القلب الميت لا يحيا إلا بمادة الحياء، وهو زاد الإيمان.

    رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (دعه فإن الحياء من الإيمان) يعني: إذا كان عنده إيمان كان عنده حياء، والحياء ثمرة للإيمان، والذي يدخن في نهار رمضان ويتعذر بأنه مريض هذا ما عنده حياء ولا عنده إيمان، بل إنه يتجرأ ويقول: إنه ليس خائفاً من ربنا، فهو لا يستحي من ربنا، فلو كان عنده إيمان لاستحيا.

    1.   

    أقسام الحياء

    الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبعد:

    فإن من مراتب الهداية: الحياء، والحياء مشتق من الحيا وهو المطر، والمطر يحول الأرض الميتة إلى أرض فيها خير كبير، قال تعالى: وَتَرَى الأَرْاضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39]، وكما يحيي ربنا الأرض الموات فإنه يحيي القلوب الميتة، لكن القلب الميت لا يحيا إلا بمادة الحياء، وهو زاد الإيمان.

    رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (دعه فإن الحياء من الإيمان) يعني: إذا كان عنده إيمان كان عنده حياء، والحياء ثمرة للإيمان، والذي يدخن في نهار رمضان ويتعذر بأنه مريض هذا ما عنده حياء ولا عنده إيمان، بل إنه يتجرأ ويقول: إنه ليس خائفاً من ربنا، فهو لا يستحي من ربنا، فلو كان عنده إيمان لاستحيا.

    حياء التقصير

    قسم العلماء الحياء إلى خمسة عشر قسماً:

    أول قسم من أقسام الحياء: حياء التقصير، أي: حياء الإنسان المقصر، كحياء أبينا آدم وأمنا حواء عندما أكلا من الشجرة، بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [الأعراف:22]، وشعرا بأنهما مقصران، فكان رد فعلهما: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22]؛ حياء من الله.

    فالمؤمن عندما يذنب فإن عليه أن يستحي، فهذا حياء المقصر أو حياء التقصير.

    حياء العبادة

    القسم الثاني: حياء العبادة، كما أخبر تعالى عن الملائكة أنهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] أي: لا يحصل لهم فتور كما يحصل لنا، فالملائكة في حالة دائمة من العبادة، قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا حشروا بين يدي مولاهم عز وجل قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك)، فهذا حياء العبادة، فالله سبحانه وتعالى عصمهم من الزلل: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6]، وهذه الآية هي الحجة الكبيرة للعلماء القائلين إن إبليس لم يكن من الملائكة، لأن من صفات الملائكة: أنهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، بل إنه من الجن لقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50]، وأنا أميل إلى هذا الرأي.

    وحياء المؤمنين أنهم يعملون الطاعات ويخافون ألا يتقبل الله منهم، ولما قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] قالت عائشة : (أهم الذين يرتكبون الفواحش ويسرقون يا رسول الله؟ قال: كلا يا عائشة ، إنهم يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم)، فهذا حياء العابد؛ لأنه يفعل الخير ويخاف أنه لا يتقبل منه.

    وأنت لو أنك زرت وزيراً من الوزراء فإنك ستأخذ له هدية تليق به، وستختار نوع الورقة التي تضع فيها الهدية؛ لأنها ذاهبة إلى عظيم؛ ولذلك قال لنا أهل العلم رحمهم الله: إن الصلاة عبارة عن مهر، وهل يقدم من المهور إلا ما كان كاملاً؟

    ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر

    فالذي يخطب امرأة فطلب أبوها مبلغاً باهضاً كمائة ألف جنيه، فإن الخاطب سيدفع ذلك إذا كان راغباً فيها.

    والشيماء بنت العلاء الحضرمي كان أبوها العلاء الحضرمي من أغنى أغنياء العرب، وكان من ضمن الذين يقولون عليهم: مطاعيم الريح، يعني: إذا ما لقى شخصاً يؤكله فإنه يؤكل الريح، فإنه يضع الحبوب في الريح فلعلها تأخذه إلى أحد يأكله، وكان العلاء الحضرمي والوليد بن المغيرة يسميان: زاد الركب، أي: الركب المسافرين الذين لا يملكون طعاماً ولا كساء، فإنهما يمولان من قبلهما.

    وكان الوليد يكسو الكعبة عاماً وقريش تكسوها عاماً، وكان يقول: لولا حرجي من قومي لكسوتها كل عام، فقد كان فيه صفات طيبة، مثل صفة الكرم التي هي صفة المؤمن.

    وفي غزوة الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من يأتني بخبر القوم وأضمن له الجنة؟ وقد كانت الليلة شديدة البرد، فما استطاع أحد أن يقوم من مكانه، فكررها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرة الثانية، فما قام أحد، وسيدنا حذيفة رضي الله عنه يقول: كنت ألتحف ورجل جواري بكساء رقيق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حذيفة بن اليمان ! فقام في شدة البرد ونزل الخندق في الليل وكان ظلاماً دامساً لو أخرج أحد يده لم يكد يراها، حتى توغل داخل جيش المشركين وجلس يتحسس الأخبار لرسول الله كسرية استطلاع، فإذا بـأبي سفيان ينادي: ليحدث كل واحد منكم أخاه أو من بجواره وليسأله عن اسمه فإني أرى فتنة، فـأبو سفيان له حاسة في الحرب، وهو أيضاً رجل زعيم في قومه، فـحذيفة قال: فأمسكت بيد من بجواري فقلت لكل منهما: من؟ قالا له: فلان وفلان، ثم خرج من بينهم سالماً غانماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيهزم الجمع ويولون الدبر.

    فقال عمر بن الخطاب : كنت أسأل نفسي: أي جمع سوف يهزم نحن أم هم؟

    وتقع الشيماء بنت الحضرمي في الأسر، وقد أسرها جليبيب، وهو رجل كان يخدم الرسول ولا أحد يعرف اسمه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلها لي يا رسول الله! فغبطه الصحابة، أي: تمنوا مثل نعمته، أما تمني زوال النعمة من الغير فهذا حسد، والمؤمن يغبط والمنافق يحسد.

    فالصحابة قالوا له: سوف تصير من الأغنياء يا جليبيب ، فإنك لو طلبت من مال العلاء بن الحضرمي إلا وأعطاك؛ فإنه أغنى أغنياء العرب وابنته في الأسر.

    فجاء العلاء بن الحضرمي ليفك أسر ابنته، فقال له: يا جليبيب ! كم تريد؟ قال جليبيب : أريد ألف دينار، قال: يا جليبيب ! أما تطلب شيئاً أكثر من هذا؟ قال: وهل هناك أكثر من الألف؟ فقالت الشيماء : يا أبتي! زوجني جليبيباً.

    حياء الأدب

    القسم الثالث: حياء الأدب، قال سيدنا علي رضي الله عنه: كنت رجلاً مذاء -يعني: يخرج منه بعد التبول سائل رقيق لزج يسمى المذي- قال: فاستحييت أن أسأل رسول الله؛ لمكانة فاطمة منه ومني. وهذا من الأدب، فإن الرسول هو الذي رباه في حجره، وزوجه ابنته، قال: فسألت ابن عباس أن يسأل لي رسول الله، فاستحيا ابن عباس ، فذهب إلى عبد الرحمن بن عوف فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه رسول الله، فأخبر ابن عوف علياً بالجواب.

    والرسول صلى الله عليه وسلم عاش مع عثمان رضي الله عنه سنة كاملة في بيته فقال: ما سمعت خشخشت مائه في الطست. وهذا حياء وأدب مع رسول الله.

    وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لما شرف بيته باستقبال الحبيب صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا أيوب ! اجعلني في الدور الأسفل وامكث أنت وزوجك في الدور الأعلى، فقال: يا رسول الله! أيعلو أبو أيوب وزوجه على رسول الله! فأول ليلة بات الرسول صلى الله عليه وسلم في الدور الثاني، فلما أتى الفجر قال له: يا أبا أيوب! أيسر لإخواننا أن أكون في الدور الأسفل، وفي يوم شديد البرد بينما كان أبو أيوب يمشي في الظلمة تعثرت رجله بالجرة التي فيها الماء فتسرب منها الماء، فقام أبو أيوب وزوجته بتجفيف الماء سريعاً؛ لكي لا يتساقط على رسول الله وهو نائم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر قال له: يا أبو أيوب ! قال: نعم، قال: شكر الله صنيعك برسوله الليلة.

    هذا هو الحياء، فالمسلم يكون عنده حياء العبادة، وحياء الأدب، قال أهل العلم: استحي من الله استحياءك من رجل عظيم في قومك، أي: من رجل له مكانته، أليس إذا دخل الوالد البيت يقوم له الابن احتراماً له ولا يقعد في مجلسه إلا إذا قعد الأب؟ والأخ الصغير يقبل يد الأخ الأكبر، فهذه الأخلاقيات والسلوكيات منبعثة من الإسلام والفطرة، فما هي المشكلة أننا نعلم أبناءنا أن يقبل كل واحد منهم يد والده وأمه قبل أن يذهبوا إلى المدرسة أو الجامعة؟ نريد أن نرجع هذه الأخلاقيات في البيوت؛ من أجل أن الرزق يعود مرة أخرى، والمحبة تعود مرة أخرى، نسأل الله عز وجل أن يربي لنا أبناءنا على الكتاب والسنة كما ربانا آباؤنا على الكتاب والسنة.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً.

    اللهم اجعل أول يومنا هذا صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً.

    اللهم لا تدع لنا فيه ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مسجوناً مظلوماً إلا فككت سجنه.

    واغفر لنا بالباقيات الصالحات يا رب العالمين!

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.