إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (164)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الانصراف من مزدلفة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم وقضاياكم في برنامج نور على الدرب، ما في هذه الحلقة من قضايا سنعرضه على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بالإجابة على ما يطرح من قضايا في هذا البرنامج، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    ====

    السؤال: سماحة الشيخ! في حلقات مضت من هذا البرنامج تفضلتم بتفصيل القول في كيفية حج النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل بكم الحديث إلى انصراف الرسول صلى الله عليه وسلم من مزدلفة، حبذا لو تفضلتم بتكملة الحديث عن تلكم الرحلة المباركة، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فقد سبق أن تكلمت على صفة حجه عليه الصلاة والسلام من حين خرج من المدينة إلى أن وصل إلى مكة عليه الصلاة والسلام، ثم عن رحلته من مكة إلى منى، وعن رحلته من منى إلى عرفات، وعن رحلته من عرفات بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، وما فعله في مزدلفة عليه الصلاة والسلام.

    وسبق أنه عليه الصلاة والسلام صلى بها الفجر، ثم أتى المشعر فرقيه وجعل يدعو ويذكر الله ويهلل حتى أسفر جداً عليه الصلاة والسلام، ورفع يديه بالدعاء، فلما أسفر انصرف إلى منى، هذا هو السنة، أن يبيت الحجيج في مزدلفة، وأن يصلوا بها الفجر وأن يدعوا الله كل في مكانه وفي منزله؛ لأنها كلها موقف، كل يدعو في مكانه ويضرع إلى الله ويسأله من فضله ويرفع يديه ويذكره كثيراً ويدعوه كثيراً حتى يسفر، فإذا أسفر جداً انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم أنه أذن للضعفة من النساء والشيوخ والصبيان بأن ينصرفوا إلى منى في الليل قبل حطمة الناس، هذا هو الذي ينبغي للضعفاء أن ينصرفوا حتى يخففوا عن الناس، وحتى يسلموا هم أيضاً من حطمة الناس.

    فالنساء والشيوخ ونحو ذلك ومن يتبعهم من محارمهم ومن صاحبهم في الرحلة إلى منى في النصف الأخير من ليلة المزدلفة.

    فإذا وصلوا إلى منى باتوا بها بقية الليل، وإن رموا الجمرة في آخر الليل فلا بأس، وقد ثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أنها رمت الجمرة في آخر الليل.

    وثبت عن أسماء بنت أبي بكر ما يدل على ذلك، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن للضعف وهن النساء في ذلك، فإذا رمين ومن معهم في آخر الليل كفى ذلك، وإن أخروا رموا بعد ارتفاع الشمس فلا بأس، ولكن الأرفق بهم وبمن معهم أن يرموا في آخر الليل إذا وصلوا منى، هذا هو الأرفق بهم.

    ثم يرجعون إلى منازلهم، كل يرجع إلى منزله في منى للإقامة بها لذبح الهدايا ورمي الجمار في الأيام القادمة وغير ذلك من شئون الحج.

    أما هو صلى الله عليه وسلم فقد انتظر حتى صلى الفجر ودعا ربه بعد الصلاة وذكره، ورفع يديه وألح بالدعاء، ثم انصرف قبل طلوع الشمس عليه الصلاة والسلام، وسبق أنه صلى بها المغرب والعشاء قصراً وجمعاً ثم نام بعد ذلك بأذان واحد وإقامتين عليه الصلاة والسلام.

    وهكذا الفجر صلاها بأذان وإقامة مع سنتها الراتبة، وصلاها بعد طلوع الفجر مبكراً، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إنه صلاها قبل ميقاتها) يعني: قبل ميقاتها المعتاد؛ وذلك -والله أعلم- ليتسع الوقت للدعاء والذكر بعد صلاة الفجر.

    ثم المشروع للمسلمين إذا وصلوا منى بعد انصرافهم من مزدلفة أن يرموا الجمرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم انصرف من مزدلفة قبل طلوع الشمس ملبياً حتى أتى الجمرة، أتاها ضحىً فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة ولم يقف عندها، بل رمى وانصرف عليه الصلاة والسلام، فهكذا المسلمون من الحجاج إذا وصلوا إلى منى بعد طلوع الشمس رموا بالجمرة، بدءوا بها تحية منى وليس في الصلاة عيد، ليس في منى صلاة عيد للحجاج، ليس عليهم صلاة العيد، يقوم مقامها رمي الجمار ذلك اليوم، فيرمي الجمرة بسبع حصيات، يرميها الرجل والمرأة والصغير والكبير بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، يقول: (الله أكبر) مع كل حصاة، مستشعراً عظمة الله، وطاعته سبحانه، ومستشعراً إرغام الشيطان ودحره بهذه الحصيات التي ترجم بها مواقفه، ثم ينصرف ولا يقف؛ لأن الرسول لم يقف عليه الصلاة والسلام عند جمرة العقبة، بل رماها وانصرف عليه الصلاة والسلام، ووقف للناس يسألونه في منى بعد رميه الجمرة، فهذا يقول: (يا رسول الله! أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟) يعني: ذهبت للطواف قبل الرمي، فقال: (لا حرج) عليه الصلاة والسلام.

    وآخر يقول: (نحرت قبل أن أرمي؟ فيقول: لا حرج) وآخر يقول: (حلقت قبل أن أذبح؟ فيقول: لا حرج) فهذا يدل على أن أفعال الحج يوم العيد فيها توسعة، وأن الرمي والطواف والسعي والحلق أو التقصير والنحر كلها فيها سعة، والنبي صلى الله عليه وسلم رتبها، فرمى يوم العيد ثم نحر عليه الصلاة والسلام ثم حلق رأسه ثم طيبته عائشة رضي الله عنها ثم ركب إلى البيت فطاف عليه الصلاة والسلام، هكذا الترتيب، هذا هو الأفضل، رمي فنحر فحلق أو تقصير فطواف وسعي إن كان عليه سعي، هذا هو الترتيب.

    الأول الرمي، ثم نحر الهدي، ثم حلق الرأس أو تقصيره، وبهذا تحلل التحلل الأول، يلبس المخيط، يغطي رأسه إن كان رجلاً، والمرأة كذلك تتطيب، تكف شعرها إن شاءت، تقص أظفارها إن شاءت حلت التتحلل الأول، ولا يبقى عليهما جميعاً الرجل والمرأة إلا الجماع وما يتعلق بالجماع من النساء.

    فإذا طافا وسعيا بعد ذلك تم الحل كله، وحل للرجل الاتصال بأهله إذا طاف وسعى بعد الرمي وبعد الحلق أو التقصير، والسعي إنما يجب عليه إذا كان متمتعاً؛ لأن السعي الأول لعمرته وهذا لحجه، أو كان قارناً أو مفرداً لكن لم يسع مع طواف القدوم، وإنما سعى مع طواف الإفاضة، وإن كان سعى مع طواف القدوم فلا سعي عليه يكفيه الطواف، الحاج المفرد والحاج القارن بين الحج والعمرة.

    والنبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً، فلهذا طاف طوافاً فقط، ولم يسع؛ لأنه قد سعى مع طواف القدوم عليه الصلاة والسلام.

    وفي هذا من الفوائد: أن الإنسان قد يشق عليه تأخير الطواف، قد يشق عليه تأخير الحلق إلى أن يذبح؛ لأن الذبح ليس متيسراً، قد يتأخر لليوم الثاني، فمن رحمة الله ومن تيسير الله عز وجل ومن إحسانه إلى عباده ورحمته بهم أن فسح لهم المجال، وجعل هذا الترتيب ليس بواجب، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، أنه له أن يبدأ بما أخره الرسول صلى الله عليه وسلم، له أن يقدمه؛ لأنه سئل عليه الصلاة والسلام: (عما يقدم ويؤخر؟ فقال: لا حرج لا حرج).

    فإذا أفاض الإنسان قبل أن يرمي، مثل: امرأة خافت من الحيض فأفاضت قبل أن ترمي، قصدت مكة فلا بأس، ومثل إنسان نحر هديه، صار النحر متيسراً، والرمي ما تيسر له أن يرمي مبكراً، فنحر قبل أن يرمي فلا بأس، أو حلق قبل أن يرمي، أو ذبح قبل أن يرمي، كل ذلك لا بأس به والحمد لله.

    فالحاصل: أن الترتيب ليس بواجب، ولكنه أفضل، يرمي ثم ينحر ثم يحلق أو يقصر ويتحلل التحلل الأول، يلبس المخيط ويغطي رأسه، ثم يذهب إلى البيت ويطوف ويسعى، هذا هو الترتيب المشروع.

    المقدم: النحر لمن كان متمتعاً أو قارناً؟

    الشيخ: نعم، أما الحاج المفرد فليس عليه شيء إلا أن يطوع، فمن قدم بعضها على بعض فلا حرج عليه في ذلك، كما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكما أذن للناس عليه الصلاة والسلام في ذلك.

    ثم بعد ذلك لما رمى الجمرة عليه الصلاة والسلام ونحر هديه وحلق رأسه طيبته عائشة ثم ركب إلى البيت فطاف به عليه الصلاة والسلام، وصلى بمكة الظهر عليه الصلاة والسلام.

    ثم عاد من مكة وصلى بالناس الموجودين ينتظرونه، صلى بهم الظهر بمنى، فصلاها مرتين، الأولى في مكة وهي فريضة، والثانية في منى لمن بقي ينتظره، وهي نافلة له عليه الصلاة والسلام.

    وبهذا يستدل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، كما كان معاذ يصلي بأصحابه متنفلاً ويصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام فريضته العشاء، يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم فرضه ثم يذهب فيصلي بأصحابه فريضتهم وهي له نافلة، كل هذا جائز بحمد الله.

    ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم في منى الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، يرمي بعد الزوال الجمار الثلاث، كل جمرة يرميها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، ويكبر مع كل حصاة، ويجعل الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف يجعلها عن يساره، ويتقدم فيسهل حتى لا يصيبه رمي الناس وحتى لا يضايق الناس فيرميها بسبع حصيات، ويقف عندها ويجعلها عن يساره، فيدعو ويرفع يديه ويلح بالدعاء ويطيل الدعاء، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه رفع يديه وأكثر الدعاء عليه الصلاة والسلام، بعدما رمى الجمرة يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ثم أتى الوسطى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم جعلها عن يمينه وأخذ ذات الشمال -أي: يساره- ووقف يدعو ورفع يديه وألح في الدعاء عليه الصلاة والسلام، فهذا هو السنة، أن الحاج يقف عند الأولى بعد رميها ويدعو، وعند الثانية بعد رميها ويدعو مستقبل القبلة، يجعل الجمرة الأولى عن يساره والوسطى عن يمينه حال الدعاء، هذا هو السنة لمن تيسر له ذلك، ومن لم يتيسر له ذلك فلا شيء عليه، هو سنة مؤكدة فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    أما الثالثة فكان يرميها ولا يقف عندها، رمي الجمرة العقبة يرميها يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ولا يقف عندها، كما أنه لم يقف عندها يوم العيد، بل رماها وانصرف عليه الصلاة والسلام.

    ثم أذن للناس بالتعجل، من أراد أن يتعجل في اليوم الثاني عشر فلا بأس؛ لقول الله سبحانه: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203] من أحب أن يتعجل بعد الرمي يوم الثاني عشر فلا بأس، يرمي الجمار ثم يذهب إلى مكة لطواف الوداع، ومن أحب أن يبقى إلى اليوم الثالث عشر كما بقي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يبقى إلى الثالث عشر عليه الصلاة والسلام ، فلما رمى الجمار يوم الثالث عشر بعد الزوال تقدم إلى الأبطح فنزل به، وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء عليه الصلاة والسلام، ثم ركب في أثناء الليل إلى مكة في آخر الليل إلى مكة لطواف الوداع، فطاف في آخر الليل طواف الوداع عليه الصلاة والسلام، وصلى بالناس الفجر وقرأ فيها بالطور.

    ثم بعدما انتهى من صلاة الفجر توجه إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، صباح يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة.

    وبهذا انتهت أعمال الحج بطواف الوداع، من انصرف في الثاني عشر ودع -إذا كان يريد السفر- ذلك اليوم، وإن أحب أن يبقى في مكة أياماً أخر الوداع حتى يعزم على السفر، فإذا عزم على السفر طاف ثم سافر، وهكذا من أخر إلى اليوم الثالث عشر ولم يتعجل فإنه إذا فرغ من الرمي إن كان أحب أن يبقى في مكة بقي في مكة، وإن أحب السفر طاف للوداع وسافر، هكذا كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام.

    والرمي بعد الزوال في أيام التشريق لا قبل الزوال، لا يرمي قبل الزوال لكن بعد الزوال، فإن عجز أو شغل رمى بعد الغروب لهذا اليوم، يعني: كل يوم إذا لم يتيسر في النهار يرمي له بعد الغروب في ذلك اليوم الذي غابت شمسه، وهكذا اليوم الثاني عشر يرمي بعد الزوال إن تيسر وإلا فبعد الغروب.

    وهكذا اليوم الثالث عشر يرمي بعد الزوال لكن ليس فيه رمي بعد الغروب؛ لأنه انتهى الرمي، عند غروب الشمس ينتهي الرمي، فالثالث عشر يجب أن ينهيه قبل الغروب، وهذا في الغالب غير متعذر ولا متعسر؛ لأن الناس في الغالب ينصرفون في اليوم الثاني عشر، ولا يبقى إلا القليل في الثالث عشر، فلا يكون هناك صعوبة في الرمي قبل الغروب، لكن بعد الزوال.

    وفي أيام منى يكثر من ذكر الله ومن التكبير والتهليل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله) يذبح فيها الهدايا ويأكل ويطعم، كما قال سبحانه: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28] ويكثر من الدعاء والذكر، وقراءة القرآن في الأوقات المناسبة، تعليم الناس للخير، والدعوة إلى الخير، كل هذا مطلوب، إذا كان عنده علم.

    وفي يوم العيد كذلك إذا لم يتيسر الرمي يوم العيد رمى بعد الغروب إلى آخر الليل، ليلة الحادي عشر تابعة ليوم العيد، إذا لم يتيسر الرمي فيه فإنه يرمي بعد الغروب ويجزئه ذلك والحمد لله؛ لأن بعض الناس قد يشغل يوم العيد، قد يحصل له مانع من الرمي يوم العيد، فيرمي -على الصحيح- بعد الغروب ولا حرج في ذلك.

    المقدم : جزاكم الله خيراً، ونفع بعلمكم.

    الواقع -سماحة الشيخ- وأنتم تذكروننا بهذه الرحلة الطيبة المباركة، وهذا الأسلوب الذي اتبعه نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تدعون أمة الإسلام كيفما تقتفي ذلك الأثر، وتسير على ذلكم المنهج فجزاكم الله خير الجزاء.

    الشيخ: نسأل الله أن يوفقهم لذلك، نسأل الله أن يوفق المسلمين لاتباع نبيهم صلى الله عليه وسلم والتمسك بهديه في كل شيء، في الحج وغيره، فذلك طريق السعادة وسبب النجاة في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يوفقنا وإياهم لذلك.

    1.   

    المفاضلة بين القران والتمتع في الحج

    السؤال: اللهم آمين! جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! الذي يتابع ما تفضلتم به يلحظ أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قراناً، ونسمع كثيراً من المفتين يفتون بأن التمتع أفضل، كيف تناقشون هذا لو سمحتم؟

    الجواب: نعم، النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أمر الصحابة أن يجعلوا إحرامهم عمرة للذين ليس معهم هدي، وقد أفردوا الحج أو قرنوا، فقال: (اجعلوها عمرة، ولولا أن معي الهدي لأحللت) وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولا جعلتها عمرة).

    فهذا هو وجه قول العلماء أنه يستحب التمتع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام رجع إليه ، وأمر به الصحابة، وأحب أن يكون فعل ذلك، لكن من أحب أن يحرم بإحرامه قارناً وهو مهدٍ فلا بأس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع من هذا النسك، وإنما أمر أصحابه أن يحلوا إلا من كان معه الهدي وبقي على حاله، فدل ذلك على أن القران باقي لمن معه الهدي؛ لأن الرسول لم يبطله عليه الصلاة والسلام بل استمر عليه.

    لكن كونه يحرم بالتمتع ولا يهدي أفضل، يشتري من مكة أو من منى بعد ذلك عند الحاجة، ولا يهدي؛ لأن في الهدي والبقاء على الإحرام مشقة كبيرة؛ قد يندم عليها الإنسان، ولا سيما إذا طال الأمر، فقد يقدم في آخر ذي القعدة أو في أول ذي الحجة، فكونه يبقى محرماً لا يتطيب ولا يقص ظفراً ولا شارباً ولا يأتي أهله قد يشق عليه ذلك، فمن رحمة الله أن شرع لنا التمتع، وألا نكلف أنفسنا هذه الكلفة.

    فلنشتري هدينا من داخل ولا حاجة إلى أن نهدي من خارج، إذا جاء يوم العيد أو أيام التشريق اشترى الإنسان هديه من منى أو من مكة وذبحه والحمد لله، ولا يشق على نفسه بالبقاء محرماً من أول ذي الحجة أو من آخر ذي القعدة إلى يوم العيد لا يتطيب ولا يقص شعراً ولا ظفراً ولا يأتي أهله، كل هذا فيه صعوبة على الرجال والنساء جميعاً، ومن رحمة الله أن شرع التمتع لما فيه من الراحة والتيسير وعدم التكلف.

    1.   

    حكم التوكيل في ذبح الهدايا والأضاحي والفدية

    السؤال: هذا الأسلوب الذي ظهر أخيراً -سماحة الشيخ- بالنسبة للتوكيل عن الهدي والأضاحي وما كان من قبل الفدية، رأيكم فيه لو تكرمتم؟

    الجواب: هذا الذي فعله البنك الإسلامي ومن قبول الوكالات بالتخفيف عن الحجاج والتيسير عليهم أمر طيب، وقد رأينا بحمد الله فوائدها الكثيرة، وهم بحمد الله موثوقون، وعندهم عناية بهذا الأمر، وعندهم مندوبون منا ومن وزارة العدل لمراقبة أعمالهم، فنسأل الله أن ينفع بهم ويعينهم.

    فالأمر في الحقيقة فيه سعة للحجاج؛ لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يشتري الهدي وأن يتولى ذبحه وتوزيعه، فهؤلاء يشترونه ويذبحونه ويوزعونه، فالحمد لله، لا حرج في ذلك والحمد لله.

    لكن من تيسر له أن يتولى هديه ويذبحه ويوزعه فهذه درجة عليا، إذا تيسر فهو الأفضل بلا شك، لكن ما كل أحد يتيسر له ذلك لأجل الزحمة العظيمة.

    المقدم: ثم إن الهدي أو الفدية قد تذهب سدى ولا يستفاد منها كما ينبغي؟

    الشيخ: كذلك قد يكون يذبحها ويتركها، ما عنده عناية بها، فهؤلاء يعتنون بها يوزعون في الداخل وفي الخارج، تحصل المنفعة العظيمة الواسعة الحمد لله.

    1.   

    الأولى للمرأة في رمي الجمرات

    السؤال: هناك بعض الأسئلة -سماحة الشيخ- أرجو أيضاً أن تتفضلوا بالإجابة عليها حول الحج:

    ما هو الأولى للمرأة أن توكل من يرمي عنها في النهار إذا كانت لا تستطيع الرمي، أو أن ترمي ليلاً بنفسها؟

    الجواب: الذي يظهر -والله أعلم- أن توكيلها أولى؛ لأن وقوع الرمي في النهار أفضل بكل حال؛ ولأنه قد يحصل بعض الزحام في الليل، إذا تعالم الناس واعتادوا الرمي في الليل قد يصعب الأمر أيضاً، فتوكيلها حتى تؤدي العبادة في وقتها الأفضل أولى إن شاء الله؛ لكونها مثلاً عاجزة ما تستطيع الدخول مع الناس في الرمي، أو لكونها حبلى تخشى على حملها، أو لأسباب أخرى، فتوكيلها أولى.

    1.   

    حكم تأخير رمي الجمرات إلى ثالث أيام التشريق بسبب الزحام

    السؤال: جزاكم الله خيراً، في هذا الوقت يكثر الزحام في الحج ويحصل أضرار عظيمة، فهل يجوز للحاج أن يؤخر الرمي حتى اليوم الثالث عشر ويرمي عن الأيام الماضية؟

    الجواب: أجاز هذا جمع من أهل العلم، وأنه لا بأس؛ واحتجوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرعاة: أن يؤخروا اليوم الحادي عشر ويرموه مع الثاني عشر، قالوا: هذا جنس تأخير لعذر الرعاة، وإذا كان الرعاة يعذرون بسبب رعاية الإبل فكون الإنسان يعذر بسبب خوفه على نفسه الهلكة أولى وأولى، فنفس الإنسان أغلى وأرفع من نفس الإبل، فإذا كانت الرعاية للإبل ومصلحة الإبل ومصلحة الحجيج من أجل إبلهم تجعل الرعاة يرمون ليلاً ويرمون متأخرين، فخوف الإنسان على نفسه من باب أولى أن يكون عذراً؛ ولهذا أجاز جمع من أهل العلم أن يؤخر الرمي إلى اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر ثم يرمي الحاج بالترتيب، يبدأ بيوم العيد ثم الحادي عشر ثم الثاني عشر ثم الثالث عشر إن تأخر عنه، كل هذا لا حرج فيه إن شاء الله ولا بأس.

    وهكذا كون الإنسان يوكل في الرمي لعجزه وضعفه وخشيته على نفسه، كل هذا من باب رعاية المصالح العامة، ودفع الضرر العظيم؛ لأن قاعدة الشريعة: دفع الضرر، لا ضرر ولا ضرار، ورعاية المصالح العامة، ومعلوم أن اجتماع النساء والرجال فيما بين الزوال إلى غروب الشمس عند زحمة الحج، فيه الأخطار العظيمة، فإذا رئي ذلك وسمح للمرأة بالتوكيل وللشيخ الكبير ونحوه صار في هذا فرج للجميع وتيسير للجميع.

    1.   

    بعض الأحكام المتعلقة بالأضاحي

    السؤال: أخونا أحمد الشمراني من حائل يسأل سماحة الشيخ عن شعيرة الأضحية وعن أحكامها، وما حكم من لم يلتزم بها في كل عام؟ وما حكم من يغالي فيها مغالاة تكسر قلوب الفقراء؟

    الجواب: السنة في الضحية أن يضحي الإنسان عن نفسه وعن أهل بيته حسب التيسير، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إن كان موسراً ضحى بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته، وإن كان معسراً فلا شيء عليه، ولا ينبغي له بهذا المغالاة والتشديد، بل ينبغي له الرفق في كل الأمور.

    وخير الأمور أوساطها، فالسنة أن يحافظ عليها إذا كان مؤسراً، أن يحافظ عليها ولكن لا تجب، الصحيح أنها لا تجب، إنما هي سنة لفعله صلى الله عليه وسلم، ولا يغالي فيها مغالاة تضر بغيره، ويشدد على الفقراء في ذلك، بل من تيسر له ذلك ضحى وتكفي الشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته والحمد لله، ومن شق عليه ذلك فلا حرج، ولا بأس أن يدعها، وأحكامها أنه يأكل ويهدي ويتصدق كما قال تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28] في الهدايا والضحايا يأكل منها ما تيسر، يطعم الفقراء، يهدي إلى أقاربه، كل هذا أمر مستحب، وليس فيه تحديد.

    قد رأى بعض أهل العلم التثليث، وأنه يستحب أن يثلث، فيأخذ ثلثاً لنفسه وأهل بيته، وثلثاً يهديه لأقاربه وجيرانه، وثلثاً للفقراء، ولكن هذا ليس بواجب، إذا فعل ذلك فلا بأس، وإن أكل أكثر من الثلث أو أهدى أكثر من الثلث أو أعطى الفقراء غالبها، فلا بأس كله لا بأس، والحمد لله الأمر واسع بحمد الله.

    المقدم: إذاً: التثليث ليس بحديث؟

    الشيخ: ما نعلم فيه حديثاً صحيحاً، يروى فيه أحاديث لكن ليست لها أسانيد قائمة.

    ثم الضحية لابد فيها أن تكون سليمة كالهدي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أربع لا تجوز في الأضاحي -ومثلها الهدايا-: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة التي لا تنقي) هذه لا تجزي في الأضاحي ولا في الهدايا، والعمياء من باب أولى، إذا كانت العوراء لا تجزي فالعمياء من باب أولى، وكذلك المريضة البين مرضها بالجرب أو غيره.

    وهكذا الهزيلة التي لا تنقي لا تجزي في الضحايا.

    وهكذا العرجاء التي ضلعها بين بحيث ما تستطيع المشي مع الصحاح تتأخر عنهم، عرجها واضح.

    وهكذا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها لأحاديث وردت في ذلك ألا يضحى بها.

    هكذا مقطوع الإلية لا يضحى به، بل يضحي بالشاة السليمة، أما كون بها في الأذن شق أو خرق أو نحو ذلك هذا لا يمنع لكن ترك هذا أفضل، إذا تيسر سليمة فهي أفضل، ولكن هذا الخرق والشق لا يمنع الإجزاء، ولكن السليمة من ذلك أفضل.

    وهكذا التي قطع بعض قرنها، يعني: قليل من قرنها ليس هو الأكثر تجزي ولكن السليمة أفضل.

    وهكذا من قطع طرف أذنها ولكن أكثرها بقي تجزي ولكن السليمة أفضل، والله المستعان.

    المقدم: جزاكم الله خيراً..

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بالإجابة على قضايا هذه الحلقة، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم دائماً على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا مطر محمد الغامدي ، شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.