إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (324)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم من تزوج بامرأة تصلي وهو لا يصلي ثم تاب بعد ذلك

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين رمز إلى اسمه بالحروف (ل. و. ك) يقول: أنا شاب تزوجت وكان عمري فوق السادسة عشرة، وكنت في ذلك الوقت لا أصلي، وكانت زوجتي تصلي وأنا لا أصلي، وقد جلست مع زوجتي مدة طويلة حوالي سنة أو أكثر، وبعد ذلك لجأت إلى الله وتبت واستغفرت وندمت على هذا المنكر، وبعد فترة من التوبة حملت زوجتي وأنجبت لي ولداً، وتم بيننا التوفيق بعد ذلك، سؤالي يقول:

    ما حكم عقد النكاح؟ وهل هو باطل أم هو صحيح؟ وما حكم الوقت الذي قضيته مع زوجتي قبل التوبة وبعد التوبة؟ وما حكم العقد بعد التوبة هل يكفي أم لا يجوز إلا بتجديد العقد؟ وما حكم الولد بعد التوبة؛ لأنه جاء بعدها؟ وهل توبتي تكفي أم علي شروط يجب علي أن أعملها مثل الكفارة أو الصيام أو غير ذلك جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا شك أن ترك الصلاة من أعظم الجرائم، ومن أكبر المنكرات؛ لأنها عمود الإسلام، من حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد دل الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن تركها كفر، فقال عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) رواه الإمام مسلم في صحيحه، وقال عليه الصلاة والسلام: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، لكن ينظر في تارك الصلاة، فإن كان قد جحد وجوبها ولم يقر بوجوبها فهذا كافر عند جميع العلماء، إذا تزوج امرأة تصلي وهو لا يصلي فعقده باطل؛ لأن الله جل وعلا قال في حق الكفرة مع المسلمين: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10] فلا يحل للكافر نكاح المسلمة، ولا للمسلمة نكاح الكافر، ويقول جل وعلا: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221]، يعني: لا تزوجوا المشركين حتى يؤمنوا.

    أما إن كان السائل يؤمن بوجوبها ويعلم أنها فريضة ولكن يتهاون، فتركها تهاوناً فهذا النكاح فاسد على الصحيح، ولكن ولدك هذا تابع لك، لأجل الشبهة؛ لأن بعض أهل العلم يرى أنه ليس بكافر، إذا كان يعتقد وجوبها ولكنه تكاسل، فيرى أنه ليس بكافر كفراً أكبر، ولكنه كفر أصغر، ويرى أن النكاح صحيح، وأن ولده لاحق به، فأنت بهذه الحال إذا كنت لا تجحد وجوبها فالولد لاحق بك؛ لأجل الشبهة.

    والصحيح أن تركها كفر أكبر، لكن من أجل الشبهة الولد لاحق بك، وعليك أن تجدد النكاح، وأن تتوب إلى الله مما سلف توبة صادقة، وعليك أن تجدد النكاح بعقد شرعي ومهر وشاهدين، إذا كانت تريدك وأنت تريدها، فإنك تجدد النكاح هذا هو الصواب.

    وأولادك الذين ولدوا قبل التجديد لاحقون بك، وعليك التوبة إلى الله والندم والإقلاع من هذا العمل السيئ، والعزم الصادق أن لا تعود فيه، ومن تاب تاب الله عليه، كما قال الله سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، فالحمد لله.

    1.   

    حكم رد السلام أثناء خطبة الجمعة

    السؤال: المستمع حامد شاكر من حريملا، بعث برسالة وضمنها خمسة أسئلة، في سؤاله الأول يقول: تعلمون وفقكم الله أن رد السلام واجب، وأن الإنصات بخطبة الجمعة واجب، فإذا سلم أحد الأشخاص والخطيب يخطب فهل أرد عليه، خاصةً إذا ألح علي واضطرني إلى الرد أفتونا مأجورين جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: السلام وهو في وقت الخطبة غير مشروع، بل يصلي التحية ويجلس ولا يسلم على أحد، حتى ينتهي الخطيب، وإذا سلم عليك لا ترد إلا بالإشارة كما لو سلم عليك في الصلاة ترد بالإشارة ويكفي، وليس له أن يلح في طلب السلام، وإذا مد يده تمد يدك ولا تتكلم بشيء حتى ينتهي الخطيب، فإذا سكت الخطيب ترد عليه والحمد لله.

    والمؤمن يتأدب بالآداب الإسلامية ويتعلم، كما أنه في الصلاة يرد بالإشارة، فهكذا إذا سلم عليه أخوه والإمام يخطب يرد بالإشارة، الإشارة بيده أو برأسه، ويكفي والحمد لله.

    1.   

    حكم سجود المسبوق للسهو مع الإمام بعد السلام

    السؤال: إذا حصل من الإمام سهو، السجود له يحصل بعد السلام، فهل يسلم المأموم مع الإمام ثم إذا نهض من فاتته بعد الركعات من المأمومين، فهل يعود مرة أخرى مع الإمام؟

    الجواب: إن سجد الإمام والمسبوق لم ينهض سجد معه، أما إذا كان قبل السلام فيسجد معه على كل حال، وأما إذا كان بعد السلام فإن كان الإمام سجد حالاً قبل أن ينهض المأموم -المسبوق- فإنه يسجد معه، ثم بعدما يسلم الإمام يقوم المسبوق ويقضي ما عليه، أما إن كان المسبوق قد استتم قائماً، ثم سجد الإمام فليس عليه أن يعود، ولكن يكمل ما عليه ثم يسجد للسهو بعد قضائه ما عليه؛ لأنه معذور حين انفرد حين نوى الانفراد واستقل عن إمامه، ليقضي ما عليه، فيكون سجوده بعد نهاية ما عليه، أما لو أن الإمام بادر بالسجود من حين سلم قبل أن يقوم المأموم فإنه يسجد معه، والحمد لله ويكفيه ذلك.

    1.   

    حكم عملية التجميل

    السؤال: ما حكم عملية التجميل خاصةً إذا كان سبب العملية أمراً طارئاً وليس من أصل موجود؟

    الجواب: لا حرج في تعاطي أسباب التجميل من دواء، كأن يحدث له في أنفه مرض أو في شفته شرم، أو في ضرسه عيب فيصلحه، أو في عينه مرض، أو في جفنه أو في شيء شبه ذلك أو في أذنه لا بأس أن يعمل ما يزيل الأثر، أو سواد في وجهه فيعمل ما يزيله من دواء كل ذلك لا حرج فيه؛ للحديث: (عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله) فالمقصود أنه إذا تداوى عن الشين الذي حصل فيه، فلا حرج في ذلك، ليس من تغيير خلق الله، هذا من التداوي، فإذا وقع في يده أو رجله أو وجهه شيء يشينه، فإنه يتداوى في ذلك ولا حرج.

    1.   

    حكم الوضوء عند الغسل من الجنابة

    السؤال: هل يفتقر من اغتسل للوضوء إذا أراد الدخول في الصلاة، أم يكفي الاغتسال عن الوضوء؟

    الجواب: الوضوء مع الغسل أفضل، كونه يتوضأ إذا كان عليه غسل الجنابة، أو غسل الحيض على المرأة تتوضأ وضوء الصلاة، تستنجي ويستنجي الرجل ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يفرغ على رأسه ثلاث مرات ويخلل رأسه بأصابعه، ثم يفيض الماء على جسده على شقه الأيمن ثم الأيسر، هذه السنة في الجنابة وفي غسل الحيض وفي غسل الجمعة، يبدأ بالوضوء، يعني: بعدما يستنجي من بوله ونحوه، يتوضأ وضوء الصلاة ثم يكمل غسله بادئاً بالرأس يفرغ عليه ثلاث مرات، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يكمل، هذا هو المشروع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غسل الجنابة.

    لكن لو نوى الغسل والوضوء جميعاً، نوى الجنابة والحدث الأصغر جميعاً، وأفاض الماء على جسده مرة واحدة وعمم بالماء أجزأه ذلك، لكن كونه يفعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فيتوضأ ثم يغتسل يكون هذا هو الأكمل والأفضل. لابد من الاستنجاء إذا أراد أن يغتسل غسلاً واحداً للوضوء لابد يستنجي عما خرج من بول أو غائط أو مني ثم يفيض الماء على بدنه، ويعم بدنه بالماء ويكفيه بنية الجنابة والوضوء ينويهما جميعاً، أما إذا كان ما نوى إلا الجنابة فإنها ترتفع الجنابة، ويبقى عليه الوضوء يتوضأ عن الحدث الأصغر، والكمال أن يتوضأ أولاً بعد الاستنجاء ثم يغتسل، هذا هو الكمال.

    1.   

    حكم قبول خبر شخص في انحراف المسجد عن القبلة والاعتماد على البوصلة

    السؤال: المستمع محمد أحمد من مصر محافظة الشرقية، بعث برسالة وضمنها قضية يقول فيها: منذ شهر زار أحد الإخوة بلدتنا وعندما قام للصلاة قال: هذا المسجد ليس على القبلة، فذهل الناس، وعندما أحضر البوصلة وجدنا فعلاً أن القبلة التي عليها المسجد غير صحيحة، مع العلم بأن هذا المسجد قديم جداً، من حوالي أربعين سنة، يوجد أناس قالوا: إن هذا الرجل كذاب، مع العلم أنه أثبت لنا بالدليل، فقامت مجموعة من الناس في الصلاة على القبلة الجديدة كما يقول، ومجموعة أخرى من الجماعة صلوا على الوضع القديم، فبماذا تنصحون الناس جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ننصح الجميع بأن يرجعوا إلى أهل العلم في البلد من أنصار السنة، والعلماء المعروفين بالسنة والاستقامة والعلم والفضل حتى ينظروا في القبلة، مع من لديهم من الأوقاف المسئولين حتى يتعاونوا في ضبط القبلة، فإن كان الميل يسيراً يعفى عنه، أما إذا كان الميل كبيراً فإنه يعدل، ولا ينظر إلى من اعترض على المسجد بدون حجة، لكن يرجع إلى أهل العلم والمسئولين في الأوقاف، حتى إذا قرر أهل العلم الميل الكثير عدل المسجد، وإن كان الميل يسيراً يعفى عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) يعني: الجهة تكفي، ولو فيها ميل، وهكذا ما بين الجنوب والشمال قبلة بالنسبة إلى من كان في الشرق والغرب، ومن كان في الجنوب أو الشمال ما بين المشرق والمغرب قبلة كأهل المدينة، فالحاصل أن الجهة تكفي، فالذي في المغرب يكفي ما بين الجنوب والشمال، والذي في المشرق كذلك ما بين الجنوب والشمال، أما الذي في الجنوب أو الشمال فقبلته الجهة التي بين المشرق والمغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة .

    المقصود أن الجهة تكفي والميل اليسير يغتفر، وإذا جاء من يعترض يرجع إلى أهل العلم المعروفين بالاستقامة مع المسئولين في الأوقاف حتى ينظروا في الأمر ويجتهدوا في تعديل القبلة إذا كان هناك ميل كبير.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، إذا اتضح أن المسجد فعلاً لم يكن على القبلة يسألون عن حكم الصلوات السابقة في ذلك المسجد؟

    الشيخ: هم مجتهدون ولا يضرهم، السابقة ما تضر صحيحة وما فيها شيء؛ لأنهم صلوا مجتهدين على رسم القبلة التي رسمت لهم، إنما الكلام في المستقبل ينظرون يصلون على حالهم حتى يحقق لهم أهل العلم المعروفين في البلد مع المسئولين في الأوقاف حتى يتيسر الشيء الذي يطمأن إليه من جهة أهل العلم؛ لأنهم هم المسئولون في هذه المسائل، أهل العلم هم المسئولون. نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، ما حكم الاعتماد على البوصلة سماحة الشيخ؟

    الشيخ: البوصلة آلة جيدة ومفيدة، لكن لا بد يتولاها أهل العلم وأهل البصيرة.

    1.   

    حكم سكن المرأة مع إخوان زوجها

    السؤال: المستمع: (ح. م. ع) بعث برسالة وضمنها قضية يقول فيها: أنا شاب متزوج، ولي من الأولاد طفلان: هاجر وعبد الله ، وأعيش مع أهلي في الدار، وبين إخوتي وأولاد عمي، زوجتي تحس بالضيق نظراً للاختلاط الذي يحصل بينها وبين إخوتي وأولاد عمي، بم تنصحونني؟ هل تنصحونني باختيار دار أخرى، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: انظر ما هو الأصلح، فإذا كانت زوجتك متحفظة وفي إمكانها السلامة من الاختلاط بما يسيء بها الظن فلا بأس أن تبقى مع أهلك، أما إن كان الاختلاط يخشى منه الفتنة بإخوانك أو ببني أعمامك، وأن عليها مشقة في التحرز من ذلك، فكونك تستقل في بيت وحدك هذا أصلح لك ولها، وأبعد عن الخطر، أما إذا كان بيتاً واسعاً وفي إمكانها التحرز من الاختلاط بإخوتك وبني عمك، الاختلاط الذي يخشى منه الفتنة، فهذا لاحاجة فيه إلى الانفراد وتبقى مع أهلك في محلك الخاص وشقتك الخاصة إذا كان البيت واسعاً، وليس على زوجتك خطر من الاختلاط؛ لأنه واسع وفي إمكانها الاستقلال والبقاء في محلها من دون اختلاط، ومن دون حرج.

    1.   

    حكم النياحة والفرق بينها وبين البكاء الجائز وما ينفع الميت وما لا ينفعه

    السؤال: إحدى الأخوات المستمعات بعثت برسالة تقول: أنا أختكم في الله (ع. ن) من المدينة المنورة تقول: توفيت والدتي في رمضان، وبكينا عليها بكاءً كثيراً مدة طويلة، وقيل لنا: لا بد من صيام الأيام التي بكينا فيها، وأنه يعذب الميت في قبره على بكاء أهله عليه، وقيل: إنه يأتي ملكان فيرشان على الميت الماء الساخن، ويقولان: هذه هدية أهلك لك، فهل الحديث هذا صحيح؟ وهل نحن آثمون على بكائنا؟ وما حكم تذكر الميت بعد وفاته بوقت طويل؟ وما حكم البكاء عليه؟ وهل للميت أضحية؟

    الجواب: البكاء على الميت فيه تفصيل: فإن كان البكاء بدمع العين من دون نياحة فلا حرج في ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم : (العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، وقال صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه: (اسمعوا! إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه) وقال صلى الله عليه وسلم: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه).

    فالميت إذا نيح عليه بالصوت المرتفع بالصياح، هذا جاء في الحديث أنه يعذب وعذاب الله أعلم بحقيقته، وذلك يفيد أنه لا يجوز لأهل الميت أن ينوحوا عليه، أن يرفعوا الصوت بالنياحة عليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية) ويقول صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة) الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة: التي تشق ثوبها، هذا كله لا يجوز.

    أما الحديث الذي ذكره السائل: (أنه يأتي ملكان يرشان على قبره ماء ساخناً) فهذا لا نعلم له أصلاً، وإنما المحفوظ والمعروف: (أن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه عذاب الله أعلم بكيفيته، وفيه تحذير الأقارب والأصدقاء من النياحة على الميت؛ لأنه يضره.

    وأما الصيام على الميت بعدد الأيام التي نيح عليه فيها، فهذا لا أصل له، ليس على أهله صيام، إنما عليهم التوبة إن رفعوا الصوت عليهم التوبة إلى الله والندم، وعدم العود إلى مثل هذا، هذا هو الواجب، يتوب إلى الله ويندم ويعزم أن لا يعود، ويترك ذلك الشيء هذا هو الواجب، التوبة فقط، أما الصيام فلا. والضحية لا بأس بها، إذا ضحى عن الميت، إذا تصدق عنه كله طيب، إذا ضحى عن الميت أو عنه وعن ميته ذبيحة واحدة عن الرجل وأهل بيته، فيدخل فيهم الميت من أبيه وأمه، أو المرأة عن زوجها أو عنها وعن زوجها كله طيب، وهكذا الصدقة عن الميت، بالمال بالنقود أو طعام أو ملابس كله طيب، كله ينفع الميت، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت ولم توص، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم) يعني: لها أجر، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فالدعاء للميت والصدقة عنه ينفعه الله بذلك، وهكذا العلم النافع الذي خلف بين الناس، خلف طلبة يعلمون الناس، وخلف كتب نافعة يتعلم منها الناس، هذا ينفعه بعد الموت، كما أن الدعاء له والاستغفار له والترحم عليه ينفعه، هكذا تعمير المساجد بالنية عنه وقفاً له، مسجد أو مدرسة يعلم فيها القرآن والأحاديث والشريعة المحمدية هذا ينفع الميت، هكذا الأوقاف الطيبة، وقف على الفقراء، من بيوت تؤجر ويتصدق بأجورها على الفقراء، نخيل، بساتين توقف ويتصدق بثمرتها على الفقراء والمساكين وفي وجوه الخير، كل هذا ينفع الميت.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! فرق بين النياحة والبكاء برفع الصوت إذا غلب الإنسان على ذلك، أو النياحة بالأجرة كما كان يفعل في المجتمع الجاهلي، بم توجهون الناس حول هذا جزاكم الله خيراً؟

    الشيخ: النياحة مثل ما تقدم، النياحة رفع الصوت سواء كان بأجرة أو بغير أجرة، كونه يرفع صوته من شدة الألم أو من شدة الحزن، أو مجاراة لغيره، أو رياء، أو إرضاء لأهل الميت،كل هذا لا يجوز.

    أما البكاء العادي بدمع العين، أو مع صوت يسير خفيف هذا ما يسمى نياحة؛ لأن هذا قد يقع من الإنسان عند شدة المصيبة، أو كلمات قليلة تسمع من ولد الميت أو أخيه، مثل ما وقع لـفاطمة وغيرها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم الشيء القليل يعفى عنه، أما النياحة فهي رفع الصوت والاستمرار في ذلك، هذا هو الممنوع، أما الشيء اليسير أو بدون صوت، يعني: دمع العين لكن بدون صوت يسمع هذا لا حرج، يسمى: بكاء.

    المقدم: بارك الله فيكم، إذا غلب الإنسان أثناء البكاء وارتفع صوته سماحة الشيخ؟

    الشيخ: نرجو أن لا يضره إذا كان قليلاً، وبغير اختيار، بل غلبه الأمر من غير اختياره بل من شدة المصيبة، ومن شدة وقعة المصيبة، وقع منه شيء ثم تراجع وحذر لا حرج، نرجو أن لا يضره ذلك فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    المقدم: جزاكم الله خيراً، لا بد لسماحة الشيخ من وصية للناس؟

    الشيخ: الوصية تقوى الله والحذر الحذر من المعاصي؛ لأن النياحة معصية، وإذا كان معها لطم خد أو شق ثوب أو نتف شعر، تكون أشد في الجريمة، فالمسلم يتصبر والمسلمة كذلك؛ المصيبة لا بد منها، كل إنسان سيموت، فلا بد أن يكون الإنسان عنده تحمل، يحمد الله، الله يقول: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] وقال سبحانه: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157].

    فلا بد من صبر، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) فالمؤمن يتحمل ويصبر، ولا يجزع ولا ينوح، ولا يرفع صوته بالصياح، ولا يشق ثوباً، ولا يلطم خداً، ولا ينتف شعراً، بل يحذر ذلك كله، ويتحمل ويتوب إلى الله ويصبر، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، هكذا المؤمن مأمور، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها)، لا بد من التحمل والصبر.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! كلنا إلى الموت قادمون بم نوصي محبينا إذا متنا حتى لا ينوحوا علينا؟

    الشيخ: نعم، الرجل يوصي أهله، وهكذا المرأة توصي أهلها بأن لا ينوحوا، نوصيهم كما حذرهم النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: (إياكم والنياحة عليه)، الرجل يوصي أهله، والمرأة توصي أهلها، توصي زوجها، الزوج يوصي زوجته، يوصي أهله، الله يقول: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] التواصي لا بد منه؛ لأن المسلم أخو المسلم، والزوج يحب لزوجته الخير، والزوجة كذلك، والأب يحب لولده الخير، والولد كذلك يحب لأبيه وأمه الخير، فالتواصي لا بد منه؛ لأن النياحة تضر الميت وتضرهم ويأثمون والميت يضره ذلك، فالتواصي بترك ذلك الذي يضر الجميع أمر مطلوب، والله سبحانه يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] نسأل الله للمسلمين التوفيق والهداية.

    1.   

    حكم الحلف بملة غير الإسلام

    السؤال: ننتقل إلى قضية أخرى من قضايا الأخت (ع. ن) من المدينة المنورة، تقول فيها: تزوج زوجي بامرأة أخرى، وحصل بيني وبينه مشاكل كثيرة، وحلفت إذا أدخلها علي البيت أن أكون خارجة من دين الإسلام إن لم أخرج من البيت، ثم دخلت البيت إرضاءً لأمي بعد أن خرجت منه، وقد أتى بها فهل أكون آثمة، وإذا كانت هناك كفارة فما هي؟

    الجواب: إذا كنت أردت بذلك أن لا تبقي معها، فعليك كفارة اليمين، أما إذا كنت أردت الخروج فقط ثم تعودين، فقد خرجت، فلا كفارة عليك، لكن عليك التوبة من هذا الكلام؛ لا يجوز للإنسان أن يقول هذا الكلام: إن فعلت كذا فقد خرجت من الإسلام، أو أنا خارج عن الإسلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال)، فلا يجوز للإنسان أن يقول: إن فعلت كذا فأنا خارج من الإسلام، أو فأنا يهودي، أو نصراني، أو كافر، ما يجوز هذا الكلام، لكن إذا قلت هذا الكلام: والله إن أدخلها علي لأخرجن وخرجت ما عليك شيء من جهة كفارة قد فعلت، لكن عليك التوبة من جهة هذه اليمين، ومن جهة هذا الكلام، التوبة والندم وعدم العودة إلى مثل هذا والاستغفار، أما إن كنت أردت أنك تخرجين ولا تعودين، يعني: لا تجتمعين معها، هذا مرادك أنك لا تجتمعين معها أبداً ثم اجتمعت معها، فعليك كفارة يمين، وليس عليك إلا كفارة يمين: وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، عشرة، إطعامهم بغداء أو بعشاء، أو كل واحد يعطى نصف صاع تمر أو رز، أو كسوة كل واحد أو عتق رقبة، إذا تيسر عتق، ومن عجز عن الثلاث عن الإطعام والكسوة والعتق، يصوم ثلاثة أيام، وأنت عليك التوبة من هذا الكلام، لأنه لا يجوز هذا الكلام أبداً، اليمين بالخروج من الإسلام هذا لا يجوز.