إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (352)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    السواك.. فضله وحكمه وأوقات استعماله

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج (نور على الدرب) رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المدينة المنورة وباعثها المستمع عبد المنعم بشارة محمد علي ، الأخ عبد المنعم يقول: نحن نعلم جميعاً فضل السواك، ونعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) لكني ألاحظ -يا سماحة الشيخ- أن كثيراً من الناس لا يحرصون على نظافة السواك، ولا يحرصون على الأوقات المستحب فيها استعمال السواك، فهم يستعملونه مثلاً بعد أن يكبر الإمام، ويستعملونه أثناء الخطبة، أرجو أن يتفضل سماحتكم بتوجيه الناس حول الأوقات المناسبة لاستعمال السواك؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد: فقد صحت الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في فضل السواك والترغيب فيه، ومن ذلك ما رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وهذا يدل على تأكد السواك وشرعيته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رغب فيه وحرض عليه، وإنما أراد أمر الوجوب، يعني: لأمرت أمر إيجاب، وإلا فأمر الاستحباب قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام ما يدل على استحبابه وشرعيته.

    ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) خرجه النسائي وغيره بإسناد صحيح، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان عليه الصلاة والسلام يبدأ بالسواك إذا دخل منزله) وكان يستعمل السواك كثيراً عليه الصلاة والسلام، و(كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) رواه الشيخان من حديث حذيفة رضي الله عنه، والأحاديث في هذا كثيرة تدل على شرعية السواك واستحبابه، وهو يتأكد عند الصلاة قبل أن يكبر الإمام، يستاك قبل أن يكبر، السنة أن يستاك عند الصلاة قبل أن يكبر، فإذا كبر الإمام بادر وكبر بعده.

    كذلك عند المضمضة في أول الوضوء، وهكذا عند دخول المنزل، وهكذا إذا تغير الفم والأسنان يستحب أن يستاك حتى يزيل الرائحة السيئة من الفم، وحتى يحصل بذلك تنظيف الأسنان، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) وهذا يعم الصائم وغير الصائم، في آخر النهار وفي أوله، وفي الليل والنهار، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكره في آخر النهار للصائم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) قالوا: السواك يزيل هذا الخلوف أو يخففه، والصواب أنه لا يكره للصائم في آخر النهار، بل يستحب دائماً؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء وعند كل صلاة) وهذا يعم الصائم وغيره، ويعم صلاة الظهر والعصر في حق الصائم وغيره، ولهذا الخلوف لا يزول بل يبقى؛ لأن الخلوف شيء يتصاعد من الجوف في حق الصائم، فالسواك لا يزيله، بل بعد رفع السواك يحصل تصاعد هذا الخلوف الذي هو مفضل عند الله سبحانه وتعالى.

    ثم خبر الخلوف خاص، فهو يقتضي ترغيب الصائم في الصيام، وبيان فضل الصيام وأنه له عند الله منزلة عظيمة ولا يمنع في مسألة السواك، فالمشروع لكل مؤمن أن يعتني بالسواك كما شرعه الله جل وعلا على يد رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يحرص عليه إحياءً للسنة وتعظيماً لها وترغيباً فيها حتى يتأسى به غيره.

    وهكذا بقية السنن مثل الوتر، فإنه متأكد ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، يستحب للمؤمن أن يوتر في السفر والحضر وأقله ركعة، وليس له حد، وإن أوتر بثلاث أو بخمس أو بأكثر كان أجره أعظم، والأفضل أن يوتر بوتر النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، وإن أوتر بأقل أو بأكثر فلا حرج في ذلك، وهكذا صلاة الضحى سنة مؤكدة وأقلها ركعتان، وإن صلى أكثر فلا بأس، وهكذا سنة الظهر.. سنة المغرب.. سنة العشاء.. سنة الفجر، وهكذا بقية السنن، سنة الظهر أربع قبلها وثنتان بعدها، يعني: تسليمتين قبلها والسنة ركعتان بعدها، سنة المغرب ركعتان بعدها، سنة العشاء ركعتان بعدها، سنة الفجر ركعتان قبلها، يستحب قبل العصر أربع ركعات، لقوله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر) يعني: من تسليمتين، ويستحب أن يصلي أمام كل صلاة ركعتين، قبل المغرب.. قبل العشاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء) وهكذا عيادة المريض، تشميت العاطس إذا حمد الله، البداءة بالسلام وإفشاء السلام، نصيحة المسلمين، اتباع الجنائز، الصلاة على الجنائز، كل هذه سنن عظيمة ينبغي للمؤمن العناية بها.

    وهكذا صدقة التطوع ولو بشق تمرة، والدعوة إلى الخير والتشجيع عليه، حفظ اللسان عن فضول الكلام التي لا فائدة فيها، إلى غير هذا مما ينبغي للمؤمن أن يعتني به.

    المقدم: جزاكم الله خيراً. يذكر -سماحة الشيخ- أن بعض الناس يستعمل السواك بعد أن يكبر الإمام للبداية في الصلاة، وأثناء الخطبة؟

    الشيخ: تقدم التنبيه على هذا، السنة أن يستاك قبل أن يكبر الإمام، حتى إذا كبر الإمام بادر بالتكبير، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كبر فكبروا) فيستحب للمؤمن أن يستاك قبل تكبير الإمام، إذا قام للصلاة يستاك، وإذا كبر إمامه كبر، وهكذا يوم الجمعة لا يستاك وقت الخطبة بل ينصت ويقبل على الخطبة ولا يستاك ولا يعبث، حتى السواك، ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس والإمام يخطب بل يقبل على الخطبة ويستمع لها وينصت لها، ويحفظ السواك حتى تأتي الحاجة إليه عند إقامة الصلاة، عندما ينتهي من الخطبة، وهكذا لا يعبث بثيابه أو بلحيته، أو بغير ذلك، بل يقبل على خطبة الإمام ويستمع لها وينصت ويكون قلبه حاضراً حتى يستفيد.

    1.   

    درجة حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً ... )

    السؤال: من جمهورية اليمن الديمقراطية محافظة حضرموت، هذه رسالة بعث بها المستمع عبود أحمد بو عسكر ، الأخ عبود ضمن رسالته جمعاً من الأسئلة من بينها سؤال يقول فيه: هل هذا الحديث صحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من حفظها دخل الجنة

    الجواب: نعم الحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) وفي لفظ: (من حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) قال العلماء: معنى أحصاها ومعنى حفظها يعني: أتقنها وتدبر معانيها وعمل بمقتضاها، فلو أحصاها ولكن لا يعمل بمقتضاها لا يحصل له هذا الفضل، لكن إذا أحصاها وتدبرها وحفظها وتعقلها وعمل بمقتضاها، من تعظيم الله، وتقديسه والقيام بأوامره وترك نواهيه، دخل الجنة لكونه أدى الواجبات وترك المحارم، وصار حفظ هذه الأسماء وإحصاؤها من وسائل نشاطه في الحق، وتعظيمه للرب، واتباع الشريعة، والحذر مما نهى الله عنه ورسوله.

    1.   

    أول جمعة في الإسلام ومن كان خطيبها

    السؤال: يسأل سؤال آخر فيقول فيه: أين أقيمت أول جمعة في الإسلام؟ ومن الذي خطب الخطبة فيها وصلى بالناس؟

    الجواب: أول جمعة في المدينة، صلى بالناس أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وكان ذلك قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، كان جمع الناس وصلى بهم في الخضبات -موضع معروف في المدينة- وأول جمعة في غير المدينة في جواثى قرية في مجمع البحرين، وهذا هو المعروف في السير وكتب الحديث، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصار يقيمها في مسجده عليه الصلاة السلام.

    1.   

    حكم أكل لحم الثعلب

    السؤال: يسأل أيضاً ويقول: هل لحم الثعلب حرام أم حلال؟

    الجواب: الثعلب فيه خلاف بين أهل العلم والصواب أنه حرام؛ لأنه سبع، والنبي عليه السلام قال: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) ونهى عن كل ذي ناب، وهو من السباع التي تفترس الطيور والدجاج ونحوها من الحيوانات الصغيرة يفترسها الثعلب، وهكذا القط -السنور- حرام لأنه يفترس أيضاً، والقاعدة مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) وهكذا كل ذي مخلب من الطير يصيد، كالعقاب، والباشق والصقر والباز ونحو ذلك، هذه الطيور التي لها مخالب تصيد بها حرام أكلها، كالسباع التي تفترس، كالذئب والأسد والنمر والفهد والكلب ونحو ذلك.

    1.   

    تحريم اللعن في المسجد وخارجه

    السؤال: ما هي نصيحتكم لمن يلعن في المسجد؟

    الجواب: اللعن محرم في المسجد وغير المسجد، اللعن من كبائر الذنوب، في المساجد وفي البيوت وفي الطرقات وفي السيارات وفي القطارات وفي الطائرات وفي كل مكان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن المؤمن كقتله) شبهه بالقتل لعظم الجريمة، ولأنه من أعظم الأسباب في الشحناء والعداوات والفتن، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة حفظ اللسان، وصيانتها مما لا ينبغي، ومن أقبح الكلام اللعن والشتم، أن يلعن أخاه أو صاحبه ولو مازحاً، ولو لاعباً ما يجوز، فالمؤمن من شأنه حفظ لسانه وصيانته حتى لا يتكلم إلا بالخير، وهكذا المؤمنة عليها حفظ لسانها وصيانته وألا تقول إلا خيراً، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وهذا حديث عظيم والله سبحانه يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، ويقول أيضاً عليه الصلاة والسلام: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتثبت فيها) يعني: ما يتبين فيها (يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) ويقول أيضاً عليه الصلاة والسلام: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) فالأمر عظيم وخطير ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب حفظ اللسان وصيانته عن جميع الكلام الذي يضر العبد، كاللعن والشتم والغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والدعاوى الباطلة، وغير هذا مما حرم الله.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ...)

    السؤال: يقول: أرجو أن تتكرموا بتفسير قول الحق تبارك وتعالى في سورة مريم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:60] رجل كان في شبابه يعمل كثيراً من الكبائر ويترك الصلاة، ثم تاب واهتدى وأقبل على الصلاة ويستشهد كثيراً بهذه الآية، ما هو قولكم شيخ عبد العزيز جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذه الآية تدل على عظم جريمة من أضاع الصلاة، يقول سبحانه: (فخلف من بعدهم خلف) وخلف بالتسكين هو خلف السوء، يعني: الذي يأتي بعد الصالح وهو على غير هدى، يقال له: خلف، (فخلف من بعدهم خلف) يعني: قوم جاءوا بعدهم ليسوا على استقامة، بل على إضاعة للصلوات، وركوب للمحارم، ولهذا قال: (واتبعوا الشهوات) يعني: المحرمة كالزنا، وشرب المسكرات، واللواط، وأكل الربا، وغير ذلك مما حرم الله، (فسوف يلقون غياً) يعني خساراً ودماراً وعاقبة سيئة، وقال بعض المفسرين: غياً: وادٍ في جهنم خبيث طعمه، بعيد قعره نسأل الله العافية، وبكل حال فالذي يضيع الصلوات ويتركها قد أتى منكراً عظيماً، وهو كافر عند جمع من أهل العلم وإن لم يجحد الوجوب، أما إذا جحد الوجوب بأن قال: إنها لا تجب، صار كافراً عند الجميع نسأل الله العافية، لكن لو تركها تهاوناً وهو يعلم أنها واجبة عليه لكن يتساهل فهذا هو محل الخلاف بين أهل العلم، والصواب أنه يكفر بذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ولم يقل: إذا جحد وجوبها، وقال عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) خرجه مسلم في صحيحه، في أدلة أخرى غير هذين الحديثين، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة العناية بالصلاة والمحافظة عليها طاعة لله وتعظيماً له، كما قال سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] وقال عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43].

    كذلك يحذر الشهوات التي حرم الله عليه من فعل المعاصي، يجب الحذر منها أينما كان.. في السفر والإقامة.. في الغيبة والشهادة، في جميع الأحوال، كالزنا والمآكل المحرمة والمشارب المحرمة كالخمر، وغير هذا مما حرم الله عز وجل، لكن متى تاب تاب الله عليه، فالكفر أعظم الذنوب إذا تاب صاحبه تاب الله عليه، ولهذا قال تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [مريم:60] فإذا ندم على ما مضى منه وأقلع وعزم ألا يعود واستقام على الصلاة وغيرها مما أوجب الله، وعلى ترك ما حرم الله، فله الجنة والكرامة، كما قال في آية الفرقان سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68] يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69] هذا وعيدهم إذا ماتوا على الشرك أو على قتل النفس بغير حق أو على الزنا، هذا وعيدهم نسأل الله العافية، ثم قال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70] فإذا تاب من الشرك والقتل والزنا أبدل الله السيئات حسنات، لو صحت التوبة، وأتبعها بالعمل الصالح، بدل الله سيئاته حسنات وغفر له سبحانه وتعالى.

    كما قال عز وجل في الآية الأخرى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، وقال سبحانه في آية الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]سبحانه وتعالى، والمعنى للتائبين، أجمع العلماء على أن المراد بذلك التائبون، من تاب تاب الله عليه، وغفر له جميع ذنوبه، فالواجب التوبة والبدار بها، ولا يقنط ولا ييأس، بل يحسن ظنه بربه ويبادر بالتوبة، ويتبعها بالعمل الصالح، بالصلوات التطوع.. الصدقات.. عيادة المريض.. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. الدعوة إلى الله.. إلى غير هذا من وجوه الخير التي تكون تارة واجبة كالأمر بالمعروف، وتكون تارة مستحبة، فالمقصود أن يتبع توبته بالأعمال الصالحات من واجب ومستحب، ويحافظ على الصلوات الخمس ويؤدي الزكاة ويصوم رمضان، ويحج البيت، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، ويتعاطى ما يسر الله له من النوافل وغيرها من الطاعات التي أوجبها على عباده سبحانه وتعالى، وذلك من الدلائل على صدق التوبة، كونه يتبعها بالعمل الصالح من الدلائل على صدق التوبة، واستقامة صاحبها عليها.

    1.   

    تحريم زيارة المرأة للمشاهد والقبور ودعائها الأولياء

    السؤال: السؤال الأخير الذي نعرضه لأخينا في هذه الحلقة يقول: تقوم بعض النساء عندنا بزيارة القبور والمساجد، ومن خلال الزيارة يقمن بجمع الأطفال داخل المسجد أو على القبور، ويفرقن عليهم خبزاً وبعض الأشياء، ويقلن: لوجه الله، ثم يقمن بدعاء الولي الذي تمت الزيارة لأجله، ويقلن: يا ولي عافني، واحفظ أولادي، وكثيراً من الدعاء، فما رأيكم -يا سماحة الشيخ- في هذا العمل؟

    الجواب: هذا عمل خطير، يجب الحذر منه، النساء ممنوعات من زيارة القبور، وإنما الإذن للرجال، يقول صلى الله عليه وسلم: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) ولعن زائرات القبور من النساء؛ لأنهن فتنة وصبرهن قليل، أما إذا كان مع ذلك دعوة الموتى والاستغاثة بالموتى صار شركاً أكبر، وهكذا الذبح لهم وطلبهم المدد، هذا شرك أكبر من الرجال والنساء جميعاً، فالذي يأتي القبور ليدعوها من دون الله ويطلبها النصر والمدد والعون، هذا أتى شركاً عظيماً، من الرجال والنساء جميعاً، وهذا شرك المشركين وشرك عباد القبور، كـأبي جهل وأصحابه من عباد القبور، وهكذا توزيع الصدقات إذا كان يقصد التقرب إلى الموتى بذلك، وينوي التقرب بالصدقة لهم ويعتقد أنهم ينفعونه، يتصدق عند قبورهم، وأنهم بهذه الصدقة التي يتقرب بها إليهم ينفعونه؛ مثل لو صلى لهم.

    وأما إن كان صدقة يطلب من الله ثوابها ولكن يظن ويعتقد أنها عند القبور أفضل فهذه بدعة، ما هي عند القبور أفضل، الصدقة يتصدق في بيته، في أي محل، وإذا كانت عن طريق السر كانت أفضل، إلا إذا دعت الحاجة إلى الجهر ولكن ليس محلها القبور؛ في الأسواق.. البيت.. في أي مكان، في المسجد لمن سأل لا بأس.

    والخلاصة أن زيارة النساء للقبور لا تجوز، وكونهن يذبحن للأموات أو يطلبن منهم المدد أو الغوث أو شفاء المرضى هذا شرك أكبر، سواء وقع من امرأة أو من الرجل حتى ولو فعله في بيته ما هو بعند القبور، يا سيدي فلان! يا عبد القادر ! يا حسين ! يا علي ! يا رسول الله! ولو في بيته ولو في أي مكان بعيد عن المدن والقبور فهو شرك أكبر، ولو أنه في الصحراء ما عنده أحد، إذا قال: يا رسول الله! انصرني، أو يا رسول الله! اشف مريضي، أو ما أشبه ذلك، فقد عبده من دون الله بهذا الدعاء، أو قال: يا سيدي الحسين ! أو يا سيدي الحسن ! أو يا سيدي علي ! أو يا سيدي عبد القادر ! أو أحمد البدوي أو ما أشبه ذلك، يطلبه المدد والعون والغوث، هذا من الشرك الأكبر، وهكذا إذا تقرب له بالذبائح، سواء عند قبره أو بعيداً عن قبره، يذبح من أجل التقرب إليه، يرى أنه إذا ذبح له يمده بأشياء أو يعطيه أشياء أو يحصل له أشياء، فالذبح لغير الله شرك أكبر، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي يعني: ذبحي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163] قال سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] فأمر بالصلاة والنحر لله عز وجل.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله من ذبح لغير الله) فالذبح عبادة عظيمة كالصلاة، فإذا ذبح لأصحاب القبور وتقرب إليهم بذلك يرجو شفاعتهم، ويرجو أنهم يقربونه من الله زلفى، أو تصدق يطلب الأجر منهم والثواب منهم، أو حج لقبورهم، أو ما أشبه ذلك من المقاصد التي يفعلها، يتقرب بها إلى أصحاب القبور، فهو يكون بهذا قد عبدهم، وجعلهم آلهة يعبدهم مع الله بصلاته لهم، أو دعائه لهم، أو ذبحه لهم، أو نذره لهم، أو غير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم الصدقة والصلاة عمن مات وهو لا يصلي والتصرف في مال القاصر من ورثته

    السؤال: ننتقل إلى رسالة وصلت إلى البرنامج من نينوى في العراق وباعثتها إحدى المستمعات، تقول المستمعة أم هديل من العراق: استشهد زوجها في الحرب في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك، وكان لا يصلي، ولكنه كان ينوي أن يصلي بعد انتهاء الحرب، ولكنه استشهد قبل أن يصلي، فهل يجوز أن أصلي بدلاً عنه، وإنني أنفق كثيراً بغية الثواب له، فهل تصله النفقات التي أنفقها من راتبي، وليس من راتب ابنتي الوحيدة التي عمرها سنتان، بعض الناس يقولون: لا يجوز أن تنفقي لأن في عصمتك قاصرة، علماً بأني غير محتاجة وجهوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الذي مات وهو لا يصلي لا يصلى له، والصلاة لا تفعل عن أحد، والذي مات وهو لا يصلي تقدم في الجواب السابق أنه كافر نسأل الله العافية، ترك الصلاة كفر أكبر على الصحيح، وإن لم يجحد الوجوب، كونه يعزم أن يصلي بالمستقبل هذا ما هو عذر له، الواجب البدار بالصلاة، فلا تتصدقي عنه ولا تصلين له، ولا تدعين له ما دام مات على ترك الصلاة، نعوذ بالله من ذلك، ولا تنفقي من مال اليتيمة لا في حقه، لا له ولا لغيره، مال اليتيمة احفظيه لها، وثمريه لها، أو أعطيه إنساناً من التجار الطيبين يثمره لها، تصدقي من مالك أنت.

    أما الزوج الذي توفي على هذه الحالة وهو يترك الصلاة فلا تتصدقي عنه بشيء، ولا تدعين له، ولا تستغفرين له؛ لأنه مات على الكفر نسأل الله العافية، أما الصدقة من مالك في وجوه البر للفقراء والمساكين ما هو عن زوجك بل لنفسك مصلحتك أنت تتصدقي على الفقراء والمساكين في عمارة مسجد، في جهاد في سبيل الله، كل هذا لك أجره، أما هو فلا، ما دام مات وهو لا يصلي فلا تتصدقي عنه.

    المقدم: سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.