إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (233)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    أذكار النوم وصلاة الليل

    المقدم: أيها الإخوة في الله! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نحييكم بتحية الإسلام الخالدة التي نستهل بها لقاءنا مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويسعدنا أن نلتقي بسماحته وأن يكون ضيف لقائنا في هذه الحلقة الجديدة من برنامج نور على الدرب، الذي يتولى فيها سماحته الإجابة مشكوراً على أسئلتكم واستفساراتكم.

    أولاً: نرحب باسم السادة المستمعين بسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: الرسالة الأولى وصلت إلى البرنامج من المستمع الأخ سوداني الجنسية، يقول في رسالته: ما هي الدعوات التي يدعو بها الإنسان في الليل؟ وما هي عدد الركعات التي يصليها الإنسان في نصف الليل، مثل: صلاة التهجد، أرجو الإفادة عن ذلك أفادكم الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإنه يشرع للمؤمن في الليل عند النوم أن يقرأ آية الكرسي، ويقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة:285] إلى آخرها، ويقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والمعوذتين.

    ويشرع له أيضاً أن يقول ما كان يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم عند النوم: (اللهم باسمك أحيا وأموت) .. (اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك) ثلاث مرات، هذا مشروع عند النوم، كذلك تقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ثلاث مرات.. (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات، كل هذا مشروع ينبغي للمؤمن أن يستعمله، كذلك يقول: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم)، (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

    ويقول في آخر شيء قبل أن ينام، في آخر ما يقول: (اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت) هذا مما ورد في عند النوم، ويكفي الإنسان ما تيسر من ذلك.

    كذلك يصلي من الليل ما تيسر، ركعة أو ثلاث ركعات، أو خمس ركعات، أو أكثر من ذلك، بعد صلاة العشاء وبعد سنتها، يستحب له أن يصلي من الليل قبل أن ينام إن كان يخشى ألا يقوم من آخر الليل، يوتر بركعة واحدة، أو بثلاث ركعات، أو بأكثر من ذلك، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة، هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشرع للأمة عليه الصلاة والسلام، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة كما كان النبي يوتر في الغالب عليه الصلاة والسلام فهذا أفضل، وإن أوتر بأكثر من هذا فلا بأس، الأمر واسع في الليل، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإن خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى).

    فهذا الحديث يدلنا على أن السنة في الليل أن يصلي ركعتين ركعتين، يعني: يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة، سواء كان في أول الليل، أو في وسطه، أو في آخره، والأفضل في آخره، هذا هو الأفضل إذا تيسر للمؤمن أن يقوم من آخر الليل، وهكذا المؤمنة.

    أما إن خاف ألا يقوم من آخر الليل فإنه يوتر في أول الليل بعد صلاة العشاء، ولكن آخر الليل أفضل؛ لأنه يوافق التنزل الإلهي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) متفق على صحته، فهذا الحديث العظيم يدل على أن آخر الليل هو وقت التنزل الإلهي وقت تجاب فيه الدعوات، وفي الحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلم: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أول الليل، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل) فالأفضل آخر الليل، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا) هذا نزول يليق بالله لا يشابه الخلق سبحانه وتعالى لا يشابه الخلق في شيء من صفاته، وهكذا قوله سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] هو استواء يليق بالله، وهو الارتفاع العلو، وهو يليق بالله سبحانه، لا يشابه الخلق في استوائهم، ولا في نزولهم، ولا في كلامهم ولا في غير ذلك، كما قال سبحانه:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] سبحانه وتعالى، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال في كل شيء جل وعلا، لا يشابه الخلق في شيء من صفاته سبحانه، هذا هو قول أهل السنة والجماعة، وهو الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي درج عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    حكم تحلي الرجل بالذهب في خاتمه وأسنانه

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة المستمع (ش. ل. ي) سوداني مقيم بالعراق، يقول فيه: هل يجوز للرجل أن يتحلى بالذهب في أسنانه، أو في خاتم في إصبعه، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: ليس للرجل أن يتحلى بالذهب، لا في خاتمه ولا غير ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التختم بالذهب، ولما رأى رجلاً في يده خاتم من ذهب نزعه وطرحه، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده) فلا يجوز للمسلم أن يتختم بالذهب، وإنما هذا من شأن النساء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورهم).

    لكن إذا دعت الحاجة إلى تركيب أسنان من ذهب فلا حرج للرجال والنساء، أما إذا تيسر أن يركب أسناناً من غير الذهب فهو أولى وأفضل وأحوط، وإن لم يجد ما ينفع واحتاج إلى أسنان من ذهب فلا بأس.

    1.   

    حكم اختلاط الرجال بالنساء في الأعراس

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة المستمع (ش. ل. ي) سوداني مقيم بالعراق، يقول فيه: عندنا في السودان وفي بعض الدول العربية الأخرى عادات، مثل المظاهر في مناسبة العرس، وحفلات الرقص مع البنات والرجال، أفيدونا هل هذا صحيح أم لا؟

    الجواب: أما الاحتفال بالعرس من النساء على حدة، ووجود الرقص من إحداهن بينهن من غير مخالطة ولا اطلاع الرجال فهذا لا بأس به، وهكذا تشييع الرجال للزوج -العريس- إلى بيت أهل الزوجة كونهم يأكلون عندهم طعاماً، أو يشربون عندهم الشاي، أو ما أشبه هذا، لا بأس بذلك.

    أما اختلاط النساء بالرجال في مناسبة الزواج هذا منكر لا يجوز، وهكذا رقص الزوج مع النساء منكر لا يجوز، بل يجب منع ذلك، ولا يحل، بل هو من أسباب الفتنة، فهو منكر ظاهر لا يجوز، والله المستعان.

    1.   

    دعاء الدخول على الزوجة

    السؤال: السؤال الرابع في رسالة الأخ (ش. ل. ي) سوداني مقيم بالعراق، يقول فيه: ماذا يقول الرجل في ليلة دخوله بزوجته من دعاء، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: يقول إذا دخل عليها، يسمي الله جل وعلا، ويأخذ بيدها ورأسها يقول (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)، وإذا دعا بدعوات أخرى يسأل الله خيرها، ويسأل الله أن تكون زوجة صالحة، وأن تكون من أسباب الذرية الصالحة، كل هذا لا بأس به، لكن مما ورد أن يقول (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)، وإذا صلى ركعتين ودعا ربه فيها فحسن، يروى عن بعض السلف رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    حكم تصوير ذوات الروح

    السؤال: السؤال الخامس والأخير في رسالة المستمع (ش. ل. ي) سوداني مقيم بالعراق، يقول فيه: ما هو الحكم في عملية التصوير بالكاميرا داخل البيت، أو في مناظر من الأشجار وتذكار بيني وبين الأسرة فقط، هل يجوز ذلك أم لا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: التصوير في الأصل لذوات الأرواح أمر منكر، هذا هو الأصل، تصوير ذوات الأرواح من بني آدم ومن الحيوانات لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) وفي اللفظ الآخر يقول صلى الله عليه وسلم: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) وروى جابر في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم: (لعن آكل الربا، وموكله، ولعن المصور) فالأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فالتصوير لا يجوز لذوات الأرواح.

    أما التصوير للشجر والجبل والسيارة والسفينة، فلا بأس بذلك، وهكذا إذا دعت الحاجة للصورة، مثل إنساناً يريد حفيظة نفوس ولا تحصل له إلا بالصورة فلا بأس للحاجة الشديدة، فهو مضطر، هكذا إذا رأى ولي الأمر تصوير المجرمين حتى ينقب عنهم، وحتى يتقى شرهم، أو لأسباب شرعية دعت الحاجة إلى ذلك لمصلحة المسلمين فلا بأس بذلك.

    1.   

    ما يفعله من يريد التوبة

    السؤال: هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع (ب. ل. د) العراق محافظة التأميم، يقول في رسالته، وفي بدايتها: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو من أصحاب السماحة والفضيلة الإجابة على أسئلتي، السؤال الأول: قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] السؤال: هل يغفر الله للذي لم يصر على ما فعله، وماذا عليه أن يفعل ليطهر نفسه ليرفع الحدث الشيطاني من جسمه، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: يقول الله سبحانه: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] معنى هذا الغفلة، يعني: يغفل ويعرض عن ذكر الرحمن (نقيض له شيطاناً)، فالإنسان إذا غفل عن ذكر الله، وأعرض عن ذكر الله يقيض له الشيطان حتى يصده عن الحق، وحتى يشغله بالباطل، فينبغي للمؤمن أن يحذر ذلك، وأن يجتهد في ذكر الله بقلبه ولسانه وأعماله حتى يسلم من شر عدوه، فالعدو الشيطاني وسواس خناس، عند الغفلة يوسوس ويدعو إلى الباطل، ويثبط عن الحق، وعند ذكر الله يخنس ويتصاغر ويبتعد.

    فالمشروع لك -يا عبد الله- ولكل مسلم ومسلمة أن يكثر من ذكر الله، وأن يحاسب نفسه دائماً في ذلك حتى يسلم من مكائد أعدائه، وإذا تاب العبد من سيئاته تاب الله عليه، كما قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135]، .. أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136] فأخبر سبحانه أن التائب المستغفر غير المصر جزاؤه المغفرة والجنة، فإذا تاب العبد إلى الله من سيئاته من زنا، أو سرقة، أو شرب مسكر، أو غير هذا من المعاصي، تاب توبة صادقة، وأقلع من الذنوب وتركها خوفاً من الله وتعظيماً له، وندم على الماضي ندماً صادقاً، وعزم ألا يعود، فإن الله يغفر له سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تهدم ما كان قبلها).

    من المصيبة العظيمة أن يصر ويبقى المسلم على السيئة، هذه هي المصيبة، لكن إذا من الله عليه بالتوبة والإقلاع والندم، والعزم ألا يعود فقد أفلح، وإذا كان عنده مظالم للناس في دمائهم أو أموالهم أو أبشارهم، أو أعراضهم فالواجب عليه أنه يرد حقهم إليهم، أو يستحلهم من ذلك، فإذا أحلوه وأباحوه سلم من شر حقهم ومظالمهم، والله المستعان.

    1.   

    مدى فائدة ذكر الله دون أداء الصلاة

    السؤال: السؤال الثاني في رسالة المستمع (ب. ل. د) من العراق محافظة التأميم، يقول فيه: إنني كثيراً ما أذكر الله ذكراً كثيرا، ولكنني لا أصلي، وسمعت من بعض الأصدقاء أن هذا الفعل يعتبر من الكفر بالله عز وجل، أي: ذكر الله بدون صلاة، فما حكم الإسلام في ذلك، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الصلاة هي عمود الإسلام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، يقول الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، ويقول سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] والآيات في الصلاة كثيرة.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فجعل الصلاة هي عمود الإسلام، ويقول صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ويقول عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) فأنت عليك أن تتقي الله، وأن تبادر بالتوبة.

    أما ذكر الله مع ترك الصلاة ما ينفعك، عليك أن تحافظ على الصلاة، وأن تستقيم عليها في أوقاتها، وأن تصليها مع إخوانك المسلمين في المساجد، هذه هي فريضته العظيمة، وعمود دينك، فاتق الله وراقب الله، وتب إلى الله توبةً صادقة، ومن تاب تاب الله عليه سبحانه وتعالى.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عنه العبد من عمله؛ صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخس) نسأل الله العافية، ويقول عمر رضي الله عنه لأمرائه: (إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع) وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً بعد أن لقي أصحابه، فذكرهم بالصلاة، وقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهان ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف) نسأل الله العافية، هؤلاء من كبار الكفرة، وصناديدهم، نسأل الله العافية.

    قال بعض أهل العلم: إنما يحشر من ضيع الصلاة مع هؤلاء الكفرة؛ لأنه إن ضيعها من أجل الرئاسة والملك صار شبيهاً بفرعون، فيحشر معه يوم القيامة، وإن ضيعها بسبب الوزارة والوظيفة صار شبيهاً بـهامان وزير فرعون فيحشر معه يوم القيامة إلى النار، وإن ضيعها بسبب الأموال والشهوات صار شبيهاً بـقارون، تاجر بني إسرائيل الذي بغى وطغى، وحمله حب المال وكثرة المال على الكفر بالله عز وجل، فخسف الله به وبداره الأرض، فمن شغل بالمال عن الصلاة حشر مع قارون نعوذ بالله من ذلك، ومن شغل عن الصلاة بالتجارة والبيع والشراء والمعاملات صار شبيهاً بـأبي بن خلف، تاجر أهل مكة الكافر، وقد قتل كافراً، فيحشر معه يوم القيامة -نعوذ بالله- إلى النار.

    فالواجب على كل من ضيع الصلاة أن يتوب إلى الله، من الرجال والنساء جميعاً، الواجب على الجميع التوبة إلى الله، والبدار بالمحافظة على الصلاة، والندم على ما مضى، ومن تاب تاب الله عليه، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    حكم الانتحار والمنتحر بسبب ضيق المعيشة

    السؤال: السؤال الثالث في رسالة الأخ (ب. ل. د) من العراق محافظة التأميم، يقول فيه: إذا انتحر شخص لظروف حياتية، وما يلاقيه من ضيق في المعيشة والإنفاق على أسرته، هل هذا يعني أنه سوف يخلد في جهنم، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الانتحار منكر عظيم، وكبيرة من كبائر الذنوب، فلا يجوز للمسلم أن ينتحر، يقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) فالواجب على المؤمن التصبر والتحمل إذا حصل عليه نكبة ومشقة في دنياه أن لا يعجل في قتل نفسه، بل يحذر ذلك، ويتقي الله، ويتصبر ويأخذ بالأسباب وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] وإذا قتل نفسه فقد تعرض لغضب الله وعقابه، وهو تحت مشيئة الله؛ لأن قتل النفس دون الشرك، والله يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فما دون الشرك فهو تحت مشيئة الله، وقتل النفس دون الشرك، وهكذا الزنا، وهكذا السرقة، وهكذا شرب المسكر، كلها معاصي دون الشرك، فصاحبها تحت مشيئة الله، إذا مات على معصيته إن شاء الله سبحانه غفر له لأعمال صالحة ولإسلامه الذي معه، وإن شاء عذبه في النار على قدر معصيته، ثم بعد ما يطهر ويمحص يخرج من النار، ولا يخلد عند أهل السنة والجماعة، فالعاصي لا يخلد في النار، لا القاتل ولا غيره، ولكنه يعذب إذا شاء الله تعذيبه، يعذب ما شاء الله في النار على قدر معاصيه، ثم يخرجه الله من النار إلى نهر يقال له: نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة بإسلامهم وإيمانهم الذي ماتوا عليه، ولا يخلد في النار إلا الكفرة المشركون، الذين كفروا بالله ورسوله، أو كذبوا رسله، أو أنكروا ما جاءت به رسله، أو ما أشبهها من أنواع المكفرات، وأما العاصي فلا يخلد عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة، فإن طائفة الخوارج وطائفة المعتزلة -وهما طائفتان ضالتان- تقولان: إن العاصي يخلد في النار إذا دخلها، وهذا غلط كبير، أما أهل السنة والجماعة وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان فإنهم يقولون: لا يخلد العاصي في النار إذا لم يستحل المعصية، إذا مات وهو يعلم أنها معصية، لكن حمله الشيطان عليها، فهذا لا يخلد ولكنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة بإسلامه وإيمانه، وإن شاء عذبه في النار على قدر معاصيه، ثم بعد التطهير والتمحيص يخرجه الله من النار إلى الجنة، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض الناس يدخل النار بمعاصيه ثم يخرجه الله من النار بشفاعة الشفعاء، أو برحمته سبحانه من دون شفاعة أحد، كل هذا ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...)

    السؤال: السؤال الرابع والأخير في رسالة المستمع (ب. ل. د) من العراق محافظة التأميم، يقول فيه: ما معنى قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] صدق الله العظيم؟

    الجواب: هذه الآية العظيمة فيها شرف للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان منزلته عند الله، وأنها منزلة عظيمة، ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وذكره بأوصافه الجميلة عند الملائكة، هكذا صلاة الله على عبده كما قال أبو العالية وجماعة من السلف، وتطلق الصلاة من الله على الرحمة كما قال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب:43] يعني: يرحمكم ويثني عليكم سبحانه وتعالى، فثناء الله على عبده عند الملائكة هو ذكر أوصافه الجميلة العظيمة، هذه صلاة الله على عبده، ويدخل فيها أيضاً رحمته لعباده، وإحسانه إليهم سبحانه وتعالى.

    والملائكة صلاتهم الدعاء، فدعاؤهم للمصلى عليه وترحمهم عليه وثناؤهم عليه يقال له: صلاة، كما في الحديث: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه) فصلاتهم على الرسول دعاؤهم له، عليه الصلاة والسلام.

    ونحن مأمورون بأن نصلي عليه عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] فنحن مأمورون أن نصلي عليه ونسلم، فنقول: اللهم صل عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم، ونصلي عليه في صلاتنا، في التشهد الأخير (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) هكذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولو قال: اللهم صل على سيدنا محمد، لا بأس، لكن لم يرد في الأحاديث ذكر السيد في قراءتها في الصلاة، إنما علم أصحابه أن يقولوا: (اللهم صل على محمد ..) إلى آخره، عليه الصلاة والسلام.

    ويستحب أن يقول هذا على الصحيح، حتى في التشهد الأول بعد الشهادتين، بعدما يأتي بالشهادة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ينهض إلى الثالثة على الأرجح؛ لعموم الأحاديث الواردة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك.

    وهكذا يشرع لنا ويتأكد أن نصلي عليه كثيراً يوم الجمعة وليلتها، وهكذا يشرع لنا عند ذكره، إذا مر ذكره عليه الصلاة والسلام أن نصلي عليه بل يجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل علي) هذا يدل على وجوب الصلاة عند ذكره عليه الصلاة والسلام.

    وهكذا بعد الأذان، إذا فرغ المؤذن وقال: لا إله إلا الله، يقول هو والمستمع: اللهم صل وسلم على رسول الله (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت نبينا محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد) لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عما يقوله حين يسمع المؤذن، قال: (قولوا كما يقول المؤذن، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) وفي اللفظ الآخر، يقول صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد، حلت له شفاعتي يوم القيامة) هذا كله مما شرعه الله لنا سبحانه وتعالى في حقه عليه الصلاة والسلام.

    فينبغي للمؤمن والمؤمنة الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام في الليل والنهار، وأن يكثر من ذلك المؤمن في الجمعة وليلتها، وإذا سمع ذكره صلى عليه عليه الصلاة والسلام، وهكذا في الصلاة، في التشهد الأول والتشهد الأخير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير واجبة عند جمع من أهل العلم، وقال آخرون: ركن من أركان الصلاة في التشهد الأخير، فينبغي للمؤمن أن يحرص على ذلك، وألا يدعه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.

    1.   

    حكم أداء العمرة عن الأم المتوفاة

    السؤال: هذه رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع مكاوي أحمد محمد من جمهورية مصر العربية، يقول في رسالته: هل يصح لي أن أقوم بأداء العمرة عن والدتي المتوفاة، حيث أني قد أديت العمرة عن نفسي في رمضان هذا العام، وهل يصح لي أن أقوم بأداء العمرة عن والدتي بعد أداء فريضة الحج، أو قبل أدائي لفريضة الحج، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: نعم، لا بأس بذلك، بل أنت مأجور، ومشروع لك أن تحسن إلى والدتك بالعمرة قبل الحج أو بعده، وإذا كنت في مكة تحرم من الحل، يعني: خارج مكة، خارج الحرم، من مساجد عائشة التنعيم، أو من الجعرانة، أو غيرهما من الحل، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها لما أرادت العمرة بعد الحج أن تحرم من الحل .. من التنعيم، هكذا السنة فيمن كان في مكة إذا أراد العمرة لنفسه أو لغيره؛ أن يخرج إلى الحل ثم يلبي بعمرة هناك، ثم يدخل فيطوف سبعة أشواط بالبيت ويصلي ركعتين خلف المقام، أو في أي بقعة من المسجد، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم يقصر من رأسه، هكذا العمرة، وأنت مأجور في ذلك.

    المقدم: أحسن الله إليكم، أيها الإخوة في الله! باسمكم جميعاً نشكر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على هذا اللقاء في برنامج نورٌ على الدرب الذي أجاب فيه سماحته مشكوراً على أسئلة الإخوة المستمعين: المستمع (ش. ل. ي) سوداني مقيم بالعراق، المستمع (ب. ل. د) العراق محافظة التأميم، وأخيراً رسالة المستمع مكاوي أحمد محمد من جمهورية مصر العربية.

    أيها الإخوة الأكارم! شكراً لكم على حسن إنصاتكم ومتابعتكم للبرنامج، وإلى لقاءٍ آخر إن شاء الله تعالى من لقاءات الخير والبركة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.