إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (121)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم احتجاب المسلمة من الخادمة الكافرة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: نعود في بداية لقائنا سماحة الشيخ إلى رسالة الأخت: (ن. ع. غ) من الرياض، أختنا تسأل في هذه الحلقة وتقول: توجد لدينا خادمة مسيحية، هل يجب علينا التحجب عنها أم لا؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    أولاً: يجب أن نعلم أنه لا يجوز استقدام الكفرة إلى هذه الجزيرة، لا من النصارى ولا من غير النصارى كالبوذيين وغيرهم، والهندوس ونحو ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج الكفرة من هذه الجزيرة، وأوصى عند موته صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من هذه الجزيرة وهي: المملكة العربية السعودية واليمن ودول الخليج، كل هذه جزيرة عربية، فالواجب أن لا يقر فيها الكفرة، من اليهود والنصارى والبوذيين والشوعيين والوثنيين جميع من يحكم الإسلام بأنه كافر، لا يجوز بقاؤه ولا إقراره في هذه الجزيرة، ولا استقدامه إليها، إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر ضرورة لأمر عارض ثم يرجع إلى بلده، كالبريد الذي يأتي من دولة كافرة، وأشباه ذلك مما قد تدعو الضرورة إلى مجيئه إلى هذه المملكة، وشبهها كاليمن ودول الخليج.

    أما استقدامهم ليقيموا هنا، أو ليخدموا هنا، أو ليعملوا هنا، فلا يجوز استقدامهم، بل يجب أن يكتفى بالمسلمين في كل مكان، وأن تكون المادة التي تصرف لهؤلاء الكفار تصرف لغيرهم من المسلمين، وأن ينتقى من المسلمين من يقوم بالأعمال حسب الطاقة والإمكان، على المحتاجين إلى هؤلاء المشركين أن ينظروا في البلاد التي فيها المسلمون، ويستقدموا من المسلمين ما يغنيهم عن هؤلاء الكفرة، وأن يختاروا من المسلمين من كان أبعد عن البدع والشر، حتى لا يستقدم إلا من هو طيب ينفع البلاد ولا يضرها، هذا هو الواجب، لكن من بلي بشيء من هؤلاء الكفرة كالنصارى ؛ فإنه يحرص على التخلص منهم وردهم إلى بلادهم بأسرع وقت حسب الإمكان، ولا يجب على المرأة أن تحتجب عن النصرانية أو البوذية ونحوها على الصحيح، ذهب بعض أهل العلم إلى أن المسلمة تحتجب عن الكافرات؛ لقوله سبحانه في سورة النور: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] لما ذكر من تمنع من إبداء الزينة له قال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31]، قال بعض أهل العلم: (نسائهن)، يعني: المؤمنات، فإذا كان النساء كافرات فإن المؤمنة لا تبدي زينتها لها، وقال آخرون: المراد بنسائهن يعني: جنس النساء ليس المراد هنا الخاص جنس النساء مؤمنة أو غير مؤمنة، وهذا هو الأرجح أنه ليس على المرأة المؤمنة أن تحتجب من الكافرة.

    وكان اليهوديات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهكذا الوثنيات كن يدخلن على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل: أنهن كن يحتجبن عنهن، ولو كان هذا واقعاً من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيرهن لنقل، فإن الصحابة لم يتركوا شيئاً إلا نقلوه رضي الله عنهم وأرضاهم، فهذا هو المختار وهو الأرجح؛ أنه لا يلزم المؤمنة أن تحتجب عن المرأة الكافرة، فلها أن ترى منها وجهها وشعرها كالمرأة المسلمة، هذا هو الصواب وهذا هو الأرجح، والله المستعان.

    1.   

    معنى حديث: (صنفان من أهل النار لم أرهما ...)

    السؤال: أختنا أيضاً تسأل عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مائلات مميلات)؟

    الجواب: هذا حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها..) الحديث، وهذا وعيد عظيم، يجب الحذر مما دل عليه، فالرجال الذين بأيديهم سياط كأذناب البقر هم من يتولى ضرب الناس بغير حق من شرطة، أو رجال آخرين من غيرهم، كل من يتولى ضرب الناس بغير حق هو داخل في هذا الحديث، سواء كان بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة؛ لأن الدولة إنما تطاع في المعروف، يقول صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف)، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات) فقد فسر ذلك أهل العلم بأن معنى قوله: (كاسيات) يعني: من نعم الله، (عاريات): من شكرها، لم يقمن بطاعة الله، بل تجرأن على المعاصي والسيئات، مع إنعام الله عليهن بالمال وغيره، وفسر أيضاً بمعنى آخر وهو أن معنى (كاسيات): يعني: كسوة اسمية لا حقيقة لها، يعني: أنها كسوة لا يحصل بها المقصود؛ ولهذا قال: (عاريات)، فهناك كسوة لكنها لا قيمة لها، ولا نفع لها؛ إما لقصرها؛ وإما لرقتها، رقيقة ترى منها العورات، أو قصيرة تبدو منها الأرجل، أو غيرها من الأيدي والصدور ونحو ذلك.

    فالحاصل أنها كسوة لا يحصل بها المقصود؛ ولهذا سميت عارية؛ لعدم وجود الكفاية في الكسوة، بل هي كسوة رقيقة مبدية للعورات، أو قصيرة لم تستر البدن كله.

    (مائلات) يعني: عن العفة والاستقامة، يعني عندهن معاصٍ وسيئات؛ ولهذا قيل لهن: مائلات، يعني: عن العفة، كالتي تتعاطى الفاحشة، أو عن أداء الفرائض من الصلوات وغيرها.

    (مميلات): المعنى: مميلات لغيرهن، يعني: أنهن يدعين إلى الشر والفساد، فهن بأفعالهن وأقوالهن يملن غيرهن إلى الفساد والمعاصي وتعاطي الفواحش؛ لعدم إيمانهن أو لضعف إيمانهن وقلة إيمانهن.

    فمقصود النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك التحذير، المقصود من هذا التحذير من هذا العمل السيئ، والتحذير من اتخاذ هؤلاء الموصوفات صديقات أو جليسات، بل يجب تحذيرهن والإنكار عليهن، وأن لا يتخذن جليسات ولا صديقات وهن بهذه الحال؛ لما عندهن من الفساد والشر.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة)، قال بعض أهل العلم: معنى ذلك: أنهن يعظمن الرءوس، بما يجعلن عليها من الخرق واللفائف، وغير ذلك حتى تكون مثل أسنمة البخت المائلة، والبخت: نوع من الإبل لها سنامان بينهما شيء من الانخفاض، فهذا مائل إلى جهة، وهذا مائل إلى جهة طرف مائل إلى جهة وطرف مائل إلى جهة، فهؤلاء النسوة لما عظمن رءوسهن وكبرن رءوسهن بما يجعلن عليها، أشبهن هذه الأسنمة.

    قوله: (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) هذا وعيد شديد يفيد الحذر، ولا يلزم من ذلك الكفر ولا خلودهن في النار كسائر المعاصي، هذا وعيد، فإذا كن مسلمات ولكن تعاطين هذه الفواحش، فهذا من أسباب دخولهن النار والعقاب في النار بقدر معاصيهن، ولا يخلدن في النار إذا كن مسلمات موحدات لله عز وجل، مؤمنات بالرسول صلى الله عليه وسلم، لا يخلدن في النار، ولكن هن متوعدات بهذا الوعيد الشديد على معاصيهن وسيئاتهن.

    وأهل السنة والجماعة يقولون: إن العاصي ولو دخل النار لا يخلد، هو على خطر لكن لا يخلد إذا دخلها بل يعذب على قدر معاصيه التي مات عليها ولم يتب، ثم يخرجه الله من النار بعد التمحيص والتطهير إلى الجنة، هذا هو قول أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة، الخوارج والمعتزلة يقولون: إن من دخل النار يخلد فيها مطلقا، وهذا قول باطل وضلال، فعند المعتزلة وعند الخوارج: أن الزاني مخلد في النار، والزانية مخلدة في النار، والسارق مخلد في النار، والعاق لوالديه مخلد في النار، والقاطع رحمه مخلد في النار، والمرابي مخلد في النار إذا دخلها كلهم؛ لأنهم عندهم أن هذه المعاصي توجب النار، والخلود فيها أبد الآباد كالكفار نعوذ بالله من ذلك، وهذا قول فاسد عند أهل السنة وخطأ، قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تواترت عنه الأخبار: أن العصاة يخرجون من النار، وأنه يشفع فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويشفع فيهم المؤمنون، ويشفع فيهم أفراطهم، وتشفع الملائكة، فيخرج الله من النار كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، مثقال شعيرة من إيمان، مثقال برة من إيمان.

    المقصود أن أهل المعاصي الموحدين المسلمين الذين دخلوا النار بمعاصيهم وهم ليسوا كفاراً، فإنهم لا يخلدون في النار، بل متى دخلوها عذبوا فيها بقدر الجرائم التي ماتوا عليها، وبعد التطهير والتمحيص يخرجهم الله من النار فضلاً منه سبحانه وتعالى، إما بشفاعة الشفعاء، وإما بمجرد فضله ورحمته سبحانه وتعالى من دون شفاعة أحد، فضلاً من الله عز وجل.

    هذا هو الذي هو عليه أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أتباعهم بإحسان رضي الله عنهم.

    1.   

    التحذير من وعظ الناس بالموضوعات والأباطيل

    السؤال: بارك الله فيكم، هنا رسالة وصلت إلى البرنامج بتوقيع مجموعة من الإخوة يقولون بعض المصلين بحي دار النعيم ببور سودان من السودان، إخواننا يقولون: ذات يوم في مسجدنا خطب علينا أحد مدعي العلم بعد أن صلى بنا صلاة الظهر، بدأ الحديث قائلاً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما توفيت زوجته خديجة ، ذبح عليها ناقته، وأقام عليها الفراش لمدة ثلاثة أيام، وقال: إن ذلك جاء في حديث رواه قتادة الصحابي، ثم ساق حديثاً آخر رفض أن يبين راويه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا شجرة وعلي ساقها، وفاطمة فروعها، والحسن والحسين ثمارها.

    ثم أورد حديثاً ثالثاً قال فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادفه يوماً بأحد جبال مكة رجل يهودي، فقال له: ألم تؤمن بي؟ قال اليهودي: لا، لا أؤمن بك، فقال له: ادع تلك الشجرة فقال لها: إن محمداً يدعوك، فجاءت إليه تظلله بأغصانها، وتجر جذورها، فقال لها: من أنا؟ قالت: إنك محمد رسول الله، فنطق اليهودي بالشهادتين بعد مشاهدة هذه المعجزة، ثم صعدت الشجرة إلى السموات، وطافت حول العرش والكرسي واللوح والقلم، وطلبت من الله الإذن لها بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إن اليهودي قبل كفي وقدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم ساق قصة أخرى فقال: إن عثمان بن عفان رضي الله عنه وجد رجلاً يطوف بالكعبة، فقال له: إنك زانٍ، فقال له: كيف عرفت ذلك؟ قال: عرفته في عينيك، فقال الرجل: أنا لم أزن، ولكني نظرت إلى يهودية، فقال الرجل لـعثمان رضي الله عنه: وهل عرفت ذلك بالوحي؟ قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن، ولما طالبناه بالأدلة كاد أنصاره أن يفتكوا بنا، نرجو أن نعرف رأي الشرع فيما قاله هذا الرجل، وعن هذه القصص التي جعلها موعظة يوعظ بها الناس مفضلاً إياها على سواها من المواعظ المفيدة والنافعة، جزاكم الله خيراً، وذيلوا الرسالة بقولهم: نود أن تعرض أسئلتنا على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ؟

    الجواب: هذه الأخبار التي ذكرها هذا الواعظ كلها باطلة، كلها مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، كلها لا أصل لها، فلم يفعل عزاءً لما توفيت خديجة رضي الله عنها، ولم يذبح ناقة، ولم يدع الناس إلى العزاء كما يفعل بعض الناس اليوم، كل هذا لا أصل له، رضي الله عن خديجة وأرضاها كان يدعو لها كثيراً، وكان في بعض الأحيان يذبح الشاة ويوزعها على خليلاتها وعلى صديقاتها؛ من باب الهدية والإحسان؛ ليدعو لها ويحسن إليها بالدعاء.

    أما أنه فعل عزاءً لما ماتت أو ذبح ناقة أو نحو ذلك فهذا كله لا أصل له كله كذب.

    وهكذا قوله: (إنه شجرة وعلي ساقها..) إلى آخره، كل هذا باطل لا أصل له وليس بصحيح، وهكذا ما ذكر عن اليهودي وعن الشجرة التي نطقت وقالت: أنه رسول الله، وأن الله أنطقها، وأنها عرجت إلى السماء، وطافت حول العرش، كل هذا لا أصل له، كله باطل وكله كذب من كذب المفترين المجرمين، وهكذا ما يروى عن عثمان أنه قال لرجل: أنك زانٍ، وأنه عرف هذا من عينيه كله باطل، ولا أساس له من الصحة، وقتادة ليس بصحابي بل هو تابعي، من التابعين وليس من الصحابة.

    فالمقصود أن هذه الأخبار الأربعة كلها باطلة، كلها لا صحة لها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الرابع صحيح عن عثمان ، ولا أساس لذلك، بل هو من كذب الكذابين.

    لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى أنه دعا بعض الشجر فجاء، وهو من علامات النبوة، كان ذات يوم أراد أن يقضي حاجة له، فدعا شجرتين فالتأمتا وجلس بينهما حتى قضى حاجته، وجاء نحو هذا في أحاديث أخرى أنه دعا بعض الشجر فجاء إليه، وكان هذا من آيات النبوة، ومن دلائل صدقه صلى الله عليه وسلم، لكن هذا غير هذا الخبر الذي ذكره هذا المفتري من أنها تكلمت وأنها قالت: أنت محمد، لا، إنما أجابت دعوته لما دعاها عليه الصلاة والسلام وحضرت، وأما أنها تكلمت وقالت: أنت محمد أو كذا، أو شهدت أن محمداً رسول الله، أو أنها عرجت إلى السماء وطافت حول العرش، كل هذا لا أصل له، كله باطل.

    فينبغي التحرز من هؤلاء، وينبغي للواعظ إذا وعظ أن يذكر الناس بما ينفعهم في دينهم، من الأحاديث الصحيحة، أو من آيات القرآن، فيذكر الناس بكتاب الله عز وجل، ويعظهم بذكر الآيات التي فيها وعظهم وتذكيرهم فيما يتعلق بما أوجب الله وبما حرم الله، هكذا يذكر لهم الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ، أو رواها مسلم ، أو رواها أهل السنن، أو غيرهم من أهل الكتب المعتمدة بالأسانيد الصحيحة، هكذا المؤمن إذا وعظ إخوانه، يتحرى الأحاديث الصحيحة، ويتحرى الآيات التي فيها وعظ الناس وتذكيرهم، أما أن ينظر في الأخبار الموضوعة والمكذوبة، التي لا زمام لها ولا خطام، فلا ينبغي ذلك، لا ينبغي أن يتكلم بها، ولا ينبغي أن يعظ الناس بها، بل يجب الحذر منها والابتعاد عنها، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)، في اللفظ الآخر: (وهو يرى) يعني: يعلم أنه كذب، فهو أحد الكاذبين، فلا يجوز للمؤمن أن يحدث بأحاديث يعلم أنها كذب، أو يعتقد أنها كذب، أو يغلب على ظنه أنها كذب، أبداً، بل يجتنبها، إلا إذا أراد التبيين والإيضاح أنها باطلة، إذا حدث بها ليبين بطلانها وأنها مكذوبة فلا بأس، وقال عليه الصلاة والسلام: (من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)، فالأمر خطير وعظيم فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ليس الكذب عليه مثل الكذب على غيره، وإن كان الكذب خبيثاً ومحرماً وممنوعاً لكن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على غيره، ومن أعظم الكبائر، ومن أعظم المعاصي والسيئات، نسأل الله السلامة.

    1.   

    التحذير من الطريقة الختمية

    السؤال: أيضاً نفس الإخوة سماحة الشيخ لهم رسالة أخرى حول هذا المسجد الذي يصلون فيه وهو مسجد العجيلاب حي دار النعيم بور سودان، إخواننا يقولون: أيضاً وقف أمامهم أحد الخطباء، ونصحهم بعدم الاستماع إلى تفسير القرآن، وشرح الأحاديث النبوية، وطلب إليهم الاقتصار إلى كتب الفقه وبالأخص كتاب: الأخضري والعشماوي والعزية أو كذا لما في تلك الكتب من أحكام الطهارة والعبادات؛ ولأنها هي الأصل حسب زعمه، وما سواها فروع، وحضهم على بعض البدع مثل: اللهم صل أفضل صلاة وبالمصطفى والمرتضى أو والمرتضي وابنيهما وفاطمة وبر الصلوات المكتوبة، فهل محق هذا المرشد الديني فيما قال؟ وفي هذا المسجد تمارس كثير من البدع والتوسلات بالرسول صلى الله عليه وسلم وبعض الصالحين، ولا يقدم القائم على هذا المسجد إلا من يعتنق الطريقة الختمية، علماً بأن أتباع هذه الطريقة وغيرها من الطرق الصوفية لا يتعلمون القرآن، ولا يحسنون حتى قراءة سورة الفاتحة. ويستمر على هذا المنوال سماحة الشيخ، ويرجو النصح والإرشاد لو تكرمتم؟

    الجواب: لا ريب أن هذا العمل عمل منكر، ولا ينبغي اتباع الطريقة الختمية؛ لأنه بلغنا عنها أنها تقر دعوة غير الله والشرك بالله سبحانه وتعالى.

    فالواجب اجتنابها والحذر منها ونصيحة المعتنقين لها، بأن يتقوا الله ويعبدوه وحده ويسألوه وحده سبحانه وتعالى، ولا يسألوا سواه، فالله سبحانه هو الذي يدعى ويرجى جل وعلا، وهو القائل سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وهو القائل عز وجل: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106].

    والذي ينبغي للواعظ أن يذكر الناس بالقرآن، والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن يعلمهم إياها، وأن ينصحهم، ويتعلم القرآن وتفسيره، ويتعلم السنة وشروحها المعتمدة؛ حتى يستفيد الناس من كلام ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام.

    أما كتب الفقه الخالية من السنة والأدلة هذا غلط؛ لأنها لا تفيدهم علم، الكتب التي ليس فيها الأدلة عن الله وعن رسوله لا تفيد الناس علماً بل هي كتب تقليد. فالعالم يعلم الناس الكتب التي تنفعهم، يعلم الناس قراءة الكتب التي فيها الفائدة، وأعظم ذلك أن يعلمهم القرآن، وأن يدعوهم إلى العناية بالقرآن الكريم حفظاً وتلاوة وتدبراً وتعقلاً وعملاً، فهو أعظم كتاب وأشرف كتاب.

    فعلى المسلمين أن يتعلقوا به ويتعلموه ويدرسوه ويتلوه حق التلاوة، ويتدبروه ويتعقلوه، كما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، ويقول سبحانه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، ويقول سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، ويقول سبحانه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155].

    فكتاب الله فيه الهدى والنور، جعله الله هدى للناس قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44].

    وهكذا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر القرآن، وتبين معانيه.

    فعلى أهل العلم أن يذكروا الناس بذلك، وأن يحثوهم على التمسك بالقرآن والسنة وبيان معانيهما، والعناية بتفسير القرآن وشروح الحديث المعتمدة التي تفيد الناس وتنفعهم، كفتح الباري وشرح النووي وأشباهها من الكتب وسبل السلام، نيل الأوطار، الكتب المفيدة النافعة للناس، وما في بعضها من أخطاء فطالب العلم ينبه عليه ما في بعض الشروح وبعض التفاسير من الأخطاء، يجب على أهل العلم من أهل السنة وأهل العقائد الطيبة أن ينبهوا عليه عند تلاوة التفسير، وعند تلاوة شروح الحديث ينبهون، الواجب التنبيه على ما قد يقع من أخطاء في التفسير، أو في الأحاديث وشرحها، أو فيما يتعلق بالعقيدة والصفات، العالم ينبه عند تفسير الآية وعند ذكر الحديث الشريف أو شرحه، يبين ما قد يقع فيه الناس من الخطأ.

    أما حث الناس على الكتب الفقهية التي ليس فيها الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا ليس من النصح، بل هذا في الحقيقة من الغش ليس من النصح، وعلى طالب العلم أن ينصح الناس بما ينفعهم على الطريقة التي سلكها أهل السنة والجماعة في بيان معاني كلام الله، ومعاني كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، والنصيحة في ذلك، ويعلمون العامة ما يحتاجون إليه في أمور دينهم. نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم.

    سماحة الشيخ في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك والحمد لله.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    من الإذاعة الخارجية سجلها لكم أخونا: مطر محمد الغامدي. شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.