إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (160)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    ضرورة سؤال الحاج أهل العلم عما أشكل عليه

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج: نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: شيخ عبد العزيز نستكمل مع مطلع هذه الحلقة القضايا التي طرحت من قبل الأخ (م. ع. ن. ز) من جمهورية مصر العربية، في هذه الحلقة يسأل ويقول: بعض الحجاج لا يبالي بحجه، فهو لا يسأل عما أشكل عليه أو أنه يسأل عامياً أو شخصاً لا يعرف بالعلم، وتعلمون سماحتكم ما يترتب على ذلك، فبم تنصحون الناس جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

    فإن وصيتي لكل مسلم ولكل حاج أن يعنى بحجه وعباداته من صلاة وصوم وزكاة وغير ذلك، المؤمن من شأنه أن يهتم بدينه وأن يحرص على دينه حتى يؤدي ما أوجب الله عليه على بصيرة، وحتى يحذر ما حرم الله عليه على بصيرة، والحجاج جاءوا من أقطار الأرض من كل فج عميق يريدون رحمة الله وفضله وعتقه لهم من النار، ويريدون أداء ما أوجب الله عليهم من مناسك الحج والعمرة، فالواجب عليهم أن يهتموا بذلك وأن يعنوا بذلك، وأن يسألوا عما أشكل عليهم أهل العلم، وهم بحمد الله موجودون، ومن أشكل عليه سأل عنهم في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وقد عينت الحكومة السعودية وفقها الله علماء في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي وفي المشاعر يبصرون الناس ويعلمونهم مناسكهم ويرشدونهم إلى كل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهم يقومون بالوعظ والتذكير والتدريس والإفتاء، فعلى الحاج أن يسأل من وجد منهم في المسجد الحرام في المشاعر في المسجد النبوي، وهكذا يسأل من يعرف من العلماء من جماعته من رفقته من غيرهم، من عرف من علماء الشريعة المعروفين بالاستقامة والغيرة لله والعلم بشريعته يسأله من أي جنس كان من الشام من العراق من مصر من أفريقيا من أي مكان، ما دام يعرفه بالخير ويعرفه بالعلم والفضل والغيرة لله والبصيرة في دينه حتى يفقهه حتى يعلمه ما يحتاج إليه في حجه وعمرته وصلاته وسفره وإقامته وغير ذلك.

    ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق على صحته، فهذا يدلنا على أن من علامات الخير ومن علامات التوفيق للعبد أن يفقه في دين الله وأن يتبصر في دين الله، كما يدل على أن من علامات الخذلان وعدم التوفيق الجهل بالدين والإعراض عن الدين والغفلة.

    فعليك يا أخي أيها الحاج وعليك أيتها الأخت في الله الحاجة عليكما جميعاً العناية بالحج والعناية بجميع أمور الدين، في مكة وفي المدينة وفي بلادكم وفي كل مكان.

    فالواجب على المكلف من الرجال والنساء العناية والتبصر في الدين، لماذا؟ لأننا مخلوقون لنعبد الله، يقول الله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] والله أرسل الرسل لهذا الأمر؛ ليبصروا الناس ويعلموهم وعلى رأسهم نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، فهو أفضل الرسل وهو إمامهم وهو خاتمهم وهو نصيبنا منهم عليه الصلاة والسلام، فالواجب علينا جميعاً أن نتعلم ديننا من كتاب ربنا ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام حتى نعلم العبادة التي خلقنا لها، ما هي العبادة التي خلقنا لها، نتعلمها من كلام ربنا ومن كلام رسوله، فما أمر الله به ورسوله فهو العبادة، وما نهى عنه الله ورسوله فهو المنكر الذي يترك، والطريق إلى هذا العلماء، العلماء الشرعيون العلماء الفقهاء بدين الله المعروفون بالخير والاستقامة هم الواسطة بين العامة وبين كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، هم الذين يعلمون الناس دينهم، فمن كان عنده علم رجع إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وتبصر منهما وعلم الناس، ومن لم يكن له علم مثل عامة المسلمين من الحجاج وغيرهم يسألون أهل العلم، والله سبحانه يقول : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    فوصيتي للحجاج جميعاً من الرجال والنساء أن يتقوا الله وأن يحرصوا غاية الحرص على إكمال حجهم وعلى العناية به وعلى كل ما أوجب الله عليهم من صلاة وصوم وحق الزوج وحق الزوجة وحق الأقارب وحق الوالدين وحق الجار إلى غير ذلك، المؤمن يتبصر في دينه والمؤمنة كذلك وبالأخص في الحج وقت أداء الحج يخص ذلك بمزيد عناية حتى يؤدي حجه على بصيرة، والله سبحانه يقول: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) يعني: رجع مغفوراً له إذا أدى الحج كما ينبغي، والرفث: الجماع ودواعيه من قبلة ومس بشهوة ونحو ذلك، فالحاج لا يجوز له جماع زوجته وليس لها أن تمكنه من ذلك حتى يحل من حجه، حتى يحل التحلل الثاني الكامل برمي الجمار يوم العيد وبالحلق أو التقصير وبالطواف والسعي، هذا هو التحلل الكامل، وبعده يحل للرجل جماع أهله، وفي العمرة ليس له جماعها ولا وسائل ذلك من القبلة والملامسة بشهوة، ليس له ذلك حتى يطوف كل منهما وحتى يسعى كل منهما وحتى يحلق الرجل أو يقصر وحتى تقصر المرأة لأنه ليس لها إلا التقصير، فإذا طاف الرجل وسعى وحلق أو قصر حل من عمرته، وإذا طافت وسعت وقصرت من رأسها حلت من عمرتها، فبعد ذلك يحل لهما الجماع الذي أباح الله.

    ومن الرفث -مثلما تقدم- دواعي الجماع كونه يلمسها بشهوة أو يداعبها المداعبة التي تجر إلى الجماع هذا محرم؛ لأنه من الرفث. والفسوق: المعاصي جميعها، كل المعاصي تسمى فسوقاً؛ كالسب والشتم للناس وضربهم وإيذائهم والغيبة والنميمة والسرقة؛ سرقة أموال الناس أو نهبها، كل هذا من الفسوق، فيجب على الحاج أن يحذر ذلك، وهكذا غير الحاج يجب الحذر من هذه المعاصي، ولكن الحاج بصفة خاصة يجب أن يحذر ذلك فلا يؤذي أحداً لا عند الطواف ولا في السعي ولا في أي مكان، لا بيده ولا برجله ولا بكلامه، ولا يأخذ مال أحد إلا بحق، ولا يغتب الناس، ولا ينم عن الناس، ولا يشهد الزور، ولا يكذب، ولا يفعل شيئاً مما حرم الله حتى يكمل حجه وحتى يتممه، وحتى يرجع مغفوراً له بإذن الله، والجدال معناه: المراء في الدين بغير حق وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] يعني: لا مراء في غير الحق، كونه يجادل بالباطل مع إخوانه أو مع آخرين غير جماعته، أما بيان الحق بالدليل وبالتي هي أحسن فهذا لا بأس به؛ لأن الله قال في كتابه العظيم: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    فالجدال بالتي هي أحسن في بيان الحق بيان مشاعر الحج بيان ما أشكل على الناس لإزالة الشبهة هذا لا بأس، أما الجدال لإظهار جودته أو لإظهار فهمه أو ليغلب الناس أو لشيء من الأغراض الأخرى ليس لقصد الخير فهذا هو المذموم وهو الجدال الذي نهى الله عنه، أما الجدال بالتي هي أحسن في بيان الحق وإرشاد الجاهل وتعليمه وإزالة الشبهة وكشفها فهذا مأمور به وليس داخلاً في النهي. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    تلخيص صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام

    السؤال: أحد المهتمين بهذا البرنامج سماحة الشيخ يسأل ويقول: لخصوا لنا الطريق الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حجه؟

    الجواب: هذا معناه: بيان حجه صلى الله عليه وسلم، وعمدة المؤمنين وعمدة الفقهاء في كل مذهب من المذاهب المعروفة هو عمدتهم حج النبي عليه الصلاة والسلام في بيان أحكام الحج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حج وقال: (خذوا عني مناسككم)، فالمسلمون اعتمدوا في بيان أعمال الحج وسننه وما ينهى عنه اعتمدوا على حجته صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وهي حجة واحدة لم يحج بعدما هاجر سوى حجة واحدة وهي الحجة الأخيرة التي حجها عام عشر ولم يعش بعدها إلا قليلاً.. قريباً من ثمانين يوماً تزيد قليلاً ثم توفي عليه الصلاة والسلام ونقله الله إلى الرفيق الأعلى عليه الصلاة والسلام، وقيل لها: حجة الوداع؛ لأنه ودع الناس فيها، وقال: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).

    فهو صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة عام عشر من الهجرة ونزل ذا الحليفة -ميقات أهل المدينة- يوم السبت بعد صلاة الظهر، صلى بالناس الظهر في المدينة وذكرهم ووعظهم وعلمهم كيفية مناسك الحج، ثم ارتحل فنزل في ذي الحليفة بالناس وصلى فيها العصر ركعتين والمغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، وصلى فيها الفجر يوم الأحد، وصلى فيها الظهر يوم الأحد ركعتين حتى تلاحق الناس، ثم توجه من ذي الحليفة بعد الظهر، أحرم بعدما صلى الظهر عليه الصلاة والسلام، أحرم بالحج والعمرة جميعاً قارناً، وساق معه ثلاثاً وستين بدنة، وجاء علي رضي الله عنه من اليمن ببقية الهدي سبعة وثلاثين، صار الجميع مائة بدنة ساقها عليه الصلاة والسلام، وكان بعدما صلى الظهر وبعدما لبس الإزار والرداء وبعد الغسل والتطيب لبى بقوله: (اللهم لبيك عمرة وحجة) عليه الصلاة والسلام بعدما اغتسل وبعدما لبس الإزار والرداء وبعدما طيبته عائشة بطيب طيب من المسك لبى بعدما ركب دابته، هذا هو السنة إذا أتى الميقات: يغتسل ويتطيب ويلبس إزاره ورداءه إن كان رجلاً، وتلبس ملابسها المرأة التي تريد والأفضل أن تكون ملابس ما تلفت النظر ملابس غير جميلة حتى لا تلفت النظر، فإذا فرغ كل منهما من ذلك ركب دابته أو السيارة ثم لبى، هذه السنة، يلبي بعدما يركب بعدما يفرغ من حاجاته كلها، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان بعد فريضة كان أفضل؛ لأن الرسول أحرم بعد فريضة الظهر عليه الصلاة والسلام، وإن كان في غير فريضة كالضحى فلا بأس، وذكر جمهور العلماء أنه يستحب له أن يتوضأ ويصلي ركعتين قبل أن يحرم كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر وأحرم بعدها، يستحب للمسلم والمسلمة عند الإحرام في غير وقت الصلاة أن يصلي ركعتين مثل الضحى فيحرم بعدهما هكذا قال الجمهور، ولا أعلم نصاً واضحاً في ذلك إلا أنهم أخذوا بفعله صلى الله عليه وسلم لما أحرم بعد صلاة الظهر، ولأنه جاء في حديث صحيح رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة) قال بعض أهل العلم: إن هذا بعمومه يدل على شرعية الصلاة عند الإحرام، ولكنه ليس بصريح لأنه يحتمل أن المراد صلوات الفريضة التي صلاها عليه الصلاة والسلام.

    فالحاصل أن الأمر في هذا واسع، إن كان وافق فريضة فهو أفضل، وإن لم يوافق فريضة بأن كان إحرامه مثلاً في الضحى فإذا توضأ وصلى ركعتين وأحرم بعدهما كان حسناً إن شاء الله كما قال جمهور أهل العلم، ولأن الوضوء له سنة، فإذا توضأ الإنسان شرع له سنة الوضوء فيلبس إزاره ورداءه ويتطيب ويستكمل كل شيء، مثلاً: إن كان شاربه طويلاً قصه، إن كان عنده أظفار طويلة قلمها وهكذا إبطه وهكذا عانته، هذا من باب السنة، وإذا فعل هذا في بيته قبل ذلك كفى ذلك والحمد لله.

    ثم بعدما ينتهي من هذا كله ويتهيأ يركب؛ يركب الدابة أو السيارة والآن الموجود السيارات والدواب الآن تركت واكتفي بالسيارة، فالسيارة تقوم مقام الدابة، فإذا ركب لبى قال: اللهم لبيك عمرة وحجا إن كان قارناً كفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لبى قارناً؛ لأنه ساق الهدي، أما إن كان ما ساق الهدي فالأفضل أن يلبي بالعمرة يقول: اللهم لبيك عمرة، وإن كان الوقت ضيقاً لبى بالحج: اللهم لبيك حجاً، يكفي هذا، هذا هو الأفضل من القران، وإنما يشرع القران لمن ساق الهدي من إبل أو بقر أو غنم، وبعدما يقول هذا يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، هذه تلبيته عليه الصلاة والسلام: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، بعدما بين نسكه بعدما لبى بالعمرة والحج، وهكذا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فعلوا مثله كانوا يرفعون أصواتهم بذلك، وكان يرفع صوته بذلك عليه الصلاة والسلام وهذا المشروع، رفع الصوت بالتلبية حتى يسمع القريب والبعيد، وحتى ينشط الناس ويتتابعوا في هذه التلبية العظيمة التي فيها توحيد الله والإخلاص له، ولهذا قال جابر رضي الله عنه: (إنه صلى الله عليه وسلم لما أحرم في ذي الحليفة أهل بالتوحيد) لأن قوله: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، هذا هو التوحيد، وكانت العرب تشرك في التلبية فتقول: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فأبطل الله ذلك بفعل نبيه صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً عليه الصلاة والسلام فقال: (لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، هذه التلبية الشرعية الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإن لبى بزيادة بأن قال: (لبيك اللهم لبيك، لبيك إله الحق لبيك)، فقد ورد هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو لبى بأنواع مما جاء عن بعض الصحابة مثل: لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك، ومثل: لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً.. وما أشبه ذلك كله حق لا بأس، لكن التلبية التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولازمها أفضل من غيرها.

    ولما كانت أسماء بنت عميس قد ولدت في ذي الحليفة ابنها محمد بن أبي بكر واستفتت النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل وتلبي وهي في نفاسها، فدل ذلك على أن المرأة إذا كانت في النفاس تلبي وهي في النفاس لا بأس، وهكذا الحائض إذا جاءت الميقات وهي حائض تلبي، تغتسل، الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهما بالاغتسال؛ أمر أسماء بالاغتسال وأمر عائشة لما حاضت وأرادت التلبية بالحج ثم بمكة أمرها أن تغتسل.

    فالمقصود أنه صلى الله عليه وسلم أمر النفساء والحائض بالاغتسال عند الإحرام، فهو سنة للجميع ولو كان لا يرفع الحدث في حق الحائض والنفساء حتى تنتهي، لكنه فيه النظافة والنشاط، وعائشة رضي الله عنها لما وصلت مكة محرمة بالعمرة نزل بها الحيض قبل أن تطوف وتسعى، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وأن تلبي بالحج مع العمرة فصارت قارنة رضي الله عنها وأرضاها.

    ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة ملبياً وسار معه المسلمون يلبون: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، حتى وصل مكة في يوم الأحد الدائر الذي هو دور الأحد الذي أحرم فيه عليه الصلاة والسلام، وصل مكة صباح يوم الأحد ونزل بذي طوى في طرف مكة، وصلى بها الفجر وبات بها عليه الصلاة والسلام، واغتسل فيها أيضاً عند دخوله مكة، فهو أفضل عند دخول مكة إذا تيسر أن يغتسل، هذا إذا تيسر وليس بلازم، ثم لما اغتسل دخل مكة صلى الله عليه وسلم وطاف عليه الصلاة والسلام وسعى يوم الأحد عليه الصلاة والسلام رابع شهر ذي الحجة عام عشر من الهجرة، طاف وسعى وبقي على إحرامه؛ لأنه قارن ومعه الهدي فلم يحل إلا يوم النحر عليه الصلاة والسلام، وأما الصحابة الذين معه فمن كان معه الهدي فعل فعله، طاف وسعى وبقي على إحرامه فلم يحل إلا يوم النحر، وأما الذين ليس معهم هدي وقد لبوا بالحج أو بالحج والعمرة جميعاً فإنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يجعلوها عمرة وأن يفسخوا إحرامهم بالحج والعمرة إلى العمرة، أمرهم أن يجعلوها عمرة مفردة فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا بأمره عليه الصلاة والسلام، ومن كان معه الهدي بقي على إحرامه مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    هذه صفة دخوله مكة عليه الصلاة والسلام وسيره من ذي الحليفة إلى أن وصل مكة عليه الصلاة والسلام على هذا النحو، والمسلمون تابعوه بهذا عليه الصلاة والسلام واحتجوا بعمله هذا على ما ذكر من هذه الأمور، لأنه صلى الله عليه وسلم المشرع المبين للناس، ولأنه قال للناس: (خذوا عني مناسككم) فهذا هو المشروع كما ذكرنا عنه عليه الصلاة والسلام، ويأتي إن شاء الله بيان بقية أعماله صلى الله عليه وسلم لما توجه إلى منى وتوجه المسلمون يأتي إن شاء في حلقات أخرى.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله ...)

    السؤال: إذاً ننتقل إلى مواضيع أخرى حول الحج جزاكم الله خيراً وفي الحلقات القادمة نستكمل صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل لو تكرمتم كما يسأل السادة المستمعون عن قول الحق تبارك وتعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] الآية، ولم ذكر الجناح في هذه الآية بالذات؟

    الجواب: يقول الله سبحانه: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] الصفا والمروة جبلان معروفان في مكة في طرفي المسعى ( من شعائر الله ) أي: من معالم دينه، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] فكأن السائل يستشكل: كيف يقال: ( فلا جناح ) مع أن العبد مأمور بذلك وفرض عليه أن يسعى؟!

    والجواب عن ذلك: أن المسلمين تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة؛ لأن الجاهلية كانت تسعى بين الصفا والمروة، وكان على المروة صنم وعلى الصفا صنم، فتحرج الناس من ذلك، فأنزل الله الآية وأنه لا جناح على المسلمين لأنهم يسعون ليس كسعي الجاهلية، يسعون لله والأصنام أزالها الله، كسرت الأصنام وأزالها الله على يد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي في المسجد الحرام والتي عند الصفا والمروة وغير ذلك كلها بحمد الله كسرت وأزيلت، فالمسلمون سعوا لله عز وجل طاعة له وتعظيماً لأمره كما سعى نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلا جناح عليهم في ذلك وإن كان الجاهلية يفعلون ذلك لكن عمل الجاهلية غير عمل المسلمين، فالجاهلية يتقربون لأصنامهم وأوثانهم بقربات كثيرة، والمسلمون يتقربون إلى الله بسعيهم وطوافهم وصلواتهم وغير ذلك، فبين سبحانه أنه لا جناح على المسلمين في طوافهم بين الصفا والمروة وإن كان ذلك من عمل الجاهلية، لكن العمل الذي يفعله المسلمون لله وحده واتباعاً لنبيه عليه الصلاة والسلام وليس كعمل الجاهلية، فهو واجب وفرض عليهم ولا جناح عليهم فيه ولا حرج عليهم فيه وإن كانت الجاهلية فعلته.

    1.   

    أثر ترك استلام الحجر الأسود والركن اليماني على الحج

    السؤال: يسأل أحد الإخوة ويقول: إذا لم أمس الكعبة أو الحجر الأسود أو الركن اليماني أو لم أشرب من زمزم هل يتأثر حجي؟

    الجواب: لا، ليس عليه في هذا شيء، إنما شرع الله لنا عند الطواف أن نستلم الحجر الأسود باليد اليمنى ونقبله إذا تيسر ذلك هذا هو الأفضل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك استلمه وقبله عليه الصلاة والسلام قال: الله أكبر، فهذا هو السنة، وهكذا الركن اليماني إن تيسر له استلامه استلمه بيمينه وقال: بسم الله والله أكبر، وأما بقية أجزاء الكعبة فلا يستحب مسها ولا تقبيلها ولا غير ذلك، إنما يطوف على الكعبة من وراء الحجر حتى يكمل السبعة الأشواط، كلما حاذى الحجر الأسود قبله واستلمه إذا تيسر من دون زحام ولا مشقة، وكلما حاذى الركن اليماني كذلك استلمه من دون تقبيل، الركن اليماني لا يقبل ولكن يستلم باليد، ويقول: بسم الله والله أكبر، والحجر الأسود إذا وصل إليه استلمه بيده وقبله، وإن لم يتيسر استلمه بيده وقبلها أو بعصا معه وقبلها، فإن لم يتيسر ذلك أشار من بعيد وكبر ويكفيه، ولا يزاحم الناس ولا يؤذي الناس لا عند هذا ولا عند هذا، بل يمشي في طوافه حتى يكمل إن تيسر له من دون مزاحمة ولا مشقة استلم الحجر الأسود وقبله واستلم الركن اليماني ولم يقبله اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وسيراً على منهجه عليه الصلاة والسلام، فإن شق ذلك بسبب كثرة الناس فإنه يشير إلى الحجر الأسود وهو ماش في طوافه.

    وأما الركن اليماني فلم يرد أنه يشار إليه بل يمر ويكفيه، ويقول بين الركنين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، في آخر كل شوط كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الكعبة لا يمسها عند الطواف لا الركن الشامي ولا غيره -العراقي- كلها ولا جدار الحجر ما هو بمشروع، لو مسها ما يضر لو مسها بيده وهو ماشي ما يضر، لكن ما يشرع أن يمس هذا للتقرب والطاعة، إنما يشرع مس الحجر الأسود وتقبيله أو مس اليماني هذا هو المشروع، وأما بقية أجزاء الكعبة فلا يشرع له تقبيلها ولا استلامها ولا استلام جدار الحجر المعروف ولا غير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل الكعبة في وسطها دار في نواحيها ودعا وكبر ووضع يديه على جدارها من داخل ودعا ربه عليه الصلاة والسلام وضع يديه وصدره عليها ودعا ربه، أما من خارج فلم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وروي عنه أنه وقف في الملتزم ودعا وألصق صدره ويديه في الجدار ولكنه ليس بثابت، لم يثبت من طريق صحيحة وإنما يقف عند الملتزم إذا تيسر ويدعو بين الركن والباب فعله بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والأمر في ذلك واسع بين الركن والباب بعد الطواف الأول أو غيره يدعو ويسأل ربه من فضله سبحانه وتعالى لا بأس بذلك، يضع يديه وذراعيه وخده على جدار الكعبة بين الركن والباب ويدعو ربه، وإن ترك ذلك فلا بأس؛ لأنه ليس فيه سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جاء من فعل بعض الصحابة وروي فيه حديث مرفوع لكن في سنده ضعف، فالأمر فيه واسع إن شاء الله، وأما بقية جدار الكعبة فلا يستحب للطائف أن يستلمها أو يلصق صدره فيها أو في الكسوة، كل هذا غير مشروع.

    المقدم: إذاً الزحام الشديد الذي يصوره سماحتكم يعتبر غير مشروع وذلك من أجل تقبيل الحجر الأسود أو لمسه؟

    الشيخ: يكون عذراً في ترك السنة ولاسيما النساء، النساء أخطر فلا يزاحمن لا عند الركن اليماني ولا عند الحجر الأسود، بل يكن في أطراف المطاف حتى لا يزاحمن الناس؛ لأنهن فتنة وعورة فالأمر في حقهن أشد، فلا يزاحمن الرجال لا عند الركن اليماني ولا عند الحجر الأسود ولا في غير ذلك بل يكن في أطراف المطاف يكون ذلك أسلم لهن وأسلم للناس، والزحام عذر للجميع، لا يزاحم الزحام الذي يشق عليه وعلى الناس، بل يمشي مع الناس بالهدوء ولا يؤذي أحداً لا من الرجال ولا من النساء، كل واحد من الحجاج يتحرى ذلك يحرص جداً على أنه لا يؤذي أحداً من الناس لا في الطواف ولا في السعي، لا عند الحجر الأسود ولا عند الركن اليماني، يحرص جداً أنه لا يؤذي أحداً ولو لم يقبل الحجر ولو لم يستلم الركن اليماني، يكفيه ذلك والحمد لله.

    1.   

    حكم تغسيل المحرم ملابس إحرامه

    السؤال: أحد الإخوة المستمعين يسأل أيضاً سماحة الشيخ عن غسل الإحرام إذا اتسخ، هل يجوز للمحرم أن يفعل ذلك؟

    الجواب: نعم، إذا أحب أن يغسل إحرامه ولاسيما إذا اتسخ فلا بأس، لا بأس أن يغسله ولا بأس أن يبدله بإحرام آخر، الرجل والمرأة، من أراد أن يبدل ملابس الإحرام بملابس أخرى جديدة أو غسيلة فلا بأس من الرجال والنساء، وهكذا لو توسخت يغسلها، أو أصابها نجاسة يغسلها ثم يلبسها، الأمر فيه واسع إن شاء أبدلها وإن شاء غسلها، الأمر في هذا واسع.

    المقدم: جزاكم الله خيراً سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بالإجابة على ما طرح من قضايا في هذه الحلقة، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم دائماً على خير.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجل لكم هذه الحلقة زميلنا: مطر محمد الغامدي . شكراً لكم جميعاً وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.