إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (344)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم تقطيع ورق المصحف وإدخالها في جهاز العرض للتعليم

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم. نعم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الكويت، باعثها المستمع خالد صالح محمد المهيني مستشار، أخونا خالد يقول: عندما أقوم بتدريس مادة التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية، وخلال عملي أحتاج إلى وسائل تقنيات للشرح مثال جهاز العرض العلوي، وهذا الجهاز أعرض عليه الآيات القرآنية ليتم شرحها للطلبة، ولكن إعداد هذه الشرائح يتطلب مني قطع صفحات من المصحف لإدخالها في الجهاز، ولا يمكن الاستغناء عن تلك الطريقة؛ لأنها تسهل عملي، فهل هناك إثم في هذه الناحية؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

    فهذا الذي ذكره السائل فيه احتمال وليس بواضح، ونرى أن يرسل السائل رسالة موضحة لعمله أكثر من هذا، حتى ينظر في ذلك ويجاب على ضوء ذلك.

    المقدم: يقول: طلب مني العامل الذي يعمل في القسم أن أقدم له المصحف الذي تنقصه بعض الصفحات، فقدمته له، ولكن بعد ذلك أحسست أنني أخطأت بذلك؛ لأن المصحف تنقصه بعض الصفحات، فكيف أعمل؟ هل أستعيده منه مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يستعيد أعطيته، فقال عليه الصلاة والسلام: (العائد في أعطيته كالكلب يعود في قيئه)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فما الحل جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الواجب عليك أن تنبهه على الأخطاء حتى يسدد النقص، عليك أن تنبه الشخص العامل على مواضع الخطأ حتى يكتب ما سقط من المصحف، ويلحق في محله، وبذلك تبرأ الذمة إن شاء الله.

    1.   

    التحذير من رد الأحاديث الصحيحة

    السؤال: الزميل محمد سعيد الصفار من الرياض بعث برسالة قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، سؤال إلى سماحتكم في هذا البرنامج نور على الدرب، وهو كما يلي: نسمع ونقرأ بين الحين والآخر لبعض المشايخ المعروفين إنكاراً لصحة بعض الأحاديث الواردة في صحيحي البخاري ومسلم ، وبعض كتب الصحاح الأخرى، ويكون إنكارهم لصحتها بعد تمحيصها بعقولهم كما يقولون، أي: أن المعول عليه عندهم في صحة الأحاديث هي عقولهم فقط، ومن ذلك ما قرأناه إنكاراً لأحاديث المهدي والدجال ونزول عيسى ابن مريم، والسؤال يا سماحة الشيخ! هل يجوز لأحد من علماء المسلمين مهما كان قدره أن ينكر صحة بعض الأحاديث الواردة في الصحاح التي أجمع علماء الأمة على صحتها وتقديم أصحابها، خصوصاً صحيحي البخاري ومسلم بعقله فقط؟ وهل يمكن يا سماحة الشيخ أن تبحثوا هذا الموضوع في المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي لأهميته، حيث أنه مع كثرة العلماء وإنكار كل منهم ما لا يروق له من الأحاديث، قد يتسرب الشك في نفوس عوام المسلمين في صحة أغلب أحاديث السنة المطهرة، ثم إذا رد أحد أصحاب الفضيلة حديثاً في البخاري ومسلم ، فما الذي يجعلنا نصدق بقية الأحاديث، خاصة التي جاءت بسند هذا الحديث المردود، أرجو التفصيل يا سماحة الشيخ! جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الأحاديث التي جاءت في الصحيحين بأسانيدهما المعروفة، كلها عند أهل العلم متلقاة بالقبول، ومحكوم بصحتها ولا يجوز لأحد أن يردها، بل يجب قبولها كما قبلها العلماء قبلنا، والذين ردوا أحاديث الدجال أو أحاديث المسيح ابن مريم، أو أحاديث يأجوج ومأجوج، قد غلطوا في هذا غلطاً عظيماً وقالوا قولاً باطلاً، لا يجوز اتباعهم عليه ولا تقليدهم فيه، بل يجب عليهم التوبة من ذلك والرجوع إلى ما قاله أهل العلم في إثباتها وصحتها، وهكذا من رد غيرها من الأحاديث الثابتة في الصحيحين لا يلتفت إلى قوله، وليست العقول محكمة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل الأحاديث تتلقى عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة التي بينها أهل العلم، إذا جاء الحديث من طريق الثقات في الصحيحين أو غيرهما سليماً من العلل وجب أن يقبل، ولا يجوز أن يحكم الرأي في رده من دون حجة شرعية، بل يجب على أهل العلم والإيمان قبول الأحاديث الصحيحة، والاحتجاج بها، والاعتماد عليها، سواء كانت متواترة أو كانت من طريق الآحاد، ولا يجوز أبداً أن يقال: هذا من طريق الآحاد، فلا يقبل، كل هذا باطل وخلاف ما أجمع عليه أهل العلم، بل ما صحت به الأخبار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يجب قبوله والأخذ به، حسب ما بينه أهل العلم، ولا يجوز الاعتراض على ذلك بما رآه المتكلمون من تحكيم العقول، وما سلكه بعض المتأخرين في هذا الباب تقليداً لأهل الكلام، وسيراً على منهاجهم في تحكيم عقولهم الكاسدة في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وسوف يكتب في ذلك ما يلزم إن شاء الله، وربما يتيسر أيضاً بحث ذلك في المجمع الفقهي، لمزيد الفائدة ومزيد البيان للناس حتى لا يخدع أحد بهؤلاء الهاذين يخوضون في الأحاديث بآرائهم، والله المستعان.

    المقدم: هذا من حيث الرد سماحة الشيخ، لكن ماذا من حيث القبول، هناك أحاديث عرف عند السلف بأنها ضعيفة، لكن وجد في وقتنا الحاضر من يقول: إن تلك الأحاديث صحيحة؟

    الشيخ: هذا بحث آخر في غير الصحيحين، الأحاديث لها ميزان ذكره أهل العلم، وبينوا أسباب الصحة وأسباب التضعيف، فلا يجوز لأحد أن يتعرض للتصحيح والتضعيف إلا عن علم، ولا يدخل في ذلك من ليس عنده علم، بل إنما يتكلم في هذا أهل العلم الذين عرفوا مصطلح الحديث، وعرفوا طريق الأئمة في التصحيح والتضعيف، وصاروا على بينة في ذلك، فهذا إذا تكلم عن علم وبصيرة فلا بأس، في الأحاديث التي فيها كلام، سواء كانت في أبي داود أو الترمذي أو النسائي أو ابن ماجه ، أو مسند أحمد أو غيرها، أما ما رواه الشيخان وتلقته الأمة بالقبول، فليس لأحد أن يعترض عليه من الناس، بل يجب أن يبين ما قاله أهل العلم، ويوضح ما قاله أهل العلم في ذلك، ويستقيم على ما استقام عليه سلف الأمة في قبول الأحاديث الصحيحة، والاحتجاج بها والرد بها على من خالف السنة.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! إذا عرف عن أحد السلف بأن هذا الحديث ضعيف، ثم جاء أحد المتأخرين وقال: بل إن هذا الحديث صحيح، فكيف يكون التصرف حينئذٍ؟

    الشيخ: في الغالب أن هذا يعرف بالأدلة، قد يضعف بعض الأئمة المتقدمين بعض الأحاديث؛ لأن ما بلغه عنها الطرق الأخرى، ويأتي غيره بعده بسنوات أو بقرون فيجد الحديث له طرق أخرى جيدة، فيصححه من أجل الطرق الأخرى التي لم تبلغ ذلك العالم الذي ضعفه، وقد يكون العالم ضعفه بعلة فزالت العلة، قد يكون العالم ضعفه لأن فيه مدلساً، فاتضح من طريق آخر أن المدلس صرح بالسماع، وقد يضعفه من طريق آخر روى أنه منقطع، فيأتي من طريق آخر ليس فيه انقطاع فيصححه عالم آخر؛ لزوال العلة التي أعل بها ذاك العالم، وهكذا ما أشبه ذلك.

    المقدم: إذاً القول الصحيح الذي تميلون إليه فيما يبدو سماحة الشيخ: أنه يجوز تصحيح الأحاديث الضعيفة إذا ثبت أنها صحيحة حسب الموازين العلمية؟

    الشيخ: هذا هو الواقع بين أهل العلم، قد يضعف بعض العلماء في القرن الثاني أو الثالث بعض الأحاديث، ثم توجد صحيحة بأسانيد أخرى عرفها أهل العلم بعده.

    1.   

    الرد على من قال بعدم قراءة القرآن لغير المتفقه في الدين

    السؤال: ننتقل إلى رسالة أخرى من السودان وبعث بها المستمع بهاء الدين ، بهاء الدين عرضنا سؤالاً له في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة يسأل ويقول: البعض عندنا يقول: إنه لا تجوز قراءة القرآن الكريم لغير المتفقه في الدين، أي: الملم بفقه السنة، فهل هذا القول صحيح أم لا، نرجو الإفادة جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا القول ليس بصحيح، بل يشرع للمؤمن أن يقرأ القرآن وإن كان ليس بفقيه، وإن كان عامياً، يقرأ القرآن على ما في المصحف، ويتدبر ويتعقل كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، وقال جل وعلا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، وقال سبحانه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]، وقراءته وتدبر معانيه من أسباب اتباعه، ومن وسائل اتباعه، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، فلم يقل: يقرؤه منكم العالم، بل للجميع، المسلمون كلهم يقرءونه، ويقول عليه الصلاة والسلام: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق ويتتعتع فيه له أجران) رواه مسلم في الصحيح، فدل على أن الإنسان قد يقرؤه وليس بعالم، يكون عنده تتعتع وعدم قدرة على القراءة المتواصلة الواضحة؛ بسبب جهله باللغة العربية، أو جهله بالكتابة بعض الشيء، فالحاصل أنه يقرأ ويتعلم ويستفيد من أهل العلم، ويقرأ على من هو أعلم منه، حتى يستفيد وحتى يصحح أخطاءه في ألفاظه بكتاب الله عز وجل، ولا يشترط أن يكون عالماً ولا فقيهاً، ولكن يجتهد ويقرأ ويتعلم؛ حتى يقيم قراءة القرآن وإن كان ليس بعالم ولا فقيه، وهذا القول الذي قاله هؤلاء خطأ وباطل، لا يشترط في القراءة أن يكون القارئ فقيهاً ولا عالماً، هذا ما يقوله أحد من أهل العلم، بل هو باطل.

    1.   

    التنبيه على بعض الأخطاء عند زيارة القبور

    السؤال: المستمع إبراهيم عبده أحمد عياش من الجمهورية العربية اليمنية من لواء الحديدة؛ بعث برسالة ضمنها بعض الأسئلة، يقول في أحدها: أسألكم عن أناس إذا أرادوا زيارة المقابر يصلون إلى القبور ويودعون الميت، ويدعون له، ويختمون الدعاء بقولهم: الفاتحة إلى أرواح أمواتنا وأموات المسلمين، وإلى روح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهل هذا مشروع أم لا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا ليس مشروعاً، السنة للمؤمن إذا زار القبور أن يسلم عليهم، فيقول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)، وفي الحديث الآخر: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)، وفي الحديث الآخر: (يغفر الله لنا ولكم)، فيدعو لهم كما بينه النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن يقول بعد ذلك: الفاتحة لفلان أو للنبي أو للموتى، فهذا لا دليل عليه، هذا بدعة، إنما المشروع أن يسلم عليهم وأن يدعو لهم بالمغفرة والرحمة، ويكفي هذا؛ لأن الزيارة مقصودها الذكرى والاعتبار والدعاء لموتى المسلمين بالرحمة والمغفرة، أما قراءة القرآن على القبور أو تثويب القراءة لفلان أو فلان فهذا ليس بمشروع، ولاسيما قولهم: الفاتحة لفلان، أو فلان، أو فلان، هذا لا أصل له، بل هو مما أحدثه الناس وابتدعه الناس.

    1.   

    حكم الذكر الجماعي أدبار الصلوات وإهداء الفاتحة إلى روح النبي

    السؤال: أيضاً ما يفعله بعض الناس يقول: إذا سلم الإمام من الصلاة أتى بذكر جماعي هو والمأمومون، ويختم الذكر بالفاتحة إلى روح النبي صلى الله عليه وسلم، ما رأي سماحتكم في هذا؟

    الجواب: وهكذا مثل هذا بدعة، كونه يأتي بالذكر جماعياً متعمداً بألفاظ ينطقون بها جميعاً وينتهون منها جميعاً، هذا بدعة، لكن كل واحد يذكر الله، ولو تلاقت الأصوات في المسجد لا يضر ذلك، كل واحد يذكر الله، هذا يبتدي وهذا ينتهي، لا يتقصدون أن تكون ألفاظهم متزنة متوافقة من أولها إلى آخرها جماعياً، هذا لا أصل له بدعة، ولكن كل واحد يذكر الله، هذا يقول: (أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، وهذا ينتهي منها ويقول: لا إله إلا الله، والآخر يقول: (لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه)، كل منهم على حسبه، يتكلم بما يسر الله له من الذكر، من غير أن يراعي اتفاقه مع كلام أخيه حرفياً، بل هذا يذكر الله، وهذا يذكر الله، وكل منهما يبتدي حيث شاء، وينتهي حيث شاء، أما أن يقصد كل واحد أن يكون جماعياً مع أخيه في ألفاظه ابتداءً وانتهاءً هذا لا أصل له.

    1.   

    حكم السجود للسهو عند نسيان القنوت في الفجر

    السؤال: من جمهورية مصر العربية المستمع حسن عاشور بعث برسالة ضمنها بعض الأسئلة، يقول في أحدها: ما رأي الدين في سجدة السهو عند نسيان القنوت في صلاة الفجر، وهل القنوت مشروع أو لا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الصواب أن القنوت ليس مشروعاً في صلاة الفجر كل يوم، ولكن يشرع عند وجود النوازل، كأن ينزل بهم النازلة من حرب، فيقنت المسلمون في الفجر أو في غيرها يدعون الله كشفها والنصر على الأعداء، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، ويدعو للمجاهدين بالنصر، ويدعو على الكفار بالهزيمة، أما القنوت بصفة دائمة في الفجر أو في غيرها فهذا لا أصل له، وإن ذهب إليه بعض أهل العلم، إلى ذلك وقال: يستحب في الفجر خاصة؛ لأحاديث ضعيفة في ذلك، والصواب أنه لا يستحب في الفجر بصفة دائمة، وإنما يستحب للنوازل؛ لما ثبت في السنن بإسناد جيد، عن سعد بن طارق الأشجعي أنه قال لأبيه: (يا أبتاه! إنك أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعليـاً أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال طارق رحمه الله ورضي عنه: أي بني محدث)، يعني: لم يكن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون، فدل ذلك على أنه غير مشروع، يعني: بصفة دائمة.

    وإذا صليت مع قوم يقرءون القنوت فلا بأس، صل معهم واقنت معهم؛ لأن لهم شبهة، ولأنهم قالوا ذلك بسبب ما ورد في بعض الأحاديث التي ظنوها صحيحة، أو ظنوها دالة على ما ذهبوا إليه، فأنت معذور إذا صليت معهم، وهم معذورون إذا تلقوا ذلك عن غيرهم، معتقدين أنه مشروع، لكن من عرف العلم وعرف الحق يبينه للناس، ويوضحه للناس، وأن هذا غير مشروع، وأن الصواب تركه إلا من علة، وهي وجود نازلة بالمسلمين، وعدو نزل بهم، فإذا قنتوا من أجل الدعاء للمسلمين، بالنصر على الأعداء، والدعاء على الأعداء بالهزيمة والخذلان هذا فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وفعله أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، أما لو تركه الإنسان ناسياً فلا يشرع له السجود، لأنه مستحب وليس بلازم عند من قاله، فلا يشرع له سجود السهو لو ترك القنوت ناسياً، فإن سجدوا للسهو فلا حرج في ذلك ولا بأس، ولا يضر الصلاة، لكن عدم السجود أولى؛ لأنه ليس بمشروع، وعلى القول بشرعيته فهو مستحب فقط لا يجب بتركه سجود السهو، عند من قال بشرعيته.

    1.   

    حكم من لم يستطع المبيت بمنى يوم الثامن وفي مزدلفة

    السؤال: ذهبت لأداء فريضة الحج، وذهبنا يوم تسعة ذي الحجة إلى جبل عرفات، ولم نتمكن من المبيت في منى، وعدنا من الجبل بعد المغرب إلى المزدلفة وصلنا في منتصف الليل، وصلينا المغرب والعشاء، وذهبنا إلى منى ووصلنا قبل الفجر، ولم نتمكن من المبيت في مزدلفة، فما رأيكم في عدم المبيت في منى يوم الثامن؟ وما رأيكم في عدم المبيت في المزدلفة بعد النزول من عرفة، جزاكم الله خيراً؛ وهذا المبيت كان عدم تمكننا منه بسبب المسئولين عن الحملة جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ما دام الواقع كما ذكره السائل فلا شيء عليه؛ لأن مروره بمزدلفة بعد نصف الليل وجمعه الصلاة فيها، كل ذلك يحصل به الإجزاء والحمد لله؛ ولأنه معذور بسبب الحملات وعدم تمكنه من البقاء فلا حرج في ذلك، والمبيت في مزدلفة واجب على الصحيح، وقال بعض أهل العلم: إنه ركن، والصواب أنه واجب، وقال آخرون من أهل العلم: إنه سنة والصواب الوسط ليس بركن ولكنه فوق السنة واجب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بات في ذلك وقال: (خذوا عني مناسككم).

    فالواجب على الحجاج أن يبيتوا في مزدلفة إلى بعد نصف الليل، ومن جاءها بعد نصف الليل أجزأه ذلك، إذا خرج منها آخر الليل، ويجوز للضعفة من النساء وأتباعهم الخروج بعد نصف الليل إلى منى قبل حطمة الناس؛ لأن الرسول عليه السلام رخص لهم في ذلك، والخلاصة أن من بات بها فقد أدى الواجب، ومن خرج منها بعد نصف الليل فلا حرج عليه، ولا حرج على الضعفة أن يخرجوا في نصف الليل الأخير قبل حطمة الناس، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام رخص لهم، ومن حيل بينه وبين ذلك لعذر شرعي كأن تعطلت سيارته ولم يصل إلى مزدلفة فلا حرج عليه إن شاء الله؛ لأنه معذور عذراً شرعياً، وهكذا من منع من البقاء بها بسبب القائمين على حملته منعوه من البقاء في مزدلفة، وحالوا بينه وبين ذلك، فنرجو أن لا حرج عليه إن شاء الله، وإن فدى احتياطاً بذبيحة تذبح بمكة للفقراء من باب الاحتياط، فهذا حسن إن شاء الله.

    وأما المبيت في منى ليلة التاسعة وليست واجبة، ولكن مستحب، الرسول صلى الله عليه وسلم بات بها ليلة التاسعة، فإذا بات في منى ليلة التاسعة فهو أفضل، وإلا فليس بواجب، لو لم يأتِ منى إلا يوم التاسع وسار منها إلى عرفات فلا حرج في ذلك.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)

    السؤال: من تبوك إحدى الأخوات المستمعات تقول: أختكم في الله (مريم . م. ز. ج) بعثت بجمع من الأسئلة في أحدها تسأل عن تفسير قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]؟

    الجواب: الصواب في ذلك أن معناه: الجماع، (لامستم): جامعتم، وأما اللمس الذي ليس فيه جماع، يقبلها أو يلمسها بيده، فالصواب أنه لا ينقض الوضوء، هذا هو المعتمد، وللعلماء في هذا أقوال ثلاثة:

    أحدها: أن المس ينقض الوضوء مطلقاً.

    والثاني: أنه ينقض إذا كان بشهوة، كأن يقبلها أو يلمسها بشهوة.

    والقول الثالث: أن المسيس لا ينقض مطلقاً، سواء قبل أو لمس يداً أو غير اليد من بدنها، الصواب أنه لا ينقض الوضوء إذا لم يخرج منه شيء، إذا لم ينزل مذياً ولا منياً، فإن مجرد المس لا ينقض الوضوء، إن لم يكن معه خروج شيء، لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ.

    ولأن ابن عباس وجماعة فسروا الملامسة بالجماع، فالصواب أن الملامسة المراد بها: الجماع؛ لأن الله جل وعلا نبه على الحدث الأصغر بقوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، هذا الحدث الأصغر، ثم أشار إلى الحدث الأكبر بقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] هذا فيه إشارة إلى الحدث الأكبر، وليس المراد المسيس باليد الذي ذكره بعض أهل العلم وأنه ينقض الوضوء، وبهذا يعلم أن الملامسة في الآية المراد بها على الصحيح: الجماع، وليس المراد مس اليد، فمس اليد لا ينقض الوضوء، وهكذا مس غير اليد كالرجل، والفم بالتقبيل، لا ينقض الوضوء على الصحيح.

    1.   

    حكم سجود التلاوة للمرأة الحائض

    السؤال: هل تسجد المرأة الحائض سجود التلاوة؟

    الجواب: الصواب أنه لا حرج في ذلك، لا بأس أن تقرأ عن ظهر قلب، ولا بأس أن تسجد، كما تذكر الله جل وعلا، فالسجود من جنس القراءة، ومن جنس الذكر وليس صلاة على الصحيح، ولهذا يجوز للقارئ أن يسجد وإن كان على غير وضوء في أصح قولي العلماء، فهكذا الحائض والنفساء لهما أن تقرأا عن ظهر قلب، ولهما أن تسجدا إذا مرتا بالسجدة على الصحيح؛ لأن حدثهما يطول، وليستا مثل الجنب، الجنب في إمكانه الاغتسال بسرعة، فليس له أن يقرأ، أما الحائض والنفساء فمدتهما تطول ولا يجوز قياسهما على الجنب، فلهما أن تقرأا ولهما أن تسجدا إذا مرتا بسجدة في أصح قولي العلماء، كما أن لهما أن يسبحا ويهللا ونحو ذلك.

    1.   

    الأفضلية بين العشر الأواخر من رمضان وعشر ذي الحجة

    السؤال: أيهما أفضل: العشر الأواخر من رمضان أم عشر ذي الحجة؟

    الجواب: العشر الأواخر من رمضان أفضل من جهة الليل؛ لأن فيها ليلة القدر، والعشر الأول من ذي الحجة أفضل من جهة النهار؛ لأن فيها يوم عرفة، وفيها يوم النحر وهما أفضل أيام الدنيا، هذا هو المعتمد عند المحققين من أهل العلم، فعشر ذي الحجة أفضل من جهة النهار، وعشر رمضان أفضل من جهة الليل؛ لأن فيها ليلة القدر وهي أفضل الليالي، والله المستعان.

    1.   

    أحكام دفن النصرانية الحامل من زوج مسلم

    السؤال: امرأة نصرانية بعلها مسلم توفيت وفي بطنها جنين له سبعة أشهر، هل تدفن مع المسلمين أو مع النصارى؟

    الجواب: المعروف عند أهل العلم أنها تدفن في محل لا مع الكفار ولا مع المسلمين، تكون في محل خاص؛ لأن بها مسلماً محترماً، فلا يكون مع الكفار، ولأنها كافرة فلا تكون مع المسلمين، ولكن تدفن في محل خاص لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ويسوى القبر حتى لا يمتهن في أرض ميتة، ليس فيها قبور للكفار ولا قبور للمسلمين، وتجعل على يسارها حتى يكون وجه الولد إلى القبلة، لأن وجه الولد إلى ظهرها، فيكون وجهه إلى القبلة، حتى لا تكون على جنبها الأيمن؛ لأنه إذا كان على جنبها الأيمن صار وجهه إلى غير القبلة، فيراعى الولد حتى يكون وجهه إلى القبلة في محل وضعها في قبرها.

    المقدم: جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم، سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.